وثيقة - مقالة رأي- بقلم آيرين خان، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
مقالة رأي- بقلم آيرين خان، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
رقم الوثيقة: ACT 30/026-2008
بتاريخ: 1ديسمبر/كانون الأول 2008
ها هم الإرهابيون يركبون موجة هائجة من عمليات القتل الخرقاء في مدينة مومباي؛ واللاجئون المنهكون والمرعوبون يتدفقون إلى أوغندا فراراً من القتال في شرق الكونغو. ويُعدم عشرة أشخاص في إيران؛ ويتم تهجير ثلاثمائة ألف شخص من المدنيين في شمال سري لنكا. ويلقي تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي ظلالاً سوداء على الأوضاع في سائر أنحاء العالم، وهي ظروف لا يشكل فيها الاحتفال بالذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان لحظة سعادة خاصة.
فالاحتفالات بالذكرى السنوية عموماً تُعتبر أوقاتاً للتأمل والمراجعة. صحيح أن العديد من جوانب أوضاع حقوق الإنسان اليوم قد تحسنت بشكل كبير مقارنةً بما كانت عليه في عام 1948، فلم تعد المساواة بين الرجل والمرأة وحقوق الأطفال وحرية الصحافة والأنظمة القضائية العادلة مفاهيم تختلف بشأنها الآراء، وإنما باتت معايير مقبولة إلى حد أن بلداناً عديدة قد حققتها، وأن بلداناً أخرى تطمح إلى تحقيقها. ولكن الصحيح أيضاً هو أن الظلم والإفلات من العقاب وانعدام المساواة لا تزال تمثل علامات بارزة في وقتنا هذا.
وإذا كان هناك من درس واحد يمكن تعلمه من أحداث مومباي، فهو أن حرياتنا تظل ثمنية ومهددة وبحاجة إلى يقظة وحماية دائمتين. وعلى كاهل الحكومات يقع واجب حماية الناس من الإرهاب، وستتعرض الحكومات للضغط من أجل تشديد قبضة الأمن- كما حصل في أعقاب هجمات 11سبتمبر/أيلول. ولكنها، في تلك السيرورة، يجب ألا تكرر الأخطاء التي اقتُرفت في الحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة. إذ أن اعتقال الأشخاص إلى أجل غير مسمى، واحتجازهم في برزخ قانوني في سجون مثل غوانتنامو، والتغاضي عن التعذيب أو مممارسته، وإضعاف العملية الواجبة وحكم القانون ليست طريقاً للمضي قدماً. فالمجتمعات الحرة تتعرض لهجمات الإرهابيين بالضبط لكونها حرة. وإن تعريض حرياتنا للتآكل باسم الأمن يعني تسليم راية النصر إلى الإرهابيين.
ومع ذلك، لا يكفي أن نتمتع بحقوقنا نحن فحسب، بل ينبغي أن نوسع نطاق فوائد حقوق الإنسان لتشمل جميع المحرومين منها، والذين يتعرضون للتمييز والإقصاء. وقد أظهرت الأزمة المالية العالمية الخطأ الفادح الذي يمثله افتراض أن النمو بلا قيود من شأنه أن يحمل جميع السفن. فقد أصبح المد بمثابة إعصار تسونامي آخر، لم يبتلع المؤسسات المالية الكبرى فحسب، وإنما بيوت وآمال العديد من الفقراء في شتى أنحاء العالم. ويجري دفع ملايين البشر إلى الوقوع في براثن الفقر، حتى مع استثمار بلايين الدولارات لإقراض المؤسسات نفسها التي أوصلتنا إلى الوضع الذي نحن فيه.
إن الدول الأكثر غنى تمتلك موارد، وقد أنشأت شبكات أمان لمساعدة أولئك الذين تخلِّفهم الأزمة التي تضرب بلدانهم. ويتعين على الفقراء في الاقتصادات الفقيرة والناشئة أن يعتمدوا على أنفسهم. وإن أولئك الذين يتمتعون بهامش أقل في عملية البقاء سيدفعون الثمن الأكبر لجشع المصرفيين في "وول ستريت" ومدينة لندن. أما النساء اللاتي يعملن في مصنع الألبسة في مدينة هو شي منه في فييتنام، وعمال المناجم الذين يستخرجون المعادن من نهر مانو في غرب أفريقيا، والعمال في المناطق الصناعية في دلتا نهر بيرل في الصين، ومأمورو مقاسم الهاتف في مكتب غورغون بالهند يتحملون العبء الأكبر للهبوط الاقتصادي. وإذا اضطر تناقص الدفعات المالية والمساعدات الدولية الحكومات إلى إجراء تخفيضات في البرامج الاجتماعية ومشاريع القضاء على الفقر، فإن العواقب يمكن أن تكون كارثية.
وبلغة اقتصادية نقول إنه يتم شطب النمو. أما بلغة حقوق الإنسان فنقول إن الحقوق في الحصول على الغذاء والتعليم والسكن والعمل اللائق والرعاية الصحية تتعرض للاعتداء. إننا نواجه تحدياً مزدوجاً: الوفاء بحقوق الإنسان من أجل القضاء على الفقر، والمحافظة على حقوق الإنسان في وجه الإرهاب.
إن حقوق الإنسان تتسم بالشمولية- فجميع الناس وُلدوا أحراراً ومتساوين في الحقوق والكرامة. وحقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة- فجميع الحقوق – سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو مدنية أو سياسية أو ثقافية- تكتسي أهمية متساوية. وليس ثمة تراتبية في الحقوق؛ إذ أن حرية الكلام أساسية شأنها شأن الحق في التعليم، والحق في الرعاية الصحية ثمين كالحق في المحاكمة العادلة.
كما أن الصفائح التكتونية للقوة العالمية في حالة تحول، وقد أدرك زعماء العالم أن عليهم العمل معاً إذا أرادوا التصدي لهذه الدوامة الاقتصادية. وما الدعوة التي وجهتها الإدارة الأمريكية مؤخراً إلى زعماء عشرين دولة تقود اقتصاد العالم- ومن بينها الصين والمملكة العربية السعودية والهند والبرازيل- من أجل التخطيط لرد عالمي على الأزمة الاقتصادية، إلا علامة ملموسة على أن الاتجاه الجديد يجب أن يكون شاملاً.
والشمول لا يعني وضع مزيد من المقاعد حول الطاولة الحالية فحسب، وإنما يعني الانضمام إلى القيم العالمية. ويتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منطومة القيم هذه.
في عام 1948، وفي مواجهة التحديات الهائلة، لجأ زعماء العالم إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كتأكيد على إنسانيتهم المشتركة، وكمخطط لأمنهم الجماعي. واليوم يتعين على زعماء العالم أن يفعلوا الشيء نفسه.
انتهى/