الشركات الكبرى وحقوق الإنسان والفقر

أتاحت العولمة للشركات الكبرى قدْراً غير مسبوق من السلطة والنفوذ. ولكن عندما تنتهك أنشطة الشركات حقوق الإنسان وتدفع الناس أكثر فأكثر نحو الفقر، ليس ثمة وسيلة فعالة لمحاسبتها أو لضمان الإنتصاف لمن تضرروا.

فللشركات تأثير هائل على حقوق الأفراد والمجتمعات. ويمكن لهذا التأثير أن يكون إيجابياً، كأن تخلق لهم فرص العمل وتزيد من عائدات الدولة التي يمكن أن تستخدم لتمويل الخدمات الأساسية، على سبيل المثال. ومع ذلك، فإن الشركات الكبرى تنتهك، في الغالب الأعم، حقوق الإنسان عندما تستغل الأنظمة الوطنية الضعيفة، التي يساء تنفيذها، مع ما يرافق ذلك من غياب للآليات الدولية للمساءلة، بما يؤدي إلى آثار مدمرة على الدول النامية.
Women stand next to an oil wellhead that has been regularly spilling crude oil near the community of Ikot Ada Udo, since 2004, in the Niger Delta, 30 January 2008. The oil industry in the Niger Delta has pushed many deeper into poverty.

وتبرز مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان أكثر ما تبرز بالعلاقة مع الصناعات الاستخراجية. وهذا أمر لا يثير الدهشة، نظراً لتأثير عمليات مثل هذه الصناعات على الأراضي ومصادر المياه. فقد تؤدي أنشطتها إلى إعادة توطين سكان منطقة ما قسراً لإفساح المجال أمام عملياتها الاستخراجية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تدمير أو تهديد مصادر الرزق التقليدية للناس، وحتى حياتهم، عندما تؤدي هذه العمليات إلى تلويث الأراضي ومصادر المياه أو إلى استنـزافها.

ويمكن أن يؤدي وصول الشركات ذات الموارد الجيدة الساعية إلى كسب ود المجتمعات المحلية إلى زيادة العنف والصراع الاجتماعي جراء إقصاء بعض الناس من منافع التنمية الاقتصادية. ويمكن أن يفاقم غياب الشفافية في طرق تخصيص العطاءات والعائدات إلى مفاقمة هذه النـزاعات.

وكثيراً ما تحُرم المجتمعات المتضررة من الحصول على المعلومات المتعلقة بالآثار المترتبة على أنشطة الشركات وتُقصى عن المشاركة في القرارات التي تؤثر على مصيرها، ما يزيد من حرمانها ومن انعدام الأمان فيها.

وعندما تقع الانتهاكات فعلاً، تضاعف الحيلولة دون انتصاف المجتمعات المحلية وعدم قدرة الحكومات على مساءلة الشركات، أو عدم رغبتها في ذلك، من الويلات التي تلحق بالمتضررين. وتكون النتيجة استمرار الانتهاكات، بما يؤدي إلى تجذير الحلقة المفرغة التي تديم الفقر.

وباسم الجدوى الاقتصادية، أقدمت الدول على تخصيص العديد من الخدمات العامة، بما في ذلك خدمات حاسمة لإعمال حقوق الإنسان، كالحق في التعليم وفي الصحة وفي الماء. وفضلاً عن ذلك، غالباً ما لا تستطيع الدول ضمان أن تقدم الشركات هذه الخدمات دون تمييز.

إن عقود الخدمة العامة لا يمكن أن تكون سبيلاً إلى تخلي الدول عن عقودها التي تلزمها بواجباتها حيال حقوق الإنسان. وعليها أن تكفل ممارسة جميع الشركات أنشطتها ضمن مقتضيات قانون حقوق الإنسان. لقد وسَّعت العولمة من النطاق الذي تستطيع الشركات الكبرى مد ذراعها عبره لتجتاز حدود الدول. بيد أن عملية التنظيم لعمل هذه الشركات لم تواكب هذا التوسع الكاسح. ويتعين، على وجه السرعة، فرض نظام يضبط أنشطتها، ويكفل لمن يتضررون الانتصاف، ويحول دون الويلات الناجمة عن لهاث هذه الشركات وراء الربح على حساب حقوق الإنسان.