وثيقة - السودان: يجب على الاتحاد الأفريقي إظهار التزامه بمعالجة ظاهرة الإفلات من العقاب في دارفور
رقم الوثيقة: AFR 54/036/2008
18أغسطس/آب 2008
السودان: يجب على الاتحاد الأفريقي إظهار التزامه
بمعالجة ظاهرة الإفلات من العقاب في دارفور
تساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق بالغ بشأن طلب الاتحاد الأفريقي من مجلس الأمن الدولي مؤخراً تأجيل التحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور ومقاضاة مرتكبيها من جانب المحكمة الجنائية الدولية.
فإثر إعلان مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في 14يوليو/تموز 2008اعتزامه السعي إلى استصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، أصدر الاجتماع 142لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، المنعقد في 21 يوليو/تموز 2008، بياناً يدعو مجلس الأمن إلى تأجيل مباشرة التحقيق وإجراءات المقاضاة وفقاً للمادة 16من قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وجاءت الدعوة إلى التأجيل على أساس "عدم عرقلة الجهود السلمية الجارية حالياً"، واستناداً إلى أن "إجراء مقاضاة في الظروف الراهنة قد لا يكون في مصلحة الضحايا والعدالة".
وبحسب عدة تقارير إعلامية، فقد قال رئيس جمعية الاتحاد الأفريقبي إنه "ثمة مخاطرة بتفشي حالة من الفوضى على نحو لم نشهده في هذه القارة" إذا لم يتم تأجيل التحقيق والمقاضاة بشأن ما ارتكب من جرائم في دارفور. بيد أن هذه الأقوال تتجاهل الدور التكميلي الذي يمكن أن تلعبه العدالة في تحقيق سلم طويل الأجل وذي مغزى عن طريق توطيد حالة من الردع الفعال لمن يمكن أن يرتكبوا جرائم في المستقبل، ومن خلال إنفاذ حقوق الضحايا في العدالة والحقيقة والتعويض.
وعلى الرغم من حقيقة أن غرفة ما قبل المحاكمة لم تتدارس بعد طلب المدعي العام، فإن الاتحاد الأفريقي قد عمل على الحصول على التأجيل. ومما يثير القلق، لجوء دول الاتحاد الأفريقي حتى إلى التهديد بعدم دعم التجديد لبعثة الأمم المتحدة - الاتحاد الأفريقي المشتركة في دارفور (يوناميد) ضمن جهودها لتقويض العمل المهم للمحكمة الجنائية الدولية. وقد فشلت هذه الجهود وتم التمديد لبعثة يوناميد في 31يوليو/تموز، بيد أن ذلك تم ضمن صياغة تشير إلى أن مجلس الأمن سوف يعود إلى مسألة التأجيل بموجب المادة 16خلال فترة وجيزة.
وإذا ما نجحت دول الاتحاد الأفريقي في جهودها، بما فيها الدول الأطراف منها في قانون روما الأساسي التي التزمت بدعم عمل المحكمة الجنائية الدولية، فإن من شأن هذا أن يبعث برسالة واضحة إلى من يخططون لهذه الجرائم وينفذونها في دارفور بأنهم يستطيعون مواصلة ما يقومون به مطلقي اليدين ودون أن يحاسبهم أحد. ومنظمة العفو الدولية لا ترى أن هذا "في مصلحة الضحايا والعدالة". وفضلاً عن ذلك، فمن شأن هذا أن يترك آثاراً يحتمل أن تكون مدمرة على المحكمة ويهدد بأن تصبح هذه سابقة لكل حالة يقوم المدعي العام بالتحقيق بشأنها. كما يمكن أن تترك مجلس الأمن مكشوفاً للابتزاز الدائم من جانب حكومة السودان، التي يمكن أن تلجأ إلى التهديد باتخاذ طيف واسع من التدابير المضادة، بما في ذلك استئناف الأعمال العدائية، إذا ما قرر المجلس إنهاء فترة التأجيل واستأنفت المحكمة نظر طلب إصدار مذكرة التوقيف.
إن منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق من أن موقف الاتحاد الأفريقي حيال طلب المدعي العام إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير يتعارض بصورة حادة مع أهداف المنظمة ومبادئها هي نفسها بمقتضى القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي الرامية إلى وضع حد لإفلات مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب، وإلى اتخاذ تدابير فعالة وملموسة لاحترام حكم القانون وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والمساءلة. وثمة تباين وعدم اتساق صارخان بين المبادئ والأهداف التي يكرسها القانون التأسيسي وبين مواصلة المنظمة الإصرار على تأجيل التحقيق وإجراءات المقاضاة من جانب المحكمة الجنائية الدولية.
فمن بين أهداف الاتحاد الأفريقي التي كرستها المادة 3من القانون التأسيسي "تعزيز حقوق الإنسان والشعوب وحمايتها، وترسيخ المؤسسات والثقافة الديمقراطية، وضمان الحكم الصالح وحكم القانون". كما يجعل القانون التأسيسي من احترام حرمة الحياة البشرية وإدانة الإفلات من العقاب ورفضه أحد مبادئه التشغيلية. وبالمثل، فقد دعمت الدول الأفريقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وصادقت أغلبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي على قانون روما الأساسي، كما إن المؤسسة التابعة للاتحاد الأفريقي نفسه، أي اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب (اللجنة الأفريقية) قد دعت الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء فيه إلى تقديم الدعم الكامل لعمل المحكمة الجنائية الدولية. وفي دورتها العادية التي عقدت في 1998في بانجول، بغامبيا، طلبت اللجنة الأفريقية من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، بين جملة أمور، "التصديق على قانون روما الأساسي واتخاذ جميع الخطوات التشريعية والإدارية الضرورية لمواءمة القوانين والسياسات الوطنية مع أحكام القانون الأساسي".
إن منظمة العفو الدولية تشعر بقلق جدي من أن الاتحاد الأفريقي لم يُبدِ الإرادة السياسية الكافية لتأييدأهدافه ومبادئه المؤسسية بالعمل نتيجة مواصلته رفض دعم الجهود الدولية الرامية إلى التحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور ومقاضاة مرتكبيها. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن امتناع الاتحاد الأفريقي عن دعم مبادرة المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور يبعث برسالة مفادها أن المنظمة لا تستطيع إنفاذ مبادئها والتزاماتها هي نفسها، بما فيها تلك التي يتضمنها القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
زد على ذلك، فإن إصرار الاتحاد الأفريقي على التأجيل بمقتضى المادة 16من قانون روما الأساسي يملك القدرة على اعتراض سبيل تحقيق العدالة لضحايا الجرائم الدولية التي ارتكبت في دارفور، ويمكن أن يعرِّض للخطر إقامة سلم دائم في الإقليم على أساس حكم القانون واحترام حقوق الإنسان. وترى منظمة العفو الدولية أن محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان عمَّ اقترفته أيديهم أمر ضروري ليس فحسب لتلبية حاجات الضحايا، وإنما أيضاً لإعادة إرساء حكم القانون وردع الانتهاكات المقبلة.
وتعتقد منظمة العفو الدولية أيضاً أن عمل المحكمة الجنائية الدولية يوفر لجمعية رؤساء الاتحاد الأفريقي فرصة نادرة لإظهار التزامها بالتصدي للحصانة من العقاب على الجرائم الخطيرة بمقتضى القانون الدولي، ولإعادة بناء الثقة في مصداقية المنظمة بصفتها منظمة ملتزمة بحماية حقوق الإنسان وليس بتوفير الحصانة لرؤساء الدول فرادى. وليس ثمة سبيل لكي تظهر الحكومات الأفريقية أن الاتحاد الأفريقي قادر على أن يحدث تغييراً حقيقياً في واقع الحقوق الإنسانية للأطفال والرجال والنساء الأفارقة إلا بالتصدي الفعال والحاسم للإفلات من العقاب في دارفور.
إن من الأهمية بمكان لجمعية رؤساء الاتحاد الأفريقي تبيان إرادة سياسية صلبة وإظهار أنها قادرة على إنفاذ أهدافها ومبادئها هي نفسها على نحو مبدئي وثابت، وذلك بإعلان دعمها العلني لمبادرة المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور وتبني هذه المبادرة، وبالعمل من أجل التنفيذ الفعال لحصيلة الإجراءات التي تتخذها المحكمة.