البيئات العدائية

10 نوفمبر 2007

النـزاع المسلح

النـزاع المسلح هو أحد أكثر البيئات العدائية التي يتم فيها الدفاع عن حقوق الإنسان لأنها تنطوي بصورة شبه دائمة على انتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية، غالباً على نطاق هائل. وسواء أكانت المواجهة بين جيوش محترفة أو جماعات مسلحة، تكون أرواح المدنيين وأرزاقهم الضحية الرئيسية بشكل متزايد.

وفي مثل هذه البيئة تنشأ الحاجة الماسة إلى أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان، برغم أنها تلقى فيها أدنى درجة من الاحترام. وفي أجواء الاستقطاب الحاد، تصبح حيدتهم موضع تساؤل. وفي سياق النـزاع الأهلي أو حرب الاحتلال، يمكن للتنديد بالانتهاكات الحكومية أن يؤدي إلى التشهير بالمدافعين كعديمي الولاء أو كمجردين من الوطنية أو حتى كخونة.

أما انتقادهم للانتهاكات التي ترتكبها الجماعات المسلحة، فيجعل منهم عملاء للحكومة بنظر أولئك الذين يؤيدون قضية الجماعة المسلحة، والذين يعتبرون أن المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظماتهم تعطي الشرعية لأجندة الحكومة. وقد تترتب على التصورات الخاطئة هذه عواقب مميتة : ويمكن أن تؤدي إلى اعتبار المدافعين ومنظماتهم حلفاء للعدو وبالتالي يوصفون "كهدف مشروع" من جانب كلا الطرفين.

وفي أوضاع النـزاع المسلح، يواجه المدافعون أيضاً مشاكل رهيبة ذات طبيعة عملية. فقد يجعل الوضع الأمني من المستحيل التمكُّن من الدخول إلى مناطق معينة للتحقق من صحة الانتهاكات المزعومة، أو قد يُستخدم كذريعة لمنع عمل المنظمات الحقوقية والإنسانية.

ويطرح التحقق من صحة انتهاكات القانون الإنساني الدولي (قوانين النـزاع المسلح) تحديات منهجية إضافية – مثلاً في تقييم قانونية هجوم معين و"ضرورته العسكرية" – يمكن أن يتبين أنها عقبة كأداء في الأوضاع التي تُدمر فيها البنية التحتية، وتكون الموارد شحيحة وتتم إعاقة الوصول إلى الضحايا والمجتمعات المحلية. وقد يفرض قانون الطوارئ قيوداً قانونية على حرية التنقل وحرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير، ويقيد بشدة من قدرة المدافعين على القيام بعملهم.

اتخاذ تدابير أمنية جديدة منذ 11/9

كان للتدابير الأمنية الجديدة التي بدأ العمل بها في شتى أنحاء العالم منذ الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر/أيلول 2001 تأثير على البيئة التي يعمل فيها المدافعون عن حقوق الإنسان. وقد استخدمت حكومات عديدة ما يُسمى "بالحرب على الإرهاب" كمبرر أو ذريعة لتقييد الأنشطة المشروعة للمنظمات العاملة في الدفاع عن حقوق الإنسان.

وفي بعض الدول، كان لقوانين مكافحة الإرهاب التي وُضعت حديثاً تأثير زجري على منظمات حقوق الإنسان التي انتابها القلق من إمكانية إدراج أنشطتها المشروعة في مجال حقوق الإنسان ضمن نطاق النصوص الغامضة والتعميمية لهذه القوانين.

كذلك اضطر العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان إلى النضال ضد خطاب حكومي يعطي أولوية "للأمن" (فُهمت بأنها منع الإرهاب) على حقوق الإنسان، ويرى أن الاثنين متعارضان وليسا هدفين من أهداف السياسة يساندان بعضهما بعضاً.

وفي هذه الظروف، باتت حقوق الإنسان موازية "لمهادنة الإرهاب" أو معنية فقط بحقوق المتهمين بالإرهاب وليس ضحايا الإرهاب. وهكذا وُصف عمل المدافعين عن حقوق الإنسان خطاً بأنه يحابي طرفاً دون آخر أو يبتعد عن الواقع، وبات صنواً للإرهاب أو التخريب بنظر بعض الحكومات.

أنظمة الحكم غير الديمقراطية والتسلطية

تستطيع أنظمة الحكم غير الديمقراطية والتسلطية أن تخلق بيئة عدائية جداً في وجه الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي هذه الدول، غالباً ما يكون المجال المتاح لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان مقيداً بشدة بواسطة قوانين وسياسات تفرض قيوداً قاسية على حرية التعبير وتكوين الجمعيات باسم الأمن القومي أو النظام العام.

"الدول المنهارة"

يمكن "للدول المنهارة" – تلك التي ليس لديها بنية تحتية حكومية صالحة للعمل – أن تمثل تحديات هائلة أمام عمل المدافعين عن حقوق الإنسان. وعندما تغيب كلياً المؤسسات الضرورية لتوفير السلع والخدمات العامة الأساسية، بدءاً من إنفاذ القانون مروراً بالرعاية الصحية وانتهاءً بالتعليم، أو تعتمد على سلطات أمر واقع ضعيفة وانتقالية، ينبغي على المدافعين عن حقوق الإنسان أن يعملوا بصورة خلاقة مع البنى السياسية والاجتماعية الأخرى ومن خلالها من أجل منع الانتهاكات والتعويض عنها وبناء إطار من الضمانات الواقية على المستوى المحلي والمجتمع المحلي.

ويشكل غياب سيادة القانون وسيطرة منطق القوة على الحوار الديمقراطي كوسيلة رئيسية للمنافسة السياسية، عقبات هائلة في وجه عمل المدافعين.