التمييز

التمييز اعتداء على فكرة حقوق الإنسان نفسها. فهو يحرم أشخاصاً بعينهم أو جماعات بعينها من التمتع الكامل بحقوق الإنسان بسبب هويتهم أو ما يعتنقون من معتقدات. حيث يغدو من السهل حرمان الأشخاص من حقوقهم الإنسانية إذا ما نُظر إليهم على أنهم كائنات  "أدنى من الإنسان".

إن هذا  هو السبب الكامن وراء إقامة القانون الدولي على مبدأ عدم التمييز. فمن صاغوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أعلنوا صراحة أنهم يعتبرون عدم التمييز الأساس الذي يقوم عليه الإعلان.

ومع ذلك، فإن التمييز القائم على عوامل من قبيل العرق أو الأصل الإثني أو القومي أو الطبقة الاجتماعية أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو الميول الجنسية أونوع الجنس أو السن أو الوضع الصحي – أو جملة من هذه العوامل – لا يزال يتجلى في أشكال عديدة في كل بلد من بلدان العالم.

هم ونحن: مكافحة التمييز

بينما يمكن أن يتباين الجناة وتختلف الأماكن، يظل الجهل والتحامل داخل المجتمع، والتمييز والقمع الرسمي، والإفلات من العقاب الذي يتمتع بها المسؤولون عن كل هذا، في جوهر جميع أشكال التمييز. فبعض الحكومات تبرر بعض أشكال التمييز صراحة باسم الأخلاق والدين أو الإيديولوجية.

والتمييز المكرَّس في القانون – ومن ذلك مثلاً عندما يُقيد القانون الحريات الأساسية للمرأة أو يرفض الاعتراف بحقوق السكان الأصليين – يجرد الناس في نهاية الأمر من حقوقهم الإنسانية.

وكثيراً ما يُسهِّل التقاعس الرسمي التجليات العنيفة للتحامل. والتمييز يعني أن تُحرم مجموعات أو فئات بعينها من المساواة في التمتع بالحماية من جانب القانون ضد العنف الذي تتعرض له، ومن ذلك الاعتداءات العنصرية، والعنف العائلي، والاعتداءات التي تستهدف الأشخاص بسبب دينهم أو ميولهم الجنسية، الفعلي منها أو المُتصوَّر.

ويمكن للتمييز في إنفاذ القانون أن يعني النظر إلى أفراد جماعات بعينها من جانب السلطات على أنهم "مجرمون محتملون"، وبذا فمن المرحج أن يكونوا أكثر عرضة للاعتقال أو السجن. كما يمكن أن يعاني هؤلاء بصورة أكبر احتمال التعرض للمعاملة الأشد قسوة، ما إن يقعوا في براثن نظام القضاء الجنائي، وربما يبلغ ذلك مرتبة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.

وقد تؤثر هوية الفرد أو وضعه أيضاً على طبيعة سوء المعاملة التي يتعرض لها وما يترتب على ذلك من نتائج – وعلى سبيل المثل، تتعرض النساء المتحولات عن الجنس الآخر اللاتي يُسجنَّ مع السجناء الذكور لخطر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نحو خاص.
ويواجه العديد من الأفراد التمييز استناداً إلى أكثر من عنصر واحد من عناصر هويتهم – ومن ذلك، مثلاً، ما تواجهه نساء السكان الأصليين من تمييز ليس فحسب بسبب كونهن نساء، وإنما أيضاً بسبب كونهن من السكان الأصليين. ومثل هذه العوامل المتعددة تتفاعل ليتنوع بناء عليها ما يمر به الأفراد من تجارب في مجال التمييز.

جرح الكرامة

هناك العديد من القوانين والممارسات التي تقيِّد الحريات الأساسية للمرأة – بما فيها حرية الحركة وحرية التعبير.

فمنذ مطلع طفولتهن، تواجه البنات معاملة أسوأ من تلك التي يواجهها الصبيان في صيغ من قبيل سوء التعذية الانتقائي والحرمان من المساواة في فرص التعليم والرعاية الصحية. وتواجه النساء اللاتي لا يتزوجن العديد من العقبات في الحصول، على سبيل المثل، على المسكن والقروض؛ ولكن يمكن للنساء المتزوجات أو الأرامل أن يُعاملن أيضاً كقاصرات أمام القانون.

ويُستخدم العنف كأداة لترهيب النساء في المنـزل وفي العمل وفي الحجز وفي النـزاعات المسلحة، حيث يتصل العنف بصورة وثيقة بالوضع الأدنى للمرأة في السُلَّم الاجتماعي وبالقيود المفروضة على استقلالها الذاتي. ويقترف الموظفون الرسميون العنف في بعض الأحيان. وكثيراً ما يتواطؤون بشأن العنف مع آخرين من قبيل أصحاب الأعمال أو السلطات الدينية أو العرفية أو أفراد العائلة.

ولا تزال العشرات من الدول تطبق قوانين تجرِّم المثلية الجنسية. ومثل هذه القوانين المميِّزة لا تحرم قطاعاً من السكان فحسب من حقوقه الإنسانية، وإنما يمكن أن تلعب أيضاً دور الرخصة لتعذيب من يعتقلون من هؤلاء أو إساءة معاملتهم.

فبإسباغها السمة المؤسسية على مثل هذا التمييز، يمكن لمثل هذه القوانين أن تقوم بدور المحرِّض الرسمي على العنف ضد السحاقيات أو اللوطيين أو ذوي الميول الجنسية الثنائية أو المتحولين إلى الجنس الآخر في المجتمع ككل.

بيد أن مثل بواعث القلق هذه لا تقتصر على البلدان التي تحظر المثلية الجنسية في القانون. فالتحامل المؤسسي يعني إمكان استهداف السحاقيات وذوي الميول الجنسية الثنائية واللوطيين والمتحولين إلى الجنس الآخر بالإساءة إذا ما دخلوا في احتكاك مع القانون لأسباب أخرى لا علاقة لها بميولهم.

أما الأفعال القائمة على التفرقة العنصرية فتقع كل يوم في كل إقليم من أقاليم العالم. وبحسب أبحاث منظمة العفو الدولية، فإن العديد من ضحايا وحشية الشرطة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إن لم يكن معظمهم، هم من السود أو من أفراد الأقليات العرقية الأخرى. إن على الدول واجباً بأن تمنع ممارسة العنف العنصري من جانب الجميع، وليس فقط من جانب موظفيها الرسميين.

ومع ذلك، تؤجج أشكال مواجهة موجات الهجرة القائمة بصورة متزايدة على رهاب الأجانب، والتمييز ضمن نظام القضاء الجنائي، وأطراف النـزاعات المسلحة، في العديد من البلدان، نزعة إساءة المعاملة القائمة على العنصرية.

بينما لا يزال العنف ضد السكان الأصليين، ولا سيما في سياق النـزاعات بشأن حقوق ملكية الأراضي، من الموروثات الراسخة لقرون من الاضطهاد. فثمة عدم تناسب صارخ في معدلات الفقر المدقع لدى السكان الأصليين، سواء في البلدان المتطورة أو النامية.

ولهذا الفقر المتفشي جذوره العميقة في التاريخ الاستعماري وفي التمييز المنهجي المتواصل وعدم الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية للسكان الأصليين، بما في ذلك عبر نزع ملكيتهم لأراضي أجدادهم، وفقدانهم السيطرة على مواردهم الطبيعية ومعارفهم وثقافاتهم الأصلية، واستيعابهم القسري ضمن التيار العام للمجتمع وإدماجهم في اقتصاد السوق.

حقائق مهمة  

يكفل القانون الدولي الحقوق الإنسانية للجميع دونما تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو المولد أو غير ذلك من أوضاع.

وقد أكدت هيئات الخبراء التابعة للأمم المتحدة على أن هذه المبدأ يتضمن التمييز على أساس الميول الجنسية.

والفكر الذي يقف وراء هذا المبدأ هو أن من شأن حرمان الشخص من حقه بسبب صفة موجودة فيه لا يستطيع تغييرها – مثلها مثل وجه الشخص أو أصله الإثني – أو بسبب صفة تلعب دوراً مركزياً في وجوده بما يستدعي عدم إجباره على تغييرها، مثل العقيدة الدينية، أن يمثل انتهاكاً للمبادئ الدولية لحقوق الإنسان.

إن على الحكومات واجب اتخاذ التدابير الأساسية اللازمة لضمان حق الجميع في الحرية من التمييز. فينبغي عليها إلغاء التشريعات المميِّزة التي تيسِّر انتهاكات حقوق الإنسان وتحرم البشر من المساواة أمام العدالة. ويتعين عليها توفير الحماية الفعالة من العنف في المجتمع الكبير. كما ينبغي أن تتصدى قوانين الدولة ومؤسساتها للأسباب الجذرية التي تقف وراء التمييز عوضاً عن إعادة إنتاجها أو توظيفها لخدمة الأغراض السياسية.

التمييز المباشر هو معاملة شخص أو مجموعة من الأشخاص على أنهم أقل حظاً أو بصورة تلحق بهم الأذى استناداً إلى صفة أو سمة محظورة لديهم من قبيل عرقهم أو نوعهم الاجتماعي.

أما التمييز غير المباشر فيقع عندما تبدو ممارسة أو قاعدة أو متطلب أو شرط ما محايدة، ولكن نتائجها تؤثر على أفراد أو جماعات بعينها بصورة غير متناسبة، ما لم يكن لهذه الممارسة أو القاعدة أو المتطلب أو الشرط ما يبررها. ويتوجب على الحكومات أن تأخذ في الحسبان الفوارق ذات الصلة بين الجماعات حتى تحول دون التمييز غير المباشر.

ما تفعله منظمة العفو الدولية    

تقوم منظمة العفو الدولية بحملة من أجل وقف العنف ضد المرأة. وقد ولَّد تقريرنا للعام 2007 بشأن تقاعس حكومة الولايات المتحدة عن حماية نساء السكان الأصليين من العنف الجنسي عدة جلسات استماع حكومية، وأدى إلى جمع الأموال لإنقاذ ملجأ للناجيات من العنف الجنسي، وكفل للمدافعين عن حقوق نساء السكان الأصليين التمثيل في وسائل إعلام الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي 2006، تكفَّل تقرير منظمة العفو الدولية المعنون: رجم على الحائط – الاحترام ما زال مطلوباً. انتهاكات الشرطة وسوء سلوكها ضد السحاقيات واللوطيين وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر في الولايات المتحة الأمريكية، بتوثيق العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يصل أحياناً إلى مرتبة التعذيب وسوء المعاملة، التي ما زال أفراد هذه الفئة يواجهونها في الولايات المتحدة الأمريكية، رغم عقود من الحملات من أجل حقوق الإنسان.

وعملت منظمة العفو الدولية مع السكان الأصليين ومع منظمات غير حكومية من أجل تبني الجمعية العامة إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية. وتم إقرار الإعلان واعتماده في نهاية الأمر في سبتمبر/أيلول 2007 بعد ما يربو على عشرين سنة من العمل في سبيل اعتماده.