وثيقة - ??????? ???????:???? ???????- ???? ??????
المملكة المتحدة:حقوق الإنسان- نكـث الوعود
ينبغي أن يكون للمواطنين حقوق دستورية لإنفاذ حقوقهم في محاكم المملكة المتحدة. وسنقوم عن طريق القانون الأساسي بتضمين قانون المملكة المتحدة أحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حتى نجلب هذه الحقوق إلى الوطن ونتيح لأبناء شعبنا التمتع بها في محاكمهم الوطنية. وسيشكل تضمين القانون الاتفاقيةَ الأوروبية الأرضية، لا السقف، لحقوق الإنسان. [التشديد مضاف من جانبنا]
البيان الانتخابي العام لحزب العمال للعام 1997
إذا ما ظهرت عقبات قانونية، سنقوم بسن تشريعات جديدة، بما في ذلك، وعند الضرورة، تعديل قانون حقوق الإنسان بالعلاقة مع تأويل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
رئيس الوزراء توني بلير، 5أغسطس/آب 2005
1. مقـدمة
تمخضت الانتخابات العامة التي جرت في العام 1997عن عودة الإدارة العمالية إلى السلطة بعد 18عاماً من حكم المحافظين. وقد بادرت الحكومة العمالية برئاسة توني بلير، وبَّراً بوعدها الانتخابي الذي قطعته في العام 1997، بادرت إلى نشر كتاب أبيض بعنوان "جلب الحقوق إلى الوطن"، تضمَّن إيذاناً بسن قانون حقوق الإنسان للعام 1998، ذي الأهمية البالغة، والذي أصبحت بموجبه معظم الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (الاتفاقية الأوروبية) نافذة في القوانين الوطنية. وعوضاً عن تضمين القانون الوطني أحكام الاتفاقية الأوروبية، فإن قانون حقوق الإنسان يكرِّس في التشريع الأساسي، على الصعيد المحلي، حقوقاً إنسانية "جرى التعبير عنها بعبارات مماثلة" لما يقابلها في الاتفاقية.
وقد أشادت منظمة العفو الدولية بسلطات المملكة المتحدة على سن قانون حقوق الإنسان كخطوة أولية على طريق تعميق ثقافة حقوق الإنسان.
بيد أن اتجاه تآكل حقوق الإنسان بسبب سياسات مكافحة الإرهاب التي تنتهجها الحكومة - وهو اتجاه تطور على مدى عقود من الصراع في أيرلندا الشمالية- قد اكتسب زخماً متجدداً بفعل الإجراءات التي اتخذتها المملكة المتحدة رداً على هجمات 11سبتمبر/ أيلول 2001في الولايات المتحدة.
وفي أغسطس/ آب 2005، حذَّر رئيس الوزراء توني بلير، في أعقاب تفجيرات يوليو/ تموز التي وقعت في لندن،
قائلاً: "لقد تغيرت قواعد اللعبة، ولا يشكنَّ أحد في ذلك"، عندما تحدث عن حزمة من التدابير التي وُصفت بأنها تهدف إلى مكافحة الإرهاب، والتي تشكل تهديداً لحقوق الإنسان واستقلال القضاء وحكم القانون. وفي الحقيقة، بدأت الحكومة بتغيير تلك القواعد قبل ذلك الوقت بكثير.
فمنذ 11سبتمبر/ أيلول 2001، سنَّت سلطات المملكة المتحدة مجموعة من القوانين الجديدة، مع أنه كان لديها بعض أكثر قوانين" مكافحة الإرهاب" في أوروبا صرامةً. وتتضمن هذه القوانين الجديدة أحكاماً كاسحة تناقض قانون حقوق الإنسان، وأدى تنفيذها إلى ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
إن الأشخاص المتهمين بالتورط في الإرهاب، ممن اعُتقلوا في المملكة المتحدة بموجب القوانين الجديدة، وجدوا أنفسهم في عالم كافكا الغرائبي. فهم محتجزون منذ سنوات في ظروف قاسية استناداً إلى اتهامات سرية لا يُسمح لهم بمعرفتها، وبالتالي لا يستطيعون دحضها. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن سلطات المملكة المتحدة قد اضطهدت فعلياً الأشخاص الذين صنَّفتهم على أنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم"، وأنهم يشكلون "تهديداً للأمن القومي"، وهو ما ينطوي على عواقب مدمرة على هؤلاء الرجال وعائلاتهم.
وعقب أحداث 7و21يوليو/ تموز 2005التي وقعت في لندن، اقتُرح المزيد من التدابير القاسية، وبينها مشروع "قانون الإرهاب" المطروح حالياً على البرلمان. إن من شأن بعض الأحكام الأكثر عمومية وغموضاً في هذا القانون، في حال إقراره، أن تؤدي إلى تعريض الحق في حرية التعبير والتجمع وفي الحريات العامة والمحاكمة العادلة للخطر.
وتتضمن العديد من التدابير التي اتُخذت منذ سبتمبر/أيلول 2001معاقبة أشخاص لا تتوافر ضدهم أدلة كافية لتقديمهم إلى المحكمة، ولكن السلطات قررت أنهم تهديد للأمن القومي. ومثل هذه التدابير تشكل خروجاً على قانون حقوق الإنسان، الذي يتطلب أن لا يُعاقب الأشخاص إلا أذا وُجهت إليهم تهم جنائية معترف بها، وحوكموا من خلال إجراءات قانونية نزيهة وشفافة.
وأحد المبادئ الأساسية للقانون الجنائي هو ضرورة أن تكون الجرائم واضحة بحيث يعرف كل شخص أي أنواع السلوك يمكن أن يمثل جريمة. وقد تضمن تشريع مكافحة الإرهاب، الذي أُقر منذ العام 2000، عدداً متزايداً من العبارات الفضفاضة والغامضة، بما في ذلك تعريف الحكومة لـ"الإرهاب" نفسه.
إن نظاماً للقضاء الجنائي ينطوي على ملامح من هذا القبيل لا يمكن أن يكون نزيهاً أو عادلاً أو شرعياً – وسرعان ما يؤدي إلى فقدان الثقة العامة به.
وما انفكت منظمة العفو الدولية، منذ سنوات عدة، تعرب عن قلقها من أن حكومة المملكة المتحدة قد حاولت بنجاح سن قوانين تقيِّد السلطات القضائية. وكان ذلك واضحاً في قانون مكافحة الإرهاب، وفي التقرير بشأن طلبات اللجوء، وفي القانون الذي ينظِّم نطاق اختصاص وصلاحيات لجان التحقيق القضائية التي تضطلع بمهمة ضمان المساءلة العامة والتدقيق في إجراءات السلطات التنفيذية والإدارية.
وقد أدت القوانين في هذه المجالات إلى تعريض دور القضاة في احترام حكم القانون وحقوق الإنسان للجميع للخطر، وذلك بتقويض الفصل السليم بين السلطتين القضائية والتنفيذية في المملكة المتحدة.
ومما يُنذر بالسوء أنه منذ تفجيرات يوليو/ تموز في لندن، أدلى مسؤولون حكوميون كبار، بمن فيهم رئيس الوزراء، بتصريحات توعدوا فيها بأنه إذا لم تراعِ المحاكم السياسات المعلنة للحكومة، فإنها ستقوم بتعديل قانون حقوق الإنسان.
وعلى الصعيد الدولي، تُحدث الإجراءات والسياسات التي تتخذها المملكة المتحدة تأثيراً ضاراً مشابهاً، ولا سيما في تقويض حظر التعذيب داخل البلاد وخارجها على السواء، وفي السعي إلى الحد من إمكانية تطبيق قانون حقوق الإنسان. وقد حاولت المملكة المتحدة التراجع عن الحظر القانوني، في الإجراءات القضائية، المفروض على قبول "الأدلة" التي يتم الحصول عليها تحت التعذيب أو إساءة المعاملة. كما أن الحكومة تعمل على تآكل الحظر الدولي للتعذيب وإساءة المعاملة عن طريق توقيع مذكرات تفاهم مع بلدان معروفة بسجلها في مجال الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ومنها التعذيب والحرمان الفظيع من العدالة. ومن خلال مذكرات التفاهم هذه، تسعى الحكومة إلى الحصول على "تأكيدات دبلوماسية" بأن المواطنين الأجانب المتهمين بارتكاب أنشطة إرهابية لن يتعرضوا لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ومنها التعذيب وسوء المعاملة، عندما يتم ترحليهم من المملكة المتحدة إليها. إن هذه التأكيدات غير قابلة للتنفيذ وتلحق ضرراً خطيراً بمبدأ حظر التعذيب.
وشجب مسؤولون حكوميون كبار في المملكة المتحدة، بمن فيهم رئيس الوزراء، وبصورة علنية، جميع أفعال إساءة المعاملة والأفعال الوحشية، وقطعوا عهداً بالتعامل بجدية بالغة مع أي مزاعم بشأن ارتكاب إساءات على أيدي أفراد القوات المسلحة التابعة للمملكة المتحدة في الخارج. وقد وُجهت إلى العديد من أفراد القوات المسلحة البريطانية من جانب العراقيين تهم تتعلق بمزاعم ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. بيد أن المنظمة لا تزال تشعر بالقلق بشأن كفاية المسؤولية التي يتحملها أفراد القوات المسلحة البريطانية ووكلاء المملكة المتحدة عن أفعالهم في الخارج، ومدى مساءلتهم عنها. وما فتئت المنظمة تدعو إلى إجراء تحقيقات بإشراف مدني في المزاعم الخطيرة المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، فضلاً عن زيادة الفرص للجوء ضحايا هذه الانتهاكات إلى القانون.
وبالإضافة إلى ذلك، يساور منظمة العفو الدولية قلق عميق من أن حكومة المملكة المتحدة قد سعت إلى التحايل على واجباتها بموجب القوانين المحلية والدولية، ومنها الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وقانون حقوق الإنسان، بالعلاقة مع مزاعم الانتهاكات التي يرتكبها موظفون رسميون تابعون للمملكة المتحدة، أو أفراد تابعون لقواتها المسلحة، خارج البلاد،بما في ذلك في العراق.
وينبغي عدم التقليل من شأن التأثير العالمي لتدابير مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة وإجراءاتها في الخارج. إذ أن المملكة المتحدة، بتقويضها حقوق الإنسان الأساسية في الداخل والخارج، إنما تعطي ضوءاً أخضر من الناحية الفعلية لحكومات أخرى كي تنتهك حقوق الإنسان، في الوقت الذي ضعفت مصداقيتها حيال تعزيز حقوق الإنسان في العالم بأسره إلى حد خطير.
إن أحد الأسباب الرئيسية للقلق الذي يساور منظمة العفو الدولية بشأن القوانين التي تنظم نطاق اختصاص وصلاحيات لجان التحقيق القضائية وبشأن العديد من تدابير مكافحة الإرهاب يتمثل في أن تنفيذها قد أدى إلى تقويض استقلال القضاء وحكم القانون، وذلك بتخويل صلاحيات القضاء إلى السلطة التنفيذية. وثمة هوة الآن في ضمان إجراء تحقيقات قضائية عامة في سلوك الحكومة بما يتماشى مع المعايير الدولية والوطنية ذات الصلة - بما في ذلك التحقيق في مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تنشأ بسبب تدابير مكافحة الإرهاب و/أو إجراءات المملكة المتحدة في الخارج.
واستناداً إلى مراقبة تأثير عدد من التدابير القانونية وغيرها من التدابير التي اتخذتها سلطات المملكة المتحدة منذ اعتماد قانون حقوق الإنسان، ولاسيما في أعقاب أحداث 11سبتمبر/ أيلول 2001، فإن منظمة 5?لعفو الدولية تعتبر أن حكومة المملكة المتحدة عجزت عن الوفاء بوعدها "بجلب الحقوق إلى الوطن"، وقد أعربت المنظمة عن استيائها المتزايد من التعدي المستمر لحكومة المملكة المتحدة على حقوق الإنسان وعلى استقلال القضاء وحكم القانون.
إن منظمة العفو الدولية ليست وحيدة في إعرابها عن بواعث قلقها بشأن سجل المملكة المتحدة في مضمار حقوق الإنسان. فثمة آخرون قد أعربوا عن بواعث قلق خطيرة، بما في ذلك لجنة الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب، ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، ومفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون حقوق الإنسان، ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب، وكذلك اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب، ومفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا. وفي داخل المملكة المتحدة، أعربت اللجان البرلمانية المعنية بالشؤون الدستورية وبالشؤون الخارجية وبشؤون حقوق الإنسان، وأعضاء في السلطة القضائية وفي السلك القانوني، وكذلك منظمات غير حكومية وآخرون، عن بواعث قلق خطيرة.
وفي مطلع العام 2006، عقدت منظمة العفو الدولية اجتماعات مع كبار الوزراء في حكومة المملكة المتحدة من أجل إبلاغهم بالقلق العميق الذي ينتاب أعضاء المنظمة في سائر أنحاء العالم تجاه أفعال المملكة المتحدة. وفي تلك الاجتماعات، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن بعض سياسات الحكومة وتدابيرها تشكل تهديداً خطيراً للحقوق الإنسانية للجميع في الداخل والخارج، ولحكم القانون واستقلال القضاء. وفي هذا السياق، فإن منظمة العفو الدولية، في الوقت الذي تقر فيه باستعداد الحكومة للاستماع، تشكك في التزامها بالحماية الكاملة لحقوق الإنسان على المستويين الوطني والدولي.
ولقد جرى تجميع هذا التقرير عن طريق مقابلات أجراها ممثلو منظمة العفو الدولية مع أشخاص اعتقلتهم حكومة المملكة المتحدة بموجب تدابير مكافحة الإرهاب، ومع عائلات هؤلاء ومحامييهم، داخل السجن وفي بيوتهم. كما راقب ممثلو منظمة العفو الدولية الإجراءات القضائية في المملكة المتحدة المترتبة على تنفيذ التدابير التي وُصفت بأنها لمكافحة الإرهاب؛ وانخرطت المنظمة في دعاوى قضائية نظرتها محاكم المملكة المتحدة، حيث قامت بالتدخل كطرف ثالث في اعتراضين قانونيين انبثقا عن تنفيذ التدابير المشار إليها أعلاه. وهذا التقرير حصيلةٌ كذلك لعمليات حوار مع وزراء في حكومة المملكة المتحدة؛ ومع أعضاء في السلك القانوني؛ ومع منظمات غير حكومية أخرى لحقوق الإنسان، على الصعيدين الوطني والدولي؛ ومع صحفيين وأكاديميين وآخرين.
2. تدابير "مكافحة الإرهاب"
يوفر قانون حقوق الإنسان أحكاماً وافية للقيام بأنشطة قوية لمكافحة الإرهاب، حتى في أكثر الظروف استثناء. غير أنه لا يمكن للانتقاص من حقوق الإنسان أن يخدم النضال ضد الإرهاب. وعلى العكس من ذلك، فإنه يسهِّل على الإرهابي تحقيق غرضه – عن طريق منحه اليد الأخلاقية العليا، وإثارة التوتر والحقد على الحكومة وفقدان الثقة بها، وعلى وجه التحديد في أوساط تلك القطاعات من السكان التي يرُجَّح أن يجد في صفوفها من يجنِّدهم.
إن احترام حقوق الإنسان لا يتساوق فحسب مع استراتيجية ناجحة لمكافحة الإرهاب. وإنما هو عنصر أساسي أيضاً لمثل هذه الاستراتيجية.
كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة
إن على الدول واجباً في أن تتخذ تدابير لمنع الهجمات ضد المدنيين وحمايتهم منها؛ وفي أن تحقِّق في مثل هذه الجرائم؛ وأن تقدِّم المسؤولين عنها إلى العدالة ضمن إجراءات نزيهة؛ وأن تضمن الإنصاف السريع والكافي للضحايا. وجزء لا يتجزأ من هذه الإجراءات النـزيهة يتمثل في ضمان توجيه تهمة جنائية معترف بها على وجه السرعة إلى أي شخص يُعتقل أو يُحتجز للاشتباه على نحو معقول بأنه قد ارتكب جناية، بغض النظر عن دافعه الحقيقي أو المفترض في ارتكابها، وسواء أكانت الجريمة قد صُنِّفت على أنها "جريمة إرهابية" أم لا-- وما لم يتم ذلك، فإنه ينبغي الإفراج عنه.
1.2 تفجيرات لندن
أدت أربع هجمات بالقنابل على نظام النقل العام في لندن في 7يوليو/تموز 2005إلى قتل 52شخصاً وجرح عدة مئات آخرين. ولاقى أربعة أشخاص آخرين، يعتقد أنهم الانتحاريين الذين قاموا بالتفجيرات، مصرعهم. وأدانت منظمة العفو الدولية بلا قيد أو شرط، وبلا تحفظ، الهجمات ودعت إلى تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
إن على عاتق سلطات المملكة المتحدة واجباً آخر في أعقاب الهجمات – ألا وهو ضمان تلقي الضحايا وعائلاتهم التعويض السريع والمناسب. وقد أعرب بعض من تمزقت حياتهم بسبب تفجيرات يوليو/تموز عن القلق بشأن عدم التعويض عليهم على وجه السرعة وبالصورة المناسبة.
ومنظمة العفو الدولية تعترف بأنه من واجب سلطات المملكة المتحدة مراجعة التدابير التشريعية وغيرها من التدابير بغرض الحيلولة دون وقوع المزيد من الهجمات. إلا أنه من واجب هذه السلطات بالقدْر نفسه ضمان أن يحترِم ما يُتخذ من تدابير لتقديم الأشخاص إلى العدالة، وكذلك التدابير التي تُتخذ لحماية الناس من مثل هذه الجرائم، حقوق الإنسان الأساسية.
إن على حكومة المملكة المتحدة الرد على الهجمات على حقوق الإنسان بالدفاع عن حقوق الإنسان. وأي سبيل آخر للعمل خاطئ وغير قانوني وسيؤدي إلى عكس النتائج المرجوة.
2.2 خلفية
تآكل حقوق الإنسان في المملكة المتحدة في ظل تشريع مكافحة الإرهاب ليس بالجديد. فقد ظل تشريع الطوارئ في المملكة المتحدة مبعث قلق لمنظمة العفو الدولية طيلة عقود من الزمن. ومنذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما بدأت سلطات المملكة المتحدة بفرض تدابير للطوارئ في سياق النـزاع في أيرلندا الشمالية، جرت التضحية بحقوق الإنسان باسم الأمن. وبين الانتهاكات الخطيرة التي سهلت تدابير الطوارئ ارتكابها، التعذيب وإساءة المعاملة والمحاكمات الجائرة.
وفي الماضي القريب، ساور المنظمة الكثير من القلق بشأن العجز الخطير في سياسات حقوق الإنسان وبشأن التدابير التشريعية التي لجأت إليها المملكة المتحدة في أعقاب هجمات 11سبتمبر/أيلول 2001في الولايات المتحدة. وتضمنت هذه اعتقال مواطني دول أجنبية بلا تهمة أو محاكمة، واتخاذ تدابير أخرى ضدهم وضد أشخاص
آخرين ألصقت سلطات الملمكة المتحدة بهم صفة "إرهابيين دوليين مشتبه بهم"، وغالباً بالاستناد إلى معلومات استخبارية سرية رفضت السلطة التنفيذية الكشف عنها للأفراد المعنيين أو لمستشارين قانونيين من اختيارهم.
وبالإضافة إلى ذلك، حاولت سلطات المملكة المتحدة تقويض الحظر المفروض على التعذيب وعلى غيره من ضروب إساءة المعاملة.
فمنذ قدومها إلى السلطة في 1997، سعت الحكومة العمالية الحالية بنجاح إلى إنفاذ أربعة تشاريع بغرض معلن هو مكافحة الإرهاب، وهي قانون القضاء الجنائي (الإرهاب والتآمر) للعام 1998، وقانون الإرهاب للعام 2000، وقانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن للعام 2001، وقانون منع الإرهاب للعام 2005. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005، تقدمت حكومة المملكة المتحدة إلى البرلمان بمشروع قانون خامس من هذا الصنف، هو مشروع قانون الإرهاب، الذي تسعى في الوقت الراهن إلى إنفاذه. إن منظمة العفو الدولية تعتقد أن كل تشريع من التشريعات المذكورة أعلاه، وكذلك مشروع قانون الإرهاب المقترح في صيغته الحالية، يتضمن أحكاماً لا تتماشى مع قانون ومعايير حقوق الإنسان. وقد أدى إنفاذ هذه القوانين إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
3.2 قانون الإرهاب للعام 2000وتعريف "الإرهاب"
عندما وقعت الهجمات في الولايات المتحدة في 11سبتمبر/أيلول 2001، كان قانون الإرهاب للعام 2000قد دخل حيز النفاذ قبل ذلك بأقل من سنة واحدة. ويمنح القانون السلطات صلاحيات بعيدة المدى – وهي صلاحيات وصفها مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا بأنها "من أكثر تشريعات مكافحة الإرهاب في أوروبا شمولية" . وترى منظمة العفو الدولية أن بعض أحكامه تناقض التزامات المملكة المتحدة بمقتضى القانون والمعايير الدوليين لحقوق الإنسان، وأنها مدخل لإساءة الاستخدام من جانب الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون.
إن التعريف الفضفاض لـ"الإرهاب" في قانون الإرهاب قد أصبح المعيار لجميع قوانين مكافحة الإرهاب اللاحقة في المملكة المتحدة. حيث عُرِّف "الإرهاب" على أنه استخدام الأفعال أو التهديد باستخدامها بغرض التأثير على الحكومة أو خدمة قضية سياسية أو دينية أو إيديولوجية . وأضفى القانون صفة القانون الأساسي على العديد من الأحكام المتعلقة بالجرائم المماثلة، أو المشابهة، لتلك التي كرَّسها ما يسمى بتشريع الطوارئ "المؤقت" في المملكة المتحدة، والذي طُبِّق طيلة العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل.
لقد أعربت منظمة العفو الدولية مراراً وتكراراً عن بواعث قلقها بشأن غموض تعريف "الإرهاب" واتساع نطاقه، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أم التحامل السياسي في اتخاذ القرار بشأن مقاضاة شخص ما . فالتعريف مفتوح على التأويلات الذاتية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا التعريف الفضفاض والغامض يمكن أن يتحول بسهولة إلى مطية للممارسات المسيئة من جانب الشرطة. ففي المملكة المتحدة، جرى إيقاف المتظاهرين السلميين وتفتيشهم والاستيلاء على مقتنياتهم استناداً إلى السلطات الواسعة الممنوحة للشرطة بمقتضى تشريع مكافحة الإرهاب.
واستندت جميع قوانين مكافحة الإرهاب التي تلت إلى التعريف الفضفاض والغامض لـ"الإرهاب" الذي أرساه قانون الإرهاب للعام 2000. ولأن تعريف "الإرهاب"، وبالتالي أي جريمة تستند إليه، لا يفي بمقتضيات الدقة والوضوح اللازمة للقانون الجنائي، فإن السلوك الذي يتم تجريمه بمقتضى البنود المختلفة لتشريع مكافحة الإرهاب يمكن أن لا يرقى إلى مرتبة "الجريمة الجنائية المعترف بها" بمقتضى القانون والمعايير الدوليين لحقوق الإنسان. والخطورة هنا هو أنه يمكن أن ينتهي الأمر إلى مقاضاة البشر لأسباب سياسية على ممارستهم المشروعة لحقوقهم المكرسة في القانون الدولي.
وخلق قانون الإرهاب للعام 2000أيضاً نظاماً دائماً متميزاً للاعتقال والاحتجاز والمقاضاة بالعلاقة مع "الجرائم الإرهابية" ترى منظمة العفو الدولية أنها ربما تشكل انتهاكاً للحق المعترف به دولياً لجميع البشر في المساواة أمام القانون، وفي الحماية من قبله، بلا تمييز . فهذه المعاملة المختلفة لا تستند إلى خطورة الفعل الجرمي نفسه، وإنما إلى دوافع مزعومة تقف وراء هذا الفعل وجرى تحديدها في القانون على أنها "سياسية أو دينية أو إيديولوجية". ويوفر نظام القضاء الجنائي الموازي هذا ضمانات أقل للمشتبه به مما يوفره القانون الجنائي العادي. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن أي خروج على ال73?جراءات والضمانات النظامية المعتادة ربما يكون غير مبرر، وبالتالي غير قانوني.
وينص قانون الإرهاب كذلك على حظر المنظمات الإرهابية وعلى الجرائم المتعلقة بإدارة منظمة إرهابية؛ وعلى امتلاك الأشياء أو جمع المعلومات لأغراض إرهابية؛ وعلى تمويل الإرهاب؛ والتحريض على الإرهاب عبر البحار.
وفي ضوء قلقها لزمن طويل بشأن غموض تعريف "الإرهاب" واتساع نطاقه، ونتيجة لبواعث قلقها المتعلقة بعدم تماشي الأحكام المختلفة لمكافحة الإرهاب مع المعايير المعترف بها دولياً للمحاكمة العادلة، فإن منظمة العفو الدولية ما انفكت تشعر بالقلق من أن أي اعتقال أو احتجاز أو اتهام أو محاكمة بالعلاقة مع جريمة رُكِّبت على هذا التعريف يمكن أن يؤدي إلى الظلم وأن يُعرِّض حماية حقوق الإنسان وحكم القانون في المملكة المتحدة لمزيد من التقويض.
إن المجتمع الدولي بأسره قد اعترف بأنه ثمة حقاً أساسياً غير قابل للتصرف، حتى للأشخاص الذين يشتبه بأنهم قد ارتكبوا أبشع الجرائم، كجرائم الحرب والإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، في أن يتمتعوا باحترام أرفع حقوقهم الإجرائية، وعلى وجه الدقة بسبب طبيعة وفداحة الجرائم التي يواجهون الاتهام بها، وشدة العقوبات التي يمكن أن يواجهوها إذا ما تمت إدانتهم.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2005، وفي سياق إقرار التشريع الرابع في هذا المجال منذ العام 2000، أي مشروع قانون الإرهاب، وافقت حكومة المملكة المتحدة على أن تعيد النظر في تعريف الإرهاب، نظراً لخطورة بواعث القلق التي جرى التعبير عنها بشأن ذلك التعريف. وطلب وزير داخلية المملكة المتحدة من مستشار الملكة اللورد كارلايل أوف بيريو، المُراجع المستقل لتشريع مكافحة الإرهاب، إجراء مراجعة لتعريف الإرهاب خلال عام من سريان مفعول مشروع قانون الإرهاب.
4.2 قضية لطفي رايسي
في 21سبتمبر/أيلول 2001، اعتُقل لطفي رايسي، وهو رجل جزائري كان آنذاك في السابعة والعشرين من العمر، في سلاو، بإنجلترا، وبحسب ما ذُكر في الثالثة صباحاً وتحت تهديد السلاح، وأُجبر على دخول سيارة الشرطة، وبحسب ما زُعم، وهو شبه عارٍ، ومعه زوجته وشقيقه. واعتقل بشبهة المشاركة في أنشطة "إرهابية". وأُطلق سراح شقيقه، بلا تُهمة، بعد يومين، كما أُطلق سراح زوجته بعد خمسة أيام، وبلا تهمة أيضاً. وأُفرج عن لطفي رايسي بعد سبعة أيام من الاستجواب، ثم أُعيد اعتقاله على الفور استناداً إلى مذكرة توقيف تطلب تسليمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ثم احتُجز لستة أشهر بصفته سجيناً من الفئة أ (تحت إجراءات أمنية فائقة) في سجن بيلمارش، ابتداء في وحدة الأمن ذي الإجراءات الأمنية الفائقة (سجن داخل السجن)، ومن ثم في جناح الإجراءات الأمنية القصوى. وادعت سلطات الولايات المتحدة أنه من المتورطينفي هجمات 11سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية بصفته مدرب طيران لبعض مختطفي طائرات 11سبتمبر/أيلول. وفي وقت اعتقاله، ادعت سلطات الولايات المتحدة أن لديها أدلة كافية لتُبيِّن ليس فحسب ارتباطه ببعض طياري 11سبتمبر/أيلول، وإنما أيضاً
أنه كان منخرطاً بنشاط في مؤامرة مع أعضاء شبكة "القاعدة". وبحسب ما ذُكر، تضمَّنت هذه الأدلة مراسلات واتصالات وشريط فيديو. بيد أن مذكرة التوقيف لم تستند إلى أي من مثل هذه الأدلة؛ وعوضاً عن ذلك، وجَّهت سلطات الولايات المتحدة إليه ما تسميه "تهم حجب المعلومات" استناداً إلى عدم كشف لطفي رايسي، لدى تقدمه بطلب للحصول على رخصة طيار في الولايات المتحدة، عن إدانة صدرت بحقه في سرقة صغرى دفع غرامة عنها قبل عشر سنوات، وكذلك عن إجرائه عملية جراحية في ركبته لمعالجة إصابة قديمة لحقت به أثناء لعبة لكرة المضرب. ومن الناحية الفنية، فإن هذين الجرمين الثانويين، اللذين شكلا الأساس لمذكرة الترحيل، وعلى الرغم من إجازتهما عملية الترحيل، لا يحتملان أكثر من عقوبة بالسجن لسنة واحدة.
وساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الأسباب التي تذرعت بها سلطات الولايات المتحدة في طلبها تسليم لطفي رايسي تضمنت حقيقة أن هويته وطبيعة مهنته تتطابق مع مواصفات الاستهداف بسبب الهوية: فهو رجل جزائري ومسلم وطيار ومدرب طيران في الولايات المتحدة الأمريكية.
وجرى تبرير اعتقال لطفي رايسي استناداً إلى مزاعم أولية لسلطات الولايات المتحدة بأنه من المحتمل توجيه تهمة التآمر بغرض القتل إليه، وبأنه يمكن أن يواجه عقوبة الإعدام.
وفي أبريل/نيسان 2002، وضع القاضي الذي ترأس المحكمة حداً لإجراءات الترحيل ضد لطفي رايسي. حيث أعلن القاضي أنه ليس هناك بأي صورة من الصور أدلة تثبت تورط لطفي رايسي في "الإرهاب". وأضاف القاضي، موجهاً كلامه إلى الممثل القانوني للطفي رايسي: "لقد مثُل موكلك أمامي عدة مرات وُجِّهت إليه فيها مزاعم بالتورط في الإرهاب. وأود أن أوضح أنني لم أتلق أي أدلة تُسند هذا الزعم". وعلى الرغم من مثل هذه التصريحات، فإن دائرة ادعاء التاج (سلطات الإدعاء في المملكة المتحدة) قالت بدورها، نيابة عن سلطات الولايات المتحدة، إن: "السيد رايسي لا يزال خاضعاً لمقتضيات تحقيق جار بشأن الأشخاص المسؤولين عن هجمات 11سبتمبر/أيلول".
ولم تتمكن سلطات الولايات المتحدة حتى اليوم من إثبات المزاعم الخطيرة التي وجهتها ضد لطفي رايسي. ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن ما حدث للطفي رايسي يشكل شاهداً قوياً على أن الهجمة الكاسحة لمكتب التحقيق الفدرالي يمكن أن تستهدف في سُعار تصيُّدها لمتآمرين في الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية، أو لأعضاء في شبكة "القاعدة"، أشخاصاً أبرياء، وأن تنتهك حقوقهم وحقوق أقربائهم في الحرية وفي العيش.
وفي ضوء قضية لطفي رايسي، فإن المنظمة تظل تشعر بالقلق، على نحو خاص، بشأن الإجراءات التي يمكن أن تستخدم لاستهداف شخص ما استناداً إلى هويته، ومن ثم لاعتقاله لفترة زمنية طويلة للغاية يجري أثناءها البحث عن أدلة لإثبات شبهة تورطه في أفعال جرمية. ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن قضية لطفي رايسي تكشف أيضاً عن المخاطر التي تترتب على إمكان استخدام عملية تسليم المطلوبين لوصم شخص ما بأن "إرهابي مشتبه به"، ولاعتقال شخص ما لفترة طويلة جداً من الزمن، في غياب التقويم السريع والدقيق للأدلة.
إن لطفي رايسي قد باشر إجراءات داخل الولايات المتحدة ضد مكتب التحقيق الفدرالي لطلب التعويض بمقتضى قانون تورت الفدرالي للمطالبات. بيد أن القرار الذي صدر في قضية الولايات المتحدة ضد ألفاريز في يونيو/حزيران قد أنهى إمكانية مقاضاة المواطنين غير الأمريكيين لسلطات الولايات المتحدة عن انتهاكات لحقوقهم الدستورية ارتكبها موظفون رسميون فدراليون خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
إن وزير الداخلية ملزم بأن يعوض على الأشخاص الذين قضوا وقتاً في الحجز كنتيجة لخطأ خطير ارتكبته سلطة عامة، و/أو كنتيجة للظروف الاستثنائية للقضية. بيد أن وزير الداخلية قد رفض حتى الآن طلب لطفي رايسي للتعويض على أساس أنه لم يُتَّهم أو يُقاضى في المملكة المتحدة، وإنما خضع فقط لإجراءات الترحيل فيها. وكذلك الأمر، فوزير الداخلية لا يوافق على أن ثمة خطأ خطيراً قد وقع من جانب سلطة عامة أو أن ظروف قضية لطفي رايسي تتصف بأنها استثنائية. وفي 17فبراير/شباط 2006، قرر قاضي المحكمة العليا لإنجلترا وويلز أن لدى لطفي رايسي قضية قابلة للنقاش بوجوب شموله ببرنامج التعويضات المطبق على حالات تسليم المطلوبين، وبأنه ينبغي عقد جلسة استماع كاملة بهذا الخصوص. وخارج المحكمة، أبلغ لطفي رايسي وسائل الإعلام ما يلي:
لقد تعرضت حياتي للتدمير. فقد اخترت أن أكون طياراً مدنياً، وعملت بجد من أجل ذلك وجُعت حتى أحقق ذلك .. ولكن الواقع هو أنني، وبسبب هويتي الشخصية كوني جزائرياً ومسلماً وعربياً وطياراً مدنياً، قد عانيت هذا الزيغ في تطبيق العدالة ... أنا أعتقد أن الرجل يظل بريئاً حتى تثبت إدانته. أما أنا فكنت "مذنباً" وكان علي أن أثبت براءاتي، وهذا هو الأساس فيما حدث.
ويخضع رفض وزير داخلية المملكة المتحدة تطبيق برنامج التعويضات الخاص بإجراءات تسليم المطلوبين على لطفي رايسي في الوقت الراهن لمراجعة قضائية كاملة.
كما باشر لطفي رايسي أيضاً دعوى ضد شرطة المملكة المتحدة لا تزال قائمة على الرغم من تعليقها بالاتفاق في انتظار نتائج شكوى تقدم بها إلى اللجنة المستقلة لشكاوى الشرطة. وتتعلق شكوى لطفي رايسي، التي تقدم بها في العام الحالي، بالتلاعب المزعوم في عرض الأدلة من جانب الشرطة، ما أدى إلى ربطه بالإرهاب وإلى رفض الإفراج عنه بالكفالة نتيجة لذلك.
5.2 نظام سري للقضاء الجنائي: الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن للعام 2001
ينبغي على البرلمان أن يكون بعيد النظر، وأن يقاوم إغراء منح سلطات للحكومة تنتقص من حقوق الأفراد وحرياتهم. فالأوضاع التي يمكن أن تبدو كافية لتبرير منح مثل هذه السلطات مؤقتة – أما فقدان الحرية فغالباً ما يكون دائماً.
اللجنة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان في المملكة المتحدة، نوفمبر/تشرين الثاني 2001 .
في أعقاب أحداث 11سبتمبر/أيلول 2001في الولايات المتحدة الأمريكية، صرحت حكومة المملكة المتحدة بأن التهديد الذي تمثله شبكة "القاعدة" للمملكة المتحدة قد جعل من الضروري إنفاذ تدابير تشريعية جديدة لـ"مكافحة الإرهاب". وفي تأكيدها على وجود "حالة طوارئ عامة" في المملكة المتحدة، قالت الحكومة:
هناك تهديد إرهابي للمملكة المتحدة من قبل أشخاص يشتبه بتورطهم في الإرهاب الدولي. وعلى وجه الخصوص، هناك مواطنون لدول أجنبية موجودون في المملكة المتحدة يُشتبه بأنهم معنيون بارتكاب أفعال إرهابية دولية أو التحضير لها أو التحريض عليها، أو يشتبه بأنهم أعضاء في منظمات أو مجموعات معنية بهذا، أو لديهم صلات بأعضاء من مثل هذه المنظمات أو المجموعات، ممن يشكلون تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة.
وفي 13نوفمبر/تشرين الثاني 2001، تقدَّمت حكومة المملكة المتحدة بمشروع قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن، السلف التشريعي لقانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن للعام 2001 (قانون مكافحة الإرهاب). وأُقر قانون مكافحة الإرهاب في 14ديسمبر/كانون الأول 2001، أي بعد مرور ما لا يزيد عن شهر على طرح مشروع القرار على البرلمان. وتثير مثل هذه العملية التشريعية المتعجلة شكوكاً حول مدى الدقة والكفاية والفعالية في التفحص التشريعي الذي ناله قانون مكافحة الإرهاب من برلمان المملكة المتحدة.
ووسع قانون مكافحة الإرهاب إلى حد كبير من سلطات الدولة. حيث نص على مصادرة الممتلكات الإرهابية وعلى جواز إصدار أوامر ل
u1578?جميد الموجودات والأموال الإرهابية. وأعطى الشرطة سلطات أكبر في التعرف على الإرهابيين المشتبه بهم في مجالات من قبيل التبصيم والتصوير. كما ابتدع جرائم غامضة من قبيل "الصلات" مع عضو في "مجموعة إرهابية دولية".
إلا أن ما شكل التهديد الأكثر جسامة لحقوق الإنسان هو ذاك الجزء الرابع الذي انقضى مفعوله الآن لقانون مكافحة الإرهاب. فقد خوَّل هذا الجزء الوزير في الحكومة صلاحية إصدار شهادات بحق مواطني الدول الأجنبية الذين لا يمكن إبعادهم أو إخراجهم من المملكة المتحدة تدمغهم بأنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم" و"تهديد للأمن القومي". وما إن تصدر بحق هؤلاء مثل هذه الشهادة، يصبح من الممكن اعتقال مثل هؤلاء الأشخاص اعتقالاً احترازياً إلى أجل غير مسمى دون تهمة أو محاكمة، استناداً إلى معلومات استخبارية سرية لا يحق للمعتقلين أو محامييهم الاطلاع عليها، وبالتالي الاعتراض عليها على نحو فعال. والسبب في عدم قدرة المملكة المتحدة على إبعاد هؤلاء أو إخراجهم من البلاد هو أن المملكة المتحدة تعترف بأن هذا يمكن أن يعرضهم لخطر التعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة، أو للحرمان من المحاكمة العادلة، في البلدان التي سيرسلون إليها.
إن مثل هذه الأحكام المتعلقة بالاعتقال الاحترازي، بمقتضى الجزء 4من القانون، اتصفت بالتمييز وبالإفراط وبعدم الشرعية – وهي صدى يثير الانزعاج لعمليات الاعتقال الاحترازي الكارثية التي استخدمت في أوائل السبعينيات
من القرن الماضي وثبت مدى ضررها في سياق النـزاع في أيرلندا الشمالية. إن الاعتقال الاحترازي لا يتساوق مع الحق في الحرية المكفولة بمقتضى أحكام المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي ألزمت المملكة المتحدة نفسها بها. ونتيجة لذلك، فقد اضطرت المملكة المتحدة أن تُقيِّد وفاءها بأحكام المادة 5(1) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والمادة 9من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتظل المملكة المتحدة هي الدولة الوحيدة في مجلس أوروبا التي قيًدت وفاءها بأحكام هاتين الاتفاقيتين بعد سبتمبر/أيلول 2001 .
1.5.2 الإجراءات أمام اللجنة الخاصة لطعون الهجرة: مظهر خادع للشرعية القانونية
في العام 1997، وفي أعقاب قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن قضية شاهال ضد المملكة المتحدة، أنشأت سلطات المملكة المتحدة اللجنة الخاصة لطعون الهجرة (لجنة الطعون). وهي محكمة خاصة بالهجرة تملك صلاحية الاستماع إلى استئنافات من جانب مواطني الدول الأجنبية ضد إصدار أوامر إبعاد بحقهم استناداً إلى شبهة أنهم يمثلون تهديداً لـ"الأمن القومي" للمملكة المتحدة، وإلى أن وجودهم في المملكة المتحدة لا يخدم الصالح العام. ومُنحت اللجنة الخاصة لطعون الهجرة صلاحية عقد جلسات استماع مغلقة -- يستثنى منها المُبعد والمستشار القانوني الذي يختار، ويسمح فيها لوزير الداخلية بتقديم معلومات استخبارية سرية -- بغرض حماية "الأمن القومي".
وبموجب صلاحيات الهجرة، يحق لسلطات المملكة المتحدة اعتقال الأشخاص في انتظار إبعادهم. وهكذا، يُعتقل الأشخاص الذين يتلقون أوامر إبعاد استناداً إلى الأمن القومي في العادة إلى حين بت لجنة الطعون في استئنافهم ضد قرار الإبعاد. وفي العادة، يصبح من الممكن إخراج من يخسرون الاستئناف من المملكة المتحدة. أما من يكسبون الدعوى فيُفرج عنهم.
إن قانون مكافحة الإرهاب قد أعطى اللجنة الخاصة بطعون الهجرة صلاحيات جديدة. ولكن الفارق الحقيقي بين الإجراء العادي للجنة الطعون ونظام لجنة الطعون بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب هو أن الحصيلة النهائية بالنسبة للأشخاص الذين يخسرون الاستئناف هو بقاؤهم قيد الاعتقال إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة.
ووصفت حكومة المملكة المتحدة الجزء الرابع من قانون مكافحة الإرهاب بأنه صلاحيات استثنائية تتعلق بالهجرة. وادعت أن إجراءات قانون مكافحة الإرهاب أمام لجنة الطعون مدنية بطبيعتها، وليست أحكاماً ضمن القانون الجنائي الوطني. كما ادعت حكومة المملكة المتحدة أن الطعون ضد إصدار شهادات "الإرهابيين الدوليين المشتبه بهم" هي مجرد إجراءات تتعلق بالهجرة. واعترضت منظمة العفو الدولية على هذا المنطق منذ البداية لعدة أسباب. فكما اعترفت حكومة المملكة المتحدة، فإن شبهة الإرهاب الدولي ذات طبيعة جنائية. وقد جعلت حقيقة أن النظام الذي أنشأه الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب يقوم على تعريف الإرهاب كما هو منصوص عليه في قانون الإرهاب للعام 2000، وهو تشريع ذو طبيعة جنائية، من التوصل إلى هذه النتيجة أمراً محتماً.
والأكثر أهمية من ذلك هو أن منظمة العفو الدولية اعتبرت أن إصدار وزير الداخلية شهادات لمن يعتقلون اعتقالاً احترازياً بصفتهم "إرهابيين دوليين مشتبه بهم"، يرقى إلى مرتبة "التهمة الجنائية"، ومن شأن آثارها الفعلية والمحتملة أن تكون "جنائية" في طبيعتها. ففي تقرير ما إذا كانت تهمة أو إجراءات ما "جنائية" في طبيعتها، لا يأخذ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الفقه القانوني للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، بعين الاعتبارالتوصيف الوطني لـ"تهمة" ما والنتائج المترتبة عليها باعتبارها "جنائية" أم لا فحسب، وإنما أيضاً طبيعة العقوبات المحتملة والفعلية لهذه التهمة ومدى شدت7?ا. كما تأخذ في الحسبان ما إذا كانت هذه التهمة و/أو الإجراءات تحمل في طياتها إمكان حرمان الأفراد المعنيين من حريتهم لفترة معتبرة من الزمن، إذ يجعل ذلك منها مصيرية على نحو خطير بالنسبة للشخص. ومنذ البدء، وبغض النظر عن شكل تصنيفها بمقتضى قانون المملكة المتحدة، فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية إصدار شهادة بحق شخص ما بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب والإجراءات المعتمَدة أمام لجنة الطعون جنائية بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان، بالنظر إلى طبيعة تهمة ("إرهابي دولي مشتبه به")، وإلى العقوبة المحتملة (أي الاعتقال المحتمل لأجل غير مسمى)، والمخاطر المترتبة على ذلك.
وبمقتضى الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب، أوكِلت إلى اللجنة الخاصة لطعون الهجرة مهمة مراجعة قرار وزير الداخلية بإصدار شهادة بحق شخص ما بأنه "إرهابي دولي مشتبه به". وسُمح للمعتقلين بناء عليه باستئناف قرار وزير الداخلية بوصمهم بأنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم" أمام لجنة الطعون.
وأفسحت إجراءات "الطعن" أمام لجنة الطعون المجال أمام وزير الداخلية كي يعرض على اللجنة معلومات استخبارية سرية في جلسات استماع مغلقة يُستثنى من حضورها المعتقلون ومَن يختارون من محامين. وخُصِّص للمعتقل "محام خاص"، وهو محام ينال الموافقة الأمنية ويُسمح له بالاطلاع على المعلومات الاستخبارية السرية ومجريات جلسات الاستماع السرية. بيد أنه لم يسمح للمحامي الخاص هذا بإبلاغ المعتقل بماهية هذه المعلومات الاستخبارية السرية. والحصيلة التراكمية لهذا الإجراء هو حرمان المعتقل من حق الدفاع.
أما الإجراء الذي اتُّبع فقد حول المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة إلى مسخرة. وكما صرح رئيس لجنة الشؤون الدستورية في برلمان المملكة المتحدة في أبريل/نيسان 2005، فإن "نظام المحامي الخاص يفتقر إلى أكثر السمات أساسية التي تجعل من محاكمة ما محاكمة عادلة".
وفي 2003، قام ممثل منظمة العفو الدولية بمراقبة عدة جلسات استماع لطلبات استئناف تقدم بها 10رجال ضد صرف شهادات بحقهم وضد اعتقالهم إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2003،
ردَّت اللجنة الخاصة لطعون الهجرة، الطعون العشرة. وفي ضوء مراقبتها لجلسات الاستماع، خلُصت منظمة العفو الدولية إلى أن استئنافات اللجنة الخاصة لطعون الهجرة ترقى إلى مرتبة تضليل العدالة.
وعلى الرغم من عدم تقيدها بالضمانات الأساسية للإجراءات الواجبة، قضت لجنة الطعون في مارس/ذار 2004بأن دعوى اعتقال رجل ليبي باعتباره "إرهابياً دولياً مشتبهاً به" بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب "لا أساس لها"، وبأن بعض الفرضيات التي تقدمت بها السلطات "مضللة على نحو واضح" و"غير دقيقة" و"غير معقولة". وكان هذا هو الشخص الوحيد الذي كسب دعوى طعن في شهادة صدرت بحقه بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب.
وناضلت منظمة العفو الدولية من أجل إلغاء الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب أثناء تطبيق القانون. وأعربت عن اعتقادها بأن القانون يسمح، في المحصلة، بمعاملة الأشخاص من غير مواطني المملكة المتحدة وكأنهم "متهمون" بجرم جنائي، و"مدانون"، و"محكومون" بالسجن إلى أجل غير مسمى، علماً بأنهم لم يقدموا قط للمحاكمة. وهكذا، فقد أنشأ القانون نظاماً سرياً موازياً للقضاء الجنائي لمواطني الدول الأجنبية لا يوفر لهم الحقوق نفسها التي يوفرها نظام القضاء الجنائي العادي. وقد أكدت منظمة العفو الدولية مراراً وتكراراً على المبدأ الأساسي الذي يقضي بعدم احتجاز أحد ما لم توجه إليه تهمة جنائية معترف بها على وجه السرعة ويُحاكم خلال فترة معقولة ضمن إجراءات نزيهة. كما أصرَّت على أنه وبسبب حصر تطبيق هذه السلطات في مواطني دول غير المملكة المتحدة، فإن الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب ذو طبيعة تمييزية.
وبالنظر إلى جسامة انتهاكات حقوق الإنسان التي أفضى إليها تنفيذ نظام قانون مكافحة الإرهاب، تدخلت منظمة العفو الدولية في 2004، وفي خطوة ندر ما لجأت إليها، لتطعن في قانونية نظام الجزء 4أمام لجنة الاستئناف في مجلس اللوردات (لوردات القانون) – وهو أعلى محكمة في البلاد . كما تدخلت في الأمر كذلك منظمة أخرى غير حكومية لحقوق الإنسان هي منظمة "ليبرتي"، التي تتخذ من لندن مقراً لها. ودعت كلتا المنظمتين لوردات القانون إلى أن يبيِّنوا أن الاعتقال لأجل غير مسمى لغير مواطني المملكة المتحدة بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب يشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية.
وفي 16ديسمبر/كانون الأول 2004، وفي حكم له أهميته التاريخية، قضى لوردات القانون بأن الاعتقال بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب ذو طبيعة تمييزية ولا يتساوق مع الحق في الحرية.
وحثت منظمة العفو الدولية سلطات المملكة المتحدة مجدداً على إلغاء التشريع والإفراج عن جميع المعتقلين فوراً ما لم توجه إليه على وجه السرعة تهماً جنائية معترفاً بها. ورد وزير الداخلية المعين حديثاً آنذاك بأن أحكام قانون مكافحة الإرهاب قيد البحث ستبقى سارية المفعول حتى يقرر البرلمان مستقبل القانون، وبأنه لن يأمر، بناء على ذلك، بالإفراج عن المعتقلين.
وبعد ذلك ببضعة أسابيع، أشا�585? وزير الداخلية إلى أن الحكومة تقبل بحكم لوردات القانون، وإلى أنها سوف تتقدم بتشريع جديد. وتبين أن هذا كان قانون منع الإرهاب للعام 2005، الذي أُقر في مارس/آذار 2005، أي في الشهر نفسه الذي تم فيه وقف العمل بالجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب.
وبينما أثبت قرار لوردات القانون لشهر ديسمبر/كانون الأول 2004صِدق انتقادات منظمة العفو الدولية والعديد من الهيئات الأخرى لقانون مكافحة الإرهاب، إلا أنه لم يأت إلا بعد أن جرى اعتقال أشخاص بلا تهمة أو محاكمة وفي ظروف قاسية لثلاث سنوات ونصف السنة.
2.5.2 المعركة القانونية لوقف اعتماد الحكومة أدلة انتُزعت تحت التعذيب
... هناك بالتأكيد ظروف قد نحصل فيها على معلومات استخبارية من شركاء ننسق معهم نعلم عنهم، في كثير من الأحيان، ومن خلال مراقبتنا نحن لحقوق الإنسان، أن ممارساتهم دون الحد الأدنى بكثير. ولكنك لا تحصل أبداً على معلومات استخبارية تقول لك، 'هذه معلومات استخبارية، وبالمناسبة فقد حصلنا عليها تحت التعذيب' ... ولا يعني كونها انتـزعت تحت التعذيب أنها وبصورة أوتوماتيكية غير صحيحة".
وزير خارجية المملكة المتحدة، 11نوفمبر/تشرين الثاني 2004
" ... التعذيب هو التعذيب بغض النظر عمن يقوم به، والإجراءات القضائية هي الإجراءات القضائية، مهما كان غرضها – ولا يمكن أن يُسمح بالأولى في سياق الثانية".
مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا، يونيو/حزيران 2005
في يوليو/تموز 2003، وفي سياق استئناف أمام اللجنة الخاصة لطعون الهجرة ضد إصدار شهادة بحق أحدهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب بأنه "إرهابي دولي مشتبه به"، قال أحد شهود إم آي 5 (MI5) إن من الممكن أن تقوِّم الإم آي 5 (جهاز الأمن) ما يتم انتزاعه من معلومات تحت التعذيب بأنه موثوق. وكنتيجة لهذا، أضاف الشاهد، فإن وزير الداخلية يمكن أن يستند إلى هذه المعلومات في سياق إجراءات لجنة الطعون.
وفي 29أكتوبر/تشرين الأول من ذاك العام، قضت لجنة الطعون بأن مثل هذه "الأدلة" ليست مقبولة فحسب في الإجراءات القضائية، ولكن يمكن الاعتماد عليها كذلك من قبل اللجنة الخاصة بطعون الهجرة في التوصل إلى قرارها. وقدَّم 10من المعتقلين استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب طعناً ضد هذا القرار المذهل، الذي يخالف ضمانة أساسية من ضمانات منع التعذيب.
وفي 11أغسطس/آب 2004، وفي قرار يثير الانزعاج، ردَّت محكمة الاستئناف لإنجلترا وويلز، وهي ثاني أعلى محكمة في البلاد، الطعن. وقضت بأن قانون مكافحة الإرهاب يسمح – وفي حقيقة الأمر يستدعي – الاعتراف بالمعلومات التي يتم الحصول عليه عن طريق التعذيب كأدلة في محاكم المملكة المتحدة، طالما أن موظفيها الرسميين لم يرتكبوا التعذيب بأنفسهم أو يقوموا بالتواطؤ في ارتكابه.
وأدانت منظمة العفو الدولة القرار، الذي يرقى إلى مرتبة تمويل عقود خارجية للتعذيب. وقالت إن محكمة الاستئناف قد تخلت على نحو مخجل عن واجبها في احترام حقوق الإنسان وحكم القانون، وإن الحكم الذي أصدرته يُشجِّع من الناحية الفعلية التعذيب على أيدي وكلاء الدول الأجنبية. وأعربت هيئات عديدة أخرى عن وجهة نظر مماثلة.
ووضع هذا الحكم القانون الوطني كذلك في تناقض مع الالتزامات الدولية للمملكة المتحدة النابعة من الحظر المطلق المفروض على التعذيب وسوء المعاملة. حيث تنص المادة 15من اتفاقية مناهضة التعذيب على ما يلي: "تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال".
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، أعربت لجنة مناهضة التعذيب أيضاً عن قلقها بشأن هذا الحكم. فأوصت بأنه ينبغي على سلطات المملكة المتحدة عدم "الاستناد، في أي إجراءات، إلى أدلة هناك معرفة أو اعتقاد بأنه قد تم الحصول عليها نتيجة للتعذيب، أو تقديم مثل هذه المعلومات".
وقال تيري ديفيس، الأمين العام لمجلس أوروبا، في أكتوبر/تشرين الأول 2005ما يلي:
ينبغي أن لا تتساهل الحكومات الأوروبية بشأن التعذيب الذي يمارس في أجزاء أخرى من العالم. ويجب أن لا تُقبل أبداً المعلومات التي يتم الحصول عليها نتيجة للتعذيب، وفي أي ظرف من الظروف، كأدلة في الإجراءات القضائية، بغض النظر عن مكان الحصول عليها أو الجهة التي حصلت عليها ... وأي اقتراح بتغيير الاتفاقية [الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية] فيما يتعلق بهذه النقطة سيعرض للخطر ليس حقوقنا فحسب، وإنما أمننا كذلك.
وعوضاً عن التقيد بهذه التوصية، أو التجاوب بصورة إيجابية مع الانتقادات الواسعة النطاق، سعت سلطات المملكة المتحدة إلى الدفاع عن قرار محكمة الاستئناف أمام لوردات القانون.
وفي نهاية الأمر، خسرت حكومة المملكة المتحدة، في ديسمبر/كانون الأول 2005، معركتها القانونية من أجل إبطال الحظر المطلق المفروض على السماح باستخدام المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال التعذيب كـ"أدلة" في الإجراءات القضائية. وفي القضيةA وآخرون (مقدِّمو الطعون) (FC) وآخرون ضد وزير الدولة للشؤون الداخلية (المدعى عليه) (الطعون المشتركة) ، أكد سبعة من لوردات القانون بالإجماع على أنه لا يجوز
القبول بمثل هذه الأدلة. كما قضوا بأن ثمة واجباً بتقصي ما إذا كان التعذيب قد وقع، وباستثناء أية أدلة إذا ما
خلُص التحقيق إلى ترجيح أنه قد تم الحصول عليها نتيجة للتعذيب. وكنتيجة لهذا الحكم، تقرر رد قضايا المعتقلين
العشرة إلى اللجنة الخاصة لطعون الهجرة لتعيد النظر في "الأدلة".
وفي الرأي الذي قاد إلى الحكم في هذه القضية، قال اللورد بينغهام أوف كورنهيك، كبير لوردات القانون، ما يلي:
المسألة تتصل بالمبدأ الدستوري المتعلق بما إذا كان من الجائز قانونياً الاعتراف بالأدلة التي يتم الحصول عليها عن طريق تعذيب كائن بشري آخر لاستخدامه ضد طرف ما في إجراءات محكمة بريطانية، بغض النظر عن مكان ممارسة التعذيب أو عن الشخص الذي مارسه أو السلطة التي أمرت به. وعلى هذا السؤال، أجيب بالنفي الواضح تماماً ... فمبادئ القانون العام، بحد ذاتها، تقضي إلزاماً، في رأيي، باستثناء الأدلة التي يتم الحصول عليها من طرف ثالث باعتبارها غير موثوقة وغير نزيهة وتشكل إساءة للمبادئ العادية للإنسانية واللياقة، ولا تتساوق مع المبادئ التي ينبغي أن تسترشد بها محكمة تسعى إلى تطبيق العدالة. بيد أن مبادئ القانون العام لا تقف وحدها هذا الموقف. إذ يجب الامتثال كذلك لأحكام الاتفاقية الأوروبية، التي تأخذ هي نفسها في الحسبان كل ما ينطوي عليه الإجماع العالمي المتجسد في اتفاقية مناهضة التعذيب.
ويتصل قرار لوردات القانون بامتياز بالإجراءات التالية أمام لجنة الطعون وفيما يتعلق بقبول "الأدلة" في جلسات الاستماع التي تتم بمقتضى قانون منع الإرهاب للعام 2005، من حيث فرض "أوامر المراقبة" (أنظر ما يلي). ولذا، فإن منظمة العفو الدولية تعتبر أن من الضروري التأكيد على أن قرار لوردات القانون قد أثار بواعث قلق بخصوص عدد من المسائل. وعلى وجه الخصوص، فقد قضت أغلبية من أربعة قضاة من لوردات القانون السبعة بأنه ينبغي استثناء مثل هذه الأدلة إذا ما رأت لجنة الطعون أنه من المرجح أن يكون الحصول عليها قد تم نتيجة للتعذيب. وكما يقول اللورد بينغهام في رأيه الذي ينتمي إلى الأقلية، فإن: "هذا اختبار لا يمكن في عالم الواقع الجزم بشأنه أبداً. فالجلاد الأجنبي لا يفاخر بتجارته".
لقد قامت منظمة العفو الدولية بدور المنسق لائتلاف من 14منظمة دولية ووطنية من أجل القيام بتدخل مشترك في القضية عن طريق المداخلات المكتوبة والشفوية لدى لوردات القانون طالبة منهم نقض قرار محكمة الاستئناف . وطرح المحامون الذين مثلوا الائتلاف بقوة أمام أعلى محكمة في المملكة المتحدة الحجة القائلة بأن القانون الدولي يحظر التعذيب حظراً مطلقاً في كافة الظروزف، وبأنه لا يجوز أبداً الاعتراف بأي أقوال يتم الحصول عليها نتيجة للتعذيب أو سوء المعاملة، إلا في الإجراءات الخاصة بمقاضاة الجلادين.
6.2 معاملة الإرهابيين المشتبه بهم المزعومين
في 19ديسمبر/كانون الأول 2001، اعتُقل تسعة رجال بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن في وقت مبكر من الصباح على أيدي عشرات من رجال الشرطة، الذين قاموا بترويع زوجاتهم وأطفالهم. وأشارت التقارير في حينه إلى أن بعض من اعتقلوا عوملوا مع عائلاتهم معاملة خشنة وفظة. ونُقل المعتقلون على الفور إلى سجون ذات إجراءات أمنية فائقة.
وبلغ مجموع من اعتقلوا اعتقالاً احترازياً في أوقات مختلفة بمقتضى الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب 16من مواطني الدول الأجنبية. واعتقل معظمهم لما يربو على ثلاث سنوات تحت أنظمة في غاية التقييد لسجنين من سجون الإجراءات الأمنية الفائقة (بيلمارش ووود هيل"، وفي مشفى برودمور للعلاج النفسي ذي الإجراءات الأمنية الفائقة.
وأعربت منظمة العفو الدولية على نحو متكرر عن بواعث قلقها بشأن الظروف القاسية للاعتقال، وبشأن التأثير الذي تتركه ظروف الاعتقال وطبيعته غير المحددة بزمن على الصحة العقلية والبدنية للرجال. وخلال زيارة قام بها مندوبو منظمة العفو الدولية إلى سجن بيلمارش في يونيو/حزيران 2002، وصف بعض المعتقلين حالتهم بأنها "تعذيب نفسي" نظراً لعدم معرفتهم بطول المدة التي سيحتجزون أثناءها، وبأسباب اعتقالهم.
1.6.2 معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة في سجن بيلمارش
احتُجز معظم معتقلي قانون مكافحة الإرهاب في وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة في بيلمارش ما بين ديسمبر/ كانون الأول 2001ومارس/آذار 2002. ووحدة الإجراءات الأمنية الفائقة هي سجن داخل السجن. والزنازين فيها صغيرة ولا تكاد ترى ضوء الشمس. ويُحتفظ بالمعتقلين في الجناح المحتجزين فيه ولا يستطيعون الاتصال إلا مع المعتقلين في الجناح نفسه، إلا أثناء الصلاة. وتصف منظمة العفو الدولية هذا التقييد للحركة والتجمع بأنه "عزل في مجموعات صغيرة".
وأغلقت الزنازين على معتقلي قانون مكافحة الإرهاب في المراحل الأولى من احتجازهم في وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة لمدة 22ساعة في اليوم، كما أُخضعوا خلال الساعتين المتبقيتين خارج زنزاناتهم لـ"العزل في مجموعات صغيرة". ويشكل العديد من جوانب نظام وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة انتهاكاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان: ?عدم توفير الوقت والأنشطة الجمعية الكافية في أماكن للتجمع؛ وغياب الأنشطة التعليمية والرياضية وسواها من الأنشطة والمرافق على نحو ذي مغزى؛ والحرمان من الهواء الطلق وضوء النهار الطبيعي والتمارين الرياضية في فضاء واسع، تخالف هذه جميعاً المعايير الدولية.
وفي مارس/آذار 2002، أعيد تصنيف معتقلي قانون مكافحة الإرهاب من معتقلي الفئة أ (شديدي الخطورة) ليصبحوا من معتقلي الفئة أ (متوسطي الخطورة) ونُقلوا إلى مجمع البيوت رقم 4في بيلمارش. وعندما زار مندوبو منظمة العفو الدولية المعتقلين في يونيو/حزيران 2002، قال المعتقلون إنهم لا يزالون يحتجزون لمدة 22ساعة في اليوم؛ وإنهم محرومون من الرعاية الصحية الكافية؛ وإنه لا يسمح لهم إلا بزيارات "مغلقة" من قبل عائلاتهم (حيث يفصل حاجز زجاجي المعتقل عن عائلته).
وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن من يُحتجزون في بيلمارش يعانون من أوضاع ترقى إلى مرتبة المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وأن هذه الأوضاع قد أدت إلى تدهور خطير في صحتهم البدنية والعقلية.
وفي تقرير نشرته في 2003، وبعد زيارة لمعتقلي قانون مكافحة الإرهاب قامت بها في فبراير/شباط 2002، أشارت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة (اللجنة الأوروبية) إلى مزاعم بأن المعتقلين قد تعرضوا للإساءة اللفظية؛ وأعربت عن قلقها بشأن عدم السماح للمعتقلين بالاتصال بمستشارين قانونيين؛ ولاحظت أن نظام وأوضاع احتجاز معتقلي قانون مكافحة الإرهاب ينبغي أن يأخذا بعين الاعتبار حقيقة أن هؤلاء الأشخاص ليسوا متهمين أو مدانين بأية جريمة، وطبيعة اعتقالهم إلى أجل غير مسمى.
وبعد زيارتها الثانية لمعتقلي قانون مكافحة الإرهاب في مارس/آذار 2004، أعربت اللجنة الأوروبية في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2005، عن بواعث قلق تفصيلية بشأن بعض المعتقلين. وعلى سبيل المثل، تحدثت اللجنة عن ظروف رجل جزائري يبلغ من العمر 39عاماً، وأشارت إليه بالحرف"P" فقط لأسباب قانونية، فذكرت أنه يعاني من إعاقة حركية وأنه كان معتقلاً في سجن بيلمارش في وقت زيارتها. فقد قُطعت كلتا يديه، ولذا فهو بحاجة إلى المساعدة في ذهابه إلى المرحاض وفي الأمور الأخرى. وقالت اللجنة الأوروبية، التي كانت تتحدث عن اعتقاله في سجن بيلمارش، إنه "لم يتلق دائماً المساعدة الضرورية. وعلاوة على ذلك، فإن حالته العقلية قد تدهورت على نحو خطير نتيجة اعتقاله، ما أدى إلى إصابته باكتئاب حاد وإلى اضطراب عصبي تالي للصدمة". ولاحظت اللجنة الأوروبية كذلك ما يلي:
سبَّب الاعتقال اضطرابات عقلية لأغلب الأشخاص الذين اعتقلوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وبالنسبة لمن خضعوا فيما سبق لتجارب سببت لهم الصدمة، أو حتى للتعذيب، فقد أحيت هذه التجربة بوضوح ما مروا به من معاناة، وإلى حد أنها أدت على نحو خطير إلى تكرار تعرضهم لما مروا به من اضطرابات. وقد أصبحت صدمة الاعتقال أشد وقعاً في التأثير على صحتهم نظراً لأنها ترافقت مع غياب المراقبة الناجم عن طبيعة اعتقالهم إلى أجل غير مسمى ... وبالنسبة لبعضهم، يمكن أن يعتبر وضعهم الذي لاحظته اللجنة في وقت الزيارة بأنه يرقى إلى مرتبة المعاملة اللاإنسانية والمهينة . [التشديد من جانبنا].
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، خلُص 12طبيباً من ذوي المكانة المرموقة إلى أن جميع المعتقلين على ذمة قانون مكافحة الإرهاب الذين فحصوهم قد عانوا من اعتلال خطير في صحتهم. وأكدوا أن كون الاعتقال غير محدد بزمن قد شكَّل عاملاً رئيسياً في تدهور صحتهم وصحة زوجاتهم العقلية. ويلخص التقرير المعطيات التالية بالعلاقة مع تأثير الاعتقال على أفراد عائلات المعتقلين:
هناك بوضوح عبء ثقيل من الضغوط المفروضة على الزوجات، وهذا يسهم بصورة سلبية في حالتهن العقلية. فبينما يمكن لوجود زوج للمرأة في السجن أن يرى على أنه مصدر ضغط للعديد من النساء، فإنهن ينظرن إلى المشكلات بصورة مضخمة عما يمكن توقعه في المعتاد ... وفيما يلي الاستخلاصات التي يمكن استنتاجها:
1. أظهرت جميع النساء الثلاث علامات على الاكتئاب الإكلينيكي.
2. تظهر إحداهن كذلك علامات على الاضطراب العصبي التالي للصدمة[PSTD] بالعلاقة مع اعتقال زوجها، بينما تعاني أخرى من حالة قلق رُهابي.
3. يتصل ما يظهر عليهن من أعراض بصورة مباشرة مع حبس أزواجهن وطبيعته غير المحدودة بزمن.
4. تُضاعِف حالة العزلة اللاتي يعشن فيها من متاعبهن الصحية العقلية.
5. تتأرجح حالاتهن الشخصية بحسب ما يمر به أزواجهن من مشكلات.
6. من غير المحتمل أن يتحقق تحسن في حالاتهن مع استمرار الوضع الراهن.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، نُقل اثنان من المعتقلين إلى مشفى برودمور النفسي ذي الإجراءات الأمنية الفائقة بسبب ما ترتب على اعتقالهم من آثار على صحتهم العقلية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004أيضاً، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن بواعث قلقها بشأن نظام الاعتقال الصارم الذي يحتجز بعض المعتقلين في سجن بيلمارش بموجبه.
وفي يناير/كانون الثاني 2005، أصدرت الكلية الملكية للأطباء النفسيين بياناً أعربت فيه عن بواعث قلقها بشأن الصحة العقلية للمعتقلين المحتجزين بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب. وتبنى البيان المعطيات التي توصل إليها في أكتوبر/تشرين الأول 12من الأطباء رفيعي المكانة، كما ذكرنا فيما سبق. وقالت الكلية الملكية للأطباء النفسيين بالإضافة إلى ذلك ما يلي:
يعاني المعتقلون الثمانية الذين جرى فحصهم بالفعل من مشكلات كبيرة في صحتهم العقلية. وفي المحصلة، فإن الأدلة تشير إلى أن ظروف الاعتقال الخاصة لهذه المجموعة قد أسهمت إلى حد كبير في هذه المشكلات الصحية. وبحسب أفضل التقديرات، فإن من المرجح أن يتسبب اعتقالهم إلى أجل غير مسمى، وغياب الإجراءت القانونية العادية الواجبة، وما ترتب على ذلك من شعور بالعجز، في تدهور كبير للصحة العقلية للمعتقلين...
ونرى أنه من غير المحتمل أن يُخلِّصهم العلاج النفسي، مهما كان متقدماً، من آثار ما يلي:
• فصلهم عن عائلاتهم وأصدقائهم ومن يقدِّمون الدعم لهم؛
• الاعتقال إلى أجل غير مسمى دونما معرفة بالمزاعم التي يقوم عليها اعتقالهم؛
• السجن بالنسبة لمن يعانون من نقاط ضعف سابقة ناجمة عن الصدمة أو الإساءة التي تعرضوا لها في أوطانهم.
7.2 قانون منع الإرهاب للعام 2005و"أوامر المراقبة"
لم تفرج الحكومة على وجه السرعة عن المعتقلين في أعقاب الحكم الصادر عن لوردات القضاء في ديسمبر/كانون الأول 2004بأن الاعتقال بمقتضى الجزء 4من قانون محاكمة الإرهاب يتسم بالتمييز ولا يتماشى مع الحق في الحرية،. وعوضاً عن ذلك، انتظرت حتى مارس/آذار إلى حين انقضاء مدة سريان مفعول النص التشريعي. ناهيك عن أنها وحتى آنذاك لم تحترم حقوقهم الإنسانية.
وعلى الرغم من حقيقة أنه كان أمام الحكومة عدة أشهر كيما تنظر فيما ينبغي عليها أن تفعل في حال خسارتها المعركة في المحكمة من أجل مواصلة اعتقال من لا يمكنها إبعادهم من مواطني الدول الأجنبية دونما توجيه تهمة إليهم بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، فقد تمكنت من إقناع البرلمان بأنها بحاجة إلى سن تشريع جديد من تشريعات مكافحة الإرهاب؛ وتبنى البرلمان على وجه السرعة قانون منع الإرهاب للعام 2005 (قانون منع الإرهاب)، الذي دخل حيز النفاذ في 11مارس/آذار.
واتصف هذا التشريع أيضاً بموقف عدائي من حيث الجوهر لحقوق الإنسان ولحكم القانون ولاستقلال القضاء. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن قانون منع الإرهاب يناقض أيضاً روح، إن لم يكن نص، قرار لوردات القانون، حيث استبدل نظاماً لـ"أوامر المراقبة" بالاعتقال بلا محاكمة الذي اتبع بمقتضى نظام قانون مكافحة الإرهاب.
ويخول قانون منع الإرهاب للعام 2005وزراء الحكومة سلطات غير مسبوقة في أن يُصدروا "أوامر للمراقبة" لتقييد حرية وحركة وأنشطة الأشخاص الذين يشتبه، كما يٌفترض، بقيامهم بأنشطة تتعلق بالإرهاب، سواء أكانوا من مواطني المملكة المتحدة أم لا.
وهناك صيغتان من "أوامر المراقبة"، إحداهما مقيِّدة والأخرى غير مقيِّدة. وتتراوح القيود التي يمكن أن تفرض بموجب هذه الأوامر بين "الإقامة المنـزلية الجبرية"، وبين التعقُّب، ومنع التجوال، والتحكم في استخدام الشخص للهاتف والإنترنت، وكذلك تحديد الأشخاص الذين يمكنه الالتقاء أو الاتصال بهم. وحُدِّدت مدة "أوامر المراقبة" بعام واحد. بيد أنه يمكن تجديدها في نهاية كل فترة من اثني عشر شهراً، بحيث يمكن، في نهاية الأمر، أن تستمر إلى أجل غير مسمى. ويشكل أي "خرق" للقيود المفروضة بموجب "أوامر المراقبة" من دون مبرر معقول جريمة جنائية يمكن الحبس عليها لمدة قد تصل إلى خمس سنوات.
وفي العادة، يتعين أن يتقدم الوزير في الحكومة بطلب إلى المحاكم لفرض "أمر بالمراقبة". وإذا ما سُمح بإصدار "أمر المراقبة"، تُجرى بصورة روتينية مراجعة قضائية لقرار الوزير الذي سيصدره. ويمكن الاعتراض على "أوامر المراقبة" نفسها وعلى أي من القيود المفروضة بموجبها، وتقوم المحكمة بناء على ذلك بتطبيق مبادئ المراجعة القضائية – أي الإبقاء على الأمر ساري المفعول ما لم يتبين أن القرار بإصداره يعاني من "خلل إجرائي واضح".
وبإمكان الوزير فرض النوع الأول من "أوامر المراقبة" – أي ما يسمي "أوامر المراقبة" غير المقيِّدة – في "حالات الطوارئ"، وعندما تكون لديه "أسباب معقولة" للاشتباه بأن شخصاً ما يشارك في أنشطة تتصل بالإرهاب، أو شارك في مثل هذه الأنشطة، ويرى أن من الضروري القيام بذلك "لأغراض تتصل بحماية أفراد الجمهور من خطرٍ إرهابي ماثل". ويجب مراجعة فرض مثل هذه الأوامر من جانب المحاكم خلال سبعة أيام. ويمكن للأفراد الذين يخضعون لمثل ها الأوامر الطعن فيها استناداً إلى مبادئ المراجعة القضائية.
أما النوع الثاني من "أوامر المراقبة" – أي ما يسمى بأوامر المراقبة المقيِّدة – فيمكن فرضها بناء على طلب من قاض حيث ينشأ اعتقاد بأن من المرجح أن يكون شخص ما متورطاً، أو قد تورط، في أنشطة تتصل بالإرهاب. وتشمل هذه الأوامر "الإقامة المنـزلية الجبرية"، وترقى إلى مستوى الحرمان من الحرية. وتعرف باسم "أوامر المراقبة المقيِّدة" نظراً لأن مثل هذا الحرمان من الحرية يمثل خرقاً للاتفاقية الأوروبية ويتطلب تقييداً مسبقاً للمادة 5من الاتفا ?ية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وبذا، فإن سلطات المملكة المتحدة قد احتفظت، بمقتضى قانون منع الإرهاب هذا، بسلطة إصدار الأمر بالحرمان من الحرية إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة استناداً إلى معلومات استخبارية سرية – اللهم باستثناء أن هذه السلطة قد غدت تنطبق الآن على مواطني المملكة المتحدة وعلى غيرهم على حد سواء.
وعلاوة على ذلك، فإن ما تستتبعه من قيود يشكل انتهاكاً لطيفٍ عريض من حقوق الإنسان، بما فيها الحق في احترام الحياة الشخصية والعائلية، وفي حرية التعبير، وحرية التجمع والانتساب إلى الجمعيات، وحرية التنقل، والحق في محاكمة عادلة، وحق الفرد في الحرية وفي الأمن على شخصه.
وفي الآونة الأخيرة لاحظ مستشار الملكة اللورد كارلايل أُف بيرِّيو، المراجِع المستقل لهذا التشريع، ما يلي:
مهما اختلفت الآراء، فإن هذه الالتزامات [القيود المفروضة بموجب "أوامر المراقبة" غير المقيِّدة] شديدة التقييد. وهي وإن وجد أنها لا ترقى إلى الدرجة التي تستدعي طلب التقييد، فواقع الحال هو أنه لم يجرِ أي اعتراض عليها حتى الآن في هذا الصدد – لكن ما تفرضه من تضييق شديد للغاية ... إذ تشمل الالتزامات حظراً للتجول لمدة ثماني عشرة ساعة، وتحديداً للزوار والاجتماعات بالنسبة للأشخاص الذين توافق عليهم وزارة الداخلية، والإخضاع لعمليات التفتيش، ومنع الاتصالات عن طريق الهاتف الخليوي أو الإنترنت، وتقييداً للدائرة الجغرافية التي يمكن أن يتحرك الشخص ضمنها. وهذه ليست ببعيدة كثيراً عن الإقامة الجبرية، وبالتأكيد تحول دون الحياة الطبيعية إلى حد بعيد . [التشديد من جانبنا]
ولا تغيِّر المراجعة القضائية التي يسمح بها بعد فرض "أمر بالمراقبة" من الطبيعة التعسفية للسلطات الممنوحة للسلطة التنفيذية بموجب هذا القانون. إذ يسمح للحكومة بتقديم معلومات استخبارية سرية لحرمان الأشخاص من حريتهم، وبالحمل لأجل غير مسمى، وعلى القضاء أن ينظر في هذه الأدلة. ونظراً لعدم السماح للأشخاص المعنيين برؤية أو سماع ما يستخدم ضدهم من "أدلة"، فإن الإجراءات تكون خلواً من أكثر الضمانات أساسية، بينما يُحرم الشخص المعني من حقه في محاكمة عادلة.
كما يعاني التدقيق القضائي من أوجه قصور في مجالات أخرى:
• فالقانون يخوِّل الوزير في الحكومة فرض "أوامر بالمراقبة" دون أي إشراك مسبق للقضاء، وليس بغرض توجيه الاتهام للأفراد المعنيين أو محاكمتهم بجرائم جنائية معترف بها؛
• ولا صلاحية للقضاة سوى مراجعة قرار الوزير وليس إصدار قرار مستقل وغير متحيز هم أنفسهم؛
• ومعيار الإثبات المطلوب لموافقة المحكمة على فرض "أوامر المراقبة" أدنى إلى حد كبير من المعيار الجنائي القائم على مفهوم "لا محل فيه لشك معقول".
وقد أكد مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا بواعث قلق منظمة العفو الدولية. فقال إن إجراءات المراجعة القضائية المسموح بها تتسم بما يلي:
أحادية الجانب بطبيعتها، حيث تجبر القاضي على النظر في معقولية شكوك تقوم، جزئياً على الأقل، على أدلة سرية لا يملك تأكيد صدقها أو صلتها بالوضع في ضوء رد المشتبه به عليها. وبعيداً تماماً عن التجاوز الواضح لافتراض البراءة، فثمة صعوبة لا يستهان بها في إمكان اعتبار إجراءات المراجعة المذكورة نزيهة ومستقلة وغير متحيزة.
وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق أيضاً بشأن إمكان أن تحاول حكومة المملكة المتحدة تقديم معلومات جرى التقاطها من أماكن مثل قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان وخليج غوانتانامو ومراكز اعتقال أخرى سرية لم تجر تسميتها، حيث حُبس البشر بلا أدنى أساس قانوني في حجز الولايات المتحدة، وتعرضوا، بحسب ما زُعم، للتعذيب أو لغيره من ضروب إساءة المعاملة.
ويمكن أن تستند "أوامر المراقبة" على معلومات استخبارية سرية لم يجر الكشف عنها للأشخاص المعنيين أو لمحامين من اختيارهم. وإذا ما وافقت المحكمة مع وزير الداخلية بأن من ضرورات "الأمن القومي" عدم الكشف عن"الأدلة" للشخص المعني أول لمستشار قانوني من اختياره، يتم تعيين محام خاص مخول بالمشاركة في الإجراءات السرية المغلقة. بيد أنه لا يسمح للمحامي الخاص، وكما هو الحال في إجراءات قانون مكافحة الإرهاب، بإطلاع الشخص المعني على طبيعة المعلومات السرية أو بتلقي توجيهات منه. والأثر التراكمي لهذا هو حرمان من يُخضعون لـ"أوامر المراقبة" من حق الدفاع.
ويسمح قانون منع الإرهاب للعام 2005بتجريد الأشخاص من الحق في المحاكمة النـزيهة، بما في ذلك:
• الحق في أن يُبلَّغوا على وجه السرعة وبالتفصيل بطبيعة وسبب الاتهامات الموجهة إليهم؛
• الحق في المحاكمة ضمن فترة زمنية معقولة أو الإفراج عنهم في انتظار المحاكمة؛
• الحق في افتراض البراءة، الذي ينطبق على جميع الأشخاص المتهمين بجريمة جنائية، بما في ذلك في أوقات الطوارئ، والذي يتطلب أن تثبت الدولة التهمة على نحو "لا محل فيه لشك معقول"؛
• الحق في المساواة أمام القانون وفي التمتع بحمايته على قدم المساوة دونما أي تمييز؛
• الحق في أن تفصل في التهمة الجنائية الموجهة إليهم محكمة مستقلة
u1578?تمتع بصفة القطع والتقرير؛
• الحق في دفاع الشخص عن نفسه أو في طلب المساعدة القانونية من أشخاص يختارهم بنفسه.
وترى منظمة العفو الدولية أن فرض "أوامر المراقبة" يتساوى مع قيام وزير في الحكومة بـ"اتهام" شخص وبـ"محاكمته" وبـ"إدانته" من دون الضمانات المطلوبة للمحاكمة العادلة في القضايا الجنائية. ومثله مثل قانون مكافحة الإرهاب، فإن قانون منع الإرهاب للعام 2005يشكِّل اعتداء على حماية حقوق الإنسان وعلى استقلال القضاء وحكم القانون. فهو يسمح بفرض عقوبة ذات طابع جنائي دونما كفالة للحق في محاكمة عادلة. وقد أفضى تنفيذه إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. ومنظمة العفو الدولية تواصل دعوتها إلى إلغاء قانون منع الإرهاب.
وفيما يتعلق بأوامر المراقبة غير المقيِّدة، أعرب مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا عن "قلقه بشأن إقرار أوامر من شأنها طمس الحاجة إلى المقاضاة والتحايل على الضمانات الأساسية التي توفرها الإجراءات الجنائية" . وقال إن "أوامر المراقبة تثير ليس فحسب نقاطاً عامة يتضمنها المبدأ الدستوري المتعلق بحكم القانون وبفصل السلطات، وإنما أيضاً عدداً من بواعث القلق المحددة بخصوص التساوق مع الحقوق التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية".
وأعربت لجنة المملكة المتحدة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان كذلك عن بواعث قلقها. وجاء في آخر تقاريرها بشأن قانون منع الإرهاب، الذي نشرته في 14فبراير/شباط 2006، ما يلي:
يتمثل الاستخلاص العام بشأن هذه المسألة في أن لديها بواعث قلق لا يستهان بها بشأن مدى تساوق نظام أوامر المراقبة هذا، وفي غياب الضمانات الكافية، مع حكم القانون ومع المبادئ الراسخة التي تحكم الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية. كما تعرب عن شكِّها فيما إذا كانت مواصلة إنفاذ نظام أوامر المراقبة تتساوق مع المادتين 5(4) و6(1) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتقول إنها، واستناداً إلى هذا الاعتبار وحده، تنظر بعين الشك الجدي إلى مسألة تجديد القانون قبل أن يناقش البرلمان أولاً ويقرر ما إذا كانت المقتضيات الخاصة للحالة الأمنية الراهنة تبرر هذه الاستثناءات غير العادية للمبادئ الإنجليزية التقليدية للإجراءات القانونية الواجبة، وبما يرقى في الواقع العملي إلى تقييد المادتين 5(4) و6(1) من الاتفاقية الأوروبية.
وفي 11مارس/آذار 2005، وفي اليوم نفسه الذي انقضت فيه فترة صلاحية اعتقال الأشخاص بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وخلال ساعات من تمرير قانون منع الإرهاب للعام 2005على عجل من خلال البرلمان وسريان مفعوله، فُرضت "أوامر المراقبة" على 10اشخاص كانوا معتقلين من دون محاكمة فيما سبق بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وذكر لورد كارلايل مؤخراً أن 18شخصاً أُخضعوا لـ"أوامر المراقبة" ما بين بدء سريان مفعول قانون منع الإرهاب ونهاية 2005.
إلا أن عدد الأوامر التي ظلت سارية المفعول في نهاية 2005لم يتجاوز 9أوامر، بما فيها واحد فُرض على أحد مواطني المملكة المتحدة . ويعود هذا إلى صدور تسعة أوامر بالإبعاد بحق تسعة رجال في 11أغسطس/آب 2005 . وكان هؤلاء التسعة معتقلين فيما سبق بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب . واستُصدرت "أوامر مراقبتهم" في نهاية أغسطس/آب إثر اعتقالهم استناداً إلى سلطات الهجرة القاضية بتنفيذ إبعادهم بدواعي الأمن القومي (أنظر ما يلي.
1.7.2 قضية محمود أبو رضا
محمود أبو رِضا لاجئ فلسطيني بلا جنسية يبلغ من العمر 33عاماً وناجٍ من التعذيب. وهو متزوج ولديه خمسة أطفال. ويعيش في المملكة المتحدة منذ 1997. واعتُقل ابتداء واحتجز بموجب قانون مكافحة الإرهاب في ديسمبر/كانون الأول، وتم احتجازه في بداية الأمر في سجن بيلمارش ذي الإجراءات الأمنية الفائقة في جنوبي لندن. ويعاني محمود أبو رِضا من شكل حاد من أشكال الاضطراب العصبي لما بعد الصدمة. وحركت ظروف الاعتقال القاسية، عندما كان يُحتجز لمدد تصل إلى 22ساعة في اليوم، حالات استرجاع نفسي لتجارب التعذيب لديه؛ فصار يؤذي نفسه وحاول أخذ حياته بيده في ما لا يقل عن أربع مناسبات منفصلة. ويعاني كذلك من ألم العصب الوركي (عرق النِّسا)، الذي تفاقم أثناء حبسه في بيلمارش، ما أجبره على استخدام كرسي متحرك في حينه.
وبعد اعتقال استمر أكثر من ثلاث سنوات، "أفرج" في مارس/آذار عن محمود أبو رِضا بموجب "أمر مراقبة" استناداً إلى قانون منع الإرهاب للعام 2005. ولا يزال مريضاً على نحو خطير. وفي 17نوفمبر/تشرين الثاني 2005، التقى محمود أبو رِضا في منـزله بالمملكة المتحدة ممثلين عن منظمة العفو الدولية، بمن فيهم كيت ألين، مديرة فرع المملكة المتحدة لمنظمة العفو الدولية. وأثناء الزيارة، أعرب عن مخاوفه من أفعال سلطات المملكة المتحدة وعن قلقه حيال الآثار التي تخلِّفها على عائلته:
لو استطعت أن أعود، لعدت إلى فلسطين غداً. لم يحدث أن جرت مقابلتي أو استجوابي. كانت هذه هي المرة الأولى التي اعتقلت فيها. يقولون إنني إرهابي، ولكنهم لم يبرزوا أبداً أي أدلة ضدي [حول هذا] كل هذه السنين. إنهم يعاملونني كمجرم. و
u1601?ي الواقع، يعاملون المجرمين بصورة أفضل. وتقول وزارة الداخلية إنني قد خرقت شروط
إقامتى. ولا أدري ما الذي سيحدث. فمنذ 2001وهم يقولون إنهم لا يستطيعون إبعادي، والآن لا أعرف. إنهم الآن يبعدون الآخرين [أي المعتقلين السابقين] الذين يواجهون الظروف نفسها.
واحتجز محمود أبو رِضا لأكثر من ستة أشهر في سجن بيلمارش عام 2002. وتدهورت صحته العقلية إلى درجة أنه نُقل إلى مشفى برودمور النفسي ذي الإجراءات الأمنية الفائقة في يوليو/تموز 2002، على الرغم من أن الخبراء أشاروا إلى أنه من غير المناسب له من الناحية الإكلينيكية أن يوضع في مؤسسة مسؤولة عن العناية بالمرضى الخطرين والعنيفين.
وفيما يتعلق بالوقت الذي كان محتجزاً فيه، قال محمود أبو رِضا : وقع العديد من الحوادث العنصرية في برودمور وبيلمارش. ولدي كثرة من الشهود الذين رأوا ما حدث لي، وأريد الطلب من الحكومة التحقيق في هذه الحوادث.
ووصف محمود أبو رِضا كيف يكون الأمر عندما يكون المرء "حراً" وخاضعاً "لأمر مراقبة":
لا أستطيع النوم. وأقضي كل وقتي في البيت. لا أخرج كثيراً؛ فأنا لا أقدر على ذلك. لا أستطيع زيارة عائلتي أو أصدقائي [ولا يأتون إلى هنا] لأنهم خائفون كثيراً. فهم يخشون من أن تُعطى أسماؤهم لوزارة الداخلية.
في البداية، كان علي أن أثبت وجودي كل صباح في الساعة 4.5صباحاً. فلم أستطع أن أنام. وكنت مضطراً لتناول أقراص منوِّمة. وطلبت من وزارة الداخلية تغيير ذلك، فغيروه إلى الساعة 5.00صباحاً. ولم يساعدني ذلك على النوم. وهذا مزعج تماماً لزوجتي ولأطفالي.
وطلبت أن أذهب إلى المسجد لمدة ساعة كل يوم. ولم يردّوا [وزارة الدخلية]. أطلب أشياء من وزارة الداخلية، ولا يردّون. إننا ندور في حلقة مفرغة.
طلبت منهم [وزارة الداخلية] تجديد وثائق سفري [بصفتي لاجئاً يعيش في المملكة المتحدة]، ولكنهم رفضوا قائلين إنني متورط في أنشطة متطرفة في المملكة المتحدة وفيما وراء البحار، ولكن لم يحدث أن استجوبني أحد أو وجه إلي أية تهمة. وفي كل مرة [يبدوفيها أن الأمور قد تحسنت] يسنون استثناء جديداً في القانون.
وأعربت زوجة محمود أبو رِضا عن قلقها بشأن زوجها وعائلتها أثناء هذه المحنة قائلة:
كل هذه الضغوط، طيلة هذا الوقت. لدينا خمسة أطفال، ولكننا هنا وحدنا [دون عائلة ممتدة تدعمنا]. ونحن قلقون بشأن الأطفال. فهم لا يحبون رؤية الشرطة تأتي إلينا، فهؤلاء كثيراً ما كانوا يأتون ليروا ما إذا كانت لدينا أجهزة إلكترونية أو إمكانية لاستخدام الإنترنت. لا أستطيع ترك زوجي وحده، فهو في وضع سيء جداً. ونشعر بالتوتر طوال الوقت. إذا كان [زوجي] مذنباً، فليوجهوا تهمة إليه. وإذا لم يكن كذلك، فدعوه وشأنه.
ولا يزال محمود أبو رِضا يعيش في منـزله في المملكة المتحدة مع زوجته وعائلته ويخضع لـ"أمر المراقبة". لم توجَّه إليه أبداً أية تهمة جنائية، ولم يُستجوب أبداً حول أية جريمة.
8.2 بعد تفجيرات لندن: تدابير جديدة تهدد حقوق الإنسان
ليس بإمكاننا دعم اعتبار مخالفة بهذا الاتساع والغموض تحت عنوان تمجيد الإرهاب بأن تصبح جريمة جنائية. فبحق السماء، ما الذي يعنيه ذلك. فالإرهابي لدى أحد الأشخاص مقاتل من أجل الحرية لدى آخر... إن هذا مقترح خطير يصعب تحديد أبعاده من الناحية النظرية، وغير قابل للتطبيق من حيث الممارسة، ويعرض حرية الكلام للخطر.
عضو البرلمان مارك أوتي، الذي شغل آنذاك الناطق باسم وزارة الخارجية عن الحزب الديمقراطي الليبرالي،
22 سبتمبر/أيلول 2005.
قُتل 52شخصاً وجُرح مئات غيرهم نتيجة لأربعة تفجيرات بالقنابل استهدفت نظام النقل العام في لندن في 7يوليو/تموز 2005. ووقعت سلسلة أخرى من الحوادث الأمنية الخطيرة في 21يوليو/تموز 2005. ووجِّه الاتهام إثر ذلك إلى ما لا يقل عن أربعة أشخاص بجرائم تتصل بأحداث 21يوليو/تموز.
وفي 5أغسطس/آب 2005، أعلن رئيس الوزراء خطة من اثنتي عشرة نقطة تتعلق بـ"إطار عمل شامل من أجل التعامل مع التهديد الإرهابي في بريطانيا". وصرح بما يلي: "لقد تغيرت قواعد اللعبة، ولا يشكنَّ أحد في ذلك". وقال إن مقترحاته "ضرورية" وإن تدابير إدارية لا تحتاج إلى تشريع أولي سوف تُعتمد "بأثر فوري". ورقي تصريحه، إذا ما أُخذ بمجمله وأُضيفت إليه الردود التي أجاب بها لاحقاً، إلى مرتبة الهجمة الخطيرة على حماية حقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء.
وتضمنت خطة رئيس الوزراء: إبعاد الأشخاص إلى دول عرف عنها ممارسة التعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة على أساس "تأكيدات دبلوماسية"؛ وأسساً جديدة للإبعاد والاستثناء؛ وجرائم جديدة يُجرَّم بموجبها "التحريض غير المباشر على الإرهاب"؛ والرفض الآلي لطلب اللجوء بالنسبة للأشخاص الذين يُعتقد أن لهم صلة بالإرهاب؛ وتمديد الحد الأقصى لفترة ا ?اعتقال السابق على المحاكمة بصورة كبيرة للأشخاص المحتجزين بمقتضى تشريع مكافحة الإرهاب.
وفي ذاك الوقت، أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها من أن بعض المقترحات التي أعلنت سوف تتهدد استقلال القضاء وتقوض حكم القانون وحقوق الإنسان الأساسية في المملكة المتحدة. وشعرت المنظمة بالانزعاج أيضاً من انتقاد رئيس الوزراء لقرارات المحاكم الوطنية بإلغاء أوامر إبعاد صدرت في قضايا واجه فيها الأفراد المعنيون الطرد القسري إلى بلد يمكن أن يواجهوا فيها خطراً حقيقياً بأن يتعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة.
9.2 تقويض الحق في طلب اللجوء والتمتع به
أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن تصريح رئيس الوزراء في 5أغسطس/آب يشكل تهديداً للحق في طلب اللجوء والتمتع به. إذ ينبغي أن يتم النظر في أي نية باستثناء شخص ما من وضع اللجوء في سياق الإجراءات العادية لتقرير وضع اللجوء، كما ينبغي أن يخضع للمبادئ الأساسية للنـزاهة الإجرائية، بما في ذلك حق الطعن في قرار الاستثناء، وحق البقاء في المملكة المتحدة أثناء فترة النظر في الطعن.
وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق من إمكان استثناء أشخاص شاركوا في أفعال قامت بها جماعات سياسية مسلحة أو في أنشطة سياسية أخرى لا تنطوي في طبيعتها على خطورة تستدعي استثناؤهم في الوقت الراهن من وضع اللاجئ بمقتضى اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1951الخاصة بوضع اللاجئين (اتفاقية اللاجئين)، والبروتوكول الخاص بوضع اللاجئين للعام 1967الملحق بها. ففي كل الأحوال، وحتى عندما يُستثنى شخص ما من وضع اللجوء بمقتضى اتفاقية اللاجئين، فإن سلطات المملكة المتحدة ملزمة، على الرغم من ذلك، بموجب القانون الدولي العرفي وبمقتضى الأحكام التي شرعتها، بين جملة أشياء، اتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، أي المبدأ المتضمن في حظر التعذيب أو غيره منضروب سوء المعاملة، والذي يقضي بأن لا يُرسل شخص أبداً إلى أي مكان يمكن أن تتعرض/يتعرض فيه للإخضاع للتعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة. وتنطبق الحماية من الإعادة القسرية على جميع الأفراد، بغض النظر عن أي جرم يمكن أن يكونوا قد ارتكبوه أو يشتبه بأنهم قد ارتكبوه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2005، أصدر مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين تعليقات بشأن مشروع قانون الهجرة للجوء والجنسية للعام 2005 -- وهو التشريع الرابع في هذا المجال الذي تصدره هذه الحكومة.
وركَّزت تعليقات مكتب المفوض السامي على فقرة بعينها في مشروع القانون حملت في حينها رقم الفقرة 52. فالفقرتان "اتفاقية اللاجئين: التعمير" و"اتفاقية اللاجئين: إصدار الشهادات" هما الوسيلة التي اختارتها حكومة المملكة المتحدة لتنفيذ مقاصد رئيس الوزراء بحرمان الأشخاص الذين يوصفون بأنهم على صلة بالإرهاب من اللجوء.
فبينما شدَّد مكتب المفوض السامي على أن اتفاقية اللاجئين "توفر الأدوات المناسبة لضمان عدم توفير الملجأ للإرهابيين"، أعرب المكتب عن قلقه من أن الفقرة التي حملت رقم الفقرة 52من مشروع القانون في حينه يمكن أن تؤدي إلى تطبيق واسع النطاق على نحو مبالغ فيه لفقرات الاستثناء من الاتفاقية "بما يترتب عليه حرمان أشخاص بعينهم لا يشملهم نطاق فقرتي الاستثناء من الاستفادة من الحماية الدولية". وفي هذا الصدد، لاحظ مكتب المفوض السامي للاجئين ما يلي:
في حقيقة الأمر، فإن قول مشروع لمجلس الأمن (الدولي) إن فعلاً ما "إرهابي" بطبيعته لن يكون كافياً بحد ذاته لكفالة تطبيق المادة 1و(ج) [إحدى فقرتي الاستثناء من اتفاقية اللاجئين]، وخصوصاً بالنظر إلى عدم وجود تعريف قانوني مقبول بصورة شاملة على المستوى العالمي. وهكذا، فإن غياب مثل هذا التعريف يعطي تبريراً إضافياً لضرورة تبني منهج مقيَّد في تقرير إمكان انطباق المادة 1و(ج).
...
ويشعر مكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين بالقلق من إمكان أن يؤدي الاستخدام الآلي وغير المقيَّد للمادة 1و (ج) بالعلاقة مع جميع الأفعال التي يُرى أنها "إرهابية" إلى تطبيق غير متناسب لفقرة الاستثناء، وبطريقة تُناقض الهدف والغرض الإنسانيين لاتفاقية العام 1951، اللذين يعلوان من حيث الثِقل القانوني على أي اعتبار آخر.
ويمكن للفقرة 7الراهنة، التي تحمل عنوان "الإبعاد"، أن تنطبق أيضاً على الأشخاص الذين يُرى أنهم يشكلون تهديداً للأمن القومي. إذ تنص هذه على جواز الاستماع للدعوى المقامة ضد طالب اللجوء أمام اللجنة الخاصة لطعون الهجرة بعد طرد طالب اللجوء من المملكة المتحدة. وبينما يستطيع طالب اللجوء الطعن في قرار رفض طلب اللجوء من داخل المملكة المتحدة، قبل إخراجه، استناداً إلى أن من شأن إخراجه أن يشكل خرقاً لحقوقه الإنسانية، فإنه لن يكون بإمكانه/إمكانها الطعن في قرار رفض اللجوء في هذه المرحلة. حيث سيُنظر في مثل هذا الطعن جنباً إلى جنب مع الطعن في الادعاء بأن طالب اللجوء يشكل خطراً على الأمن القومي.
وما برحت منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق من أن مشروع قانون الهجرة للجوء والجنسية -- الذي يناقشه البرلمان حالياً -- يتضمن أحكاماً من شأنها، إذا ما وضعت موضع التنفيذ، تقويض أحد الأهداف الأساسية لاتفاقية الأمم المتحدة للاجئين: ألا وهو توفير الحماية الدولية للأشخاص الساعين إلى اللجوء على أساس الاضطهاد السياسي.
10.2 الاحتجاز مجدداً في انتظار الإبعاد على أساس الأمن القومي
في أغسطس/آب 2005، وفي أعقاب توقيع حكومة المملكة المتحدة مذكرة تفاهم مع الأردن (أنظر ما يلي للاطلاع على مناقشة وافية للمسألة)، اعتُقل 10أشخاص واحتجزوا في انتظار إبعادهم على أساس الأمن القومي. وكان ما لا يقل عن ثمانية منهم من المعتقلين الاحترازيين السابقين بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب (أنظر الحالات "أ" و"ز" و"ح"). ومذّاك صدرت أوامر إبعاد أيضاً بحق مواطني دول أجنبية آخرين على أساس الأمن القومي، واحتجز هؤلاء بموجب سلطات الهجرة في انتظار الإبعاد، بمن فيهم سبعة جزائريين اعتقلوا واحتجزوا في سبتمبر/أيلول 2005. وبين هؤلاء أربعة رجال برأتهم محكمة في المملكة المتحدة من تهمة التخطيط لشن هجوم باستخدام "الراسين". وأبلغ قضاة محلفون شاركوا في القضية صحيفة الغارديان اللندنية بأنهم يشعرون بالغضب لتجاهل الحكم الذي أصدروه، وأعربوا عن قلهم من أن الرجال سوف يواجهون التعذيب أو الموت إذا ما أُبعدوا إلى الجزائر. وقال أحد المحلفين: "إذا كان لدى أي أحد أسس تخوله اللجوء إلى هذا البلد، فهو هؤلاء الرجال".
وبحسب ما لدى منظمة العفو الدولية من معلومات، فإنه وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2005جرى اعتقال 29شخصاً في انتظار إبعادهم باعتبارهم "تهديداً للأمن القومي" ، وجميع هؤلاء يمكن أن يواجهوا خطر التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة حال إبعادهم من المملكة المتحدة.
وبإمكان هؤلاء الطعن في مذكرة الإبعاد أمام اللجنة الخاصة بطعون الهجرة. وفي حال التقدم بأي طعن، يتوجب على وزير الداخلية إقناع لجنة الطعون بأن الإبعاد لن يُعرِّض المُبعد لاحتمال وقوع خرق للمادة 3من الاتفاقية الأوروبية، التي تحظر التعذيب أو سوء المعاملة.
1.10.2 قضية "أ"
"أ" رجل جزائري في السادسة والثلاثين من العمر نشير إليه بالرمز "أ" لأسباب قانونية، وهو متزوج ولديه خمسة أولاد. واعتقل في المملكة المتحدة واحتجز على أيدي السلطات بمقتضى الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب في ديسمبر/كانون الأول 2001. وجرى احتجازه في سجن وودهيل ذي الإجراءات الأمنية الفائقة بلا تهمة حتى "الإفراج عنه" من الاعتقال في مارس/آذار 2001. وتبع "الإفراج عنه" فرض قيود مشددة عليه بمقتضى ما يسمى "أمر مراقبة" وفقاً لقانون منع الإرهاب للعام 2005. وظل تحت "أمر المراقبة" حتى أغسطس/آب 2005، عندما أعيد اعتقاله واحتجز بموجب سلطات الهجرة في انتظار تسفيره استناداً إلى مقتضيات "الأمن القومي". وخلال اعتقاله الأخير، أُخضع "أ" "للمراقبة الخاصة بخطر الانتحار" وللعلاج ضد الاكتئاب. وأشارت الشواهد الطبية على أن صحته العقلية قد تدهورت نتيجة لإعادة اعتقاله. ومُنح "أ" "إفراجاً" بالكفالة بناء على شروط في غاية الصرامة ترقى إلى مرتبة "الإقامة الجبرية المنـزلية" في أكتوبر/تشرين الأول 2005، وجزئياً لأسباب طبية.
ويعيش "أ" حالياً تحت "الإقامة الجبرية" مع زوجته وأطفاله في انتظار البت في طعنه بقرار إبعاده، الذي يتوقع أن يُنفَّذ في مارس/آذار أو أبريل/نيسان 2006. وقد زار ممثلون عن منظمة العفو الدولية، بمن فيهم الأمينة العامة، إيرين خان، "أ" وزوجته في منـزلهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2005. وفيما يلي عرض لما قال.
إثر الهجمات الإرهابية في لندن في 7يوليو/تموز، أذكر أنني أبلغت محاميتي بأنني أتوقع أن أُعتقل. إذ كنت قد اعتقلت في أعقاب هجمات 11سبتمبر/أيلول في نيويورك، ولذا فلم أتوقع أن يكون الأمر مختلفاً. ولكن محاميتي أصرت على أن هذا سوف يكون فضيحة كبرى لهم. ولكنها كانت على خطأ. إذ جاءت الشرطة إلى منـزلي في الصباح المبكر [في أغسطس/آب]. كان هناك العديدون منهم، وناولوني أمر الإبعاد قائلين إنني سوف أعتقل إلى حين إبعادي. وأبلغوني بأن أحزم حقائبي وأصروا على تكبيل يدي قبل أن أتمكن من وداع عائلتي. وبعد شجار معهم حول ذلك، وافقوا على تركي أودع زوجتي وأطفالي دونما أصفاد.
وإثر اعتقالي، نقلتني الشرطة إلى سجن وودهيل، حيث أُخذ مني ما أحمله معي وجُرِّدت من ملابسي بالكامل مرتين. وكمسلم، كانت هذه تجربة مهينة للغاية لي. وبعد أربع أو خمس ساعات، وضعتني الشرطة في شاحنة مقفلة مع شخصين آخرين ثم سافرنا لمدة أربع ساعات كنت ما أزال خلالها مكبل اليدين؛ وشعرت بالعطش، إلا أنهم رفضوا تقديم الماء لي. وبعد ثلاث أو أربع ساعات وصلنا إلى سجن فُل ساتون. ولم يسمح لي بالاتصال بمحاميتي لقرابة ثلاثة أيام. كانت ظروف الاعتقال في غاية السوء. ولم أكن لأحلم أبداً بأن مثل هذه الأوضاع موجودة في بريطانيا.
ووصف "أ" الآثار التي تركتها ظروف الاعتقال عليه وعلى عائلته قائلاً: أنا في الأساس محتجز في البيت لمدة 24ساعة في اليوم. لا أستطيع استخدام الإنترنت، ولا يسمح لي بالخروج ح�578?ى إلى حديقتي الشخصية. وأضع جهاز تعقب حتى تستطيع وزارة الداخلية مراقبة تحركاتي. ولقد واجهت عدة مشكلات مع جهاز التعقب. فقد جاءت الشرطة إلى منـزلي قرابة 40مرة منذ الإفراج عني بالكفالة. وكانوا يأتون قائلين إنهم قد تلقوا إشارة إنذار من جهاز التعقب. وهذا يرعب أطفالي، كما إن ما يسببه هذا الوضع من ضغوط على عائلتي هائل. ولدي مشكلة مع الاكتئاب ومع ارتفاع معدلات الكوليسترول لدي. وقد طلبت من وزارة الداخلية أن أعرض على طبيب فأجابوني بأنهم سيرتبون ذلك خلال 24ساعة. ومضى أسبوعان حتى الآن وما زلت أنتظر الموافقة على زيارة الطبيب.
وتحدثت زوجة "أ" عن العواقب التي ترتبت على عائلتها في السنوات الأربع الماضية قائلة:
فقدنا كل إحساس بالحياة العادية. فقد وقعت لنا مشكلات مع الجهاز [التعقب] مرات عديدة. وهناك دائماً صوت دقات الساعة المرتفع، ومن ثم الإغارة على المنـزل، إلا أن الحياة يجب أن تستمر. لدينا المشكلات التي تواجهها الأسرة العادية، من تنشئة الأولاد وما إلى ذلك، ولكن فوق هذا وذاك لدينا الضغوط التي نرزح تحتها جراء هذه القضية السياسية والقانونية. فابنتي تبكي في الحضانة طوال الوقت، تبكي من أجل أبيها. وابني البالغ من العمر ثماني سنوات يعاني من النشاط المفرط. وأنا متأكدة بأن هذا بسبب غياب النظام نتيجة لغياب والده. وأنا قد تعبت من كل هذا. وكل ما أريده هو أن نخلص من هذا الوضع، ولكنني قد تعلمت أن أعيش يوماً بيوم.
وما زال "أ" وزوجته ينتظران أن توجه حكومة المملكة المتحدة تهماً إلى "أ".
حتى الآن، لم يصدر عن الحكومة ضدي سوى المزاعم، وهي مزاعم قد كلفتنا السنوات الأربع الأخيرة من حياتنا.
وكان بعض هؤلاء الرجال قد احتجزوا لسنوات في ظروف قاسية وتحت أنظمة في غاية التقييد بموجب قانون مكافحة الإرهاب وفي مؤسسات ذات إجراءات أمنية فائقة، وبلا تهمة أو محاكمة. وكنتيجة لذلك، عانى معظمهم، وأفراد عائلاتهم، تدهوراً خطيراً في صحتهم العقلية والبدنية.
لقد مررنا بأربع سنوات صعبة بصورة لا يقبلها العقل. فقد عشنا مع عقابيل سَجن أحبائنا إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة؛ ولقد عشنا تحت ضغوط قيود معقدة وقاسية بمقتضى أوامر المراقبة. ومع ذلك، لم توجَّه لأحبائنا أبداً أي تهمة بجريمة جنائية. ولأربع سنوات لم يهدأ لنا بال، وافتقدنا الحياة الأسرية. إن حياتنا وحياة أطفالنا قد جرى تمزيقها.
مقتطف من "بيان باسم عائلات المبعدين"، 3نوفمبر/تشرين الثاني 2005
وفي أعقاب الحكم الذي أصدره لوردات القانون في ديسمبر/كانون الأول 2004، أُخضع هؤلاء الرجال، ما بين مارس/آذار وأغسطس/آب 2005لـ"أوامر مراقبة" بمقتضى قانون منع الإرهاب للعام 2005. وبعد ذلك في أغسطس/آب 2005، ودونما تفسير أو إنذار مسبق، أعادت السلطة التنفيذية للمملكة المتحدة اعتقال ثمانية منهم وسجنتهم بموجب سلطات الهجرة، زاعمة أن اعتقالهم هذا يأتي تهيئة لإبعادهم استناداً إلى اعتبارات الأمن القومي.
ولدى إعادة احتجاز المعتقلين الاحترازيين السابقين في 11أغسطس/آب 2005، وُضع هؤلاء في سجن لونغ لارتين، في ويرسيستشير، وهو سجن يتصف بأساليب وأنظمة أمنية تعمل على أساس التفريق بين الأشخاص، وفي سجن فُل ساتون القريب من يورك، وهو سجن ذو إجراءات أمنية قصوى. والسجنان بعيدان جداً عن أماكن إقامة عائلاتهم (بالنسبة للمتزوجين)، وعن محامييهم، والأنكى من ذلك عن أطبائهم.
وساورت منظمة العفو الدولية بواعث قلق عميق عندما أُبلغت بأن من اعتُقلوا في سجن لونغ لارتين قد وُضعوا تحت "المراقبة الخاصة بخطر الانتحار"، بمن فيهم "ز" (أنظر ما يلي)، الذي "أُفرج عنه" من الحجز بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب فيما سبق بالكفالة جراء تدهور صحته العقلية نتيجة لحبسه المطوَّل بلا تهمة.
ووفقاً للمعلومات التي نُشرت على الملأ من جانب محامييهم في حينه، جرى احتجاز من اعتُقلوا في سجن فُل ساتون في وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة، التي وُجد فيما سبق أنها لا تصلح لإقامة البشر. وتشير التقارير أن الزنازين فيها أصغر حتى من تلك الموجودة في سجن بيلمارش. وفي اغسطس/آب 2005، قال المحامون إن الوحدة كانت حرفياً تعج بالعناكب ونسيجها، وأنها تظل غير مناسبة للسكن من قبل البشر.
وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها العميق بشأن ما بدا استمراراً لعدم الاكتراث من جانب سلطات المملكة المتحدة بالتاريخ النفسي الخطير الذي عاناه هؤلاء الأفراد وبالأسباب التي أدت إليه، وبشأن العواقب شبه الحتمية التي سيرتبها تجديد اعتقالهم على صحتهم العقلية والبدنية.
2.10.2 قضية "ز"
"ز" ناجٍ جزائري من التعذيب يبلغ من العمر 36عاماً وفر إلى المملكة المتحدة بحثاً عن الملجأ والحماية. ونشير إليه بالرمز "ز" لأسباب قانونية. وهو متزوج ولديه طفلة واحدة. وعانى "ز" في طفولته من شلل الأطفال وأدى ذلك إلى وهن دائم في ساقه اليمنى. ويعاني كذلك من اضطراب اكتئابي رئيسي. واعتقل ابتداء واحتجز في المملكة المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2001بمقتضى الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب. وكان احتجازه في سجن بيلمارش ذي الإجراءات الأمنية الفائقة في جنوبي لندن بلا تهمة حتى أبريل/نيسان 2004، عندما مُنح "إفراجاً" بالكفالة بسبب مرض عصبي شديد نجم عن اعتقاله لأجل غير مسمى، بينما تم "الإفراج" تحت شروط صارمة ترقى إلى مستوى "الإقامة الجبرية". وتفاقمت أثناء وجوده في بيلمارش وفي فترة "الإقامة الجبرية" حالة الوهن التي عانت منها ساقه، وبحسب ما ذُكر نتيجة الافتقار إلى الرعاية الصحية المناسبة وعدم قدرته على القيام بتمارين رياضية. وفي مارس/آذار 2005، فُرض عليه "أمر مراقبة" بموجب قانون منع الإرهاب وبشروط تشبه تماماً تلك التي فرضت عليه عندما أفرج عنه بالكفالة. وبمقتضى "أمر المراقبة" – الذي جرى تخفيفه قليلاً في النهاية – تحسنت إلى حد ما فرص حصوله على العلاج الطبيعي وممارسته للتمارين الرياضية، ولذا أصبح بإمكانه المشي مستعيناً بعكازين. واستمر بعد ذلك في العيش تحت "الإقابة الجبرية" إلى حين اعتقاله واحتجازه، في أغسطس/آب 2005، بمقتضى سلطات الهجرة في انتظار ترحيله على أساس ضرورات الأمن القومي. واحتُجز في سجن لونغ لارتين، بويرسيستشير، حيث قام بمحاولة خطيرة للانتحار. وفي أكتوبر/كانون الأول 2005، ونتيجة لاكتئابه الشديد الذي أظهرته محاولات انتحاره، أمرت اللجنة الخاصة بطعون الهجرة بـ"الإفراج عنه" بالكفالة استناداً إلى اعتبارات طبية استثنائية. وقُبلمبرر خشية "ز" من أن يعاد قسرياً إلى الجزائر على أنها أحد عوامل تدهور صحته. ولا يزال في منـزله، ومجدداً تحت شروط كفالة صارمة لـ "الإقامة الجبرية". وقد تفاقم الوهن الذي تعاني منه ساقه، ومرة أخرى كنتيجة لعدم كفاية الرعاية الصحية، وعندما التقى ممثلو منظمة العفو الدولية به، أبلغهم بأنه يستخدم كرسياً متحركاً. وهو حالياً في انتظار نتائج طعنه في قرار إبعاده.
وقد التقى ممثلون عن منظمة العفو الدولية، بمن فيهم الأمينة العامة إيرين خان، بـ"ز" وبزوجته في منـزلهما في نوفمبر/تشرين الثاني2005. وفيما يلي سرد لما قاله "ز".
أُعيد اعتقالي في أغسطس/آب 2005عندما جاء أكثر من 50من موظفي الهجرة والشرطة وقوات الأمن إلى منـزلي في السادسة صباحاً. ودخل سبعة إلى عشرة من رجال الشرطة إلى البيت بينما انتظر الآخرون في الشارع في أربع شاحنات شرطة. ورفضت الشرطة السماح لي بالاتصال بمحامي، كما رفضوا إبلاغي أو إبلاغ زوجتى بالمكان الذي يعتزمون أخذي إليه. ولا أفهم السبب وراء قدوم الشرطة في تلك الساعة من الصباح أو بهذا العدد الهائل. فقد كنت خاضعاً للمراقبة والإقامة الجبرية لمدة 24ساعة في اليوم. وتحت أعينهم طيلة الوقت.
إثر اعتقالي، أخذتني الشرطة إلى سجن لونغ لارتين، حيث احتُجزت من أغسطس/آب إلى أكتوبر/تشرين الأول 2005. وعندما وصلت إلى لونغ لارتين، أُبلغت أن بإمكاني إجراء مكالمة هاتفية واحدة: مع محاميَّ أو مع زوجتي. وبعد اتصالي بمحاميَّ أُخذت إلى زنزانتي التي كانت صغيرة للغاية ولا تحتمل وجودي ووجود كرسيي المتحرك معاً. ولذا اضطررت إلى تقليص عرض كرسيي المتحرك حتى أتمكن من الدخول إلى الممر الذي كان أمام زنزانتي مباشرة ولا يزيد عرضه على المتر، ومن الخروج منه. وانتهى بي الأمر إلى استخدام حزامي، الذي أوثقته بمقعد الكرسي المتحرك. وبسبب مرضي، نُقلت إلى جناح العناية الصحية، حيث مُنعت من التحدث إلى أي مريض آخر، كما لم يُسمح لي بالتحدث إلى أحد؛ ولا أن اختلط بأي من المرضى!
ووصفت الشهادة الطبية التي قُدِّمت أثناء طلب الكفالة "الاكتئاب المطوَّل الذي سببته عذابات "ز" لزوجته وابنتهما، وما رافقه من أعراض بدنية".
ويعيش "ز" وعائلته حالياً تحت شروط صارمة لـ"الإقامة الجبرية" في انتظار جلسة الاستماع التي ستبتُّ في إبعاده، والتي ينتظر أن تنعقد في أغسطس/آب أو أبريل/نيسان 2006. ووصف لنا "ز" شروط خروجه بالكفاله والآثار التي تُخلِّفها عليه وعلى عائلته على النحو التالي:
تحظر شروط خروجي بالكفالة علي استخدام الهاتف النقال والأجهزة الإلكترونية الأخرى. ولا يسمح لي بالتحدث مع أحد غير زوجتي وطفلتي وأولئك الأشخاص الذين تسمح وزارة الداخلية لي بالكلام معهم. ومع أنني أستطيع الخروج إلى حديقة منـزلي (ولوقت محدود من اليوم)، إلا أنني أخشى من أن يُعتبر ردي السلام على أحد الجيران خرقاً لشروط كفالتي. ولذا، فأنا لا أخرج حتى إلى الحديقة. وكل ليلة، أخشى أن تأتي الشرطة وتعتقلني من جديد. أشعر وكأنني قد فقدت كل صلة بحياتي الطبيعية. فأنا لم أعد أستطيع مواصلة دراساتي، وما فتئت أعاني من اكتئاب شديد. وكذلك الأمر، فإن صحتي البدنية تتراجع لعدم قدرتي على الحصول على تجهيزات العلاج الطبيعي اللازمة بسبب تقييدي بحدود منـزلي. إن النتائج التي ترتبت على الإجراءات التي اتخذتها الدولة ضدي على مدار السنوات الأربع الماضية، بما فيها التهديد بالإبعاد إلى الجزائر، قدكانت مدمرة لي ولعائلتي. فزوجتي تتلقى العلاج للإكتئاب. وكلنا يمر بوقت عصيب ونحن نحاول الإجابة على الأسئلة التي بدأت ابنتنا بطرحها حول وضعنا. وأخذت الشكوك حيال عائلتنا تساور الجيران الذين شهدوا إعادة اعتقالي في أغسطس/آب. وأنا وزوجتي في حالة خوف مستمر من أن تأتي الشرطة مرة أخرى إلى بيتنا دونما سابق إنذار، وأن تعتقلني وتبعدني إلى الجزائر. إنني أفضل الموت على أن أُعاد إلى الجزائر. سأشنق نفسي إذا أرسلوني إلى الجزائر.
أرجوكم أن تسألوا السيد بلير والسيد كلارك ما إذا كانوا مستعدين لقبول أن يعتقل ابن لهم ويحتجز بلا تهمة بالطريقة التي حدثت معي. إنني أريد العدالة: أريد فرصة للدفاع عن نفسي، في محاكمة نزيهة. ولكن بالنظر لما حدث في السنوات الأربع الأخيرة، لم أعد أتوقع العدالة. فأنا لا يسمح لي حتى بمعرفة الأدلة التي تدعي الدولة أنها تملكها ضدي.
وتأمل زوجته كذلك في أن يُقدَّم إلى محاكمة عادلة، وأن تتاح لها الفرصة في أن تستأنف حياتها مع زوجها وابنتها. وتطلب من الحكومة شيئاً واحداً فقط: "رُدّوا إلينا حياتنا".
وبحسب ما لدى منظمة العفو الدولية من معلومات، فإن معظم هؤلاء الرجال، إن لم يكن جميعهم، هم من طالبي اللجوء أو اللاجئين. وكذلك الأمر بالنسبة لعائلاتهم. ومعظمهم من ضحايا التعذيب، وبعضهم يواجه الآن خطر أن يُعاد إلى الأماكن نفسها التي واجه فيها التعذيب.
وعلى الرغم من تعدد قوانين مكافحة الإرهاب واتساع نطاقها في المملكة المتحدة، لم يحدث أن استُجوب هؤلاء الرجال أو يُحاكموا أو يتبين لمحكمة قانونية ما في المملكة المتحدة أنهم مذنبون بجريمة تتصل بادعاءات السلطات منذ اعتقالهم بمقتضى مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، تدعي الحكومة أنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم" وأنهم "تهديد للأمن القومي". وتدلي بمثل هذه الادعاءات رغم حقيقة أنها قد أكدت أمام المحاكم أنه وفيما يتعلق بجميع المعتقلين السابقين، ليست ثمة أدلة كافية تُسند توجيه تهم جنائية إليهم، ورغم حقيقة أنه، وخلال سنوات محنتهم الطويلة، لم يحدث أن قامت الشرطة أو أجهزة الأمن أو مكتب نيابات التاج باستجوابهم أو التحقيق معهم منذ اعتقالهم ابتداء بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب. وعلاوة على ذلك، فقد صرح النائب العام في المحكمة بأنه حتى لو رفع برلمان المملكة المتحدة الحظر الذي فرضه البرلماننفسه على اعتراض المكالمات الهاتفية في الإجراءات الجنائية، فإنه لن يكون هناك ما يكفي من الأدلة لمقاضاة هؤلاء الرجال.
في يناير/كانون الثاني 2006، وفي سياق اجتماع عُقد مع وزير داخلية المملكة المتحدة، تشارلز كلارك، لنقل المستوى الشديد من بواعث القلق لدى عضوية منظمة العفو الدولية على صعيد العالم بأسره بشأن أفعال المملكة المتحدة، أبلغ وزير الداخلية إيرين خان، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، ومديرة فرع المملكة المتحدة لمنظمة العفو، أن ثمة عدداً قليلاً من أشخاص لم تستطع الحكومة مقاضاتهم نتيجة لصعوبات في طرح المعلومات الاستخبارية على المحاكم.
بيد أن سلطات المملكة المتحدة، وحتى أغسطس/آب 2005، كانت تعترف، كما أعلنت على الملأ، بأنه ليس بين هؤلاء من يمكن إبعاده أو إخراجه من المملكة المتحدة بالقوة بسبب التزامات المملكة المتحدة الدولية والوطنية بعدم إعادة أو تسفير أي شخص إلى بلد يمكن أن تتعرض/يتعرض فيه لخطر الإخضاع للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، أو لأية انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
ومن ثم، وفي 11أغسطس/آب 2005، أي اليوم الذي تلا التوقيع على مذكرة التفاهم مع الأردن، شُنت حملت الاعتقالات واحتُجز هؤلاء الرجال، بموجب سلطات الهجرة، في انتظار إبعادهم استناداً إلى مقتضيات الأمن القومي. وفجأة، راحت الحكومة تحاجج بأنه يمكن احتجاز الأشخاص في انتظار الترحيل بسبب الاتفاقية مع الأردن. ومن الواضح أنها لم تُرد أن ترى أن واحداً من المعتقلين فقط يحمل الجنسية الأردنية، بينما يحمل معظمهم الجنسية الجزائرية، وأن مذكرة التفاهم لم تجعل من عمليات الإبعاد إلى بلد له سجله المعروف في مضمار التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة أمراً قانونياً (أنظر ما يلي للاطلاع على نقاش أوفى بشأن هذه المسألة).
وفي الآونة الأخيرة، علَّق مستشار الملكة اللورد كارلايل أُف بيرِّيو، المراجِع المستقل لتشريع "مكافحة الإرهاب" على حقيقة أن حكومة المملكة المتحدة قد فعَّلت "أوامر المراقبة" المفروضة على تسعة أشخاص (بمن فيهم المعتقلون الثمانية السابقون بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب المشار إليهم فيما سبق) حتى يكون بالإمكان ترحيلهم من المملكة المتحدة. بيد أنه، وكما أشار اللورد كارلايل، ليس بين هؤلاء من يمكن أن يكون موضوعاً للإبعاد إلى الأردن سوى معتقل واحد. وبذا، صرح اللورد كارلايل مؤخراً بما يلي:
بالعلاقة مع الثمانية المتبقين من التسعة، فهم ليسوا من الأردن. وليس ثمة من مذكرات تفاهم حتى الآن .. ولدي قلق حقيقي بشأن الاعتقال بمقتضى إجراءات الإبعاد (حتى عندما يمنح الإفراج بالكفالة) لأشخاص من غير الممكن إبعادهم في الممارسة العملية في الوقت الراهن، ومن غير المحتمل أن يخضعوا للمقتضيات القانونية للإبعاد خلال وقت معقول ... وكان الأولى بما لا يقاس أن يتم التوصل إلى مذكرات تفاهم قبل إجراء اعتقالات الإبعاد. وتظل مسألة الفترة التي يمكن أن يستمر فيها هذا الوضع لهؤلاء الأشخاص أمر من اختصاص المحاكم كي تبت فيه. وبالنظر لوجود نظام أوامر المراقبة، فسيكون من الأفضل استخدام ذلك النظام ضد الأشخاص موضوع النظر حتى يتم إنجاز مذكرات مناسبة بشأنهم ... وفي هذا السياق، ينبغي القول إنني لم أُبلَّغ بأي خرق لأوامر المراقب7? طيلة فترة سريان مفعولها على الأشخاص التسعة المذكورين بما عرَّض الأمن القومي للخطر.
وعلى الرغم من هذا، فقد ادعت حكومة المملكة المتحدة، ومنذ أغسطس/آب 2005، أنه ثمة الآن أفق معقول لتنفيذ الإبعاد القسري بحق هؤلاء الرجال وبحق آخرين اعتقلوا منذ ذلك الوقت من المملكة المتحدة خلال فترة زمنية معقولة. وقد أعلنت حكومة المملكة المتحدة أنها تستطيع إخراج هؤلاء الرجال بالقوة من البلاد استناداً إلى الإبرام "الناجح" لمذكرات تفاهم تتضمن اتفاقيات ثنائية مع حكومات دول أجنبية معينة. وتقول حكومة المملكة المتحدة إن هذه الاتفاقيات تُحِلُّها من التزاماتها بموجب القانون الوطني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بأن لا تبعد هؤلاء الرجال إبعاداً قسرياً، نظراً لأن الدول المستقبلة سوف تقدِّم ضمانات بعدم تعرض هؤلاء الرجال للخطر أو لسوء المعاملة عند إعادتهم بالقوة. وقد اتفقت حكومة المملكة المتحدة حتى الآن على مذكرات تفاهم مع الأردن وليبيا ولبنان، وتسعى إلى إبرام اتفاقيات من هذا القبيل مع الجزائر ومصر ودول أخرى في الشمال الأفريقي والشرق الأوسط.
ومعظم هؤلاء معتقلون الآن من قبل السلطات، التي قالت إن إبعادهم من المملكة المتحدة سوف يتم خلال فترة زمنية "معقولة". ونظراً للاحتمال القوي بأن يطعنوا في ذلك، فإن من المحتمل أن يظل الرجال خلف القضبان لعدة أشهر مقبلة، وحتى لسنوات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005، مُنح "أ" و"ز" و"ح" "إفراجاً" بالكفالة بشروط في غاية التقييد ترقى إلى مرتبة "الإقامة الجبرية". وكانت شروط الكفالة التي فرضت عليهم أكثر صرامة من تلك التي كانت مفروضة عليهم من خلال "أوامر المراقبة". وفي وقت لاحق، أُفرج عن الآخرين بالكفالة أيضاً.
ولا يزال محمود أبو رِضا ومعتقل سابق آخر بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب خاضعين لـ"أوامر مراقبة"، ولم توجه إليهم إخطارات بالإبعاد.
3.10.2 قضية "ح"
"ح" رجل جزائري يبلغ من العمر 33عاماً ويقيم في المملكة المتحدة مع زوجته الصومالية الأصل التي تحمل جنسية المملكة المتحدة. ونُشير إليه بالحرف "ح" فقط لأسباب قانونية. وليس لديه أطفال، غير أنه يعتنبي بابنتي أخت زوجته (البالغتين من العمر 11و13عاماً). وفي 1998، منحت حكومة المملكة المتحدة "ح" إذناً غير مقيِّد بالبقاء في المملكة المتحدة. وفي فبراير/شباط 2002، اعتُقل للمرة الأولى في سجن بيلمارش ذي الإجراءات الأمنية الفائقة، في جنوبي لندن، بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب حتى "أُفرج" عنه بمقتضى "أمر للمراقبة" فُرض عليه وفقاً لقانون منع الإرهاب للعام 2005في مارس/آذار 2005. وأُعيد اعتقال "ح" في 11أغسطس/آب 2005واحتُجز في سجن فُل ساتن، قريباً من يورك، حتى "أُفرج" عنه بالكفالة في 26أكتوبر/تشرين الأول 2005بمقتضى شروط "الإقامة الجبرية المنـزلية". ويُسمح له بمغادرة منـزله لمدة ساعتين في اليوم فقط، وقُيِّدت تحركاته بمناطق محددة. ويعاني "ح" من الاضطراب العصبي التالي للصدمة ومن الاكتئاب، وظل تحت "المراقبة الخاصة بالانتحار" أثناء فترة احتجازه.
وفي 17نوفمبر/تشرين الثاني 2005، التقى "ح" مع ممثلين عن منظمة العفو الدولية، بمن فيهم كيت ألين، مديرة فرع المملكة المتحدة لمنظمة العفو. وأبلغهم ما يلي: السلطات تلعب بحياتنا لعبة السياسة. لا نرغب في أن نقع في مصيدة أجندتهم، وسياساتهم. أود العيش كشخص عادي. ولست متأكداً بأنه قد تم وصمي بأنني "إرهابي دولي مشتبه به". إلا أننا تجري معاملتنا بصورة أسوأ من "المحكومين بالسجن المؤبد". ولا نريد أن نُعامل ككباش محرقة. إذا كانوا يقولون بأننا قد فعلنا شيئاً، فقد كان يتوجب عليهم أن يوجهوا تهماً إلينا. إنهم يدمرون حياة كل واحد منا – حياتي وحياة زوجتي وحياة عائلتي. إذا كان لديهم أي شيء ضدي، فلماذا لا يتهمونني من خلال الإجراءات الجنائية العادية؟
ووصف "ح" اعتقاله في 11أغسطس/آب 2005واحتجازه اللاحق: عندما جاءوا، كانت الساعة السادسة صباحاً. كنت قد انتهيت للتو من صلاتي. وكانت ابنة أختي معي. من الصعب جداً وصف ما حدث، وكان من الصعب علي تفسيره لابنتي أختي وزوجتي. كنت قلقاً حول رد فعلهن. كان هناك ثلاثة رجال شرطة وواحد من موظفي الهجرة. قرعوا على باب بيتنا الخارجي بشدة. وكان هناك من يُصوِّر عملية الاعتقال. قاموا بتكبيل يدي. وكنت أرغب في أن يتم ذلك بسرعة حتى لا يتنبه الجيران. لم يقولوا إلى أين سيأخذونني، ولكنهم قالوا إن من حقي الاستئناف. وقالوا إنني سوف أحتجز في انتظار الإبعاد. وما لم أفهمه هو سبب قدومهم بهذه الطريقة في الساعة السادسة؟ كنت أحمل أداة تعقب إلكترونية [تحت المراقبة لمدة 24ساعة في اليوم]. وكان بإمكانهم أن يعرفوا طوال الوقت مكان وجودي. فلماذا يأتون هكذا في السادسة صباحاً؟
أخذوني في البداية إلى وودهيل، ثم إلى فُل ساتون. كان منا خمسة هناك في وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة. ولم يكن فيها ما يشبه السجن؛ وكان رجال الشرطة يسمونها "الغواصة".
سُمح لي بزيارات قانونية، غير أنهم كانوا يفتشونني عارياً قبلها وبعدها. ولم أُرد أن تزورني عائلتي هناك؛ فهو ليس المكان اللائق لذلك. وكان الاعتقال الثاني [في 2005] صعب التحمل. بدأت أتناول مضادات الاكتئاب، وأخذت أؤذي نفسي وكنت تحت المراقبة الخاصة بخطرالانتحار.
وأوضح "ح" شعوره حيال "الإفراج عنه": "أفرج عني"، مع أن ذلك لم يحدث حقيقة. فلم نشعر حتى ما يعنيه طعم الحرية بسبب شروط الأمر بالكفالة. فقد كنا ننتقل من كابوس إلى آخر. وأتوقع الآن أن يأتوني، وأصحو كل صباح في السادسة. فأنا أتوقع دائماً أن يأتوا؛ فلديهم على الدوام شيء يخفونه تحت الطاولة. وهناك حدود للمنطقة التي يمكن أن أتحرك فيها [خارج البيت] لمدة ساعتين في اليوم. أستطيع الذهاب إلى المسجد، ولكنني لا أستطيع أن أتخطى الحدود المرسومة لي. وعلي أن أتصل بأحدهم يومياً في وقت محدد لإثبات الوجود.
قبل هذا [عندما كان تحت شروط "أمر المراقبة"] كانت لدي 12ساعة في اليوم خارج البيت. وكنت أستطيع الذهاب إلى أي مكان ولدي أشخاص سمحت لي وزارة الداخلية [بزيارتهم]. أما الآن فالشروط أشد تضييقاً. فعلى الأشخاص أن يبعثوا بأسمائهم وصورهم إلى وزارة الداخلية، وهم مرعوبون من ذلك. لم نعد الآن نتلقى زيارات اجتماعية، فالزيارات أصبحت أكثر بكثير من النوع الرسمي. لدى زوجتى أربع أخوات، ولم يُسمح إلا لواحدة منهن بزيارتنا [من جانب وزارة الداخلية]. وإحدى أخوات زوجتي تأتي لزيارتنا، لكن الأخريات خائفات. كل ما أريده هو حياة عادية وليس الاستعراض الاجتماعي. علينا استخدام الباب الخلفي للخروج. وأشعر بالقلق طيلة الوقت من أجل عائلتي، كيف سيتحملون هذا. والخشية من الإبعاد رهيبة، فأنت لا تعرف مصيرك. ولم نعد الآن نشعر بالأمان. وهذا صعب للغاية على عائلتي، والآن يتحدثون عن إعادتي إلى "الوطن". لميستطيعوا إبعادنا لثلاث سنوات ونصف السنة، فما الذي تغير حتى يكون بإمكانهم إبعادنا على نحو آمن الآن؟ ورددت زوجة "ح" صدى مخاوف زوجتها قائلة: هذه ليست حياة طبيعية. أنا مرعوبة من أن يأتوا مجدداً في الليل. والجيران يسألونني عن سبب ما يحدث، ولكنني لا أعرف ماذا أقول لهم ... لا استطيع تفسير ذلك.
11.2 قتل جان تشارلز دي مينيزيس
في 22يوليو/تموز 2005، أي في اليوم التالي لسلسلة الحوادث الأمنية الخطيرة التي وقعت في لندن، أطلق رجال شرطة بملابس مدنية النار على جان تشارلز دي مينيزيس، الشاب البرازيلي غير المسلح، وهو في طريقة إلى عمله، فأردوه قتيلاً إثر السيطرة عليه في عربة أحد قطارات الأنفاق في لندن. وخلَّفت عملية القتل العديد من اللندنيين، ولا سيما من ينتمون منهم إلى الأقليات الإثنية، في حالة خوف ليس فحسب من أن يذهبوا ضحية للتفجيرات، وإنما أيضاً من أن يُقتلوا بنيران الشرطة.
وادعت التصريحات الأولية للشرطة بأن جان تشارلز دي مينيزيس كان مشتبهاً به ذا صلة بحوادث اليوم السابق. كما ترددت أنباء بأنه قد حاول التملص من الاعتقال، وأنه على الرغم من قيظ الصيف فقد كان يرتدي سترة سميكة اعتُقد بأنها تخفي شحنة متفجرة. بيد أن رئيس مفوضي شرطة العاصمة صرح على نحو قاطع بعد يومين بأنه لم تكن لجان تشارلز دي مينيزيس صلة بأي أنشطة مشبوهة، وبأن النار قد أُطلقت عليه وقُتل نتيجةً لخطأ. واعترفت الشرطة لاحقاً بأن جان تشارلز دي مينيزيس كان يرتدي سترة جينـز ولم يتصرف بأية طريقة تثير الشبهات.
وأكدت شرطة العاصمة لاحقاً على أنها قد سعت إلى اعتراض سبيل اللجنة المستقلة لشكاوى الشرطة أثناء محاولتها إجراء تحقيق منذ البداية في مقتل جان تشارلز دي مينيزيس على أساس أن مقتله يتصل بتحقيقات مكافحة الإرهاب الجارية. وأدت مثل هذه المحاولة إلى تأخير حاسم في تسلم اللجنة المستقلة مسؤولية التحقيق. وتتعارض واقعة احتفاظ شرطة العاصمة بالسيطرة على مجرى التحقيق في مرحلته الأولية الحاسمة مع ضرورة القيام به على نحو مستقل عن أولئك المسؤولين عن عملية القتل. وأثارت هذه الحقيقة، إلى جانب التصريحات الأولية للشرطة بشأن ظروف القتل، مزاعم بوجود عملية تستر على الحادثة.
إن القانون والمعايير الدوليين المتصلين بالحادثة يتطلبان أن يُفتح التحقيق في حادثة مثل مقتل جان تشالز دي مينيزيس على وجه السرعة، وأن يكون هذا التحقيق مستقلاً وشاملاً منذ لحظاته الأولى.
وفي يناير/كانون الثاني 2006، قدَّمت اللجنة المستقلة لشكاوى الشرطة تقريراً حول تحقيقها، مُرفقاً بملف كامل من الأدلة، إلى دائرة النائب العام للتاج. ولا يزال التحقيق الذي تقوم به اللجنة المستقلة في شكوى تقدمت بها عائلة جان تشارلز دين مينيزيس، وفُهم أنها تركز على تصريحات الشرطة التي تلت عملية القتل، جارياً.
وفي 19سبتمبر/أيلول 2005، في أعقاب مقتل جان تشارلز جي مينيزيس، قال مفوض شرطة العاصمة السابق، سير جون ستيفينـز، إن رئيس الوزراء، توني بلير، ووزير الداخلية السابق، ديفيد بلانكيت، كانا قد أُبلغا بأنه قد تم التحول إلى سياسة "إطلاق النار بقصد القتل" قبل ذلك بثلاث سنوات.
ووفقاً للمعايير الدولية، ينبغي على جميع الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون أن يسترشدوا في استخدامهم للقوة والأسلحة النارية بمبدأي الضرورة المطلقة والتناسب، ويجب أن تبقى القوة المميتة هي الخيار الأخير. وتشدد المعايير الدولية على أنه لا يجوز للموظفين المكلفين بتنفيذ القانون اللجوء إلى الاستخدام المميت المتعمد للأسلحة النارية إلا إذا كان ذلك أمراً لا يمكن تجنبه حصرياً لحماية الحياة.
12.2 مشروع قانون الإرهاب: التشريع الرابع المتعلق "بمكافحة الإرهاب" في خمس سنوات
تضمَّن تشريع جديد "لمكافحة الإرهاب"، هو مشروع قانون الإرهاب، الذي قُدِّم إلى البرلمان في أكتوبر/تشرين الأول 2005، أحكاماً كاسحة وغامضة. واعتبرته منظمة العفو الدولية في غاية القسوة وقائماً على تصورات سيئة. ومن شأن أحكامه، إذا ما طُبقت في صيغتها الراهنة، أن تشكل خرقاً للمعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان، بزعزعتها للحق في حرية التعبير، وفي التجمع، وفي الانضمام إلى الجمعيات، وفي الحرية، وفي المحاكمة العادلة.
وقد علقت منظمة العفو الدولية فيما مضى بتوسع على المسودات المختلفة لمشروع قانون الإرهاب . ولا تزال بواعث القلق تساور المنظمة من أن مشروع القانون يتضمن أحكاماً غامضة في منتهى القسوة، ومن شأنها، إذا ما وُضعت موضع التنفيذ، أن تنتهك الحقوق الإنسانية للأشخاص الذين يحاكمون بموجبها، وأن يكون لها أثر يجمد أوصال المجتمع بأكمله من حيث قدرته على ممارسة حقوقه في حرية التعبير والتجمع.
وكما أوردنا ابتداء، فإن مشروع القانون يتضمن أحكاماً من أجل ما يلي:
• ابتداع جريمة جديدة تتعلق بنشر أو إعداد أو توزيع المطبوعات التي تحرض بصورة غير مباشرة على أعمال إرهابية أو على نحو يمكن أن يفيد شخصاً يرتكب عملاً إرهابياً أو يعد لارتكابه؛
• تمديد فترة الاعتقال السابقة على توجيه التهم للأشخاص الذين يحتجزون بمقتضى تشريع مكافحة الإرهاب من 14يوماً إلى ثلاثة أشهر. وجرى تقليص هذه الفترة بأصوات البرلمان لاحقاً إلى 28يوماً.
• ابتداع جريمة جديدة بعنوان التحريض غير المباشر على الإرهاب وتمجيد الأعمال الإرهابية؛
• مقاضاة الجماعات التي تمجِّد الإرهاب بصورة "منهجية"؛
• ابتداع جريمة جنائية جديدة هي حضور "معسكر تدريبي للإرهابيين".
وإضافة إلى استمرار الاستناد إلى تعريف "الإرهاب" (المشار إليه سابقاً)، تساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق على نحو خاص بشأن الجرائم الإرهابية المستندة إلى فكرة "التحريض غير المباشر"؛ والأسس الجديدة المقترحة للمقاضاة؛ ومقترح تمديد الفترة الزمنية التي يمكن اعتقال الأشخاص الذين يشتبه بتورطهم في الإرهاب خلالها من دون توجيه تهمة إليهم.
وقد أثارت هذه الأحكام بواعث قلق على نطاق واسع. وبين آخرين، كتبت لويز آربر، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2005إلى حكومة المملكة المتحدة لتعرب عن قلقها بشأن الجوانب المختلفة لمشروع قانون الإرهاب. وتضمنت بواعث قلقها: عدم وجود تعريف دقيق للإرهاب تستند الجرائم الجديدة إليه، والطبيعة الفضفاضة والكاسحة لبعض هذه الجرائم، بما يثير تساؤلات حول إمكان احترام مبدأ القانونية، وحول غياب متطلب القصد الفعلي في بعض الجرائم؛ ومدى اتساع نطاقها بصورة تبحث على التساؤل في ضوء المادة 19من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 10من الاتفاقية الأوروبية (بشأن حرية التعبير)، بما يؤدي إلى الإخلال بالتوازن بين مصالح الأمن القومي والحق الأساسي في حرية التعبير؛ والنطاق الواسع أكثر مما يجب للحكم المتعلق بالأسس الجديدة للمقاضاة. وأخيراً،وفي تعليقها على فترة الاعتقال السابقة على توجيه الاتهام، والبالغة 28يوماً، قالت المفوضة السامية: "ما انفكت بواعث قلق جسيم تساورني بشأن
الكيفية التي ستُحمى بها الحقوق التي تكفلها المادة 9من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 5من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية [الحق في الحرية، وفي الحرية من الاعتقال التعسفي]".
1.12.2 جرائم حديدة تفتح الباب للانتهاكات
من شأن الأحكام المتضمنة في الجزء 1تجريم إعداد التصريحات التي يمكن "أن تحرض على نحو غير مباشر على الإرهاب"، ونشر هذه التصريحات. والصياغات التي تصف هذه الجرائم غامضة بسبب استنادها إلى تعريف "الإرهاب" الموجود في قانون الإرهاب للعام 2000، وإلى مفاهيم من قبيل "التشجيع المباشر أو غير المباشر، أو غيره من أشكال التحريض"، و"التمجيد"، وفكرة "المطبوعة الإرهابية". فكل هذه المصطلحات تفتقد إلى الوضوح، كما إن مداها شامل وغير متناسب.
وفي رأي منظمة العفو الدولية، فإن هذه الأحكام سوف تسهِّل الانتهاكات للحق في حرية التعبير نظراً لما تسمح به من تجريم للأشخاص لمجرد ممارستهم القانونية لحقهم في اعتناق الآراء والأفكار ونقلها إلى الآخرين. وكنتيجة لذلك، فسيكون لها أيضاً تأثير يجمِّد الأوصال بالنسبة لتمتع كل شخص بحقه في حرية التعبير، الذي كرسه القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي هذا الشأن، أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الحق في حرية التعبير يتصل بالمعلومات والأفكار "التي يجري تلقيها وا�593?تبارها غير مؤذية أو مسائل مسلم بها، ولكنه يتصل كذلك بتلك التي لا تروقنا أو تسبب لنا الصدمة والانزعاج" .
إن القانون الوطني والدولي لحقوق الإنسان يعترف بأن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً. فثمة أسس مسموح لفرض القيود عليها، ولكن هذه يجب أن تؤوَّل على نحو صارم. إذ يجب أن يتم النص على أي قيد من القيود في القانون وأن يكون هذا أحد الأسس التي حددها القانون الدولي. وتشمل هذه ما يعتبر "في مصلحة الأمن القومي ... أو السلامة العامة [و] من أجل منع اختلال النظام العام أو الجريمة". ويجب أن يكون أي قيد يُفرض "قابلاً للتحديد ولا غموض فيه"، وأن تُرسم حدوده على نحو ضيق ودقيق بما يكفي لأن يدرك أي شخص بصورة مسبقة ما إذا كان فعل ما غير قانوني . وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون التقييد متناسباً – فيجب أن لا يؤدي إلى أكثر مما هو ضروري لتلبية الغرض القانوني، كما ينبغي أن تكون طبيعة وشدة أي عقوبة تُفرض على خرق ما مناسبة.
ولتلبية هذه المقتضيات بالعلاقة مع تجريم نشر التصريحات التي تشجِّع على الإرهاب، يجب أن يُبيَّن أن الشخص قد قصد أن يحرض على فعل عنيف (جريمة إرهابية)، وأن التصريح قد سبَّب خطراً واضحاً وحاضراً بأن مثل هذه الجريمة بصدد أن تُرتكب . بيد أن أحكام مشروع القانون لا تُعالج على نحو صريح مسألة القصد.
وبالإضافة إلى ذلك، يسعى مشروع القانون إلى تجريم نشر "مطبوعات إرهابية". حيث تطال أحكام القانون الشخص لنشره، أو حيازته لغرض النشر، "مطبوعة إرهابية". ولا يلبي هذا الحكم معيار"ما يحدده القانون"، الذي تقتضيه التقييدات المسموح بها للحق في حرية التعبير. كما يتسم الحكم بأنه فضفاض وشامل ويستند، مرة أخرى، إلى تعريف الإرهاب كما هو في قانون الإرهاب. ويلقي مشروع القانون عبء البرهان على المتهم. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن من شأن إعمال هذه الجريمة سيشكل قيداً غير قانوني على الحق في حرية نقل المعلومات، وهو أحد مكونات الحق في حرية التعبير.
2.12.2 تحريم المنظمات
في ضوء ما سبق، يساور القلق منظمة العفو الدولية أيضاُ بشأن الحكم ذي الصلة في مشروع قانون الإرهاب الذي يسمح بحظر أية منظمة تتضمن أنشطتها "تمجيد ارتكاب أعمال إرهابية، أو التحضير لها أو التحريض عليها، أو الإعلاء من شأن ذلك أو الاحتفاء به (سواء في الماضي أو في المستقبل أو بصورة عامة)، أو تقوم بتلك الأنشطة على نحو يؤكد أن المنظمة على صلة ببيانات تمجِّد ارتكاب مثل هذه الأعمال أو التحضير لها أو التحريض عليها، أو تعلي من شأن ذلك أو تحتفي به".
ونظراً للطبيعة الغامضة والفضفاضة لتعريفات الإرهاب "أو تمجيد الإرهاب أوإعلاء شأنه أو الاحتفاء به"، فإن منظمة العفو الدولية تعتبر أن من شأن هذا الحكم أن يشكل انتهاكاً للحق المكفول وطنياً ودولياً في حرية التجمع، وقد يؤدي إلى تجريم أشخاص لممارستهم المشروعة لهذا الحق.
3.12.2 تمديد فترة الاحتجاز السابقة على توجيه التهم
تضمنت المسودة الأولية لمشروع قانون الإرهاب المقدمة من الحكومة حكماً يقضي بتمديد الفترة الزمنية القصوى للاحتجاز بلا تهمة للأشخاص الذين يعتقلون بمقتضى تشريع "مكافحة الإرهاب" من 14يوماً إلى فترة تصل إلى ثلاثة أشهر. بيد أن البرلمان رفض مثل هذا التمديد ووافق مؤقتاً على السماح بالاعتقال بلا تهمة عوضاً عن ذلك لمدة أقصاها 28يوماً. وفي أعقاب هذا القرار، أبقت الحكومة على موقفها بأن حد الاحتجاز لمدة أقصاها ثلاثة أشهر بلا تهمة أمر ضروري.
ومنظمة العفو الدولية ما برحت تعارض بلا تحفظ أي تمديد للفترة الزمنية القصوى لاعتقال الأشخاص بلا توجيه تهمة إليهم بمقتضى تشريع مكافحة الإرهاب. وتعتبر المنظمة فترة الأربعة عشر يوماً الراهنة أطول مما يجب في صيغتها الحالية لمن يحتجزون بلا تهمة. فبموجب القانون الجنائي العادي للمملكة المتحدة، لا يجوز احتجاز أي شخص
موقوف بشبهة ارتكاب جريمة في غاية الخطورة مثل القتل العمد لأكثر من أربعة أيام. ومن ناحية ثانية، فإن التمديد المقترح سيعني، إذا ما وضع موضع التنفيذ، جواز احتجاز أي شخص يُشتبه بارتكابة جريمة بمقتضى أحكام مكافحة الإرهاب من دون توجيه تهمة إليه لفترة تبلغ سبعة أضعاف ذلك.
إن المعاهدات الدولية التي تعتبر المملكة المتحدة طرفاً فيها تتطلب توجيه التهمة إلى الأشخاص المحتجزين بالعلاقة مع جريمة جنائية على وجه السرعة، وتقديمهم للمحاكمة خلال فترة زمنية معقولة وضمن إجراءات تفي على نحو تام بمقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، أو الإفراج عنهم. ومنظمة العفو الدولية ترى أن الاحتجاز المطوَّل بلا تهمة أو محاكمة يقوض حقوق المحاكمة العادلة، بما في ذلك حق المعتقل في أن يبلَّغ على وجه السرعة بأي تهم موجهة إليه، وحقه في الحرية من الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة، وفي افتراض البراءة، بما في ذلك حقه في أن يبقى صامتاً وفي أن يقوم بإعداد دفاعه عن نفسه والتقدم به.
كما أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها من أن التفحص القضائي لطلبات تمديد الاعتقال لن يكون، بمقتضى مشروع القانون، أكثر من مجرد مراجعة متعجلة للأسباب التي تعطيها الشرطة لضرورة مثل هذا التمديد.
فقد أظهرت مراقبة منظمة العفو الدولية للحق في معاملة عادلة على نطاق العالم بأسره على مدار عقود عدة أن فترة الاعتقال المطوَّلة السابقة على توجيه التهم تخلق مناخاً مواتياً للمارسات المسيئة التي يمكن أن تؤدي إلى إدلاء المعتقلين بأقوال، بما في ذلك اعترافات، غير طوعية. ويمكن أن يكون للاعتقال المطول بلا تهمة أي يؤدي إلى النتيجة غير المقصودة في زيادة احتمال عدم الاعتداد بالأقوال التي يتم الحصول عليها من المشتبه به أثناء الاحتجاز في المحاكمة، وبالضبط بسبب الطبيعية الإكراهية للظروف التي تم الحصول عليها فيها.
وفضلاً عن ذلك، يساور القلق منظمة العفو الدولية من أن التمديد المقترح لفترة الاحتجاز القصوى بلا تهمة يمكن أن يؤدي إلى ممارسات مسيئة أخرى، بما في ذلك اعتقال الأشخاص دون وجود نية أو أفق واقعي لتوجيه تهم إليهم.
فمنذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وعلى نحو رئيسي في سياق النـزاع المسلح في أيرلندا الشمالية، جرى الإفراج عن أغلبية الأشخاص الذين تم اعتقالهم بموجب تدابير مكافحة الإرهاب والطوارئ دون أن توجه إليهم أية تهم. وتخشى منظمة العفو الدولية أننا بصدد تكرار هذا النمط إذا ما وُضع قيد التنفيذ النص الذي يسمح بالاعتقال السابق على توجيه التهم لفترة 28يوماً. وهذا بدوره سوف يعرض لخطر التغريب قطاعات كبيرة من سكان المملكة المتحدة، الذين سيعتبرون أنفسهم مستهدفين بسبب هويتهم الإثنية أو الدينية، الحقيقية أو المتصورة، وسيعتقدون، وثمة ما يبرر ذلك، أن الغرض الحقيقي من الاعتقال المطول ليس توجيه التهم وإنما الحصول على المعلومات.
2.13 أقليات إثنية تحت الحصار
ساد شعور في السنوات الأخيرة لدى العديد من مسلمي المملكة المتحده، البالغ عددهم ثلاثة ملايين، وغيرهم من أبناء الأقليات الأخرى، بأنهم تحت الحصار. ومثل أي شخص آخر في هذه البلاد، خبِروا الخوف الذي رافق هجمات 11سبتمبر/أيلول 2001، ويوليو/تموز 2005. بيد أنهم خبِروا كذلك عنصرية متصاعدة عززها جزئياً الربط المتكرر من جانب الحكومة ووسائل الإعلام بين "تهديد الإرهاب" وبين "الغرباء" و"المتطرفين المسلمين".
وعلاوة على ذلك، فقد عانى هؤلاء النتائج المترتبة على تدابير مكافحة الإرهاب ذات الطبيعة التمييزية في القانون أو الممارسة. حتى أن وزير مكافحة الإرهاب، هيزيل بليرز، حذَّر من أنه على المسلمين أن يواجهوا حقيقة أن الشرطة سوف تستهدفهم بعمليات "قف للتفتيش" جراء التهديد الذي يمثله أشخاص "مرتبطون بصيغة متطرفة من الإسلام".
وفي ملاحظاته الختامية للعام 2003، قالت لجنة القضاء على التمييز العنصري بالعلاقة مع المملكة المتحدة ما يلي:
بينما تعترف اللجنة ببواعث القلق المتعلقة بالأمن القومي للدولة الطرف، توصي اللجنة بأن تسعى الدولة الطرف إلى الموازنة بين بواعث القلق هذه وبين حماية حقوق الإنسان وواجباتها القانونية الدولية. وفي هذا الصدد، تلفت اللجنة نظر الدولة الطرف إلى بيانها الصادر في 8مارس/آذار 2002، الذي شددت فيه على واجب الدول في "ضمان أن لا تُميِّز التدابير التي تُتخذ في سياق النضال ضد الإرهاب، من حيث غرضها أو تأثيرها، على أساس العرق أو اللون أو المنشأ أو الأصل القومي أو الإثني" .
كما جرى تسليط الضوء على التطبيق القائم على التمييز لسلطات مكافحة الإرهاب من جانب اللجنة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان في تقريرها لشهر يوليو/تموز 2004:
ونلاحظ أيضاً أن ثمة شواهد متزايدة على أن السلطات الممنوحة بمقتضى قانون الإرهاب تُستخدم بصورة غير متناسبة ضد أعضاء المجتمع المسلم في المملكة المتحدة. فبحسب بيانات مصلحة شرطة العاصمة، تزايدت معدلات عمليات "الإيقاف والتفتيش" للأشخاص الآسيويين في لندن بمعدل 41% بين 2001و2002، بينما تزايدت للبيض بمعدل لا يزيد عن 8% خلال الفترة نفسها. ويساورنا القلق من أن التأثير غير المتناسب بصورة تثير الصدمة لسلطات قانون الإرهاب على المجتمع المسلم تشير إلى استخدام غير قانوني للاستهداف العرقي في ممارسة هذه السلطات، وبما يخالف المبادئ الأساسية التي تحظر التمييز على أساس العرق أو الدين.
ويشعر المسلمون، على نحو خاص، بأنهم مستهدفون وأنه موضع شك عام، وهذه تصورات عززتها تصريحات الحكومة وسياساتها.
ويمكن تلمُّس تأثير هذه السياسات من جانب المنتمين إلى الأقليات المسلمة والإثنية في الشوارع. فعلى سبيل المثل، تضاعف استخدام سلطات الإيقاف والتفتيش في إطار مكافحة الإرهاب سبع مرات بعد هجمات 7يوليو/تموز، حيث تحمَّل الآسيويون الوطأة العظمى لهذه الزيادة. ووفقاً لأرقام شرطة النقل البريطانية، يزيد معدل من يُرجح أن يستوقفوا ويفتشوا من الأشخاص ذوي السحنة الآسيوية خمس مرات عمن يستوقفون ويفتشون من البيض. ومنذ
2001، ولا سيما منذ 7يوليو/تموز 2005، ظهرت زيادة كبيرة في أعداد الهجمات القائمة على العنصرية والمعتقد الديني ضد الأفراد والبيوت وأماكن العبادة.
أظهرت الأرقام الصادرة عن الشرطة في 3أغسطس/آب 2005زيادة بمعدل 600بالمائة في الهجمات القائمة على دافع الكراهية الدينية في لندن بعد 7يوليو/تموز 2005 – حيث بلغ عددها 269مقابل 40في السنة السابقة. وخلال الأيام الثلاثة التي تلت 7يوليو/تموز، وقعت 68جريمة كراهية دينية مقابل لا شيء في الفترة نفسها من العام 2004.
إن ثمة مجازفة حقيقية بأن تُفاقم التدابير المقترحة من اغتراب أفراد الجمهور الذين يشعرون 76?أنهم مستهدفون بها على نحو خاص. وإذا ما حدث هذا، فإن ثمة خطراً بأن يفقد من تعتمد السلطات على تعاونهم قسطاً كبيراً من استعدادهم لتقديم المعلومات إلى الشرطة.
3. حقوق الإنسان: نكث الوعود داخل البلاد وخارجها
إضافة إلى ما يساورها من قلق بشأن نكث حكومة المملكة المتحدة وعودها بـ"جلب الحقوق إلى الوطن" نتيجة لما نفذته من تدابير بغرض معلن هو مكافحة الإرهاب، فإن منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق جراء سياسات سلطات المملكة المتحدة وإجراءاتها التي اتخذتها، والتي تقوِّض حقوق الإنسان خارج البلاد، بما فيها الحظر المطلق على التعذيب وإساءة المعاملة.
وفضلاً عن محاولتها التي لم يكتب لها النجاح في إبطال الحظر القانوني المفروض على السماح باعتماد "أدلة" تم الحصول عليها نتيجة التعذيب في الإجراءات القضائية (التي أشير إليها فيما سبق)، فإن حكومة المملكة المتحدة تسعى في الوقت الراهن كذلك إلى تقويض الحظر المطلق المفروض على إرسال "إرهابيين دوليين مشتبه بهم" إلى أماكن يمكن أن يتعرضوا فيها لخطر حقيقي بأن يُخضعوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة. وتلجأ في ذلك إلى التفاوض على اتفاقيات ثنائية ("تأكيدات دبلوماسية" تعرف باسم مذكرات التفاهم) مع حكومات دول عُرف عنها جيداً لجوؤها المنظم للتعذيب وإساءة المعاملة. وتسعى حكومة المملكة المتحدة كذلك إلى إدخال إصلاحات على القانون الدولي تسمح بالموازنة بين خطر تعرض الفرد للتعذيب وبين الخطر على الأمن القومي.
كما سعت حكومة المملكة المتحدة إلى التحايل على واجباتها بمقتضى القانون الوطني والدولي فيما يتعلق بالانتهاكات التي تقترفها الدول الأخرى (أنظر، مثلاً، الأجزاء التالية المتعلقة بخليج غوانتانامو و"تسليم المطلوبين")، والانتهاكات على أيدي موظفي المملكة المتحدة الرسميين وأفراد قواتها خارج البلاد، بما ذلك في العراق.
إن منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق متزايد من أن سياسات المملكة المتحدة وأفعالها داخل البلاد وخارجها تبعث على نحو مؤثر بـ"ضوء أخضر" إلى حكومات أخرى كيما تنتهك حقوق الإنسان. وتعتبر المنظمة أنه ونتيجة لمثل هذه السياسات والأفعال، فإن قدرة المملكة المتحدة على تعزيز حقوق الإنسان في الخارج قد أُضعفت بصورة خطيرة.
1.3 "تأكيدات دبلوماسية" تسمح بعمليات الإبعاد غير القانونية
نبعث اليوم بإشارة بأن ثمة منهجاً جديداً في مقاربة أوامر الإبعاد ... فظروف أمننا القومي، وعلى نحو واضح، قد تغيرت، ونعتقد أن بإمكاننا الحصول على التأكيدات الضرورية من الدول التي سنعيد إليها المبعدين بأن لا يُخضعوا للتعذيب أو إساءة المعاملة خلافاً للمادة 3. وقد توصلنا الآن إلى مذكرة تفاهم مع الأردن، ونحن قريبون من الحصول على تأكيدات ضرورية من دول أخرى ذات صلة بالأمر ... فلقد أُجريت مداولات بناءة للغاية مع قادة الجزائر ولبنان. وبالمثل، هناك 10دول أخرى نسعى إلى الحصول منها على مثل هذه التأكيدات.
تصريح لرئيس الوزراء توني بلير، 5أغسطس/آب 2005
... إن الضعف الذي تنطوي عليه ممارسة التأكيدات الدبلوماسية يتمثل في حقيقة أنه حيثما تكون مثل هذه التأكيدات لازمة، فإن هناك اعترافاً بادياً للعيان بأن ثمة خطراً في حدوث التعذيب أو سوء المعاملة. ونظراً للطبيعة المطلقة للحظر المفروض على التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، فإن التأكيدات الرسمية لا يمكن أن تكون كافية، حيث يظل الخطر على الرغم من ذلك قائماً.
مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا، يوليو/تموز 2004
إن الحظر المفروض على إرسال أي شخص إلى بلد يمكن أن يتعرض فيه لخطر حقيقي بأن يُخضع/تُخضع فيه للتعذيب أو إساءة المعاملة (مبدأ عدم الإعادة القسرية) هو جزء لا يتجزأ من الحظر المطلق المفروض على التعذيب أو سوء المعاملة.
والحق في عدم التعرض للتعذيب أو لسوء المعاملة، أو للإرسال إلى بلد هناك خطر حقيقي للتعرض فيه لمثل هذه المعاملة، حق مطلق. وينطبق على كل شخص، بغض النظر عن مدى خطورة أي جريمة يمكن أن يكون قد ارتكبها. وينطبق الحظر المفروض على عدم الإعادة القسرية حتى إذا كان الشخص الذي يتم إبعاده إرهابياً مشتبهاً به أو مداناً.
ومنذ سنوات عدة، وحكومة المملكة المتحدة تبحث عن طرق لإعادة تأويل واجباها في مضمار حقوق الإنسان أو تقييدها بما يتيح لها إبعاد الأشخاص الذين تعتقد أنهم يشكلون تهديداً لأمنها القومي، بغض النظر عن حقيقة ما إذا كان هناك خطر حقيقي من أن يتعرضوا لانتهاكات خطيرة لحقوقهم الإنسانية عند إبعادهم. وقد لقيت الحكومة سنداً لها في دعوات وسائل الإعلام في المملكة المتحدة لإبطال قانون حقوق الإنسان أو للانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية إذا ما اعترض هذا الصكان سبيل إبعاد مثل هؤلاء الأشخاص.
وبغرض تسهيل عمليات إبعاد "الإرهابيين الدوليين المشتبه بهم" إلى دول يمكن أن يتعرضوا فيها لخطر حقيقي بأن يُخضعوا لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، باشرت حكومة المملكة المتحدة بمفاوضات لإبرام اتفاقيات ثنائية
تُعرف باسم مذكرات التفاهم مع حكومات بلدان تعتزم إبعاد هؤلاء الأشخاص إليها. وتؤكد حكومة المملكة المتحدة أن مذكرات التفاهم، وهي "تأكيدات دبلوماسية" ثنائية بين مسؤ ?لين حكوميين، تكفل أن لا يتعرض الأشخاص الذين يتم إبعادهم من قبل المملكة المتحدة للتعذيب أو سوء المعاملة في البلد الذي يُرسلون إليه. وتدّعي أن مثل هذه التأكيدات كافية لإعفائها من واجباتها الوطنية والدولية بأن لا تُرسل أي شخص إلى بلد يمكن أن يتعرض فيه لخطر التعذيب أو سوء المعاملة.
وتُخالف وجهة نظر الحكومة هذه رأي المجتمع الدولي وخبراء حقوق الإنسان. فبين جملة هيئات دولية، أوضحت الجمعية العامة للأمم المتحدة على نحو جلي أن مثل هذه "التأكيدات الدبلوماسية" لا تعفي الدول من واجباتها بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وقانون اللاجئين" . ومنظمة العفو الدولية تعتقد أنه لا شيء سوى اقتناع محكمة مستقلة وغير متحيزة ومؤهلة، واستناداً إلى شواهد يمكن الوثوق بها بعدم وجود خطر حقيقي من التعذيب أو سوء المعاملة أو غيرهما من ضروب الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في الدولة المستقبلِة، يمكن أن يجيز إرسال شخص إلى هذه الدولة رغم إرادته أو إرادتها.
ومنظمة العفو الدولية تعتبر أن مذكرات التفاهم التي أبرمتها الحكومة، وتلك التي تتفاوض بشأنها، تُقوِّض على نحو خطير الحظر المطلق المفروض على التعذيب وإساءة المعاملة. وتُشاطر جهات أخرى عديدة منظمة العفو رأيها هذا، بما في ذلك مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ومفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، ولجنة مناهضة التعذيب، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، ومنظمات غير حكومية دولية ومحلية، ومنظمات غير حكومية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلى سبيل المثل، صرح مانفريد نواك، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، بأن التأكيدات الدبلوماسية "ليست سوى محاولات للتحايل على الحظر المطلق المفروض على التعذيب وعدم الإعادة القسرية" .
وحكومة المملكة المتحدة تدرك أن عليها واجباً قانونياً بأن لا ترسل أشخاصاً إلى بلدان يمكن أن يتعرضوا فيها لخطر التعذيب أو سوء المعاملة. كما تدرك أن للدول التي ترغب في إبعاد الأفراد إليها سجلاً موثَّقاً حافلاً بالمحاكمات الجائرة وباستخدام التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد من يُحتجزون لديها، وهي سجلات لطالما دأبت حكومة المملكة المتحدة نفسها في الماضي على انتقادها علناً. ولهذا السبب حصراً، فإنها قد سعت، أو تسعى، إلى التفاوض معها حول مذكرات تفاهم بغية الاتكاء على هذه الوعود كيما تلتف على واجباتها بعدم الإعادة القسرية.
وحتى منتصف فبراير/شباط 2006، كانت حكومة المملكة المتحدة قد وقَّعت على مذكرات تفاهم مع الأردن وليبيا
ولبنان. ومع ذلك، فإن تقريراً نشره في الأردن، في يونيو/حزيران 2005، المركز الوطني لحقوق الإنسان، المموَّل حكومياً، تحت عنوان وضع حقوق الإنسان في المملكة الأردنية الهاشمية، ويغطي الفترة ما بين يونيو/حزيران 2003وديسمبر/كانون الأول 2004، ينص على أن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان قد تلقت ما يربو على 250شكوى تتعلق بالتعذيب، بما في ذلك في مراكز الأمن الأردنية ودوائر التحقيق الجنائي، خلال العام 2004. وفي ليبيا، وثَّقت منظمة العفو الدولية، في الماضي القريب، حالات من الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي، كثيراً ما رافقها التعذيب، ومحاكمات جائرة أمام محاكم خاصة ونظامية. وفي لبنان، تواصل منظمة العفو الدولية توثيق أعمال التعذيب وغيره من ضروب إساءة معاملة المعتقلين، التي تسود على نحو خاص أثناء الاعتقال بمعزل عن الخارجي والاحتجاز في انتظار المحاكمة، ولا سيما في المراكز التي تعمل تحت إمرة وزارة الدفاع.
وسلطات المملكة المتحدة حالياً بصدد التفاوض على توقيع مذكرة تفاهم مع دول أخرى في الشمال الأفريقي وفي الشرق الأوسط، بما فيها الجزائر ومصر. ومع ذلك، فإن وزارة الخارجية والكومنويلث في المملكة المتحدة تلاحظ في باب مصر من تقريرها بشأن حقوق الإنسان على موقعها الإلكتروني أن "أحد بواعث القلق المهمة بشأن حقوق الإنسان في مصر هو انتشار إساءة معاملة المعتقلين واستخدام التعذيب على نطاق واسع في مراكز الشرطة، وبخاصة في القضايا المتعلقة بالمعتقلين السياسيين". وبالمثل، فإنه من المعروف جيداً لحكومة المملكة المتحدة أن مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب قد سعى طيلة السنوات العشر الماضية إلى السماح له بدخول الجزائر، وما زال في انتظار أن توافق السلطات الجزائرية على زيارته البلاد. وفي الجزائر، أيضاً، تواصل مديرية المعلومات والأمن احتجاز من يُشتبه بأن لهم صلة بالإرهاب بمعزل عنالعالم الخارجي، في خرق مباشر للقانون الوطني، وكثيراً ما تحتجزهم في أماكن سرية وتُعذبهم. كما تواصل السلطات القضائية، في أحيان كثيرة، الامتناع عن التحقيق في مزاعم التعذيب.
وبحسب خبرة منظمة العفو الدولية، فإن الدول التي تمارس التعذيب على نحو منهجي، أو تلجأ إلى اشكال أخرى من إساءة معاملة المعتقلين، تلجاً بصورة منهجية أيضاً إلى إنكار قيامها بمثل هذه الممارسات. فهي تمارس التعذيب في السر، وعلى نحو ينتهك واجباتها القانونية الدولية. وإنكارها كثيراً ما يصدر عن دبلوماسييها. فلماذا إذن ينبغي علينا الوثوثق بكلام مثل هؤلاء الدبلوماسين؟
إن حقيقة سعي حكومة المملكة المتحدة إلى توقيع مذكرات التفاهم تعود حصراً إلى أنها ترى أن ثمة خطراً حقيقياً في أن يتعرض من يُعادون للتعذيب ولسوء المعاملة. وهي تسعى إلى توقيع مذكرات التفاهم هذه بغرض إبعاد أولئك الأشخاص نفسهم الذين اعترفت الحكومة لسنوات بأنها لا تستطيع إبعادهم، وحصراً بسبب وجود خطر حقيقي من أنهم سوف يواجهون انتهاكات لحقوقهم الإنسانية حال عودتهم. وهذا هو السبب الذي كان وراء قضائها باعتقالهم بلا تهمة أو محاكمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب، ومن ثم – وبعد نقض ذاك التشريع بأنه لا يتساوق مع حقوق الإنسان – وراء إخضاعهم لـ"أوامر مراقبة" بمقتضى قانون منع الإرهاب للعام 2005.
وكما صرح المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، فإن:
ثمة سعياً وراء تأكيدات دبلوماسية من قبل دول ذات سجل مثبت من التعذيب المنهجي، وحقيقة الأمر هو أن مجرد السعي وراء الحصول على مثل هذه التأكيدات الدبلوماسية إنما يمثل بحد ذاته اعترافاً بأن الدولة التي ُتطلب منها هي، وفي رأي الدولة الطالبة لها، دولة تمارس التعذيب.
وبسعيها نحو توقيع مذكرات للتفاهم، فإن المملكة المتحدة تعترف، في المحصلة، أن الدول المستقبلة تمارس التعذيب، ويُحتمل أن تواصل ذلك. وبذا، فإن حكومة المملكة المتحدة توافق في نتيجة الأمر بتوقيعها على مذكرات التفاهم على تجاهل تعذيب أو إساءة معاملة المعتقلين الآخرين الذين لا يستفيدون منها. وفي ضوء هذا، فإن منظمة العفو الدولية تعتبر التأكيدات الدبلوماسية ومذكرات التفاهم ذات طبيعة تمييزية. فهي تنحاز إلى أفراد بعينهم على حساب آخرين، وتدَّعي منحهم حماية خاصة في حين تعطي موافقتها الضمنية على ممارسة التعذيب أو سوء المعاملة ضد أغلبية المعتقلين الآخرين.
إن التأكيدات الدبلوماسية قد أثبتت عدم فعاليتها، وبخاصة في حالات اتسام نظام القضاء الجنائي بالخلل، حيث تفتقر السلطة القضائية للاستقلال الكافي بينما تسود الإفلات من العقاب عن انتهاكات حقوق الإنسان. وقد شكا الأشخاص الذين تم ترحيلهم على أساس التأكيدات الدبلوماسية لاحقاً بأنهم قد تعرضوا للتعذيب، حتى عندما اعتمدت الدولة المرسلة نظاماً لرعاية سلامة الشخص المرسل.
وعلى الصعيد العملي، وكما تُبين قضية أحمد عجيزة، ثمة وفرة من الشواهد التي تظهر أن التأكيدات الدبلوماسية لم تؤت ثمارها وأنه ليس هناك ما يشير إلى أن تلميعها يمكن أن يؤدي إلى توفير الحماية الكافية ضد التعذيب وسوء المعاملة. ويصدُق هذا حتى عندما تتضمن التأكيدات الدبلوماسية، مثلها مثل مذكرات التفاهم، ترتيبات لآلية للمراقبة بعد عودة المبعدين. ففي مايو/أيار 2005، قضت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في قضية مصطفى كامل عجيزة، الذي أعاده عملاء الولايات المتحدة قسراً إلى مصر من السويد في 2001 (مع محمد سليمان إبراهيم الزاري)، إذ أعلنت اللجنة أن السويد قد خرقت واجباتها بعدم الإعادة القسرية. وعلى الرغم من حقيقة أن الحكومة كانت قد تلقت تأكيدات على مستوى رفيع، ورغم أن موظفاً رسمياً من السفارة السويدية تولى مراقبة وضعه، إلا أن مصطفي عجيزة زعم أنه احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي، وأبلغ المحكمة المصرية التي حاكمته بأنه قد تعرض للتعذيب. ولا يزال محتجزاً بناء على إدانة تمت إثر محاكمة جائرة.
إن منظمة العفو الدولية تعتقد أن الفكرة القائلة بأن آليات المراقبة التالية للإعادة تعزز من فعالية مثل هذه التأكيدات مضللة. فهي تتجاهل على وجه الدقة المقيِّدات الخطيرة لمثل هذه المراقبة، ولا سيما حقيقة أن مذكرات التفاهم لا تنص إلا على زيارات في المناسبات للشخص المعتقل، الذي يملك من الأسباب الحقيقية ما يكفي لأن يخشى الانتقام إذا ما أبلغ أو أبلغت عما يمارس ضده/ضدها من سوء المعاملة. وفضلاً عن ذلك، فإن القلق يساور منظمة العفو الدولية بشأن ما تقوم به حكومة المملكة المتحدة من "تعاقد خارجي" مع مؤسسات ومنظمات غير حكومية في البلد المستقبل كي تتولى عنها واجبها في مراقبة الطريقة التي يعامل بها الأشخاص الذين تسعى إلى إعادتهم على أساس مذكرات التفاهم. وعلى سبيل المثل، طلب سفير المملكة المتحدة لدى مصر في مجرى المفاوضات مع الحكومة المصرية، بحسب معلومات توفرت لمنظمة العفو الدولية في سبتمبر/أيلول 2005، أن يتولى المجلس الوطني المصري لحقوق الإنسان المساعدة على حماية حقوق المصريين الذين يمكن أن يعادوا بصورة قسرية من المملكة المتحدة، وأعرب عن رغبة حكومة المملكة المتحدة في أن تُضمِّن مذكرة التفاهم المقترحة مع مصر بنداً بهذا الخصوص. وطبقاً للمعلومات المتوافرة لمنظمة العفو الدولية، فإن المجلس لم يوافق على لعب دور المراقب لأوضاع من يُعادون.
وفضلاً عن ذلك، فما إن تقوم حكومة المملكة المتحدة بترحيل الأشخاص إلى بلد ما حتى تنتفي مصلحتها في أن تكتشف أو تعترف بأن هؤلاء قد تعرضوا للتعذيب لأن من شأن ذلك أن يعرِّض الحكومة لاتهامات بأنها قد خالفت واجبها بعدم الإعادة القسرية.
إن الضمانات التي توفرها مذكرات التفاهم أدنى مستوى بكثير مما يتضمنه القانون الدولي. فهي تفتقر إلى آلية التنفيذ، كما إنها لا تنص على أي شكل من أشكال الإنصاف في حال خرقها. فما الذي يمكن أن يحدث، على سبيل المثل، إذا ما تعرض شخص للتعذيب، أو لسوء المعاملة، حال إعادته إلى إحدى هذه الدول التي لم تسمع قط، أو تكاد، بإنصاف قضائي لمن عُذبوا. وأي نوع من أنواع الدعم تستطيع حكومة المملكة المتحدة أن تقدمه إلى منظمات حقوق الإنسان التي يمكن أن توافق على القيام بمهام المراقبة لأوضاع من تجري إعادتهم إذا ما راحت تتعرض للضغوط؟
وكما لاحظ مانفريد نوواك، فإن:
آليات المراقبة الخاصة بفترة ما بعد العودة ليست ضمانة ضد التعذيب – فحتى أفضل آليات المراقبة (اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مثلاً، أو اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب) ليست ضمانات ضد التعذيب "لا يأتيها الباطل م
u1606? أمامها أو خلفها"... فليس أمام الفرد المعني أي معتصم يلجأ إليه إذا ما انتهكت التأكيدات ... وليس ثمة من مساءلة للدولة الطالبة أو المطلوب منها، ولذا فإن جلادي التعذيب لا يُقدمون للمحاكمة ... وكلتا الحكومتين لهما مصلحة في إنكار أن الأشخاص الذين أُعيدوا قد تعرضوا للتعذيب. ومن هنا، ففي الحالات التي حددت فيها الدول منظمات مستقلة لتتكفل بمهام المراقبة بموجب الاتفاقية، يُرجح أن تترجِم هذه المصالح نفسها على شكل ممارسة للضغوط السياسية بصورة لا مسوغ لها على هيئات الرقابة هذه، ولا سيما إذا ما كانت هذه ممولة من جانب الدولة المرسِلة أو المستقبلة.
ومنظمة العفو الدولية ترى أن اتفاق حكومة المملكة المتحدة على مذكرات التفاهم ومحاولاتها المتواصلة للتفاوض على اتفاقيات إضافية تقوض القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان خارج البلاد بإرسالها إشارة واضحة بإمكان تجاهل الواجبات الدولية المتعددة الأطراف والتحايل عليها. ولذا، فإن مذكرات التفاهم التي تتضمن تأكيدات دبلوماسية تتعلق بالتعذيب لا تقوِّض فحسب الحظر المطلق المفروض على التعذيب، وإنما أيضاً مجمل النظام الذي تم ترسيخه على مدار السنوات الخمسين الماضية لحماية حقوق الإنسان.
وكما لاحظت لويز آربر، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، في كلمتها بمناسبة يوم حقوق الإنسان، في 10ديسمبر/كانون الأول 2005، فإنه:
حتى لو أدى بعض أوجه المراقبة لفترة ما بعد الإعادة وظيفته، فإن حقيقة إبرام بعض الحكومات اتفاقيات غير ملزمة قانونياً مع حكومات أخرى بشأن أمور تحتل موقعاً مركزياً من عدة اتفاقيات دولية ملزمة قانونياً تهدد بإفراغ القانون الدولي لحقوق الإنسان من محتواه. وتخلق التأكيدات الدبلوماسية
بصورة أساسية نظاماً من طبقتين بين المعتقلين في مسعاها لتأمين حماية ثنائية خاصة ونظاماً للمراقبة يقتصر على قلة منتقاة، بينما يهمل التعذيب المنهجي لمعتقلين آخرين، على الرغم من أن الجميع يملكون الحق في الحماية المتساوية للاتفاقيات النافذة للأمم المتحدة.
وكشف حكم أصدرته المحكمة العليا لإنجلترا وويلز في 2004، في قضية هاني السيد سباعي يوسف ضد وزارة الداخلية، وعلى نحو صارخ، الموقف الحقيقي لحكومة المملكة المتحدة في ضمانها لسلامة الأشخاص الذين تشتبه بتورطهم في الإرهاب وتسعى إلى إبعادهم. حيث تضمَّن الحكم الصادر في القضية المراسلات التالية بين رئيس الوزراء وغيره من مسؤولي المملكة المتحدة.
في رسالته المؤرخة في 19أبريل/نيسان 2004، كتب السكرتير الخاص لرئيس الوزراء إلى السكرتير الخاص لوزير الداخلية، بين جملة أشياء، ما يلي:
يعتقد رئيس الوزراء أننا أمام خطر الإفراط في طلباتنا من المصريين مقابل موافقتهم على إبعاد أعضاء الجهاد الإسلامي الأربعة. إذ يتساءل عن السبب في أننا نحتاج إلى جميع التأكيدات المقترحة من جانب المستشارين القانونيين لوزارة الخارجية والكومنويلث، ووزارة الداخلية. فليس ثمة سبب واضح يجعل من الضروري السماح للمسؤولين البريطانيين بمقابلة مواطنين مصريين محتجزين في سجون مصر، أو السماح للأربعة بتوكيل محام من المملكة المتحدة. أوليس بالإمكان تقليص قائمة التأكيدات التي نتطلبها؟
وعلى وجه العموم، فإن الأولوية لدى رئيس الوزراء هي رؤية أعضاء الجهاد الإسلامي الأربعة يُعادون إلى مصر. وينبغي فعل كل ما هو ممكن لتحقيق ذلك. وسأكون ممتناً لصدور تقرير جديد يتيح لرئيس الوزراء الوقت كيما يتدخل بنفسه، عند الضرورة، قبل اتخاذ أي إجراء للإفراج عن الأربعة من الحجز.
...
ويعتقد رئيس الوزراء ... أنه ينبغي علينا استخدام أية تأكيدات يرغب المصريون في تقديمها كيما نبني قضية لمباشرة إجراء الإبعاد وعدم المجازفة بأي حظوظ في المحاكم. فإذا ما قضت المحاكم بأن التأكيدات التي بين أيدينا غير كافية، فعلى الأقل ستكون المحاكم هي المسؤولة عن الإفراج عن الأربعة من الحجز، وليس الحكومة. وفي رأي رئيس الوزراء، ينبغي علينا الآن الإشارة إلى المصريين بأننا نطلب تأكيداً واحداً فقط، ألا وهو عدم إخضاع الأفراد الأربعة، إذا ما أُبعدوا إلى مصر، للتعذيب. ونظراً لأن التعذيب محظور بمقتضى القانون المصري، فلن يكون من الصعب على المصريين تقديم مثل هذا التعهد. وعلى ما فهمت، فسيكون من الضروري تقديم مواد إضافية كيما تسنح الفرصة لإقناع المحاكم بأن التأكيدات سارية المفعول. وسيكون أحد الاحتمالات أمام حكومة صاحبة الجلالة القول إننا نعتقد، إذا ما قدمت الحكومة
المصرية مثل هذا التعهد، أنها ستملك ما يكفي ما الحوافز للتقيد به. وسنحتاج إلى أن يدعم ذلك بصورة ما شاهد مستقل من ذوي الخبرة.
وبالتأكيد، فإن حكومة المملكة المتحدة تعلم علم اليقين ما هي الخطوات الضرورية لمكافحة التعذيب، وتعرف كيف تسعى إلى كفالة حماية حقوق الإنسان. فقد اتخذت الكثير من هذه الخطوات في الماضي في سعيها لاجتثاث التعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة في حجز الشرطة في المملكة المتحدة. وتعلم الحكومة الحالية من تجربتها الخاصة وتجارب الحكومات التي سبقتها أن اجتثاث التعذيب يتطلب إصلاحاً منهجياً، بما فيه -- أولاً وقبل كل شيء --ضمان التمتع بحقوق أساسية من قبيل اتصال جميع الأشخاص الذين يحرمون من حريتهم بمستشار قانوني من اختيارهم، والاتصال بالعالم الخارجي، وتصوير المقابلات على شريط فيديو، وما إلى ذلك. كما يتطلب إنشاء آليات مستقلة للشكاوى والتحقيق، وجهازاً قضائياً فعالاً ومستقلاً.
وإذا ما كانت حكومة المملكة المتحدة جادة في جهودها لاجتثاث التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، وضمان عدالة المحاكمات، خارج حدودها، فإن عليها أن تضغط من أجل إصلاحات تطال الجذور والفروع في إدارات القضاء الجنائي في الدول المعنية. وينبغي على حكومة المملكة المتحدة وضع وتنفيذ استراتيجيات شاملة لتشجيع جميع الدول على تبني آليات تسهم في اجتثاث التعذيب وتضمن محاكمات نزيهة لجميع المعتقلين، وفقاً لواجباتها بمقتضى القانون الدولي.
ومنظمة العفو الدولية تحث حكومة المملكة المتحدة على أن لا تمضي قُدماً في تنفيذ مذكرات التفاهم التي وقعتها مع الأردن وليبيا ولبنان، وعلى أن تمتنع عن السعي إلى توقيع مذكرات تفاهم إضافية مع حكومات أخرى. وعوضاً عن ذلك، ينبغي أن تضغط حكومة المملكة المتحدة، في كل من هذه البلدان، من أجل إجراء إصلاحات منهجية تكفل احترام حقوق الإنسان وحمايتها، ومن أجل تصديقها على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وإنفاذه.
2.3 قضية رمزي: آخر محاولات حكومة المملكة المتحدة لتقويض الحظر على التعذيب
تحاول حكومة المملكة المتحدة أيضاً تقويض الحظر المطلق المفروض على التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة بالسعي إلى إقناع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإعادة النظر في فقهها القانوني الذي يقضي بأن حظر التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة يتضمن حظراً مطلقاً على إرسال الأشخاص إلى بلد هناك خطر حقيقي في أن يتعرض الشخص المُعاد إليه لمثل هذه المعاملة. ويجعل هذا الإرث القانوني للمحكمة من الواضح أنه لا مجال للسعي إلى البحث عن توازن بين حق الشخص في أن لا يُعرض لمثل هذه المخاطر وبين مصالح الأمن القومي للدولة المُرسلة (أنظر قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية شاهال ضد المملكة المتحدة).
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005، أُذن للمملكة المتحدة بالتدخل في دعوى رفعها محمد رمزي، وهو مواطن جزائري يبلغ من العمر 22عاماً، ضد هولندا في المحكمة الأوربية يعترض فيها على قرار إبعاده. حيث رُفض طلبه للجوء، بينما يعترض هو على قرار إبعاده متذرعاً بأنه سيواجه خطراً حقيقياً بأن يتعرض للتعذيب أو سوء المعاملة في الجزائر. والحكومة الهولندية ليست بصدد السعي إلى إبطال سابقة شاهال؛ إذ تحاجج ببساطة بأن عودة محمد رمزي إلى الجزائر لن تعرضه لخطر حقيقي في أن يتعرض للتعذيب.
وقد قررت حكومة المملكة المتحدة – ومعها ثلاث حكومات أخرى – التدخل في القضية. ويساور منظمة العفو الدولية قلق شديد بشأن هذا التدخل، وفي سياق هذه القضية، الرامي إلى إقناع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالتخلي عن إرثها القانوني في قضية شاهال ضد المملكة المتحدة، ولصالح موقفها المطالب بضرورة الموازنة بين الخطر الذي يمكن أن يتعرض له الفرد وبين مصالح الأمن القومي للدولة.
3.3 محاولات للتحايل على القانون الوطني والدولي بخصوص أفعالها في الخارج
سعت حكومة المملكة المتحدة كذلك إلى الالتفاف على واجباتها بمقتضى القانون الوطني والدولي لحقوق الإنسان بالعلاقة مع انتهاكات ارتُكبت خارج حدودها – على أيدي حكومات أخرى، وعلى أيدي موظفين رسميين وعسكريين تابعين للمملكة المتحدة.
1.3.3 خليج غوانتانامو
منذ يناير/كانون الثاني 2002، قامت سلطات الولايات المتحدة باعتقال مئات الأشخاص ممن يحملون جنسية نحو 35بلداً، بمن فيهم مواطنون تابعون للمملكة المتحدة وآخرون من المقيمين فيها، بلا تهمة أو محاكمة، في قاعدة الولايات المتحدة البحرية في خليج غوانتانامو، بكوبا. وما انفك المعتقلون مغيبون في ما يشبه فعلياً ثقباً قانونياً أسود، حيث لا أمل للعديدين بأن يصلوا إلى أية محكمة أو مستشار قانوني، أو بأن يتلقوا زيارات من أهاليهم . وثمة مزاعم متصاعدة بأن المعتقلين في المعسكر، الذين حُرموا من حقوقهم التي يكفلها لهم القانون الدولي، قد أُخضعوا للتعذيب ولغيره من ضروب إساءة المعاملة. ففي 16فبراير/شباط 2006، أصدر خمسة من خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة تقريراً استند إلى دراسة مشتركة استغرقت 18عشراً لأوضاع المعتقلين في القاعدة البحرية للولايات المتحدة . وتبين لهم أن اعتقالالأشخاص في غوانتانامو يرقى إلى مرتبة الاعتقال التعسفي؛
وأن هناك انتهاكات للحقوق المتعلقة بنـزاهة المحاكمات؛ وأن أساليب الاستجواب، وبخاصة إذا ما استخدمت بصورة متزامنة، ترقى إلى مرتبة المعاملة الحاطة بالكرامة، وفي بعض الحالات، إلى مرتبة التعذيب؛ وأن "الأوضاع العامة للاعتقال، ولا سيما الغموض الذي يكتف طول مدة الاعتقال والحبس الانفرادي المطوَّل، ترقى إلى مرتبة المعاملة اللاإنسانية وتشكل انتهاكاً للحق في الصحة، وكذلك انتهاكاً لحق المعتقلين في أن يعاملوا معاملة إنسانية وأن تُحترم كرامتهم الأصيلة في الشخص الإنساني". ودعا الخبراء حكومة الولايات المتحدة، بين جملة أشياء، إلى "الامتناع عن أي ممارسة ترقى إلى مرتبة التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".
ويساور القلق منظمة العفو الدولية من أن حكومة المملكة المتحدة لم تُعارض، حتى تاريخه، بأي حماس حقيقي يُذكر فضيحة حقوق الإنسان التي يُمثلها خليج غوانتانامو. فمنذ 19يناير/كانون الثاني 2002، أي خلال أسبوع من وصول أوائل المعتقلين إلى هناك، سُمح لأجهزة أمن المملكة المتحدة ولموظفي وزارة الخارجية والكومنويلث الرسميين بمقابلة المعتقلين من رعايا المملكة المتحدة في خليج غوا�606?تانامو. ومنذ ذلك الوقت، ومنظمة العفو الدولية تعرب مراراً وتكراراً عن بواعث قلقها حيال امتناع حكومة المملكة المتحدة عن القيام بتدخلات كافية لدى إدارة الولايات المتحدة كيما تضمن حقوق مواطني المملكة المتحدة والمقيمين فيها ممن جرى احتجازهم هناك.
وفي مايو/أيار 2002، أبلغ وزير الخارجية منظمة العفو الدولية أن موظفين رسميين من المملكة المتحدة، بمن فيهم ضباط تابعون لجهاز المخابراتMI5، قد "زاروا" مواطني المملكة المتحدة المحتجزين في غوانتانامو، وأنه قد جرت مقابلة هؤلاء بالعلاقة مع مواضيع تتصل بالأمن القومي للمملكة المتحدة. وذكر وزير الخارجية لمنظمة العفو الدولية أنه قد أثار على نحو متكرر مع سلطات الولايات المتحدة ظروف احتجاز مواطني المملكة المتحدة، وأن المعتقلين "يعاملون معاملة إنسانية تتساوق مع مبادئ اتفاقيات جنيف"، وقال إنه راضٍ عن أن الأمر كان كذلك. كما أبلغ منظمة العفو الدولية أن مواطني المملكة المتحدة المحتجزين في غوانتانامو لم يشكوا من أي معاملة سيئة.
بيد أنه وبعد نحو سنتين من ذلك، أي في يونيو/حزيران 2004، اعترفت حكومة المملكة المتحدة أخيراً أن عدداً من المعتقلين الذين استجوبهم موظفون تابعون لاستخبارات المملكة المتحدة في غوانتانامو كانوا قد اشتكوا في حقيقة الأمر بشأن ما يتلقونه من معاملة. وفي بيان قرأه على برلمان المملكة المتحدة، قال وزير الداخلية آنذاك وعضو البرلمان، ديفيد بلانكيت، إن "جميع الشكاوى التي جهر بها المعتقلون الذين جرت مقابلتهم من قبل ضباط الاستخبارات البريطانيين نُقلت إلى سلطات الولايات المتحدة، المسؤولة عن معاملة أولئك المعتقلين في خليج غوانتانامو". وفي المبادلات البرلمانية اللاحقة، رفضت سلطات المملكة المتحدة تقديم أي تفاصيل إضافية حول هذه الشكاوى. وفي يوليو/تموز 2004، نُقل عن رئيس الوزراء قوله إن خليج غوانتانامو "وضع استثنائي ينبغي وضع حد له في وقت من الأوقات" .
وأعربت منظمة العفو الدولية عن فزعها حيال نكران الحكومة لمدة سنتين بأن لديها معرفة بمزاعم الانتهاكات التي ترتكب في غوانتانامو.
وفي 5مارس/آذار 2004، أي قبل ثلاثة أشهر من اعتراف حكومة المملكة بمعرفتها بالانتهاكات، تم الإفراج عن خمسة من مواطني المملكة المتحدة – هم روهال أحمد وطارق ديرغول وجمال أودين وآصف إقبال وشفيق رسول – من خليج غوانتاامو وأُعيدوا جواً إلى المملكة المتحدة إثر مفاوضات بين سلطات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وأُطلق سراح جمال أودين فوراً بلا تهمة. بينما جرى استجواب الأربعة الأخرين من قبل شرطة المملكة المتحدة وأُفرج عنهم في اليوم التالي، وبلا تهمة أيضاً. ووصف جميع المفرج عنهم الظروف الممِّضة في غوانتانامو وأكدوا أنهم قد تعرضوا للتعذيب ولغيره من ضروب سوء المعاملة.
ومنذ 2002ومنظمة العفو الدولية تعرب أيضاً عن بواعث قلقها بشأن استغلال ضباط الاستخبارات في المملكة المتحدة للجحيم القانوني وظروف الاعتقال الإكراهية في خليج غوانتانامو وفي قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، وفي مواقع أخرى لم يجر الكشف عنها حيث تحتجز الولايات المتحدة المعتقلين، كيما تقوم بالتحقيق مع مواطنين تابعين للمملكة المتحدة ومقيمين فيها، وربما مع أشخاص آخرين، بغرض الحصول على معلومات تستخدمها في إجراءاتها في المملكة المتحدة أو لأغراض استخبارية. ولقد تمت عمليات الاستجواب هذه دونما احترام لحقوق المعتقلين، بما في ذلك الحق في حضور محام الاستجواب، متحايلة بذلك سواء على القانون الوطني أو على القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد لاحظت منظمة العفو الدولية أن من حق أي شخص يعتقل في المملكة المتحدة ويستجوب بالعلاقة مع أنشطة "القاعدة" التمتع بمساعدة قانونية، بما في ذلك حضور محام عملية استجوابه.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، أوصت لجنة مناهضة التعذيب حكومة المملكة المتحدة بأنه:
ينبغي ضمان أن يتساوق سلوك موظفيها الرسميين، بمن فيهم من يحضرون عمليات الاستجواب في أي مرافق وراء البحار، على نحو صارم مع مقتضيات الاتفاقية [مناهضة التعذيب]، وبأنها ينبغي أن تحقق على وجه السرعة وبصورة غير متحيزة في أي خروقات للاتفاقية تبلغ مسامعها، وعند الاقتضاء، ينبغي على الدولة الطرف مباشرة إجراءات جنائية أمام أية ولاية قضائية مناسبة.
ووفقاً لتقرير مارس/آذار 2005، الصادر عن لجنة الاستخبارات والأمن، فإن موظفي استخبارات المملكة المتحدة قد أجروا، أو شهدوا، ما يربو على 2,000مقابلة استنطاق في أفغانستان وخليج غوانتانامو والعراق. وجاء في التقرير أن التحقيقات أشارت إلى أن موظفي استخبارات المملكة المتحدة لم يبلِّغوا عن وقوع خروقات فعلية أو محتملة لسياسة المملكة المتحدة أو القانون الدولي لحقوق الإنسان إلا فيما يتعلق بأقل من 15حادثة. ولم تعثر اللجنة على أية شواهد على أن موظفي استخبارات المملكة المتحدة قد أساءوا إلى المعتقلين.
بيد أنه ثمة تقارير تشير إلى أن موظفي المملكة المتحدة قد شاركوا في عمليات استجواب تحت الإكراه لمشتبه بهم من مواطني المملكة المتحدة أو غيرها في حجز الولايات المتحدة وحجز دول أخرى، أو شهدوا مثل هذه العمليات أو تواطأوا فيها.
1.1.3.3 قضية بنيام محمد الحبشي
"لم يخطر ببالي في يوم من الأيام أن الحكومة البريطانية ستسمح بأن أُشرَّح بشفرة لعام كامل. ولم يخطر ببالي أنها ستسمح 76?أن أُشحن إلى سجن مظلم في أفغانستان لأتلقى مزيداً من الإساءة قبل رحلتي إلى غوانتانامو".
بنيام محمد الحبشي
سعى بنيام محمد الحبشي، وهو مواطن إثيوبي يبلغ من العمر 27عاماً، إلى طلب اللجوء في المملكة المتحدة في 1994، وسمح له بالإقامة المؤقتة. وفي 2001، غادر المملكة المتحدة بقصد السفر. وفي10أبريل/نيسان 2002، وبينما كان على وشك العودة إلى المملكة المتحدة، اعتُقل في مطار كراتشي على أيدي موظفي الهجرة الباكستانيين.
وأثناء وجوده في حجز باكستان، تعرَّض بنيام محمد الحبشي، بحسب ما زُعم، للتعذيب. ويقول إن عملاء استخبارات المملكة المتحدة قابلوه، ولكن التعذيب توقف أثناء وجودهم فقط. وأبلغه أحد عملاء استخبارات المملكة المتحدة، كما ذُكر، بأنه سوف يُرحَّل إلى دولة عربية لتعذيبه.
وفي وقت قريب من 21يوليو/تموز 2002، نُقل إلى مطار إسلام أباد، حيث سُلِّم إلى موظفين رسميين تابعين للولايات المتحدة، ونُقل جواً إلى المغرب. وعلى مدار الأشهر الثمانية عشر التالية، احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي، بحسب ما زعم، وعُذِّب بصورة منهجية لحساب سلطات الولايات المتحدة. ويقول إن المستنطِقين المغاربة أبلغوه بأنهم يتعاونون مع أجهزة استخبارات المملكة المتحدة. ويزعم أنهم أروه صوراً لأفراد اعتقلهم عملاء للمملكة المتحدة وأن أسئلة وجهت إليه يعتقد أنه لم يكن بالإمكان أن تُوجَّه إليه إلا إذا كان مصدرها سلطات المملكة المتحدة، وأنه تعرض للتعذيب في المغرب. ويزعم بنيام محمد الحبشي أيضاً أن موظفين رسميين تابعين للمملكة المتحدة وعدوه بأنهم سيتدخلون لصالحه. وحتى اليوم ليس ثمة ما يشير بأن موظفي المملكة المتحدة قد بروا بوعدهم.
وفي أواخر يناير/كانون الثاني 2004، قام سجَّانو بنيام محمد الحبشي، طبقاً لما ورد، بإبلاغه بأنه "ذاهب إلى الوطن". وعوضاً عن ذلك، نُقل جواً إلى أفغانستان، حيث اقتيد إلى مركز للاعتقال في كابل يُدعى "السجن الأسود"، واحتجز حتى مايو/أيار 2004. ويزعم أنه تعرض هناك للتعذيب وأنه استجوب من قبل موظفين رسميين تابعين للولايات المتحدة.
ثم نُقل بنيام محمد الحبشي إلى قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، حيث يزعُم أنه أُجبر على التوقيع على "اعترافات". ومن هناك، رُحِّل في 19سبتمبر/أيلول إلى خليج غوانتانامو، حيث يقول إنه أُخضع "بصورة روتينية للإذلال والإساءة، وكُذب عليه طوال الوقت". وفي فبراير/شباط 2005، وُضع في المخيمV، وهو مرفق قاس في خليج غوانتانامو يخضع، كما تروي التقارير، لـ"إجراءات أمنية قصوى"، ويُحتجز فيه "غير المتعاونين" من المعتقلين.
ولا يزال بنيام محمد الحبشي رهن الاعتقال في خليج غوانتانامو. ولم يُعرض على محكمة للاعتراض على قانونية اعتقاله. وأمله، بحسب ما يقول، أن "يجعل الشعب البريطاني الحكومة البريطانية تحترم كلمتها" حتى يستطيع "العودة إلى أهله" في لندن.
وبنيام محمد الحبشي ليس وحده الذي يتحدث عن تورط موظفين رسميين تابعين للمملكة المتحدة في عمليات الاستنطاق التي كانت تتم في الخارج في سياق من التعذيب أو سوء المعاملة. فالتقارير تشير إلى أن موظفي المملكة المتحدة كانوا يشاركون في بعض الأحيان؛ وفي أحيان أخرى كانوا حاضرين؛ وفي غيرها لجأوا ببساطة إلى تجاهل ما كان الجميع يعرفون بأنه يحدث.
ورهوهل أحمد هو أحد خمسة من مواطني المملكة المتحدة أفرج عنهم من خليج غوانتانامو في مارس/آذار 2004وأعيدوا إلى المملكة المتحدة. وقال إنه أثناء استجوابه من قبل أحد ضباط المملكة المتحدة في خليج غوانتانامو، وجَّه أحد جنود الولايات المتحدة بندقيته إلى رأسه وأُبلغ بأنه سيقتل إذا تحرك.
وقال أحد من أفرج عنهم، وهو طارق ديرغول، إنه استُجوب من قبل موظفيْن رسمييْن تابعيْن للمملكة المتحدة في حجز الولايات المتحدة في أفغانستان. وقال إن "المستنطقيْن البريطانييْن استجوباني أيضاً بينما كان جندي يقف في الزاوية حاملاً بندقيته. وكانا يريان أنني كنت ارتجف وأرتعد والحالة الصحية المزرية التي كنت فيها. غير أنهما لم يفعلا شيئاً من أجلي. وإنما وجهَّا إلي الأسئلة المعتادة فحسب وغادرا". وأضاف أنه وأثناء استجوابه في خليج غوانتانامو، "جاء محققون بريطانيون أيضاً وأروني مقالاً في إحدى الصحف حول إرسال مواطنين بريطانيين إلى كوبا. وأبلغت المحققين البريطانيين ما لا يقل عن خمس مرات كل تفاصيل ما يحدث في خليج غوانتانامو، بما في ذلك عمليات الضرب".
وفي يناير/كانون الثاني 2005، أفرج عن الأربعة المتبقين من مواطني المملكة المتحدة المعتقلين لدى الولايات المتحدة في خليج غوانتانامو.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2005، قضت محكمة في المملكة المتحدة بأنه من حق ديفيد هيكس، وهو مواطن أسترالي محتجز في غوانتانامو، أن يُسجَّل كمواطن من مواطني المملكة المتحدة، ولذا فمن حقه تلقي المساعدة من سلطات المملكة المتحدة. وتشعر منظمة العفو الدولية بالفزع حيال التقارير التي أوردت أن حكومة المملكة المتحدة تعتزم استئناف الحكم، وحيال خططها كذلك بأن تتقدم بتشريع من شأنه تخويل وزير الداخلية سلطة تجريد ديفيد هيكس من جنسية المملكة المتحدة حال منحها له.
ولا يزال ما لا يقل عن ثمانية من المقيمين في المملكة المتحدة محتجزين في خليج غوانتانامو، بمن فيهم بشر الراوي وجميل البنا (أنظر الإطار). وكانت المملكة المتحدة في الماضي ترفض بصورة ثابتة القيام بمداخلات كافية لصالح المقيمين في المملكة المتحدة على الرغم من إقامتهم الطويلة في المملكة المتحدة وحقيقة كون أفراد عائلاتهم من مواطنيها. وفي أوائل يناير/كانون الثاني 2006، أشارت مراسلات بعثت بها وزارة الخارجية إلى أحد أعضاء منظمة العفو الدولية إلى أنه "من سياسة المملكة المتحدة منذ أجل طويل أن لا تقدم المساعدة القنصلية لأشخاص ليسوا مواطنين بريطانيين"، وأن حدود انخراط حكومة المملكة المتحدة في هذه المسألة اقتصرت على الاجتماع بعائلات المعتقلين مرة واحدة، وأنها قد "نقلت بواعث القلق التي أعربت عنها العائلات إلى سلطات الولايات المتحدة".
أما بالنسبة للمقيمين في المملكة المتحدة الذي ما زالوا يقبعون في غوانتانامو فإنهم لا يزالون ينتظرون المساعدة من سلطات المملكة المتحدة. ومنظمة العفو الدولية تحث الحكومة على طلب عودة المقيمين في المملكة المتحدة ما لم توجه إليهم على وجه السرعة تهمة جنائية معترف بها ويحاكموا ضمن إجراءات تلبي مقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، مع استثناء احتمال فرض عقوبة الإعدام عليهم.
وفي اجتماع عُقد في أوائل فبراير/شباط 2006بين وزير خارجية المملكة المتحدة، عضو البرلمان جاك سترو، ووفد من ممثلي منظمة العفو الدولية برئاسة إيرين خان، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أبلغ وزير الخارجية ممثلي المنظمة أن حكومة المملكة المتحدة لا تتفق مع ممارسات الاحتجاز في غوانتانامو وأن مسألة المقيمين في المملكة المتحدة قيد الدراسة. ومنظمة العفو الدولية تدعو المملكة المتحدة إلى إتباع هذه الأقوال بأفعال قوية.
2.1.3.3 قضية بِشر الراوي وجميل البنّا
عزيزي السيد توني بلير،
أولاً، كيف حالك؟ أرسلت إليك رسالة قبل سنتين، فلماذا لما ترد عليها؟ لقد كنت أنتظر طوال الوقت ولكنك لم ترد. أرجوك أن تعطيني جواباً على سؤالي؟ لماذا يوجد أبي في السجن؟ ولماذا هو بعيد جداً في خليج غوانتانامو؟ إنني أشتاق إلى أبي كثيراً. فلم أرَ أبي طيلة ثلاث سنوات. أنا أعرف أن أبي لم يفعل شيئاً، لأنه رجل طيب. وأنا أسمع الجميع يتحدثون عن أبي بصورة طيبة. أولادك يقضون عيد الميلاد معك، أما أنا وإخوتي وأخواتي فقد قضينا العيد وحدنا من دون أبينا طيلة 3سنوات. ما رأيك في ذلك؟
آمل أن تجيبني هذه المرة. وشكراً من: أنس جميل البنا، 9سنوات.
أنس البنا، أحد أبناء جميل البنا
لا يزال بشر الراوي، وهو مواطن عراقي مقيم بصورة شرعية في المملكة المتحدة، وجميل البنا، المواطن الأردني الذي منحته المملكة المتحدة وضع اللاجئ، في حجز الولايات المتحدة في خليج غوانتانامو، بكوبا. وكانت لسلطات المملكة المتحدة صلة بترحيلهم على نحو غير قانوني إلى حجز الولايات المتحدة في 2002، وقد رفضت القيام بتدخلات في صالحهم. واعتقل الرجلان في غامبيا في 8نوفمبر/تشرين الثاني 2002. وقبل ستة أيام من ذلك، كانت سلطات المملكة قد احتجزتهم في مطار غاتويك، بلندن، واستجوبتهم ليومين حول صلاتهم المزعومة بـ"الإرهاب" قبل الإفراج عنهم بلا تهمة. وفي غامبيا، استُجوب الرجلان من قبل محققين تابعين للولايات المتحدة. ثم جرى ترحيلهم إلى قاعدة تابعة للولايات المتحدة في أفغانستان قبل أن يُرسلوا إلى خليج غوانتانامو. وسألت منظمة العفو الدولية سلطات المملكة المتحدة عما إذا كانت قد أبلغت السلطات الغامبية أو سلطات الولايات المتحدة بشأن الرجلين قبل سفرهما إلى غامبيا، إلا أنها لم تتلق جواباً على سؤالها حتى اللحظة. وإذا ما كانت حكومة المملكة المتحدة قد تواطأت فعلاً في تسفير جميل البنا وبشر الراوي غير القانوني إلى حجز الولايات المتحدة، فإن منظمة العفو الدولية ترى أن ذلك يفرض عليها واجباً إضافياً في أن تقوم بتدخلات في صالحهما لدى سلطات الولايات
المتحدة لإن احتجاز الرجلين في خليج غوانتانامو يكون قد تم نتيجة تورطها هي نفسها. وفي 16فبراير/ شباط 2006، قضى أحد قضاة المحكمة العليا لإنجلترا وويلز بأن ثمة قضية قابلة للنقاش للقيام بمراجعة قضائية لرفض حكومة المملكة المتحدة مناشدة سلطات الولايات المتحدة بأن تفرج عن جميل البنا وبشر الراوي وعمر دقايس، وهو ليبي مقيم في المملكة المتحدة ومعتقل في خليج غوانتانامو كان قد مُنح وضع اللاجئ في المملكة المتحدة. وما زالت مسألة إجراء مراجعة قضائية وافية لرفض حكومة المملكة المتحدة قيد النظر.
4.3 "تسليم المطلوبين"
منذ نهاية 2005، واجهت حكومة المملكة المتحدة اتهامات متصاعدة بأنها قد سمحت للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام أراضيها في سياق عمليات التسفير السرية للأفراد دونما أدنى إجراء قضائي (والمعروفة بعمليات "تسليم المطلوبين") إلى دول تعرضوا فيها، بحسب ما ذُكر، للتعذيب، وإلى مراكز اعتقال مختلفة تابعة للولايات المتحدة في أنحاء شتى من العالم.
ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن هذه الممارسات غير قانونية وفقاً للقانون المحلي والدولي لأنها تتخطى أي إجراءات قضائية أو إدارية شبيهة بتسليم المجرمين الفارين.
وعلاوة على ذلك، فإن عمليات "تسليم الم?لوبين" تنطوي في العادة على انتهاكات متعددة لحقوق الإنسان تتضمن الاختطاف والاعتقال التعسفي والاحتجاز والتسفير غير القانوني دونما إجراءات قانونية أصولية. ومعظم ضحايا "تسليم المطوبين" اعتقلوا واحتجزوا على نحو غير قانوني في المقام الأول: فبعضهم اختطفوا؛ بينما حُرم آخرون من أية إجراءات قانونية. وينتهك "تسليم المطلوبين" أيضاً عدداً من الضمانات الأخرى للمحاكمة العادلة – فضحايا "تسليم المطلوبين"، مثلاً، لا يملكون فرصة الاعتراض على اعتقالهم أو على القرار التعسفي بتسفيرهم من بلد إلى آخر.
و"تسليم المطلوبين" عنصر مهم في النظام السري العالمي للترحيل والاعتقال التعسفي. وهذا النظام مصمم كي يتم اعتقال الأشخاص، وغالباً من أجل الحصول على المعلومات منهم، بلا أي قيد قانوني أو إشراف قضائي. وقد مر معظم المحتجزين في مراكز الاعتقال السرية (المسماة بـ"الأماكن السوداء") بتجربة "تسليم المطلوبين". وجميع ضحايا "تسليم المطلوبين" الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية قد أُخضعوا للتعذيب ولغيره من ضروب إساءة المعاملة. وبحد ذاته، يرقى الاعتقال المطوَّل بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن سرية إلى مرتبة التعذيب.
وبمقتضى القانون الدولي، على الدول واجب حظر تسفير فرد إلى دولة أخرى يمكن أن يواجه الشخص فيها خطراً حقيقياً بأن يتعرض لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك "الاختفاء" القسري، والتعذيب أو إساءة المعاملة، والاعتقال التعسفي، أو الحرمان الصريح من حقه في محاكمة عادلة. وعلى الدول كذلك واجب بأن تمنع جميع هذه الأفعال وأن تجرِّمها وتحقق فيها وتعاقب مرتكبيها، بما في ذلك من يتآمرون في ارتكابها أو يساعدون أو يحرضون عليه.
وفي يناير/كانون الثاني 2006، وفي ضوء ما قامت به منظمة العفو الدولية من أبحاث، وبالاستناد إلى تقارير إعلامية نشرت على نطاق واسع، كتبت منظمة العفو إلى رئيس وزراء المملكة المتحدة لتعرب عن بواعث قلقها بشأن احتمال استخدام أجواء المملكة المتحدة ومطاراتها لتسهيل رحلات لطائرات استأجرتها وكالة الاستخبارات المركزية وعرف عنها أنها استخدمت لنقل معتقلين بصورة سرية إلى دول يمكن أن يتعرضوا فيها لـ"الإخفاء" القسري أو للتعذيب أو غيره من أشكال سوء المعاملة.
وعلى وجه التحديد، وفيما يخص المملكة المتحدة، تتعلق معلومات منظمة العفو الدولية بطائرة نفاثة تحمل اسم "غولف ستريمV" كانت مسجلة في حينه تحت الرقمN379P وتوقفت ما بين 2001و2005ما لا يقل عن 78مرة في مطارات المملكة المتحدة أثناء رحلات قادمة من مواقع مثل باكو في أذربيجان، ودبي في الإمارات العربية المتحدة، ولارنكا في قبرص، وكراتشي في باكستان، والدوحة في قطر، والرياض في المملكة العربية السعودية، وطشقند في أوزبكستان، ووارسو في بولندا. وتشير السجلات إلى أن ثلاثاً من هذه الرحلات الجوية كانت ترتبط على نحو مباشر بحالات معروفة من "تسليم المطلوبين":
• ففي 23أكتوبر/تشرين الأول 2001، رأى شهود عيان جميل قاسم سعيد محمد وهو يُحمَّل على متن التيربوجيت "غولف ستريمV"، المسجلة تحت رقمN379P، من قبل مجموعة من الرجال المقنَّعين في زاوية نائية من مطار كراتشي الدولي. وأقلعت الطائرة ناقلة جميل قاسم سعيد محمد إلى الأردن. وفي اليوم التالي، أقلعت التيربوجيت "غولف ستريمV" نفسها لتحط في غلاسغو بريستويك في المملكة المتحدة للتزود بالوقود، ثم طارت إلى مطار دلاس إنترناشونال قريباً من واشنطون دي سي بالولايات المتحدة الأمريكية.
وطلبت منظمة العفو الدولية على نحو متكرر من سلطات الولايات المتحدة تزويدها بمعلومات حول مكان وجود جميل قاسم سعيد محمد ووضعه القانوني، ولكن دون جدوى.
• وفي 18 – 19ديسمبر/كانون الأول 2001، ووفقاً لتحقيق أجرته لجنة الشكاوى البرلمانية السويدية، نقلت طائرة التيربوجيت غولف ستريم المذكورة أحمد عجيزة ومحمد الزاري من السويد إلى القاهرة في مصر. وتظهر سجلات منظمة العفو الدولية أن الطائرة قد قامت بعدة رحلات بين القاهرة وبريستويك في وقت مبكر من ذاك الشهر وتوقفت للتزود بالوقود في بريستويك بعد أن تركت الشخصين المعتقلين في القاهرة، حيث تعرضا، بحسب ما ورد، للتعذيب. وفي مارس/آذار 2005، خلُص رئيس لجنة الشكاوى البرلمانية في السويد، بعد أن قام بمراجعة دور الحكومة السويدية في تسفير المعتقليْن إلى مصر، إلى أن "شرطة الأمن السويدية فقدت السيطرة على الوضع في المطار وأثناء عملية النقل إلى مصر. حيث تولى موظفون أمنيون أمريكيون المسؤولية ... ومثل هذا التخلي الكامل عن صلاحية ممارسة السلطة العامة فوق الأراضي السويدية يخالف بوضوح القانون السويدي".
• وفي 12يناير/كانون الثاني 2002، ووفقاً لمسؤولين أمنيين إندونيسيين، نقلت طائرة "غولف ستريمV" تيربوجيت المذكورة فيما سبق محمد سعد إقبال مدني من جاكارتا إلى القاهرة، وتؤكد سجلات منظمة العفو الدولية تقارير إعلامية صدرت سابقاً بأن الطائرة عندما غادرت القاهرة حطت في بريستويك للتزود بالوقود. ومنذ ذلك الوقت، أعيد محمد سعد إقبال مدني إلى حجز الولايات المتحدة، وهو محتجز حالياً في خليج غوانتانامو. وليس له محام، بينما قال معتقلون آخرون في الشهر الماضي بأن صحته قد تدهورت وأن "ثمة خطراً بأن يفقد عقله".
ونظراً لتواتر الأدلة بأن أراضي المملكة المتحدة قد استخدمت في عمليات النقل غير القانونية لمعتقلين إلى دول يمكن أن يواجهوا فيها "الاختفاء" أو التعذيب أو سوء المعاملة، قامت منظمة العفو الدولية بحث حكومة المملكة المتحدة على مباشرة تحقيق فوري وشامل ومستقل في الأمر.
ودعت منظمة العفو الدولية حكومة المملكة المتحدة كذلك، وكجزء من هذا التحقيق، إلى الطلب من حكومة الولايات المتحدة إعلان ما إذا كانت قد استخدمت أم لا مطارات المملكة المتحدة أو مجالها الجوي أو قواعد الولايات المتحدة الجوية العسكرية فوق تراب المملكة المتحدة لأغراض "تسليم المطلوبين" منذ 1998، وبموافقة من سلطات المملكة المتحدة أم من دونها. ويتضمن هذا نقل معتقلين من أو إلى أو عبر المجال الجوي للمملكة المتحدة، وكذلك توفير الخدمات الأرضية للطائرات التي تحط أو تقلع في مهمة لـ"تسليم المطلوبين. وطلبت منظمة العفو الدولية إبلاغها بأي ردود حول ذلك يمكن للحكومة أن تحصل عليها من اتصالاتها مع سلطات الولايات المتحدة بشأن الموضوع.
كما طلبت منظمة العفو الدولية أيضاً إبلاغها بالخطوات التي تم اتخاذها، أو يجري النظر فيها، لمنع استخدام المجال الجوي للمملكة المتحدة ومطاراتها مستقبلاً من قبل الطائرات في مثل هذه الأنشطة غير القانونية.
وأشارت منظمة العفو الدولية إلى التصريحات التي أدلى بها مسؤولون حكوميون في المملكة المتحدة، بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية، في ردهم على بواعث القلق المتصاعدة بشأن مسألة "تسليم المطلوبين" في المملكة المتحدة. وعلى سبيل المثل، نُقل عن رئيس الوزراء في أواخر يناير/كانون الثاني 2006قوله إن سلطات الولايات المتحدة، وبحسب علمه، لم تلجأ إلى عمليات "تسليم المطلوبين" "إلا في الظروف التي تساوقت فيها قوانين البلاد المعنية وموافقتها مع ما تقوم به. ولا أعرف عن هذا الأمر أكثر من ذلك". وأعطى وزير الخارجية لمنظمة العفو الدولية تأكيدات في فبراير/شباط 2006بأنه راض عن أنه لم يحدث أن شاركت المملكة المتحدة في "عمليات الترحيل".
بيد أن منظمة العفو الدولية تظل تشعر بالقلق بشأن المزاعم القائلة إن سلطات المملكة المتحدة قد لعبت دوراً في عمليات الترحيل غير القانونية لعدد من الأفراد إلى حجز الولايات المتحدة (أنظر، مثلاً، حالة جميل البنا وبشر الراوي التي وردت فيما سبق، والتي لم تنكرها حكومة المملكة المتحدة حتى الآن).
وترى منظمة العفو الدولية أنه كان ينبغي على حكومة المملكة المتحدة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع أي عمل أو الحيلولة دون أي قصور يمكن أن يكون قد أدى، بعلم أو من دون علم، إلى استخدام أراضي المملكة المتحدة لترحيل أي شخص إلى دولة أخرى واجه فيها الشخص خطراً حقيقياً لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك عمليات "الإخفاء" القسرية، أو التعذيب أو سوء المعاملة، أو الاعتقال التعسفي، أو الحرمان الصارخ من الحق في محاكمة عادلة".
وتواصل منظمة العفو الدولية حثها للحكومة على ضمان تعاون المملكة المتحدة التام مع التحقيق البرلماني للمملكة المتحدة ومع عمليات التقصي التي يقوم بها مجلس أوروبا وبرلمان الاتحاد الأوروبي في مسألة "تسليم المطلوبين"، بما في ذلك عن طريق توفير كافة المعلومات ذات الصلة.
5.3 قوات المملكة المتحدة في العراق
قوَّضت حكومة المملكة المتحدة حماية حقوق الإنسان أيضاً من خلال محاولاتها المتكررة كيما تحتال على واجباتها الوطنية والدولية حيال حقوق الإنسان بالعلاقة مع أفعالها في العراق. ففي ردها على مزاعم لها أساسها المتين بأن جنود المملكة المتحدة قد ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وعلى الرغم من بعض الحالات التي قامت بها بفتح تحقيق وبمقاضاة بعض الأشخاص (أنظر ما يلي)، دأبت الحكومة بصورة متكررة على القول، حتى في الإجراءات القضائية في المحاكم، إنه لا الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ولا قانون حقوق الإنسان للمملكة المتحدة ينطبقان على سلوك موظفي المملكة المتحدة في العراق.
وفيما بين مايو/أيار 2003ويونيو/حزيران 2004، وبينما كان من المعترف به أن المملكة المتحدة هي سلطة احتلال في العراق، يُزعم أن أفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي. فوردت تقارير بأن قوات المملكة المتحدة قد أساءت معاملة المعتقلين في العراق فيما مضى، ولجأت في بعض الحالات إلى تعذيبهم. كما وردت مزاعم عن عمليات قتل غير قانونية على أيدي أفراد في القوات المسلحة للمملكة المتحدة. واعترفت لجنة الشؤون الخارجية البرلمانية بأن انتهاكات قد وقعت، وخلصت في تقريرها لشهر مارس/آذار 2005إلى أن "بعض الموظفين البريطانيين قد ارتكبوا انتهاكات جسيمة للحقوق الإنسانية لأشخاص محتجزين في مرافق اعتقال تخضع لسيطرتهم في العراق".
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، أعرب ممثلون لحكومة المملكة المتحدة عن وجهة نظرهم للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب القائلة بأن بعض أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب لا يمكن أن تُطبق على أفعال المملكة المتحدة في أفغانستان والعراق. وفي ردها على ذلك، أكدت اللجنة أن الاتفاقية تنطبق على جميع المناطق الخاضعة للسيطرة بحكم الأمر الواقع لسلطات المملكة المتحدة. وأوصت اللجنة سلطات المملكة المتحدة بأنه "ينبغي عليها إعلان نتائج جميع تحقيقاتها في سلوك قواتها في العراق وأفغانستان على الملأ، ولا سيما تلك التي تكشف عن أفعال يحتمل أن تكون قد شكلت خرقاً للاتفاقية [مناهضة التعذيب]، وتوفير المراجعة المستقلة لاستخلاصاتها حيث يكون ذلك مناسباً".
1.5.3 قضية السكيني
في 14سبتمبر/أيلول 2003، كان بهاء داوود سالم المالكي (المعروف أيضاً ببهاء موسى) أحد ثمانية مواطنين عراقيين اعتقلوا في البصرة، بالعراق، وتعرضوا للضرب في أحد الفنادق، بحسب ما ذُكر، على أيدي عساكر المملكة المتحدة. وبعد ذلك بأربعة أيام، طلبت إحدى وحدات الشرطة العسكرية من والد بهاء موسى التعرف على جثة ابنه، التي كانت مليئة بالكدمات والجروح ومغطاة بالدم. وأُدخل أحد الأشخاص الثمانية، وهو كفاح طه، كذلك إلى المستشفى في وضع حرج.
وفي 21ديسمبر/كانون الأول 2005، أصدرت محكمة استئناف إنجلترا وويلز حكمها في قضية ر (السكيني) ضد وزير الدولة لشؤون الدفاع، بالعلاقة مع وفاة بهاء موسى في الحجز ووفاة خمسة آخرين قتلوا في حوادث منفصلة تضمنت استخدام القوة المسلحة من جانب عساكر المملكة المتحدة. واعترضت عائلات الضحايا الستة على قرار حكومة المملكة المتحدة بعدم فتح تحقيق مستقل في وفاتهم. وقالوا إن وزارة الدفاع قد رفضت إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة وفق ما تتطلبه المادتان 2و3من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وقانون حقوق الإنسان للعام 1998. وادعت وزارة الدفاع أنه لا الاتفاقية الأوروبية ولا قانون حقوق الإنسان ينطبقان على سلوك قواتها العسكرية في العراق في وقت حدوث الوفيات نظراً لأن العراق خارج حدود اوروبا ولم يكن دولة طرفاً في الاتفاقية الأوروبية.
وفيما يلي سرد موجز للحقائق المحيطة بمعاملة بهاء موسى ووفاته في حجز المملكة المتحدة وفقاً للحكم الرئيسي في القضية، الذي أصدره القاضي اللورد بروك.
كان عمْر بهاء موسى 26عاماً. وكان يعمل في استقبال أحد الفنادق في مدينة البصرة. وفي الصباح الباكر ليوم 14سبتمبر/أيلول 2003، أغارت وحدة تابعة لكتيبة الملكة في لانكاشير على الفندق....
وكانت القوات معنية على نحو خاص بأن تتأكد من مكان وجود أحد الشركاء في إدارة الفندق. وشارك العميد مور بنفسه في هذه العملية وكان على سقف الفندق عندما كانت القوات تنفذ عمليات الاعتقال.
وقامت وسط هذه الظروف بالقبض على عدد من الرجال ممن وجدتهم هناك، بما في ذلك بهاء موسى. وكان والد بهاء موسى قد خدم كضابط شرطة لمدة 24سنة وكان حينها يحمل رتبة عقيد في شرطة البصرة. وكان قد مر على الفندق في وقت سابق من ذاك الصباح لاصطحاب ابنه بعد إنهائه فترة مناوبته، وأبلغ ملازم الوحدة العسكرية الأول المسؤول أنه قد رأى ثلاثة جنود يضعون نقوداً أخذوها من الخزنة في جيوبهم. ورأي خلال زيارته كذلك ابنه منبطحاً على أرض صالة الفندق إلى جانب ستة آخرين من موظفي الفندق وأيديهم خلف رؤوسهم.
وطمأنه الملازم بأن هذا مجرد تحقيق روتيني سينتهي خلال ساعتين. ولم يرَ العقيد موسى ابنه حياً بعد ذلك. وبعد أربعة أيام، دعته وحدة تابعة للشرطة العسكرية للتعرف على جثة ابنه. وكانت مغطاة بالدم والجروح. وكان الأنف قد كُسر بصورة عنيفة، بيما كان الدم يسيل من أنفه وفمه، وكانت هناك بقع شديدة الزرقة فوق الجروح التي غطت جسده. ويتحدث شهود العيان الذين قدمهم المدعون عن حملة متواصلة من سواء المعاملة أُخضع لها الرجال الذين اقتيدوا إلى الحجز، حيث كان أحدهم يعاني من إصابة شديدة للغاية، ويشير هؤلاء إلى أنه تم اختيار بهاء موسى ليتلقى معاملة وحشية على نحو خاص بسبب الشكاوى التي تقدم بها والده. وكان الرجال الذين اعتقلوا من الفندق قد أُخذوا إلى قاعدة عسكرية بريطانية في مدينة البصرة تدعى دارول ظيفه.
وكانت إجراءات المحاكمة العسكرية ضد العسكريين السبعة، بمن فيهم آمر المجموعة، الذي وجهت إليه تهمة الإهمال في أداء الواجب، في انتظار المباشرة في فبراير/شباط 2006. وقد وجهت إلى ثلاثة من العسكريين تهمة "المعاملة اللاإنسانية" لبهاء موسى.
وقضت محكمة الاستئناف بانطباق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وقانون حقوق الإنسان، على قضية بهاء موسى، وبهذا فإنه يُطلب من السلطات ضمان فتح تحقيق مستقل وغير متحيز في وفاته. بيد أن المحكمة قالت إن فكرة الولاية القضائية لم تكن بالاتساع الكافي لتنطبق على الأشخاص الذين لا يزالون طليقين ولم يخضعوا بعد لسيطرة قوات المملكة المتحدة بمن فيهم الأشخاص الخمسة الآخرون الذين وردت أسماؤهم على أنهم قد قتلوا على أيدي جنود المملكة المتحدة. ووجدت المحكمة كذلك أن نظام التحقيق في الوفيات على أيدي أفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة يعاني من نواقص خطيرة، بما في ذلك افتقاره للاستقلالية عن الضابط الآمر، وأنه لا بد من إعادة النظر فيه. ومن المتوقع استئناف حكم محكمة الاستئناف ، كما يتوقع أن يُنظر في هذا الاستئناف من قبل لوردات القانون قبل نهاية 2006.
وفي قضية أخرى، أعلن مستشار الملكة اللورد غولدسميث، النائب العام للمملكة المتحدة، في يوليو/تموز 2005أن أربعة من أفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة سيمثلون أمام المحكمة بالعلاقة مع وفاة أحمد جابر كريم علي، الذي كان أحد أربعة رجال اعتقلوا بشبهة النهب والسلب في مايو/أيار 2003في البصرة. وكان قد زُعم بأن جنود المملكة �575?لمتحدة قد قاموا بلكم وركل من اشتبه بقيامهم بالسطو قبل أن يجبروهم على القفز في قنال شط البصرة، حيث غرق أحمد جابر كريم علي، الذي لم يتمكن من السباحة.
وبالعلاقة مع حادثة أخرى، أدانت محكمة عسكرية ثلاثة من أفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة في فبراير/شباط 2005بالإساءة إلى معتقلين في مايو/أيار 2003في معسكر بريدباسكيت، قرب البصرة، وحكمت عليهم بالسجن ما بين 140يوماً وسنتين.
وفي 13فبراير/شباط 2006، أعلنت وزارة دفاع المملكة المتحدة أنه قد بوشر بتحقيق في مزاعم انتهاكات حديثة على أيدي أفراد تابعين للقوات المسلحة للمملكة المتحدة أظهرها شريط فيديو حصلت عليه صحيفة ذي نيوز أوف ذي وورلد (أخبار العالم). وأظهر الشريط جنوداً تابعين للمملكة المتحدة يضربون عدداً من العراقيين جرى اعتقالهم خلال عملية توقيف عشوائية في أعقاب مظاهرة جرت في 2003أو 2004وتحولت إلى العنف. وأكدت وزارة الدفاع على أن "الصورالتي عرضها الفيديو ترقى إلى مرتبة مزاعم في غاية الخطورة ... إنها صور تثير الانزعاج". وأكدت وزارة الدفاع أيضاً على أن جندياً في الخدمة قد اعتُقل بالعلاقة مع هذه المزاعم وأن الشرطة العسكرية الملكية قد فتحت تحقيقاً فيها بغرض تحديد هوية جميع أفراد القوات المسلحة الذين يظهرهم الشريط.
وكما هو الحال بالنسبة للمزاعم السابقة، أطلق مسؤولون مختلفون في حكومة المملكة المتحدة تصريحات في أعقاب المزاعم الأخيرة يدينون فيها جميع أعمال الإساءة والوحشية، ويتعهدون فيها بأن يجري التعامل بمنتهى الجدية مع أي مزاعم بقيام أفراد تابعين للقوات المسلحة للمملكة المتحدة بإساءات. وقالت وزارة الدفاع في بيانها الصادر في 13فبراير/شباط 2006إن "الجيش يباشر على الدوام تحقيقاً تتولاه الشرطة العسكرية الملكية كلما كانت هناك مزاعم جدية بوقوع إساءات. وهذا يفي بواجب الجيش بأن يحترم دائماً حكم القانون".
وتلاحظ منظمة العفو الدولية أن قوات المملكة المتحدة وغيرها من القوات العسكرية الدولية في العراق تتمتع بالحصانة من المقاضاة الجنائية والمدنية بموجب القانون العراقي؛ بيد أنها تخضع للمقاضاة بموجب قوانينها الوطنية. ولذا، فإن من الأمور الحاسمة أن تكون الإجراءات التي تقَر لتقصي انتهاكات الحقوق الإنسانية للمدنيين العراقيين على أيدي قوات المملكة المتحدة، ولمقاضاة من يشتبه بارتكابها، كافية ومتساوقة تساوقاً تاماً مع المعايير الدولية ذات الصلة لحقوق الإنسان. فهذه الإجراءات هي السبيل الوحيد لمساءلة قوات المملكة المتحدة العاملة في العراق عما تقوم به من أفعال، ولضمان أن يتلقى الضحايا العراقيون الإنصاف على نحو كاف.
إن منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق بشأن تقاعس سلطات المملكة المتحدة حتى الآن عن مباشرة تحقيقات سريعة ومستقلة وشاملة وفعالة في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، وفي ضمان التعويضات الكافية للضحايا وعائلاتهم. فاستجابة جيش المملكة المتحدة تجاه شبهات قتل المدنيين بصورة غير قانونية، وتجاه مزاعم التعذيب وإساءة المعاملة قد أدت إلى تقويض حكم القانون وليس إلى احترامه. فقد امتنعت سلطات المملكة المتحدة عن إجراء تحقيقات في جميع المزاعم المعقولة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بينما عجزت التحقيقات التي أجريت عن ضمان "تحقيق العدالة ورؤية أنها قد تحققت" في عيون عائلات الضحايا والجمهور العراقي وجمهور المملكة المتحدة. كما لم تُعط عائلات الضحايا ما يكفي من المعلومات بشأن كيفية طلب التعويض.
فضلاً عن ذلك، تشعر منظمة العفو الدولية ببواعث قلق من أن مزاعم خطيرة بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان قد شهدت النور بسبب رؤية أفراد لصور في شريط فيديو وإبلاغهم عنها، وليس بسبب إجراءات قام بها موظفون رسميون تابعون للمملكة المتحدة. وهكذا، فقد كان من المحتمل أن لا يُباشر أبداً ببعض التحقيقات الرسمية وبما تلاها من عمليات مقاضاة، أو يُعلن عنها، لو لم يقم البعض بتقديم الشكوى.
وفي المملكة المتحدة، تباشر التحقيق أو تشرف عليه عندما يقتل أحد العسكريين مدنياً قوة من الشرطة المدنية. وبالمثل، فإن التحقيقات في الوفيات في حجز الشرطة، أو في مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة على أيدي الشرطة، تتم تحت إشراف اللجنة المستقلة لشكاوى الشرطة، وأحياناً بمباشرة منها. ولكن التحقيقات في العراق لا تتم على هذا النحو.
ففي الوقت الراهن، تتولى الشرطة العسكرية الملكية التحقيقات في مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها أعضاء في القوات العسكرية للمملكة المتحدة العاملة في العراق. وتعتبر منظمة العفو الدولية أن التحقيقات التي تتولاها الشرطة العسكرية الملكية في مزاعم الانتهاكات الخطيرة للحقوق الإنسانية لمدنيين عراقيين على أيدي أفراد في القوات المسلحة للمملكة المتحدة، بما في ذلك عمليات القتل غير المشروعة والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، لا تفي بمقتضيات المعايير الدولية المتمثلة في السرعة والفعالية والشمول والاستقلال وعدم التحيز.
وما انفكت بواعث القلق تساور منظمة العفو الدولية أيضاً بشأن دور آمر القوة في التحقيق في الأفعال الجنائية المزعومة التي يرتكبها أفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة بالصورة التي سلطت محكمة الاستئناف لإنجلترا وويلز الضوء عليها في قضية السكيني المشار إليها فيما سبق.
وتواصل المنظمة حثها لسلطات المملكة المتحدة بأن تُنشئ آلية يتولاها مدنيون لمباشرة تحقيقات تفي بمقتضيات حقوق الإنسان في جميع مزا?م انتهاكات الحقوق الإنسانية للأشخاص في العراق على أيدي أفراد في قوات المملكة المتحدة.
وقد أعرب النائب العام للمملكة المتحدة، مستشار الملكة اللورد غولدسميث، عن بواعث قلقة علناً بشأن ضرورة ليس فحسب تطبيق العدالة، وإنما أيضاً أن يُرى بأنها قد تحققت بالعلاقة مع مزاعم الانتهاكات الخطيرة على أيدي القوات االمسلحة للمملكة المتحدة في العراق. وعلى وجه الخصوص، أعرب اللورد غولدسميث عن قلقه بشأن كفاية التحقيقات العسكرية في مزاعم الانتهاكات على أيدي قوات المملكة المتحدة وأثرها على تطبيق العدالة.
ومنظمة العفو الدولية تعتبر أن المملكة المتحدة ملزمة بأحكام قانون حقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، وسواها من القوانين والمعايير الدولية ذات الصلة، فيما يتعلق بسيطرة أو سلطة القوات العسكرية للمملكة المتحدة على الأشخاص أو الأراضي في العراق.
2.5.3 حشر الرؤوس في قلنسوات
أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها بشأن السماح لأفراد القوات المسلحة للمملكة المتحدة باستخدام روتين حشر رؤوس المعتقلين في قلنسوات في العراق . وطلبت منظمة العفو الدولية معلومات من سلطات المملكة المتحدة حول الظروف التي بوشر باللجوء فيها إلى هذه الممارسة والسبب في ذلك. وفي ردودها على منظمة العفو وفي إجابات مكتوبة علىأسئلة برلمانية، قالت سلطات المملكة المتحدة إن حشر الرؤوس في القلنسوات غير مقبول إلا "أثناء الاستنطاق أو الاستجواب التكتيكي"، ولكن "من الممكن أن تكون هناك ظروف تشغيلية تتطلب فيها أسباب عسكرية واضحة حجب الرؤية لدى المعتقلين، وهي [كذا] متساوقة تماماً مع مقتضيات اتفاقيات جنيف". وعلى سبيل المثل، ذكر اللورد باخ في يوليو/تموز 2004أن "حشر رؤوس المعتقلين في قلنسوات لأغراض الاعتقال أو النقل كان إجراءً معتمداً لقوات المملكة المتحدة قبل عملية "تيليك" [فيذلك الوقت كانت العمليات العسكرية للمملكة المتحدة في العراق تتم تحت اسم عملية تيليك]، ونظراً لذلك فلم تُلفت أنظار الوزراء إليها على نحو محدد. وتعتقد المملكة المتحدة أن حشر الرؤوس في قلنسوات مقبول أثناء الاعتقال والنقل عندما يكون هناك
سبب عسكري وجيه، مثلاً لتوفير الأمن لقواتنا وللأماكن، وتوفير الحماية للمعتقل (من خلال الحيلولة دون التعرف عليه من جانب معتقلين آخرين). ولم تعد ممارسة حشر الرؤوس في القلنسوات تستخدم عندما لم يعد هناك تبرير عسكري لمواصلتها".
ومنظمة العفو الدولية تعتبر أنه ليس من شيء يمكن أن يبرر حشر رؤوس المعتقلين في قلنسوات. وهي إساءة للمعاملة لأنها تعطل استخدام المعتقل لحواسه عن طريق حجب الرؤية والسمع وحاسة الشم عنده.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، بدأت وزارة دفاع المملكة المتحدة مراجعة لممارسة حشر الرؤوس في قلنسوات. وحتى اليوم لم تعرف حصيلة هذه المراجعة، هذا إذا كانت هناك حصيلة.
ومنظمة العفو الدولية تواصل حث سلطات المملكة المتحدة على وقف ممارسة حشر رؤوس المعتقلين في قلنسوات، وتجريم هذه الممارسة.
3.5.3 الاعتقال الاحترازي
تعتبر منظمة العفو الدولية أن المملكة المتحدة تخرق القانون الدولي والوطني لحقوق الإنسان أيضاً بأفعالها المتعلقة باعتقال نحو 14,000شخص (حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2005) بلا تهمة أو محاكمة في العراق.
وبينما تم اعتقال أغلبية هؤلاء على أيدي قوات الولايات المتخدة، فإن عدد من اعتقلتهم قوات المملكة المتحدة بلا تهمة أو محاكمة حتى أكتوبر/تشرين الأول 2005بلغ نحو 33شخصاً. وتُراجع قضايا الأشخاص الذين تعتقلهم قوات المملكة المتحدة هيئة تدعى "لجنة مراجعة الاعتقالات التابعة للفِرق" (لجنة مراجعة الاعتقالات). وتتألف لجنة مراجعة الاعتقالات هذه من الأعضاء التالين: رئيس هيئة الأركان، وضابط آخر ذا رتبة عالية، وكبير الضباط القانونيين، وكبير المستشارين السياسيين، وضابط قانوني آخر . غير أنه وبينما تتولى لجنة مراجعة الاعتقالات مراجعة القضايا، فإن القرار النهائي بشأن الإفراج أو مواصلة الاعتقال يظل في أيدي ضابط الأركان.
وبموجب الأنظمة ذات الصلة، ينبغي أن تتم المراجعة الأولى خلال 48ساعة من الاعتقال، وشهرياً بعد ذلك . وباستطاعة الشخص المعتقل توجيه كتاب خطي إلى لجنة مراجعة الاعتقالات، ولكن من غير الجائز لا للمعتقل ولا لممثله القانوني حضور جلسات المراجعة التي تعقدها لجنة مراجعة الاعتقالات. ويُبلَّغ المعتقلون بقرار الضابط آمر القيادة خطياً. ويعرض القرار أسباب الاعتقال.
ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أنه وبعد أشهر من الاعتقال، تواصل المملكة المتحدة احتجاز المعتقلين دون أن تقدم لهم أو لمستشاريهم القانونيين معلومات كافية تمكنهم من تفنيد الأدلة التي تستخدم للإبقاء على اعتقالهم.
1.3.5.3 قضية هلال عبد الرزاق على الجدَّه
يُحتجز هلال عبد الرزاق علي الجدَّه، وهو عراقي يحمل الجنسية المزدوجة للمملكة المتحدة والعراق ويقيم في لندن ومتزوج وله أربعة أولاد، ومنذ اعتقاله في 10أكتوبر/تشرين الأول 2004، في بغداد. وقُبض على هلال عبد الرزاق علي الجده في بغداد من قبل قوات الولايات المتحدة، التي قامت بتسليمه إلى أفراد 5?لقوات المسلحة للمملكة المتحدة. ومذاك وهو معتقل بلا تهمة أو محاكمة ("احترازياً") في العراق من قبل قبل قوات المملكة المتحدة في مرفق اعتقال الفرقة المؤقت في الشعيبة. وقد أُجريت مراجعات دورية لاعتقاله قرر آمر الفرقة المتعددة القوميات بعدها أن من الضروري مواصلة اعتقاله. ولم يمُنح حق استئناف قرار اعتقاله إلى محكمة مستقلة وغير متحيزة تماماً.
وتعتبر المعاملة التي يتلقاها هلال عبد الرزاق علي الجده وغيره من المعتقلين العراقيين مثالاً إضافياً على محاولات سلطات المملكة المتحدة الاحتيال على واجباتها بمقتضى قانون حقوق الإنسان فيما يتعلق بأفعالها في العراق. فقد ادعت سلطات المملكة المتحدة أن سلطة اعتقال الأشخاص تنبثق عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546بشأن أسس "الأسباب الأمنية الموجِبة". كما ادعت أن هذا القرار يلغي الواجبات (المتعلقة بحق الشخص في الحرية والأمن) الملقاة على عاتق سلطات المملكة المتحدة بمقتضى القانون الوطني والدولي لحقوق الإنسان.
إن قضية هلال عبد الرزاق على الجدة تتصل بأحد أكثر الحقوق أساسية – ألا وهو حق الشخص في الحرية والأمن على نفسه. ومنظمة العفو الدولية تعتبر أن واجبات حقوق الإنسان التي تكفل هذا الحق تظل قائمة بالنسبة لجميع الأشخاص الذين تحتجزهم قوات المملكة المتحدة في العراق. وفضلاً عن ذلك، فإن الاعتقال بلا تهمة أو محاكمة يشكل انتهاكاً لعدد من حقوق الإنسان، بما فيها الحق في الحرية من الاعتقال التعسفي.
وقد رفع هلال عبد الرزاق علي الجده دعوى ضد وزارة دفاع المملكة المتحدة في يوليو/تموز 2005بالعلاقة مع اعتقاله في العراق. وفي يوليو/تموز 2005، جرى الاستماع لدعواه من قبل المحكمة العليا لإنجلترا وويلز في لندن. وحاجج فريق الدفاع عن هلال عبد الرزاق علي الجده بأن اعتقاله، الذي صدر الأمر به كـ"تدبير أمني وقائي"، لا يتمتع بالصفة القانونية بسبب عدم توجيه أي تهمة إليه. وقال هؤلاء إن استمرار اعتقاله يعتبر خرقاً للاتفاقية الأوروبية ولقانون حقوق الإنسان. وقال محاميه: "إذا كانت الحكومة على حق، فإن من شأن ذلك أن يعني أن بإمكان الدولة العضو منفردة تفسير قرار ما لمجلس الأمن من جانب واحد كيما تنقض معاهدات أساسية لحقوق الإنسان، وأنه يجوز النظر إلى مبادئ حقوق الإنسان على أنها ذات أهمية ثانوية".
وفي أغسطس/آب 2005، قضت المحكمة العليا في صالح الحكومة. بيد أن المحكمة قالت إنه "على الرغم من أن المشتكي معتقل لأسباب أمنية موجِبة، فإنه لم توجه له أية تهمة جنائية؛ ووزير الدولة يعترف بأنه، وكما هو حال الأمور، ليس ثمة مواد كافية يمكن الاستناد إليها في توجيه تهم جنائية ضده. ولذا فإن المشتكي معتقل فحسب على أساس وقائي". وعلى ما يبدو فإن قسطاً كبيراً من هذه "المواد" قد أحيط بالسرية عن هلال عبد الرزاق علي الجدة ومحاميه. وفي يناير/كانون الثاني 2006، استمعت محكمة الاستئناف لإنجلترا وويلز إلى طعن في قرار المحكمة العليا؛ وفي منتصف فبراير/شباط 2006، كان الحكم ما زال قيد النظر.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2005، كتبت وزارة دفاع المملكة المتحدة إلى منظمة العفو الدولية لتقول:
السيد الجده محتجز في العراق بمقتضى إجراءات أجازها القرار 1546لمجلس الأمن الدولي والرسائل الملحقة به، التي منحت قوات الائتلاف في العراق سلطة اعتقال الأشخاص، عند الاقتضاء، لأسباب أمنية موجبة. والاعتقال الاحترازي مكوِّن مهم من مكونات منهجنا في فرض الحماية في العراق، ولكنه سلطة لا تستخدمها قوات المملكة المتحدة إلا لِماماً. فليست لنا مصلحة في اعتقال الأشخاص في العراق اعتقالاً تحفظياً سوى حماية الرجال والنساء ممن يخدمون في القوات البريطانية في العراق، وأفراد قوات الأمن العراقية، والمدنيين العراقيين، من الهجمات.
والسيد الجِدّه محتجز كمعتقل أمني من جانب قوات المملكة المتحدة لأن هناك تقديراً بأنه يشكل خطراً أمنياً جدياً، ولذا فهو يشكل تهديداً لحياة المنتسبين والمنتسبات لقوات الائتلاف في العراق، ولحياة أفراد قوات الأمن والمدنيين العراقيين.
وتتم مراجعة الاعتقال المستمر للسيد الجده بصورة منتظمة، وقد أيَّد قرار المحكمة العليا في أغسطس/آب من العام الحالي قانونية اعتقاله من جانب قوات المملكة المتحدة في العراق. وهذا الحكم يخضع في الوقت الراهن للاستئناف، على الرغم من ثقتنا بأن محكمة الاستئناف سوف تصدِّق على القرار الأصلي وتدعم موقف وزارة الدفاع.
وحتى منتصف فبراير/شباط 2006، كان هلال عبد الرزاق علي الجدة لا يزال محتجزاً بلا تهمة أو محاكمة من قبل قوات المملكة المتحدة في العراق. ومنظمة العفو الدولية تحث سلطات المملكة المتحدة على الإفراج عن هلال عبد الرزق علي الجدة وغيره من المعتقلين بطريقة مماثلة ما لم توجه إليهم على وجه السرعة تهم بجناية معترف بها ويقدموا للمحاكمة أمام محكمة مستقلة وغير متحيزة ضمن إجراءات تلبي مقتضيات المعايير الدولية.
4. قانون التحقيقات للعام 2005: هجمة ضد حكم القانون واستقلال القضاء
ساور القلق منظمة العفو الدولية لسنوات عدة بسبب نجاح حكومة الولايات المملكة المتحدة في إقرار تشريعات تقلِّص السلطات القضائية. وتدابير "مكافحة الإرهاب" التي وصفناها فيما سبق أمثلة صارخة على ذلك. وفضلاً عن ذلك، فف0? مضمار التقرير بشأن طلبات اللجوء، حدَّت الأحكام التشريعية من قدرة القضاة على استخدام حصافتهم في نشدان الحقائق التي تسند حجة طالبي اللجوء.
وفي هذا الجزء، ستعرض منظمة العفو الدولية للخطوط العريضة لبواعث قلقها العميق بشأن الإطار التشريعي الذي أُقر في الآونة الأخيرة، والذي أصبحت التحقيقات القضائية العامة الرامية إلى ضمان المساءلة والتدقيق العاميْن في الممارسات التنفيذية والإدارية تُجرى بموجبه. ففي نظر منظمة العفو الدولية، فإن هذا التشريع، أي قانون التحقيقات للعام 2005، قد أضعف بصورة أساسية دور القضاة في احترام حكم القانون وحقوق الإنسان للجميع بتقويضه الفصل المناسب بين السلطات، بين القضاء وبين السلطة التنفيذية في المملكة المتحدة.
وخلال المداولات البرلمانية التي سبقت تبني التشريع، أعربت منظمة العفو الدولية وعديدون غيرها عن بواعث قلق من أن الحكومة تسعى إلى إلغاء التدقيق المستقل في أفعال عملائها عن طريق أحكام تشريعية تفرض أن تُجرى التحقيقات التي يُباشر بها بمقتضى هذا القانون إلى حد كبير تحت سيطرة وزراء الحكومة . ودعت منظمة العفو الدولية إلى سحب مشروع القانون هذا، وإلى دخول الحكومة في عملية تشاور جدية بشأن أي تغييرات في المستقبل تتعلق بإدارة التحقيقات العامة.
وعلى الرغم من الانتقادات والمعارضة القويتين اللتين أُعرب عنهما، صوَّت البرلمان لصالح تبني مشروع القانون في 7أبريل/نيسان 2005، وهو آخر يوم كان يمكن أن يصوت فيه قبل حله تمهيداً للانتخابات العامة. ودخل قانون التحقيقات للعام 2005حيز النفاذ في يونيو/حزيران 2005. ويمكِّن السلطة التنفيذية من السيطرة على التحقيقات التي تُفتح بموجبه، بما يؤدي في النتيجة العملية إلى قطع الطريق على أي تفحُّص عام لأفعال الدولة.
وقد أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث القلق من أن التحقيق القضائي العام الذي سيُباشر به بموجب هذا القانون سيكون تحقيقاً تتمتع فيه السلطة التنفيذية بالصلاحيات التالية:
• اتخاذ القرار بشأن التحقيق ونطاق صلاحياته؛ وعدم إخضاع ما يتقرر بشأن ذلك للتدقيق البرلماني المستقل؛
• تعيين كل عضو من أعضاء هيئة التحقيق، بمن فيهم رئيس هيئة التحقيق، وتملك السلطة التنفيذية صلاحية إعفاء أعضاء هيئة التحقيق بحسب تقديرها وعلى نحو فضفاض؛
• فرض قيود على اطلاع الجمهور على التحقيق، بما في ذلك بشأن ما إذا كان التحقيق، أو أي جلسة استماع منفردة، سوف تُعقد بصورة علنية أو مغلقة. وتستطيع السلطة التنفيذية أيضاً فرض قيود على حضور الشهود أثناء التحقيق، وكذلك على إبراز أية أدلة أو وثائق، أو الكشف العلني عن أي من الأدلة أو الوثائق، وبإمكان السلطة التنفيذية فرض جميع ما ذُكر من قيود بغض النظر عن الآراء و/أو القرارات بخلاف ذلك التي تعرب عنها أو تتخذها لجنة التحقيق بشأن هذه الأمور؛
• اتخاذ القرار بشأن ما إذا كان التقرير النهائي للتحقيق سوف يُنشر أم لا، وما إذا كان أي دليل سوف يُحذف من التقرير "لما فيه الصالح العام"، مع أنه لم يجر في أي مكان من القانون تحديد معنى هذه العبارة بوضوح أو بلا غموض.
في ضوء ما سبق، تعتبر منظمة العفو الدولية أن قانون التحقيقات للعام 2005، الذي يحكم سلوك أي تحقيق قضائي عام، لا يتساوق مع الأحكام ذات الصلة في المعايير الدولية. والأكثر أهمية هو أن أي تحقيق قضائي يُباشر به بمقتضى قانون التحقيقات لن يكون متماشياً مع المقتضيات التي حددتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قانون محاكماتها
بموجب المادتين 2و3من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية . ومنظمة العفو الدولية
تعتبر كذلك أن أي تحقيق قضائي يُجرى بمقتضى هذا القانون لا يتماشى مع متطلب "هيئة مستقلة وغير متحيزة" الذي تنص عليه المادة 6من الاتفاقية الأوروبية.
ولقد أعرب اللورد سافيل أوف نيوديغيت، رئيس هيئة التحقيق في "الأحد الدامي"، عن قناعته بأن قانون التحقيقات للعام 2005 "يفتح ثغرة خطيرة للغاية بشأن استقلالية أي تحقيق؛ ومن المرجح أن يلحق الضرر بالثقة العامة في التحقيق ونتائجه، وحتى أن يُجهز عليها". وقال اللورد سافيل أيضاً: "بصفتي قاضياً، عليّ أن أُبلغكم أنني لن أكون على استعداد لأن أُعين عضواً في أي تحقيق يخضع لحكم من هذا القبيل" . وأعرب قضاة كبار كذلك، فضلاً عن اللجنة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان التابعة لبرلمان المملكة المتحدة، عن بواعث قلق بشأن هذا القانون أيضاً.
ومنذ إعمال قانون التحقيقات للعام 2005، دعت منظمة العفو الدولية وآخرون إلى إلغائه. ونظراً لأن القانون لا يوفر الأساس لتحقيقات علنية فعالة ومستقلة وغير متحيزة ودقيقة في مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، فإن منظمة العفو الدولية تعلن مناهضتها لنية الحكومة المعلنة في مباشرة تحقيق في مقتل باتريك فينوكين بمقتضاه.
1.4 التحقيق في قضية فينوكين وفقاً لقانون التحقيقات: ضرب من الدجل
أُطلقت النار في 12فبراير/شباط 1989على باتريك فينوكين، وهو محام مفوَّه لحقوق الإنسان، في منـزله أمام زوجته وأطفاله في بيلفاست، بإيرلندا الشمالية، فخر صريعاً على أيدي القوات شبه النظامية الموالية للتاج.
وظهرت على الفور تقريباً مزاعم جوهرية وذات مصداقية حول تواطؤ الدولة في مقتل باتريك فينوكين. ومذّاك، ظهرت إلى النور أدلة على سلوك جنائي لرجال الشرطة والاستخبارات العسكرية في مقتله بالتواطؤ مع أعضاء في الجماعات شبه العسكرية الموالية للتاج. وفضلاُ عن ذلك، ترددت مزاعم عن عملية تستر على الجريمة فيما بعد من جانب وكالات وسلطات حكومية، بما في ذلك الشرطة والجيش البريطاني وجهار الأمن في المملكة المتحدة (إم آي 5) ومكتب مدير النيابات العامة في إيرلندا الشمالية. كما أثيرت مزاعم بأنه مقتله جاء نتيجة لسياسة منهجية اعتمدتها الدولة.
وكان مقتله واحداً من عدد من جرائم القتل التي ارتكبت في إيرلندا الشمالية وزُعم أنها نُفذت بتواطؤ من جانب قوات أمن المملكة المتحدة.
وفيما مضى، دعى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون المدافعين عن حقوق الإنسان، ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، وكذلك منظمات دولية ومحلية لحقوق الإنسان شملت منظمة العفو الدولية، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومراقبة حقوق الإنسان، واللجنة الخاصة بتطبيق العدالة، ومراقبة الحقوق الإيرلندية البريطانية، ومركز بات فينوكين، دعت حكومة المملكة المتحدة إلى مباشرة تحقيق مستقل بلا إبطاء.
وفي مايو/أيار 2002، عينت حكومتا المملكة المتحدة وإيرلندا القاضي بيتر كوري – وهو قاض سابق في المحكمة الكندية العليا – لتقديم توصيات بشأن ما إذا كان من الضروري إجراء تحقيقات عامة في عدد من أعمال القتل غير المشروعة زُعم أن موظفين رسميين في الدولة قد توطأوا فيها.
وفي أبريل/نيسان 2003، قدَّم مفوض شرطة العاصمة آنذاك، السير جون ستيفنـز، تقريره الذي طال انتظاره بشأن التواطؤ في إيرلندا الشمالية، ولم ينشر منه سوى ملخص شديد الإيجاز. وبين أمور عديدة، أكد التقرير على وجود تواطؤ واسع الانتشار بين عملاء الدولة وبين القوات شبه العسكرية الموالية للتاج، بما في ذلك تورط عملاء في الدولة في أعمال قتل من قبيل مقتل باتريك فينوكين. كما أكد على وجود وحدة استخبارات سرية في الجيش البريطاني تعرف باسم "وحدة أبحاث القوة" ودأبت على التواطؤ النشط مع القوات شبه العسكرية الموالية في اغتيال الأشخاص، بمن فيهم باتريك فينوكين.
وفي يوليو/تموز 2003، وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن سلطات المملكة المتحدة قد انتهكت حق باتريك فينوكين في الحياة، بما في ذلك الامتناع عن مباشرة تحقيق على وجه السرعة بشأن تواطؤ أفراد في قوات الأمن في قتله.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2003، قدَّم القاضي كوري تقاريره، ولكن ستة أشهر مضت قبل أن تقوم سلطات المملكة المتحدة في النهاية بنشرها. أما بالنسبة لقضية فينوكين، فكان استخلاص القاضي كوري بلا لبس: "لن يكفي في هذا إلا تحقيق عام". وأضاف أن "هذه يمكن أن تكون من الحالات النادرة التي يمكن أن يكون لإجراء تحقيق عام فيها نفع عظيم للمجتمع بما يتضمن أكثر من مجرد المقاضاة".
وفي سبتمبر/أيلول 2004، اعترف كينيث بارييت، العضو السابق في الجماعات العسكرية الموالية، بأنه مذنب بقتل باتريك فينوكين وتمت إدانته. وكانت إدانته هي الحصيلة الوحيدة لعمليات المقاضاة التي انبثقت عن القضية. وأزالت إدانة كينيث باريت من الطريق أي تبرير تتذرع به سلطات المملكة المتحدة كي لا تباشر بتحقيق عام في مزاعم التواطؤ في قتل باتريك فينوكين.
وقد قامت منظمة العفو الدولية وآخرون بمراقبة محاكمة كينيث باريت. وكنتيجة لذلك، فإن المنظمة كانت قادرة على التأكيد على أن اعتراف كينيث باريت بالذنب لم يؤد إلى كشف النقاب عن أي معلومات مهمة حول الظروف التي أحاطت بعملية القتل.
وبعد إدانة كينيث باريت بفترة وجيزة، أعلنت حكومة المملكة المتحدة في نهاية الأمر عن أنه سيجري فتح تحقيق في مقتل باتريك فينوكين. بيد أنها، وعوضاً عن أن تعلن عن مباشرة تحقيق قضائي عام بمقتضى قانون هيئات التقصي (الأدلة) لعام 1921، الذي كان ساري المفعول آنذاك، قالت إن التحقيق سوف يجري على أساس تشريع تعتزم التقدم به ليأخذ في الحسبان "مقتضيات الأمن القومي".
وأعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها من أن سلطات المملكة المتحدة تستخدم "الأمن القومي" ذريعة بغية الحد من قدرة التحقيق على إلقاء الضوء على: تواطؤ الدولة في مقتل باتريك فينوكين؛ والمزاعم القائلة إن قتله كان نتيجة سياسة رسمية؛ والدور الذي لعبته مختلف السلطات الحكومية في التستر اللاحق على ما تم من تواطؤ في قتله.
وتم إقرار قانون التحقيقات في أبريل/نيسان 2005. وذكرت حكومة المملكة المتحدة على نحو متكرر بأنها تعتزم عقد تحقيق في مقتل باتريك فيوكين على أساس قانون التحقيقات للعام 2005. كما أضافت أنه من المحتمل أن يجري النظر في قسط كبير من الأدلة في دوائر مغلقة نظراً لما تتضمنه من مسائل تطال "قلب البنية التحتية للأمن القومي في إيرلندا الشمالية". ووصفت وزارة شؤون إيرلندا الشمالية هذا بأنه "حقيقةً الطريقة الوحيدة التي تُمكِّن التحقيق من أن يكون فعالاً ... بينما يأخذ في الحسبان الحاجة المشروعة إلى حماية الأمن القومي".
وحتى يومنا هذا ما زالت حكومة المملكة المتحدة تعتزم المباشرة بالتحقيق.
وقد دعت أرملة باتريك فينوكين، جيرالدين فينوكين، كبار القضاة في إنجلترا وويلز واسكتلندا إلى عدم المشاركة في تحقيق يُفتح في قضية زوجها بمقتضى قانون التحقيقات. وساندت منظمة العفو الدولية دعوتها. ومُذّاك، حثت المنظمة أعضاء السلك القضائي م5?ن يمكن أن تسعى سلطات المملكة المتحدة إلى دعوتهم للمشاركة في تحقيق في قضية فينوكين بمقتضى قانون التحقيقات للعام 2005إلى الامتناع عن القيام بذلك. وأعلنت عائلة فينوكين على الملأ أنها لن تتعاون أو تشارك في تحقيق يتم بمقتضى هذا التشريع. وبعد مرور سبعة عشر عاماً على مقتل باتريك فينوكين، لا تزال عائلته تنتظر أن يُباشر بتحقيق قضائي علني في وفاته.
كما استنكرت منظمة العفو الدولية وآخرون فكرة فتح تحقيق بالعلاقة مع مقتل باتريك فينوكين بمقتضى قانون التحقيقات باعتبار ذلك ضرباً من الدجل.
وفي تعليق له حول فكرة عقد تحقيق بمقتضى قانون التحقيقات، قال القاضي بيتر كوري:
يبدو لي أن القانون الجديد المقترح سيجعل من أي تحقيق ذي مغزى أمراً مستحيلاً. فستضطر الهيئات إلى العمل في وضع مستحيل. وعلى سبيل المثل، ستكون لدى الوزير، الذي ستجري مراجعة أفعال وزارته من قبل التحقيق العام، السلطة التي تمكنه من إفشال جهود التحقيق في كل خطوة يخطوها. وهو في حقيقة الأمر يخلق وضعاً لا يُطاق أشبه بعالم أليس في أرض العجائب. وقد أوردت الصحف إشارات إلى احتمال ضم قضاة دوليين في عضوية هيئة التحقيق. وإذا ما تحول التشريع الجديد إلى قانون نافذ، فإنني أنصح جميع القضاة الكنديين بالاعتذار عن التعيين في ضوء الوضع المستحيل الذي سيواجهونه. وفي حقيقة الأمر، لا أستطيع تصوُّر أن أي قاض كندي يحترم نفسه يمكن أن يقبل تعيينه ليشارك في تحقيق يباشَر به بمقتضى القانون المقترح الجديد.
كما أسرَّ قضاة كبار آخرون في المملكة المتحدة وفي الخارج أيضاً بأنهم لن يكونوا مستعدين للمشاركة في تحقيق فينوكين إذا ما أُجري بمقتضى قانون التحقيقات.
وفي الآونة الأخيرة، أشارت تقارير إعلامية نُسبت إلى عضو البرلمان بيتر هين، أمين سر الدولة لشؤون إيرلندا الشمالية، إلى أنه قد أسرَّ بأن تحقيق فينوكين سوف يعقد على أساس قانون التحقيقات، وإلا فلن يكون هناك "تحقيق البتة".
وتواصل اللجنة الوزارية لمجلس أوروبا، التي تشرف على تنفيذ الدول الأعضاء للأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، النظر حالياً فيما إذا كان من شأن إجراء تحقيق في قضية فينوكين بمقتضى قانون التحقيقات لعام 2005أن يفي بمتطلبات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن القضية، كما تدَّعي حكومة المملكة المتحدة.
ومنظمة العفو الدولية تدعو حكومة المملكة المتحدة إلى مباشرة تحقيق قضائي عام في قضية فينوكين، بحيث يكون مستقلاً حقاً ، وبحيث يتقيد تقيداً تاماً بالمعايير الوطنية والدولية ذات الصلة لحقوق الإنسان.
5. توصيات منظمة العفو الدولية
تدعو منظمة العفو الدولية سلطات المملكة المتحدة إلى تنفيذ التوصيات التالية بصفتها أمراً ملحاً:
تشريع وتدابير مكافحة الإرهاب
• نبذ السياسات والتدابير التي تنطوي على عقوبة ذات طبيعة جنائية ما لم تُفرض هذه من قبل هيئة قضائية مستقلة بناء على إدانة بجريمة جنائية معترف بها، وإثر محاكمة تتساوق تماماً مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة؛
• وقف استخدام "أوامر المراقبة"؛ وعوضاً عن ذلك، ضمان توجيه الاتهام بجريمة جنائية معترف بها على وجه السرعة عندما يكون هناك شك معقول بأن شخصاً ما قد ارتكب جريمة، ومحاكمته خلال فترة معقولة ضمن إجراءات تفي كلياً بما تقتضيه المعايير الدولية للمحاكمة العادلة؛
• إلغاء جميع التدابير التشريعية التي تحد من استقلال السلطة القضائية وتقوض بالتالي حكم القانون، بما فيها وعلى وجه الخصوص، قانون منع الإرهاب للعام 2005؛
• التوقف عن سن أي تدابير تشريعية إضافية لمكافحة الإرهاب من شأنها أن تتناقض مع القانون الوطني والدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين ومعاييرها، وأن تُفضي، إذا ما نُفذت، إلى حدوث انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك مشروع قانون الإرهاب؛
• نظراً لما أُعلن من أن الحكومة سوف تتقدم بمشروع قانون موحد بشأن مكافحة الإرهاب في 2007، ضمان أن تتم معالجة بواعث قلق منظمة العفو الدولية، وأن يكون أي تدبير يُقر متساوقاً تساوقاً تاماً مع القانون والمعايير الوطنيين والدوليين لحقوق الإنسان؛
• ضمان عدم تنفيذ أية تدابير تُتخذ بطريقة تقوم على التمييز؛
• تقديم التعويضات إلى "أ" و"ز" و"ح"، وإلى محمود أبو رِدّه وغيره من المعتقلين الآخرين السابقين، عما ارتكب ضدهم من انتهاكات لحقوق الإنسان لما يربو على أربع سنوات؛
• وقف تقويض الحظر المفروض على التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة داخل البلاد وخارجها، ومن ذلك، على سبيل المثل، عن طريق محاولة إقناع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإعادة النظر في إرثها من الفقه القانوني الذي يرسخ الأساس بأن الحظر المفروض على التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة يشمل الحظر المطلق ضد إرسال أي شخص إلى بلد يمكن أن يتعرض فيه لخطر حقيقي بأن يُخضع لمثل هذه المعاملة.
مذكرات التفاهم
• التخلي عن محاولات إبعاد الأفراد الذين يمكن أن يتعرضوا لخطر حقيقي بأن يُخضعوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، أو الحرمان الصارخ من العدالة، لدى إرسالهم إلى دولة أخرى؛
• عدم المضي قُدماً في إعمال مذكرات التفاهم التي وُقِّعت مع الأردن وليبيا ولبنان، والامتنا3? عن السعي إلى توقيع مذكرات تفاهم إضافية مع حكومات أخرى. وعوضاً عن ذلك، ينبغي على حكومة المملكة المتحدة الضغط لدى كل من هذه الدول كي تُنفِّذ إصلاحات منهجية تكفل احترام حقوق الإنسان وحمايتها، وتُصدِّق على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، وتضعه موضع التنفيذ.
حماية حقوق الإنسان
• عدم تعديل قانون حقوق الإنسان للعام 1998بأي طريقة من شأنها تقويض حماية حقوق الإنسان في المملكة المتحدة وخارجها؛
• عوضاً عن ذلك، ضمان أن ينص القانون الوطني على الإنصاف الفعال عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تسببت عن تنفيذ تشريعات تبين أنها لا تتساوق مع الحقوق التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية؛
• الإصغاء جيداً لبواعث القلق التي تعرب عنها الهيئات والمؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها هيئات الأمم المتحدة المشرفة على تطبيق المعاهدات، والإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، ومؤسسات مجلس أوروبا، والتقيد التام بتوصياتها.
مساءلة المملكة المتحدة عن أفعالها في الخارج
• ضمان المساءلة الكاملة للقوات المسلحة للمملكة المتحدة ولموظفيها الرسميين عن أفعالهم خارج البلاد؛ ولا سيما عن طريق إنشاء آلية بإشراف مدني تتولى إجراء تحقيقات مستقلة وغير متحيزة وشاملة في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان على أيدي أفراد القوات المسلجة للمملكة المتحدة خارج البلاد؛
• وقف المحاولات الرامية إلى التحايل على الواجبات الوطنية والدولية للمملكة المتحدة فيما يتعلق بأفعال عسكر المملكة المتحدة وموظفيها الرسميين خارج البلاد عن طريق المحاججة بأن المملكة المتحدة ليست ملزمة بالاتفاقية الأوروبية أو بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أو بقانون حقوق الإنسان؛
• توجيه تهم جنائية معترف بها على وجه السرعة إلى جميع من تعتقلهم في العراق، وتقديمهم خلال زمن معقول إلى المحاكمة، ضمن إجراءات تفي بمقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، أو الإفراج عنهم؛
• تقديم التعويض، بما في ذلك التعويضات المالية وإعادة التأهيل ورد الاعتبار والإرضاء والضمانات بعدم التكرار، إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي قوات المملكة المتحدة وموظفيها في الخارج؛
خليج غوانتانامو
• مطالبة سلطات الولايات المتحدة إما بأن توجه تهماُ على وجه السرعة إلى جميع من تعتقلهم في خليج غوانتانامو، بمن فيهم المقيمون في المملكة المتحدة، وبأن تقدِّمهم إلى العدالة ضمن إجراءات نزيهة، أو أن تفرج عنهم. وأن تقوم إذا لم يوجه الاتهام إلى المقيمين في المملكة المتحدة على وجه السرعة بتدخلات كافية لدى سلطات الولايات المتحدة كيما تعيدهم إلى المملكة المتحدة؛
• الطلب من سلطات الولايات المتحدة تقديم التعويض الكافي لجميع الأشخاص، بمن فيهم مواطنو المملكة المتحدة والمقيمون فيها، ممن أُخضعوا لانتهاكات لحقوق الإنسان في خليج غوانتانامو أو أي أماكن أخرى احتُجزوا فيها لدى الولايات المتحدة.
"تسليم المطلوبين"
• فتح تحقيق شامل في استخدام أجواء المملكة المتحدة ومرافقها في سياق عمليات "تسليم المطلوبين" ونشر نتائج مثل هذا التحقيق على الملأ؛
• توضيح الدور الذي لعبته المملكة المتحدة، إن كان هناك من دور، في أية عملية ترحيل غير قانونية للأفراد إلى حجز الولايات المتحدة والدول الأخرى؛
• التعاون الكامل مع التحقيقات الجارية في مسألة "تسليم المطلوبين"، وعلى وجه التحديد التحقيق الجاري من جانب البرلمانيين في المملكة المتحدة ومجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي؛
• مراجعة جميع السياسات والتدابير التشريعية والإدارية بغرض ضمان اتخاذ الخطوات الضرورية لمنع استخدام أراضي المملكة المتحدة لأغراض "تسليم المطلوبين".
قانون التحقيقات للعام 2005
• إلغاء قانون التحقيقات للعام 2005؛
• مباشرة تحقيق قضائي علني مستقل حقاً في مقتل باتريك فينوكين، والتعاون الكامل مع هذا التحقيق.
Page