وثيقة - Israel and the Occupied Territories: Shielded from scrutiny: IDF violations in Jenin and Nablus
رقم الوثيقة : MDE 15/143/200
4 نوفمبر/تشرين الثاني 2002
إسرائيل والأراضي المحتلة:
بعيداً عن أنظار العالم -انتهاكات جيش الدفاع الإسرائيلي في جنين ونابلس
المقدمة :
"أُعطي جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وضباطه أوامر واضحة : بدخول المدن والقرى التي أصبحت ملاذاً آمناً للإرهابيين؛ للقبض على الإرهابيين واعتقالهم، لاسيما مرسيلهم وأولئك الذين يمولونهم ويدعمونهم؛ ومصادرة الأسلحة المزمع استخدامها ضد المواطنين الإسرائيليين؛ واكتشاف مرافق الإرهابيين ومتفجراتهم ومختبراتهم ومصانع إنتاج أسلحتهم ومنشآتهم السرية وتدميرها. والأوامر واضحة :استهداف أي شخص يحمل السلاح ويحاول اعتراض قواتنا أو مقاومتها أو تعريضها للخطر وشل قدرته – وتفادي إلحاق الأذى بالسكان المدنيين."
[آرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل، أمام الكنيست في 8 إبريل/نيسان 2002].
"ذهبت إلى مدن جرى فيها قتال من منـزل إلى منـزل : في رواندا ونيكاراغوا وإلسلفادور وكولومبيا، ومدينة ضربها زلزال هائل هي مدينة مكسيكو. وقد تضمن الدمار الذي شاهدته في مخيم جنين أسوأ العناصر في كلا الوضعين، فلم يتم تدمير المنازل بالجرافات أو بالديناميت وحسب، بل جرى تحويلها إلى تراب تقريباً جراء مرور الجرافات والدبابات عليها جيئة وذهاباً بصورة متكررة ومتعمدة. وجرى اختراق المنازل من جدار إلى آخر بنيران الدبابات أو المروحيات الحربية. وشُطرت المنازل نصفين كما لو أنه تم بفعل مقص عملاق. وفي داخلها منظر موحش لغرفة طعام أو غرفة نوم بقيت تقريباً سليمة. ولم توجد دلائل على الإطلاق على أن غرفة النوم أو الطعام أو حتى المنـزل قد استخدمه مقاتلون. وهذا دمار لا مبرر له ومتعمد وغير ضروري. وقد تناثرت عربات الأطفال وألعابهم وأسرَّتهم في كل مكان. فأين كان هؤلاء الأطفال؟ لا أعرف، لكنني أعرف أين سيكون الناجون في المستقبل."
[خافيير زونيغا، مدير الاستراتيجية الإقليمية في منظمة العفو الدولية الذي دخل إلى مخيم جنين للاجئين في 17 إبريل/نيسان 2002]
وفي 29 مارس/آذار 2002، شن جيش الدفاع الإسرائيلي هجوماً جديداً تحت اسم عملية السور الواقي، على المناطق السكنية الفلسطينية. وبحسب الجيش المذكور، كان غرض الهجوم شأنه شأن عمليات التوغل في مخيمات اللاجئين التي سبقته في مارس/آذار واحتلال الضفة الغربية الذي أعقبها في يونيو/حزيران، هو تدمير البنية الأساسية "للإرهاب"، وبخاصة عقب قتل الجماعات المسلحة الفلسطينية 40 مدنياً إسرائيلياً بين 1 مارس/آذار و1 إبريل/نيسان.(1)
بدا الهجوم بحصار مقر الرئيس ياسر عرفات في رام الله. ثم دخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بيت لحم وطولكرم وقلقيلية اعتباراً من إبريل/نيسان، وبعدها إلى جنين ونابلس اعتباراً من ليلتي 3 و4 إبريل/نيسان وأعلن هذه المناطق "مناطق عسكرية مغلقة"، مانعاً العالم الخارجي من الدخول إليها. وقطع جيش الدفاع الإسرائيلي الماء والكهرباء عن معظم المناطق وفرض حظراً صارماً للتجول على السكان المقيمين داخل المدن.
وفي جنين ونابلس، ضُرب طوق شديد بواسطة الدبابات وناقلات الجند المدرعة والجنود على المناطق التي نفَّذ فيها جيش الدفاع الإسرائيلي عملياته : في مخيم جنين للاجئين والبلدة القديمة في نابلس. وتعرضت المنازل لهجمات مكثفة بالصواريخ التي أطلقتها مروحيات الأباتشي.
وبعد اليوم الأول، تُرك الذين سقطوا قتلى وجرحى في جنين ونابلس من دون دفن أو معالجة طبية. وظلت الجثامين في الشوارع، حيث تعرض السكان الذين غامروا بالخروج لنقل جثث القتلى أو الاعتناء بالجرحى لإطلاق النار. وقامت الدبابات التي كانت تجوب الشوارع الضيقة بهدم الجدران الخارجية للمنازل بلا رأفة؛ وكان جزء كبير من الدمار الذي ألحقته الدبابات بالممتلكات متعمداً وغير ضروري. وفي عملية واحدة مروعة وواسعة، هدم جيش الدفاع الإسرائيلي حياً سكنياً كبيراً في مخيم جنين ودمره بالمتفجرات أو سوته جرافات الجيش بالأرض، وبدا أن جزءاً كبيراً منه دُمر بعد انتهاء القتال.
وفي الأشهر الأربعة الممتدة بين 27 فبراير/شباط ونهاية يونيو/حزيران 2002 – وهي الفترة التي شهدت الهجومين الرئيسيين اللذين شنهما جيش الدفاع الإسرائيلي وإعادة احتلال الضفة الغربية – قتل جيش الدفاع الإسرائيلي قرابة 500 فلسطيني. ورغم أن الكثير من الفلسطينيين لقوا مصرعهم خلال المواجهات المسلحة، إلا أن العديد من عمليات القتل هذه التي ارتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي بدا أنه غير قانوني، وكان ما لا يقل عن 16 بالمائة من الضحايا، أكثر من 70، من الأطفال. وتعرض أكثر من 8000 فلسطيني اعتُقلوا في عمليات اعتقال جماعية في الفترة ذاتها لسوء المعاملة بصورة روتينية(2)وهُدمت مناز4? أكثر من 3000 فلسطيني.
كذلك ازداد عدد الإسرائيليين الذين قُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة والأفراد الفلسطينيين : وتضاعف العدد خلال شهر مارس/آذار إبان عمليات التوغل الإسرائيلية الأولى؛ وفي الأشهر الأربعة التي سبقت نهاية يونيو/حزيران 2002، قُتل أكثر من 250 إسرائيلياً، بينهم 164 مدنياً؛ من ضمنهم 32 طفلاً.(3)
ويحق لإسرائيل اتخاذ تدابير لمنع وقوع أعمال عنف غير قانونية لا بل تقع على عاتقها مسؤولية اتخاذها. وبالمثل يترتب على الحكومة الإسرائيلية واجب التأكد من تنفيذ الإجراءات التي تتخذها لحماية الإسرائيليين وفقاً للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان. وبوصفها دولة احتلال في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، يترتب على إسرائيل واجب احترام الحقوق الإنسانية لجميع سكان هذه المناطق وحمايتها.
تحاشي التحقيقات
منع جيش الدفاع الإسرائيلي، طوال الفترة الممتدة بين 4 و15، إبريل/نيسان دخول أي كان إلى مخيم جنين للاجئين، بمن في ذلك الأطباء والممرضون وسيارات الإسعاف، وخدمات الإغاثة الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان والصحفيون. وحاولت منظمة العفو الدولية وسواها من المنظمات الحصول على معلومات بالطريقة الوحيدة التي بدت ممكنة: حيث أجرت مكالمات هاتفية بصورة مستمرة مع السكان الخاضعين لحظر التجول. وبحلول 12 إبريل/نيسان، قال السكان إن الحظر المتواصل أدى إلى حدوث نقص حاد في الأغذية والمياه. وفي بعض الحالات، شرب الأطفال المياه المبتذلة وأُصيبوا بالمرض نتيجة لذلك. وقال أحد السكان الذي يسكن في طرف المخيم إن : رائحة الموت تفوح من المخيم بسبب الجثث المتناثرة، فبعض الجثث دُفنت تحت الأنقاض، والجثث الأخرى سحقتها الدبابات والجثث الباقية تُركت ملقاة في الشوارع."
وفي الحي العتيق في نابلس، كان الوضع مشابهاً جداً. وبسبب قطع أي اتصال بينه وبين العالم الخارجي بواسطة طوق من الدبابات الإسرائيلية من 3 إلى 22 إبريل/نيسان، اعتمدت منظمة العفو الدولية وغيرها من المدافعين عن حقوق الإنسان على الهاتف لمعرفة ما يجري؛ وقد عُزل كل واحد من السكان ولم يكن يستطيع التحدث إلا عن المنطقة المجاورة له مباشرة. ووصف السكان النقص الحاصل في الأغذية والماء وحقيقة أنهم غير قادرين على الخروج من منازلهم. وأبلغ سكان أحد المنازل عن وجود جثة، يبدو أنها تعود لمقاتل فلسطيني، ملقاة في الشارع خارج المنـزل؛ وقالوا إنه عندما حاول الناس الوصول إليها، أطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي النار عليهم. ومن داخل المنـزل شاهدوا فلسطينياً مجهول الهوية يقضي نحبه؛ ثم رأوا الكلاب وهي تقتات على الجثة بعد تحللها.
ويوماً بعد يوم، توسل السكان على الهاتف تقديم المساعدة لهم، واصفين المشهد والروائح للمنظمات الطبية، ولم يتمكن المدافعون عن حقوق الإنسان من الوصول إليهم وكانوا عاجزين عن تقديم يد العون.
والحواجز التي أقامها جيش الدفاع الإسرائيلي لحجب أنظار العالم الخارجي عن جنين ونابلس خلال شهر إبريل/نيسان 2002، تمثل نموذجاً للحواجز التي أقامتها السلطات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين من الانتفاضة. واليوم تُسد مداخل كل مدينة أو قرية فلسطينية بأكوام التراب أو بكتل خرسانية أو بحواجز يحرسها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي. ولا يُسمح للمواطنين الإسرائيليين بدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة من دون إذن خاص يصعب عليهم الحصول عليه. ويُمنع فلسطينيو الأراضي المحتلة من التنقل على الطرق الرئيسية، ويتم تفتيشهم عند الحاجز الإسرائيلي المقام خارج كل مدينة – وغالباً ما تتم إعادتهم من حيث أتوا. ومنذ مايو/أيار 2002 لا يستطيع الفلسطيني التنقل من مدينة إلى أخرى في الأراضي المحتلة من دون تصريح مرور خاص. ومعظم الفلسطينيين لا يملكون تصاريح وبالتالي لا يتنقلون. وغزة مقطوعة عن الضفة الغربية والدخول إلى القدس ممنوع على جميع الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة من دون تصريح خاص.
وتزعم السلطات الإسرائيلية أن هناك أسباباً لهذا. ولا يجوز لأي إسرائيلي أن يدخل إلى منطقة فلسطينية لأن العديد من الإسرائيليين كانوا هدفاً للجماعات الفلسطينية المسلحة التي قتلتهم. ولا يجوز لأي فلسطيني دخول القدس أو التنقل على بعض الطرق لأن العديد من الفلسطينيين المسلحين شنوا فيها هجمات مسلحة على الإسرائيليين. وباستثناء دبابات جيش الدفاع الإسرائيلي وناقلات الجند المدرعة وسيارات الجيب التابعة له، لا يتنقل أحد بحرية على طرقات الأراضي المحتلة. وفي إبريل/نيسان 2002، لم تُمنع فقط سيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من الدخول إلى جنين ونابلس؛ بل مُنعت أيضاً سيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر. ولم يُمنع فقط الإسرائيليون والفلسطينيون من مشاهدة ما كان يحدث في جنين ونابلس، بل مُنع أيضاً الدبلوماسيون والصحفيون والمنظمات الدولية الإنسانية ولحقوق الإنسان من الدخول إلى المناطق العسكرية المغلقة.
ولم يُسمح لبعثة زائرة تابعة للأمم المتحدة، أمرت بتشكيلها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 5 إبريل/نيسان وترأستها ماري روبنسون، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، من الدخول إلى إسرائيل وجرى حلها؛ لا بل إن بعثة رفيعة المستوى لتقصي الحقائق اتفق على إرسالها وزير خارجية إسرائيل شمعون بيريز والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وقوبلت بالترحيب عبر تصويت بالإجماع جرى في مجلس الأمن، مُنعت من الدخول إلى إسرائيل وجرى حلها بعد مفاوضات دامت أسابيع.
ويترتب على دولة إسرائيل واجب أساسي بموجب القانون الدولي للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ومقاضاة الجناة وإنزال العقاب بهم ووضع آليات تكفل دفع تعويضات سريعة وكافية إلى الضحايا وتضمن عدم تكرار الانتهاكات. لكن الحكومة الإسرائيلية التي شكلت لجنة أور للتحقيق في مقتل 13 فلسطينياً في إسرائيل على يد قوات الأمن في بداية الانتفاضة في سبتمبر/أيلول – أكتوبر/تشرين الأول 2000، لم تجر تحقيقاً سريعاً وشاملاً ومستقلاً في مقتل أي من الـ 1700 فلسطيني الذين لقوا حتفهم في الأراضي المحتلة.
إذا كنت تود الوصول إلى نقطة معينة في الضفة الغربية أعلنتها إسرائيل "منطقة عسكرية مغلقة"، فليس أمامك خيارات عديدة…وقد شاهدنا قوافل الإغاثة التابعة للأمم المتحدة وهي تمنع من دخول جنين في 15 إبريل/نيسان. وشاهدنا سيارات تحمل لوحات دبلوماسية وسيارات تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر تُجبر على الانتظار طوال ساعات قبل السماح لها بالتوجه إلى نقطة التفتيش التالية. ويبدو أن تصريح الدخول كان يُعطى بصورة تعسفية ويتخذه القادة الميدانيون. ولم يُسمح للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية بالدخول حتى وإن ذكرنا أنهم يساعدوننا في عملية الترجمة وبالتالي يمكن اعتبارهم من ضمن الوفد.
ويمكنك أن تصادف بين نقاط العبور أرتالاً من الدبابات التي قد لا تعرف بأنه أُذن لك بالدخول. وقد أوقفتنا إحداها. واضطر طاقمها إلى أن يتصل لاسلكياً للحصول على تأكيد على أنه سُمح لنا بالدخول إلى المنطقة. وهي تنطلق بسرعة عالية وتكون جميع أبوابها وكواتها (منافذها) مغلقة. وهناك دائماً خطر في أن يعتقدوا بأنك تخالف حظر التجول ساري المفعول على مدار الساعة ويطلقون النار عليك.
|
خافيير زونيغا، منظمة العفو الدولية |
خلفية هذا التقرير
منذ بداية الانتفاضة الحالية، أرسلت منظمة العفو الدولية 15 بعثة بحثية إلى المنطقة؛ وأُرسل أكثر من نصفها خلال العام الثاني من الانتفاضة. وصدرت ثمانية تقارير خلال الفترة ذاتها.
وبعد بدء عملية السور الواقي، بقيت مندوبة منظمة العفو الدولية الدكتورة كاثلين كافانو، وهي خبيرة في القانون الدولي، في الأراضي المحتلة لأكثر من شهرين لمراقبة تطورات حقوق الإنسان. ومن بين مندوبي منظمة العفو الدولية الذين جاءوا خلال شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار 2002 الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أيرين خان ودريك باوندر أستاذ الطب الشرعي (الجنائي)، الذي زار جنين وأجرى عمليات تشريح للجثث، والرائد (المتقاعد) ديفيد هولي، وهو مستشار عسكري، أمضى عدة أسابيع في المنطقة من أجل تحليل الاستراتيجيات العسكرية وتقييم الضرورات العسكرية.
ويتناول هذا التقرير بشكل محدد الأفعال التي ارتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي في جنين ونابلس بين إبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2002. وينظر في مزاعم عمليات القتل غير القانوني؛ واستخدام "الدروع البشرية"؛ وممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية ضد المعتقلين؛ ومنع وصول المعونة الطبية والطعام والماء؛ وتدمير الممتلكات، بما في ذلك تدمير البنية التحتية والمباني التجارية والمباني والمنازل التاريخية والدينية أو إلحاق أضرار بها. كما يعكس هذا التقرير الوسائل التي استخدمتها دولة إسرائيل للحيلولة دون إجراء تحقيقات داخلية وخارجية في ممارساتها على صعيد حقوق الإنسان.
وزار مندوبو منظمة العفو الدولية مواقع الحالات الموثقة في التقرير وفحصوا مسرح الانتهاكات المزعومة. وتضمنت أبحاثهم استعراضاً لقضايا المحكمة العليا الإسرائيلية وفحصاً للسجلات الكتابية (قوائم المستشفيات والسجلات الطبية وسجلات سيارات الإسعاف) والتصريحات العامة والتوثيق التلفزيوني. وأجرى المندوبون مقابلات مع ممثلي البلديات وأفراد الجسم الطبي المحلي والدولي ومراقبين من وسائل الإعلام والعديد من الإسرائيليين والفلسطينيين والأفراد الدوليين العاملين لدى المنظمات المحلية والدولية الإنسانية ولحقوق الإنسان، وأجروا عشرات المقابلات مع سكان جنين ونابلس والضحايا أو عائلاتهم. وجرى التدقيق بالأقوال والشهادات وسواها من الأدلة للتأكد من دقتها.
وبهذه الطريقة استطاع باحثو منظمة العفو الدولية رسم صورة الأحداث التي وقعت في جنين ونابلس.
ونوقشت بواعث القلق المتعلقة بالعمليات العسكرية، والتي أُثيرت في هذا التقرير، في مايو/أيار مع اللواء غيورا إيلاند، رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي والعقيد دانييل ريزنر، رئيس دائرة القانون الدولي في جيش الدفاع الإسرائيلي. وتنعكس تعليقاتهما وتوضيحاتهما في هذا التقرير. وفي يونيو/حزيران ويوليو/تموز قدمت منظمة العفو الدولية جميع الحالات الواردة في التقرير إلى جيش الدفاع الإسرائيلي للتعليق عليها؛ وبحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2002، لم تكن قد تلقت أي رد.
وفي جنين ونابلس، ارتكب جيش الدفاع الإسرائيلي أفعالاً تنتهك القانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان، ويصل بعض هذه الأفعال إلى حد الانتهاكات الخطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب الصادرة في العام 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة) ويُشكل جرائم حرب.
موجز الأحداث
في جنيندخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مخيم اللاجئين من جميع الجوانب، لكن التوغل الأوسع لجيش الدفاع الإسرائيلي تم كما يبدو في حارة الدمج خلال يوم 3 إبريل/نيسان 2002. ثم تقدم جنود جيش الدفاع الإسرائيلي عبر منطقة جورة الذهب في المخيم ودخلوا أخيراً إلى حي الحواشين. ويتماشى هذا النمط من التحرك مع آثار الدمار البادي للعيان في المخيم. وغالباً ما استخدمت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي الجرافات لتوسيع الأزقة وهدمت جدران المنازل الخارجية للسماح بمرور الدبابات وغيرها من العربات العسكرية عبر الطرق الضيقة في المخيم. وبلغت حدة القتال ذروتها بين 3 و9 إبريل/نيسان ووجه جيش الدفاع الإسرائيلي نداءات لإخلاء المنطقة، لكن العديد من السكان قالوا إنهم لم يسمعوها أو لم يفهموها؛ وقال آخرون إنهم عندما حاولوا أن يُخلوا المنطقة حوصروا بين النيران المتبادلة واحتموا بمنازلهم أو بمنازل أخرى. وفي أوقات مختلفة دعا جيش الدفاع الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت جميع الذك ?ر الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاماً إلى الحضور. وقال عديدون إنهم لم يجرؤا على مغادرة منازلهم. وأُجبر معظم الرجال الذين اعتُقلوا على خلع ملابسهم باستثناء الداخلية منها ونقلوا سيراً على الأقدام أو بالمركبات إلى مركز اعتقال في بير سالم لبضعة أيام؛ وأُطلق سراح معظمهم في قرى نائية أُمروا بألا يغادروها. وطلب جيش الدفاع الإسرائيلي من النساء اللواتي اعتُقلن بمغادرة المخيم.
وخلال عمليات التوغل السابقة في مخيمات اللاجئين في شهر مارس/آذار دخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مخيم جنين للاجئين من دون مقاومة تُذكر من الجماعات الفلسطينية المسلحة؛ وهذه المرة أبلغ أحد أعضاء فتح باحثي منظمة العفو الدولية أنهم قرروا مقاومة غزو جيش الدفاع الإسرائيلي.
"اتخذ السكان قرار التصدي والقتال بعدما حدث في مارس/آذار. وإذا لم نفعل ذلك فإلى أين سنذهب؟ وضرب الإسرائيليون طوقاً حول البلدة؛ ولم يكن أمامنا أي خيار. وليس هناك مكان آخر نقاتل فيه."
وكان هناك ما بين 120 و150 مقاتلاً، معظمهم لكن ليس جميعهم مزودين بالأسلحة؛ وكان بينهم حوالي 30 فرداً من أفراد قوات الأمن الفلسطينية، معظمهم من جهاز الأمن الوقائي، كانوا أعضاءً في التنظيم، الجناح العسكري لفتح. وأبلغ أعضاء الجماعات المسلحة منظمة العفو الدولية أن النساء كن يجلبن الطعام للمقاتلين وأن الأطفال كانوا ينقلون الرسائل.
وفي المخيم، تقدم جيش الدفاع الإسرائيلي من منـزل إلى منـزل بحثاً عن الأسلحة أو أعضاء الجماعات المسلحة. وأبلغ جيش الدفاع الإسرائيلي منظمة العفو الدولية أن الجنود تعاملوا على حدة مع كل منـزل من منازل المخيم البالغ عددها 1800، حيث أعطوا تحذيرات للناس بالمغادرة، وإذا لم يخرج أحد من المنـزل كان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يستخدمون مكبرات الصوت لإصدار تعليمات إلى من بداخله للخروج. وتبين شهادات عديدة أن وحدات جيش الدفاع الإسرائيلي، غالباً ما أجبرت الفلسطينيين على المشاركة في العمليات بإجبار المقيم الفلسطيني في المخيم على دخول أحد المنازل أولاً ثم تفتيشه؛ كذلك استخدموا الفلسطينيين "كدروع بشرية" يحتمون خلفها. وفجرت دوريات جيش الدفاع الإسرائيلي أبواب المنازل لفتحها غالباً من دون الانتظار لمعرفة ما إذا كان من بداخلها سيفتحون الباب. ودُمرت المنازل، أحياناً من دون التأكد من خروج شاغليها منها.
واستخدمت الجماعات المسلحة الفلسطينية المنازل الفارغة كقواعد تقاتل منها وغالباً ما وضعت فيها أجساماً مفخخة عندما كانت تنسحب إلى مبنى آخر. وكان القتال على أشده بين 3 و9 إبريل/نيسان وشرساً للغاية في 5 –6 إبريل/نيسان. وأوقعت تكتيكات الجماعات المسلحة خسائر جسيمة في الأرواح في صفوف جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذي كان قد فقد أصلاً عشرة رجال في جنين بحلول 9 إبريل/نيسان، وهو اليوم الذي قُتل فيه 13 جندياً آخرين في كمين واحد. وتسارعت عملية هدم منازل الفلسطينيين بالجرافات الثقيلة من طراز دي – 9 (والذي لم يقتصر على هذه الفترة) بعد هذا التاريخ. وأبلغ اللواء غيورا إيلاند، رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي منظمة العفو الدولية أنه :
"بعد سبعة إلى ثمانية أيام، وبعد سقوط 23 قتيلاً، قررنا تغيير تكتيكاتنا واستخدام الجرافات. وكنا نضع الجرافة بالقرب من المنـزل، وننادي على شاغليه بالخروج، ثم ندمره… وفي الأيام الخمسة إلى الستة الأخيرة لم تلحق بنا أية إصابات. وفي طريقها اضطرت الجرافات إلى تدمير المزيد من المنازل، لأنها كانت بحاجة إلى المرور. وكانت هذه الطريقة الأكثر إنسانية للتعامل مع الوضع".
وبدا أن استسلام حوالي 34 مسلحاً فلسطينياً محاصرين في مبنى إلى جيش الدفاع الإسرائيلي في 11 إبريل/نيسان 2002 بموجب مفاوضات أذن بانتهاء المقاومة المسلحة في المخيم. وأبلغت الجماعات المسلحة مندوبي منظمة العفو الدولية أنها بعد 10 إبريل/نيسان حاولت الاختباء أو المغادرة؛ وعرَّض بعضهم نفسه للاعتقال مع الرجال الآخرين الذين قُبض عليهم والذين لم يشاركوا في القتال. وأكد سكان المخيم، فضلاً عن عمال الإغاثة والصحفيين الأجانب والمحليين الذين كانوا في محيط المخيم أنه لم يُسمع إطلاق نار يذكر بعد هذا التاريخ. لكن كما تبين الصور الجوية لمخيم اللاجئين على الصفحة (؟)، جرى جزء كبير من هدم المنازل بالجرافات في منطقة الحواشين، التي تبلغ مساحتها 400×500 متر، بين 11 و14 إبريل/نيسان.
وسُمح لسيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى مخيم اللاجئين للمرة الأولى في 15 إبريل/نيسان 2002، ولم يُرفع الحصار الذي فرضه جيش الدفاع الإسرائيلي إلا في 17 إبريل/نيسان. وحاول معظم سكان الخيم الذين أمكنهم ذلك مغادرته خلال الغزو؛ وبعد رفع الحصار عادوا إليه بأعداد كبيرة؛ وراقب مندوبو منظمة العفو الدولية الفلسطينيين المذهولين وهم يحدقون غير مصدقين في أنقاض المنازل ويحفرون على عجلة بأيديهم فقط محاولين إنقاذ أي شخص دُفن تحت الأنقاض وما زال حياً.
ودخل باحثو منظمة العفو الدولية إلى مخيم جنين في 17 إبريل/نيسان، بعد دقائق من رفع الحصار الإسرائيلي. وفي 14 إبريل/نيسان كان أحد مندوبي المنظمة وهو دريك باوندر أستاذ الطب الشرعي ينتظر خارج المحكمة العليا الإسرائيلية ليرى ما إذا كان سيتم السماح للمنظمات الطبية بالدخول. وفي 15 إبريل/نيسان سُمح للجنة الدولية للصليب الأحمر ولجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالدخول إلى المخيم للمرة الأولى. وانتظر مندوبو منظمة العفو الدولية ثلاث ساعات عند نقطة التفتيش في سالم عندما سُمح لهم بالمرور، من دون أية مركبة، فمشوا مسافة 12 كيلومتراً عبر المناطق الريفية الوادعة، وهم يحملون معدات طبية ثقيلة، حيث وصلوا عند الغسق إلى بلدة تخضع لحظر التجوال. وكانت الكهرباء مقطوعة عن معظم المنازل في جنين ولا يوجد فيها إلا المياه التي تمت تعبئتها في أوعية. ولكي يعثروا على الكهرباء من أجل شحن أجهزة هاتفهم المحمولة، خاطر المندوبون بالخروج في رحلة ليلية بعد سريان الحظر إلى حي ما زالت فيه كهرباء. وفي 16 إبريل/نيسان انتظر المندوبون يوماً بأكمله، خارج مستشفى جنين العام الواقع على طرف مخيم اللاجئين، حيث منعهم جيش الدفاع الإسرائيلي من الدخول. وهناك شاهدوا امرأة في المخاض تسعى جاهدة لقطع المائة متر الأخيرة سيراً على الأقدام بعدما أوقف جيش الدفاع الإسرائيلي سيارة الإسعاف التي كانت تُقلها. وأبلغهم مدير المستشفى بأن جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا ملقاة على أكوام التراب في أرض المستشفى، لكن لم يُسمح للبروفيسور باوندر بالدخول لإجراء فحوص طبية جنائية.
وفي صبيحة 17 إبريل/نيسان، سمح جيش الدفاع الإسرائيلي الذي كان يسد مدخل المستشفى للبروفيسور باوندر بالدخول. ومع ورود خبر رفع الحصار الإسرائيلي، دخل المندوبون إلى مخيم جنين للاجئين. وشاهدوا حي الحواشين الذين كان يوماً يؤوي أكثر من 800 عائلة، وقد تحول الآن إلى أنقاض. وكان رجل عجوز يقف بالقرب من أنقاض منـزل عند الطرف الغربي من الحي، ينادي ويقول إن ابنته دُفنت تحت الأنقاض.
وبعد رفع الحصار وحظر التجول من جانب الجيش الإسرائيلي في 17 إبريل/نيسان 2002، أُعيد فرضهما بصورة متكررة. وفي يونيو/حزيران، انتقلت الدكتورة كاثلين كافانو، وهي خبيرة في القانون الدولي وعضو في وفد منظمة العفو الدولية، من منـزل إلى آخر وهي تحاول القيام بأبحاث والاحتماء وإجراء مقابلات مع السكان، وتسعى إلى إجراء تحقيق في عمليات القتل الأخيرة للأطفال في جنين خلال الساعات القليلة التي رُفع فيها حظر التجول. وبينما كانت تجري مقابلة مع شهود عيان، أقدم جيش الدفاع الإسرائيلي على قتل طفل آخر خالف حظر التجول.
ورغم أن الهجوم الذي شنه جيش الدفاع الإسرائيلي ضد نابلسفي إبريل/نيسان 2002 لم يحظ بالاهتمام الذي سُلِّط على جنين، فقد وقع فيها عدد أكبر من الإصابات في صفوف الفلسطينيين 80 قتيلاً وقُتل عدد أقل من الجنود الإسرائيليين (أربعة) وفي البلدة القديمة، كان الجرحى يلفظون أنفاسهم الأخيرة من دون أن يحصلوا على مساعدة طبية في الشوارع والمنازل التي ألحقت الصواريخ أو الجرافات أضراراً بها أو دمرتها فيما استمر سريان حظر التجول والحصار طوال 20 يوماً تقريباً. ورغم أن نطاق هدم المنازل لم يكن مساوياً لما جرى في الحواشين، إلا أن العديد من البيوت والمباني التاريخية دُمر أو لحقت به أضرار.
وضرب جيش الدفاع الإسرائيلي طوقاً حول نابلس بحلول 3 إبريل/نيسان. وفي البداية وضع الجيش المذكور قناصة في المباني العالية، التي تتركز حول البلدة القديمة بصورة رئيسية. وكما حدث في جنين، بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي هجومه بإطلاق صواريخ على مبانٍ معينة، لكن لا يبدو أن كمية الصواريخ كانت توازي العدد المرتفع الذي أُطلق منها في جنين. وبعد ذلك تقدمت القوات البرية وبحلول 6 إبريل/نيسان، تقهقر أعضاء الجماعات الفلسطينية المسلحة كما يبدو وتركزوا في منطقتين رئيسيتين من البلدة القديمة، الياسمينة والقصبة اللتين يصل تعداد سكانهما إلى 3000 نسمة. وعلى عكس ما حصل في جنين، لم يزج جيش الدفاع الإسرائيلي بأعداد كبيرة من المشاة للقتال من منـزل إلى آخر؛ ويبدو أن ذلك كان عائداً كما يُفترض إلى أن منازل البلدة القديمة كانت أكثر متانة وبالتالي ليس من السهل هدمها كما حصل في جنين. لكن عدداً من المنازل لحقت به أضرار من القصف الصاروخي، وعمد جيش الدفاع الإسرائيلي إلى هدم عدة منازل مستخدماً جرافات من طراز دي – 9، في مناسبتين على الأقل أثناء وجود شاغليها فيها وهم أحياء. ولم يبذل الجيش أية محاولة للتحقق من وجودهم أو إنقاذهم. كذلك استهدف جيش الدفاع الإسرائيلي المباني التجارية المهمة لاقتصاد نابلس مثل : مصنع الصابون ومبنى الهندية. ولم ينشب قتال من منـزل إلى منـزل كما حدث في جنين، وبحلول 11 إبريل/نيسان كان الجزء الأكبر من القتال قد توقف وبسط جيش الدفاع الإسرائيلي سيطرته على المدينة.
وتوقعت الجماعات المسلحة الفلسطينية توغل جيش الدفاع الإسرائيلي داخل نابلس، لكن تبين لها أن دقة قناصة جيش الدفاع الإسرائيلي أحبطت تكتيكاتها. ووصف عضوان ينتميان إلى فتح في نابلس الوضع خلال العمليات العسكرية لمندوبي منظمة العفو الدولية قائلين إنه:
"من الصعب تقدير عدد المقاتلين الموجودين، لأن المقاتلين انقسموا إلى مجموعتين : واحدة لزرع القنابل والأخرى للقتال بالبنادق؛ ربما كان هناك ما مجموعه حوالي 400 مقاتل؛ 60 منهم تقريباً من مخيمات اللاجئين. وكان هناك تعاون جيد بين مجموعات المقاومة؛ وتقرر استخدام القنابل فقط عند بدء الهجوم ضد الدبابات الإسرائيلية. وحالما اخترقت الدبابات المدينة وأصبحت على مشارف البلدة القديمة، وقد احتاج جيش الدفاع الإسرائيلي إلى ثلاثة أيام للقيام بذلك، تقررت مقاومته بنيران الأسلحة الصغيرة.
"ما أن حاصر جيش الدفاع الإسرائيلي البلدة القديمة، احتدم القتال على مدى خمسة أيام، حيث تركز في جزأين من البلدة القديمة : القصبة والياسمينة. وكان لدى الجنود الإسرائيليين خرائط جيدة للشوارع وصور جوية للبلدة، وبدا أنهم يعرفون إلى أين يذهبون وما هي المنازل التي يدخلون إليها ويفتشونها. وكان القتال صعباً جداً، لأننا لم نكن نملك اتصالات جيدة، وكان تصويب القناصة الإسرائيليين دقيقاً للغاية : حيث استحال التنقل بين الأزقة والشوارع بسبب القناصة والهجمات التي شنتها المروحيات مستخدمة الصواريخ.
"ولم تصدر إلينا أوامر من رام الله بالمقاومة، فقررنا القيام بذلك من تلقاء أنفسنا بعدما رأينا صور القتال في رام الله. وتركزت المجموعات في الأحياء السكنية الخاصة بها وكان على رأس كل منها قائد، لكن الاتصالات بين المجموعات كانت بدائية وصعبة. وخلال الأيام الثلاثة الأولى من القتال لم يطلق مقاتلونا النار، بل استخدموا فقط القنابل ضد الدبابات الإسرائيلية. وحاول بعض المقاتلين إيصال الطعام والغذاء إلى الذين نفذت منهم المؤن الغذائية، لكنهم كانوا أهدافاً سهلة للقناصة : وقد صُدمت بدقة نيرانهم. وكنت اعتقد أيضاً أنهم لن يدخلوا البلدة القديمة أبداً لكنهم فعلوا، ولا أعتقد أننا كنا مستعدين لما حصل."
وكما حصل في جنين، قطع جيش الدفاع الإسرائيلي الماء والكهرباء عن معظم المنازل. ويبدو أنه لم يصدر أمر عام بالإخلاء قبل 10 إبريل/نيسان، عندما أُمر الرجال أيضاً بالحضور لاعتقالهم. وكان بعض السكان يخشون المغادرة. وفُرض حظر تجول في جميع أنحاء نابلس، بما فيها مخيمات اللاجئين، منذ اليوم الأول لتوغل جيش الدفاع الإسرائيلي وظل ساري المفعول حتى 22 إبريل/نيسان. وهكذا دام حظر التجول مدة أطول منه في جنين؛ وعانت العائلات من مصاعب جمة مع تناقص مخزون الطعام والمياه، ولم يتجرأ أحد على الخروج خوفاً من نيران القناصة الذين كانوا يستهدفون أي شخص في الشوارع. وبحسب العديد من الأنباء، استمر القناصة في إطلاق نيرانهم حتى بعد رفع حظر التجول. ومُنع الوصول إلى المستشفيات وإلى القتلى والجرحى في البلدة القديمة منعاً باتاً بين 3 و8 إبريل/نيسان. وفي أماكن أخرى، وبسبب عدم قدرة سيارات الإسعاف على التنقل، أقيمت مستشفيات ميدانية في المساجد أو في أي مبنى مناسب. ورُفع حظر التجول في 10 إبريل/نيسان لمدة ساعة واحدة، ومن ثم كل 48 ساعة تقريباً حتى 22 إبريل/نيسان.
وبينما رفع جيش الدفاع الإسرائيلي الإغلاق وحظر التجول داخل المدينة في 22 إبريل/نيسان، إلا أن نابلس ظلت خاضعة لإغلاق عام واستمر فيها الوجود العسكري البارز للعيان، وبخاصة بالقرب من مخيمي بلاطة وعسكر للاجئين (يقع مخيم عسكر للاجئين على الحدود بين المنطقتين أ وج). واستمرت العمليات العسكرية داخل المخيمات ومن حولها. وخلال زيارة قام بها أحد باحثي منظمة العفو الدولية إلى نابلس، كانت الدبابات مرابطة على التلال التي تطل مباشرة على مخيم بلاطة للاجئين وفي الجانب الشرقي من مخيم عسكر، وكانت الدبابات وناقلات الجند المدرعة تتنقل بصورة متكررة على طريق عسكر الرئيسية. وتابع باحثو منظمة العفو الدولية عملهم بصعوبة، من دون أن يكونوا متيقنين أبداً مما إذا كان سيُسمح لهم بالدخول أم لا. وفي مناسبة أخرى، مشى باحثو منظمة العفو الدولية مسافة ستة كيلومترات على التلال من بورين ونزلوا إلى طرف البلدة القديمة، وكانت تقاطعات الطرق مسدودة بالدبابات ودوريات جيش الدفاع الإسرائيلي، وكانت البلدة بأكملها خاضعة لحظر التجول. وبعدما عجزوا عن الوصول إلى منازل المدافعين عن حقوق الإنسان الذين اتصلوا هم بهم، غادروا البلدة قاطعين مسافة ثمانية كيلومترات عبر الشوارع المؤدية إلى خارج وسط المدينة.
جنين
قبل بدء الانتفاضة الثانية، كانت جنين إحدى البلدات الفلسطينية التي تقيم أوثق الصلات مع إسرائيل. ويعود ذلك جزئياً إلى قربها الجغرافي، إذ إن البلدة لا تبعد إلا 12 كيلومتراً عن "الخط الأخضر" الذي يفصل بين الضفة الغربية وإسرائيل. وينتمي العديد من اللاجئين في جنين إلى قرى داخل إسرائيل لا تبعد إلا بضعة كيلومترات، ولدى العديد من العائلات التي تعيش في جنين أقرباء في إسرائيل. وفي الماضي كان عدد كبير من الفلسطينيين التابعين لمحافظة جنين يعملون في إسرائيل، وكان العديد من الإسرائيليين يأتون إلى جنين لشراء البضائع الرخيصة.
وأبلغ اللواء غيورا إيلاند مندوبي منظمة العفو الدولية أن جيش الدفاع الإسرائيلي يعتبر مخيم جنين للاجئين مركزاً للانتحاريين حيث مولت السلطة الفلسطينية قطاعاً ضخماً من القدرات "الانتحارية". وقال إن 90 من الإسرائيليين الذين لقوا حتفهم في الأشهر الثمانية عشر حتى مايو/أيار 2002 قُتلوا على أيدي أشخاص جاءوا من جنين. وبحسب ما قالته الحكومة الإسرائيلية، جرى التخطيط لـ 28 هجوماً انتحارياً في جنين ونُفِّذ انطلاقاً منها بين أكتوبر/تشرين الأول 2000 وإبريل/نيسان 2002.
وشدد محافظ جنين التابع للسلطة الفلسطينية في مناقشة مع مندوبي منظمة العفو الدولية جرت في يناير/كانون الثاني 2002، على العلاقات الطيبة السابقة التي كانت قائمة بين سكان جنين والإسرائيليين، وأعرب عن اعتقاده بأن عدد الهجمات التي شُنت على الإسرائيليين انطلاقاً من جنين له علاقة بعدد الأشخاص الذين قُتلوا من محافظة جنين خلال الانتفاضة؛ فكل عملية قتل لفلسطيني، قد تدفع أصدقاءه وأقرباءه إلى الانتقام لمقتله. وقد جرت أول عملية انتحارية نفذها أحد سكان جنين خلال الانتفاضة الحالية في مايو/أيار 2001، بعد مضي ثمانية أشهر على بدء الانتفاضة.(4)
وخلال العام 2001، قصف جيش الدفاع الإسرائيلي المباني التابعة للإدارة والشرطة في جنين قصفاً شديداً، بما فيها السجناء وقام بعدد من عمليات التوغل داخل جنين قبل إبريل/نيسان 2002. وفي ديسمبر/كانون الأول 2001 جرى سد جميع الطرقات المؤدية إلى خارج البلدة لمدة 27 يوماً وعُزلت البلدة عن المنطقة المجاورة لها؛ وبعد ذلك ظل الوجود الأمني الإسرائيلي وعمليات الإغلاق يؤثران تأثيراً شديداً على حياة الناس.
وقام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية توغل في مخيم جنين في 28 فبراير/شباط 2002 استمرت مدة ثلاثة أيام ثم انسحب منه في 2 مارس/آذار. وخلال التوغل في مخيم جنين في ظل عملية السور الواقي، أُعلنت جنين والعديد من القرى المجاورة لها مناطق عسكرية مغلقة، وعُزلت عن العالم الخارجي. واستمرت العمليات في جنين ومخيم اللاجئين من 3 إلى 18 إبريل/نيسان. لكن عمليات التوغل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي داخل جنين ومخيم اللاجئين تكررت مرات عديدة خلال إبريل/نيسان ويونيو/حزيران ويوليو/تموز إلى أن أعاد جيش الدفاع الإسرائيلي احتلال جنين مع مدن الضفة الغربية الأخرى خلال عملية الدرب الحازم.
عمليات القتل غير القانونية
وفقاً لقوائم المستشفيات التي استعرضتها منظمة العفو الدولية، حدثت 54 حالة وفاة في صفوف الفلسطينيين بين 3 و17 إبريل/نيسان 2002 في كل من مخيم جنين للاجئين ومدينة جنين نتيجة التوغل وبالتالي القتال. ويتضمن هذا العدد سبع نساء وأربعة أطفال وستة رجال تزيد أعمارهم على 55 عاماً. وسُحق ستة منهم تحت أنقاض منازلهم. ولم تُنتشل جثة شخص واحد عُرف أنه سُحق تحت أنقاض منـز ?ه.(5)
وتعكس سجلات الفلسطينيين الذين قُتلوا في عملية التوغل ونُقلوا إلى مستشفى مدينة جنين تأثير الحصار الذي ضربه جيش الدفاع الإسرائيلي حول المستشفى بين 5 و15 إبريل/نيسان. وأُحضرت خمس جثث إلى المستشفى الذي يقع عند طرف مخيم اللاجئين مباشرة، وذلك في 3 إبريل/نيسان، اليوم الأول من عملية التوغل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي داخل المخيم. وأُحضرت جثة واحدة في 4 إبريل/نيسان. وبعد ذلك أُحكم الحصار حول المستشفى والمخيم، ورغم أن المستشفى يقع عند مدخل المخيم، لم تُحضر أية جثة إلى المستشفى اعتباراً من 5 إبريل/نيسان وحتى 15 إبريل/نيسان، وهو اليوم الذي تلا تقديم التماسين من جانب منظمتين لحقوق الإنسان، هما العدالة والقانون، أمام المحكمة العليا الإسرائيلية أسفرا عن موافقة الدولة على السماح للجمعية الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى مخيم اللاجئين. وظلت جثث معظم المقاتلين أو غير المشاركين في القتال الذين قُتلوا بين 5 و15 إبريل/نيسان حيث هي؛ ونُقل القليل منها من الشوارع إلى المنازل، ودفن الأقارب حفنة من الجثث التي تخصهم في باحات المنازل أو حدائقها، ونُقلت أربع جثث إلى مستشفى الرازي. وعثر مندوبو منظمة العفو الدولية الذين دخلوا المخيم عقب رحيل جيش الدفاع الإسرائيلي في 17 إبريل/نيسان على أنقاض تفوح منها رائحة الموت، حيث برزت أجزاء من أجساد بشرية بين أنقاض المنازل المدمرة.
وتبين قائمة الجرحى الذين أُحضروا إلى مستشفى مدينة جنين أنه في 3 و4 إبريل/نيسان، أُدخل 24 جريحاً فلسطينياً إلى المستشفى. وفي الأيام العشرة الممتدة بين 5 و15 إبريل/نيسان، لم يتمكن إلا 10 جرحى فلسطينيين، نجحوا في عبور الطوق الذي فرضه جيش الدفاع الإسرائيلي، من الدخول إلى المستشفى. وتحكي قوائم الإدخال إلى مستشفى الشفاء الحكاية ذاتها؛ فبين 4 و10 إبريل/نيسان، بدا أن شخصاً واحداً فقط، طفل، أُدخل إلى المستشفى. وفي 10 و11 إبريل/نيسان أُدخل ما مجموعه تسعة جرحى. وبعد ذلك لم يتم إدخال أي جرحى فلسطينيين إلى حين بدء انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي من المخيم في 16-17 إبريل/نيسان.
وأثناء القتال، شاهد المقيمون الفلسطينيون والصحفيون الفلسطينيون والأجانب وسواهم من الأشخاص الموجودين خارج المخيم مئات الصواريخ تنهال على منازل المخيم من مروحيات الأباتشي التي كانت تحلق في طلعات متتالية. ودفع مشهد القوة النارية التي تنصب حممها على مخيم جنين للاجئين الذين شاهدوا الغارات الجوية، بمن فيهم الخبراء العسكريون ووسائل الإعلام، دفعهم إلى الاعتقاد بأن عشرات الفلسطينيين على الأقل قُتلوا. ونتيجة الطوق المحكم الذي ضُرب حول مخيم اللاجئين والمستشفى الرئيسي بين 4 و17 إبريل/نيسان لم يكن لدى العالم الخارجي أية وسيلة لمعرفة ما كان يجري بداخله؛ وتمكن بضعة صحفيين من التسلل إلى المنطقة معرضين حياتهم للخطر بعد 13 إبريل/نيسان، لكنهم لم يشاهدوا إلى جزءاً صغيراً من المخيم، بما في ذلك بعض جثث القتلى قبل أن يغادروا. وحوصر الذين أمكن الاتصال بهم عبر الهاتف في منازلهم داخل المخيم ولم يتمكنوا من الإبلاغ عما يجري. وفي هذه الظروف انتشرت القصص حول وقوع "مجزرة". وحتى قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي بدت غامضة بشأن عدد الفلسطينيين الذين توفوا : وقال الجنرال رون كيتري إنه في 12 إبريل/نيسان قُتل المئات في جنين قبل أن يصحح ما قاله بعد بضع ساعات بالقول إن المئات قُتلوا أو أصيبوا بجروح.
وعندما توجه مندوبو منظمة العفو الدولية إلى مستشفى جنين في 17 إبريل/نيسان، لم يجدوا إلا "الجرحى القادرين على المشي" – أي أولئك الذين استطاعوا المرور عبر طوق جيش الدفاع الإسرائيلي. وتساءل الأطباء والخبراء الدبلوماسيون أو الخبراء العسكريون الآخرون الذين زاروا مسرح العمليات، وهم يعلمون أنه في القتال يكون هناك عادة ثلاثة أو أربعة أشخاص مصابين بجروح خطيرة مقابل كل قتيل، تساءلوا عن مصير المصابين بجروح بليغة. وانتشرت قصص دفن الجثث في أماكن سرية أو نقلها في شاحنات مقفلة مبردة. وبعدما انسحب جيش الدفاع الإسرائيلي بصورة مؤقتة من مخيم جنين للاجئين في 17 إبريل/نيسان، شكلت الأونروا فرقاً لاستخدام القوائم الإحصائية لمعرفة مصير جميع الفلسطينيين (حوالي 14000) الذين يُعتقد أنهم كانوا مقيمين في المخيم في 3 إبريل/نيسان 2002. وفي غضون خمسة أسابيع عُرف مصير جميع السكان باستثناء شخص واحد.
وكانت الحالات التالية لعمليات القتل غير المشروع من ضمن تلك التي جرى توثيقها في سياق الأبحاث التي أجرتها منظمة العفو الدولية في جنين. وقدمت منظمة العفو الدولية جميع هذه الحالات إلى جيش الدفاع الإسرائيلي لتوضحيها والتعليق عليها في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2002، لكنها لم تتلق أي جواب. ولا يبدو أن السلطات الإسرائيلية فتحت تحقيقاً صحيحاً في أي من هذه الحالات. ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن يعطي التقاعس عن التحقيق في حالات القتل غير القانوني، أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي حرية كاملة في متابعة عمليات القتل.
منذر محمد أمين الحاج
في 3 إبريل/نيسان، اليوم الأول من عملية التوغل، أصيب منذر الحاج، 21 عاماً، وهو عضو في جماعة مسلحة فلسطينية كما ورد، بأعيرة نارية. وأبلغ موظفو مستشفى الرازي منظمة العفو الدولية أنهم قاموا بثلاث محاولات لإنقاذ منذر الحاج حاملين أعلاماً بيضاء، لكن في كل مرة كان جيش الدفاع الإسرائيلي يطلق النار عليهم. واستطاع موظفو المستشفى الوصول إليه بعد حوالي ساعتين من إبلاغهم للمرة الأولى أنه بحاجة إلى مساعدة طبية. وبحلول ذلك الوقت كان قد فارق الحياة.
وكانت سمر قصراوي، ممرضة، من ضمن الموظفين الأوائل الذين حاولوا الوصول إلى الرجل الجريح؛ وصرَّحت قائلة:
"في صبيحة 3 إبريل/نيسان… بين الساعة 11,30 و12 ظهراً، سمعنا صوت إطلاق نار حول منطقة المستشفى مصدره طائرات مروحية ودبابات. وفي هذا الوقت، جاء أحدهم ماراً من سُلَّم المسجد إلى المستشفى صائحاً بأن شخصاً قد أُصيب. ونزلت بصحبة ممرضين آخرين على الدرج وسرنا باتجاه بوابة المسجد. وعندما وصلنا إلى خارجه، اتجهنا �606?حو الرجل المصاب. وكنا نحمل أعلاماً بيضاء. وشاهدت ثلاث دبابات بدأت تطلق علينا النار. وقالوا لنا باللغة العربية "إذا عدتهم فأطلق النار عليكم". ولم أستطع رؤية الرجل الجريح، لكنني سمعته يقول "ساعدنا يا رب". وعدنا إلى المستشفى واحتمينا في الدور الثاني. وعندما توقف إطلاق النار، قمنا بمحاولة ثانية للوصول إلى الرجل الجريح. وغيَّرنا اتجاهنا وقررنا التوجه نحو حمام المسجد. وكان هناك جدار وبعض النوافذ وكان الرجل الجريح ممدداً على الدرج في الجانب الآخر. ولم استطع رؤيته.
"وبدأت أتحدث إليه. وعندما بدأت الكلام، أدركت أنه كان قريباً جداً. وقال لي ‘أرجوك يا أختي، إنني أموت، هل تستطيعين إنقاذي لأنني أموت’. وحاولت تهدئته. وعندما كنت أتحدث إليه كان يصرخ، وكان صوته أشبه بالرعد. وشاهدت جندياً عندها وكان قادماً نحوي واتخذ موقعاً له كقناص. فغادرت مرة أخرى وعدت أدراجي إلى الدور الثاني في المستشفى. وبعد 10 دقائق تقريباً، ذهبت إليه مرة أخرى. وفي المحاولة الثالثة، سألت الرجل الجريح عما إذا كان يستطيع الاقتراب من البوابة. فقال لي إنه لا يستطيع وإنه مصاب في كلا ذراعيه وساقيه. عندئذ طلبت منه أن يتكلم ببطء وبصوت منخفض لأنه إذا سمعه الجنود، فسيطلقون النار عليه. ثم سألته ما إذا كان يستطيع أن يجر نفسه نحوي إذا ألقيت إليه حبلاً فقال ‘لا، فأنا مصاب في ذراعيَّ وساقيَّ’. وفي هذا الوقت، بدأ الجنود يطلقون النار نحو المسجد والمستشفى. وأُطلق وابل من النيران باتجاه الرجل. واعتقد أنه أُصيب في ظهره.
"وعدت أدراجي من جديد إلى المستشفى. وكان الأطباء فيها يحاولون تنسيق عملية إنقاذ الرجل المصاب مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. وكانوا يواصلون محاولة الحصول على إذن للوصول إلى الرجل. وذهبت من جديد إلى المسجد وحاولت التحدث إلى الرجل. قلت "يا أخي، يا أخي" فقال لي بصوت خافت جداً، ‘لا أستطيع سماعك جيداً’. وعلى عكس المرات السابقة لم يكن صوته قوياً. لذا عدت إلى المستشفى وتحدثت إلى رئيسها. فقال لي إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد تفاوضت على إرسال ممرضين لإنقاذ الرجل الجريح، وسألني عما إذا كنت أقبل بالذهاب. فقلت له نعم، وغادرت بصحبة ممرض آخر وطبيبة. لكن عندما وصلنا إلى الرجل كان قد مات. وكانت عيناه مفتوحتين. وحاولنا حمل جثمانه لكننا لم نستطع. لذا عدت إلى المستشفى طلباً للمساعدة فأتى معي شخصان إضافيان ونقلناه إلى المستشفى بمساعدة الشخصين الآخرين اللذين بقيا بجانب الجثة. فوصل إلى المستشفى بعد حوالي ساعتين من أول محاولة لنا لإنقاذه.
ويبين التقرير الذي أعده المستشفى حول جروح منذر الحاج أنه بالإضافة إلى الجروح التي أًصيب بها في ذراعيه وساقيه، كانت هناك طلقات نارية في ظهره. وأشارت المقابلات التي أُجريت مع سمر قصراوي وكذلك الدكتور محمود أبو عاليه الذي فحصه بعد وفاته، إلى أن الجرح الموجود في ظهره ربما أصابه به قناص بينما كان مستلقياً على الدرج. وعندما وصف جروحه للممرضة لم يشر إلى أي جرح في ظهره. وقد فحص مندوبو منظمة العفو الدولية الموقع ورأوا أن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي كانوا متمركزين في مبنى فوقه وإلى يسار المكان الذي كان منذر الحاج مستلقياً فيه وكانوا قادرين على رؤيته بسهولة. والقانون الإنساني الدولي واضح في هذا الشأن. فلا يمكن منع الرعاية الطبية عن شخص جريح ولم يعد يشارك في القتال. وفي ذلك الوقت كان منذر الحاج جريحاً ولم يعد مسلحاً ولم يشكل تهديداً للجنود، فقد أصبح عاجزاً عن مواصلة القتال.
عفاف علي حسن الدسوقي
خلال العمليات العسكرية التي جرت في مخيم جنين للاجئين، كما في سواه، غالباً ما استخدم جيش الدفاع الإسرائيلي المتفجرات لفتح أبواب المنازل والمباني، أحياناً من دون الانتظار لإتاحة المجال لشاغليها بفتحها، ما أدى إلى مقتل أو جرح عدد من النساء والرجال. وفي 5 إبريل/نيسان، قُتلت عفاف الدسوقي، 59 عاماً، عندما استُخدمت متفجرة على باب منـزلها وهي قادمة لفتحه. ونادت عليها لفتح الباب جارتها أسمهان أبو مراد التي استخدمها جش الدفاع الإسرائيلي "كدرع بشري" لتقود أفراده إلى المنـزل. وأكدت أسمهان أبو مراد القصة التي روتها عائشة علي حسن الدسوقي، شقيقة عفاف والتي قالت لمنظمة العفو الدولية إن :
"عائلتي كانت في المنـزل يوم الجمعة في 5 إبريل/نيسان. وكانت الساعة تشير تقريباً إلى الثالثة أو الثالثة والربع بعد الظهر. وسمعنا قرع الباب ودعوتنا لفتحه. وقالت شقيقتي عفاف ‘لحظة’. وقالت ذلك على الفور. وفي ذلك الوقت، كنا في صالة الاستقبال المواجهة للشارع. وذهبت عفاف لفتح الباب؛ وكنا نتبعها. وعندما وصلت إليه، مدت يدها للإمساك بقبضة الباب الذي انفجر. وانفجر الباب إلى الداخل نحوها. فتطاير الجزء الأيمن من وجهها أشلاءً. وأُصيبت يدها اليسرى بجروح وكذلك الجزء الأيسر من صدرها. واعتقد أنها توفيت على الفور. وبدأنا بالصراخ. وكان الجنود خارج ذلك الباب مباشرة. وبدأ جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يطلقون النار على الجدران كما لو أنهم كانوا يحاولون إخافتنا. فصرخنا في وجوههم لإحضار سيارة إسعاف، لكنهم لم يستجيبوا لنا. عندئذ ذهب شقيقي وأخذ جثة عفاف. ولم يكن لدينا هاتف؛ فقد قُطع خطه منذ الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم. واتصل الجيران بالمستشفى وقيل لهم إن سيارة الإسعاف اضطرت إلى الانتظار للحصول على إذن. وانتظرنا لكن سيارة الإسعاف لم تأتِ.
"وواصلتُ يومي الجمعة والسبت رشها بالعطور. وبدَّلنا ملابسها يوم الأحد، لأنها كانت ملطخة بالدم، وضمدنا جروحها. وبما أنني ممرضة، كنت أعرف ما يعنيه إبقاء الجثة في المنـزل معنا طيلة هذا الوقت، لذا كنا نذهب لننام عند شقيقي ليلاً ونعود إلى المنـزل لنكون مع شقيقتي في النهار. ويوم الخميس [11 إبريل/نيسان]، رُفع حظر التجول لبضع ساعات ونُقل جثمان عفاف في سيارة جارنا إلى مستشفى الرازي. فلم نستطع الوصول إلى مستشفى جنين لأنه كان منطقة عسكرية محظورة. ودفنا عفاف في مقبرة تقع في الجزء الشرقي من المدينة.
240 وبعد مقتلها حاول جيش الدفاع الإسرائيلي القول إن عفاف كانت انتحارية وأنها فجرت نفسها. وهذا ليس صحيحاً. انظروا إلى الباب لقد فُجر من الخارج. ولم يكن لشقيقتي أي شأن بالسياسة؛ ولم تكن تشارك في أي شيء."
وزارت منظمة العفو الدولية الموقع واستطاعت فحص الباب، فضلاً عن العبوة الناسفة التي احتفظت بها العائلة. وتشير آثار الانفجار على الباب بوضوح إلى أنه فُجِّر بمتفجرة من الخارج، ويتماشى هذا الدليل مع الشهادة التي استشهدنا بها أعلاه.
جمال الصباغ
في 6 إبريل/نيسان 2002، أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي النار على جمال الصباغ البالغ من العمر 33 عاماً بعد أن اعتقله. وبحسب أحد الشهود، فإن جمال كان أعزل عند إطلاق النار عليه ولم يشكل أي خطر على الجنود الذين اعتقلوه.
وقبل يوم من مقتل جمال الصباغ، دمر صاروخ منـزله. وفي 6 إبريل/نيسان أمر جيش الدفاع الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت جمال الصباغ مع رجال آخرين من المخيم تتراوح أعمارهم بين 16 و45 عاماً، بالخروج إلى الشارع. وحدث ذلك عند قرابة الساعة السادسة مساءً.
وفي هذا الوقت، كان مظفر جمال الزبيدي البالغ من العمر 16 عاماً، وهو من حي الحواشين في المخيم، في المنـزل. وسمع التعليمات التي تأمر رجال الحي عبر مكبرات الصوت بالخروج إلى الشارع، لكنه كان وحيداً وخائفاً. وكان الجنود يتنقلون سيراً على الأقدام وفي الدبابات. وقال لمندوبي منظمة العفو الدولية إنه انتظر بجانب منـزله وكان يجول ببصره ليرى ما إذا كان يعرف أحداً من الأشخاص الخارجين إلى الشارع. وعندما شاهد جاره جمال الصباغ، غادر المنـزل ليمشي معه. وكان الظلام قد بدأ يهبط بحلول ذلك الوقت. وقال إن الجنود أمروا كل رجل بأن يخلع ملابسه باستثناء الداخلية منها وأن يدلي بمعلومات تتضمن اسمه ورقم بطاقته الشخصية. وكان جمال الصباغ يحمل كيساً معه وأوضح بأن الجنود سمحوا له بحمل دوائه، لأنه كان مصاباً بدار السكر، وبعدم خلع ملابسه. وأمر الجنود الرجال بالتوجه سيراً على الأقدام إلى ميدان يقع بالقرب من العيادة الصحية. ومشى مظفر الزبيدي وجمال الصباغ معاً نحو المكان.
"أُمرنا بأن نستلقي على الأرض، ففعلنا. وكان جمال على مسافة قريبة تبعد بضعة أمتار عني. وقد استلقى جمال على الأرض لكنه أمسك بكيسه. ثم أمرنا الجنود بالوقوف وأمروا جمال بأن يضع كيسه على الأرض بعيداً عنه. فوضعها بجانبه مباشرة. وعندما قالوا لنا بأن نخلع سراويلنا. وكنت قد بدأت بخلع سروالي عندما سمعت بعض الطلقات. ومرت إحدى الرصاصات قريباً جداً مني. فهويت على الأرض. وأُصيب جمال في جانب رأسه. وسمعته يصلي ثم ساد الصمت. وبقيت على الأرض صامتاً. واعتقد أن الطلقة أتت من قناص موجود على نافذة في الدور الثالث. وبعد ذلك بفترة وجيزة، لست متأكداً من طولها، جاءت مجموعة أخرى من الرجال إلى الساحة. وأمرهم الجنود بأن يخلعوا ملابسهم باستثناء الداخلية منها. وذهبت مع هؤلاء الرجال إلى غرفة وقيَّد الجنود أيدي معظمنا خلف ظهورنا. وكان هناك ثلاثة رجال لم تُقيَّد أيديهم. فحملوا جثمانه إلى مدخل الباب وأمرهم الجنود بأن يفتشوه. وفتشوه لكنهم لم يعثروا على أي شيء. عندئذ وضع جيش الدفاع الإسرائيلي جثمانه في ثلاجة – وكان محلاً لمشتقات الحليب استولى عليه جيش الدفاع الإسرائيلي."
وعاد مظفر زبيدي إلى جنين بعد قضاء يومين رهن الاعتقال و11 يوماً في قرية رمانة. واتصل بأقرباء جمال الصباغ، لكنه لم يعثر على جثته. وقال مدير مستشفى جنين العام الدكتور محمد أبو غالي :
"عند الساعة الخامسة من مساء 15 إبريل/نيسان، عثرنا على رفات جثة شوهتها دبابة بالقرب من محل الحليب – عبارة عنإصبعوبعض قطع اللحم وسروال بالقرب من ما تبقى من جثة إنسان. واتصلت بجيش الدفاع الإسرائيلي وقلت لهم : "أين الجثة؟" فلم يقولوا شيئاً".
ويُعتقد أي رفات الجثة، التي دهستها الدبابة عدة مرات، تعود إلى جمال الصباغ.
عبد الكريم يوسف سعدي ووضاح فتحي شلبي
في 6 إبريل/نيسان 2002، أُردي بالرصاص كل من عبد الكريم سعدي، 27 عاماً، ووضاح شلبي، 37 عاماً، على يد جيش الدفاع الإسرائيلي في زقاق قريب من منـزل آل السعدي. وكان الرجلان جارين يعيشان بالقرب من مدخل مخيم جنين للاجئين. وعند مقتلهما، كانا بصحبة فتحي شلبي والد وضاح الذي لم يصب بأذى. وقد وصف أحداث ذلك اليوم :
"لدى ابني وضاح ستة أطفال : أربعة صبيان وابنتان. ويبلغ عمر الطفل الأكبر 10 سنوات والأصغر أربعة أشهر. وكان يوم السادس من إبريل/نيسان عند حوالي الساعة 6,30 مساء. وكان جيش الدفاع الإسرائيلي قد توجه إلى منـزل يوسف عبد الكريم السعدي. وهو يعيش في منـزل لا يبعد كثيراً عن منـزلي، ربما مسافة 15متراً. وكان عبد الكريم ابن يوسف في بيتي في ذلك الوقت. ثم انتقل جيش الدفاع الإسرائيلي من هذا المنـزل إلى منـزل جاري. وعادة لا يمكث ابني وضاح معنا، لكن بسبب الوضع جاء إلى هنا ليبقى مع عائلته. وكنت أنا وزوجتي وابني وعائلته وابنتي وعائلتها جميعاً هنا. وشاهد جيش الدفاع الإسرائيلي أولادي يلعبون في الباحة الخليفة لمنـزلي، فأمرهم بالذهاب إلى الدور السفلي في بيتي. وذهبنا جميعنا إلى الدور السفلي، وكنا سبعة عشر شخصاً، ومكثنا في الدور السفلي خمس دقائق. ثم أُمرنا بالذهاب إلى البيت المجاور، لكن عوضاً عن أن يدعونا نمر عبر المدخل الرئيسي، أمرونا بالسير في الشارع ثم الاقتراب من منـزل جاري عبر أحد الأزقة. وعندما وصلنا إلى نهاية الزقاق، قام الجنود بفصل الرجال عن النساء والأطفال. وكان كل من ابني وعبد الكريم يحملان أطفالاً. فسلما الأطفال إلى النساء وبقيا في الزقاق. وعادت النسوة والأطفال إلى الحديقة الخلفية لمنـزل عبد الكريم، والتي كانت تقع عبر باب حديدي قبالة الزقاق. وعندما أصبحت النساء والأطفال في الحديقة، أغلق الجنود الباب. وذهب بعض الجنود مع النساء وبقي ثلاثة جنود معنا؛ وكانوا لا يبعدون عنا إلا مترين داخل الزقاق الضيق. وكان اثنان منهما يدعيان غابي وديفيد … وأمرونا بخلع قمصاننا.
"ولم نكن نحمل بأيدينا شيئاً. وعندما أمرونا برفع قمصاننا، فعلنا ذلك. وسمعت غابي يقول بالعبرية "اقتلهم، اقتلهم، ثم شهر الجندي الآخر سلاحه وأمطرنا بوابل من الرصاص. وأطلق النار من اليسار إلى اليمين، لذا كان عبد الكريم أول من أُصيب ثم وضاح. ولا أدري كيف لم أُصب، إلا أنه عندما سمعت الطلقات، سقطت على الأرض. وكانت جثة ابني فوق جسمي. وكنت أشعر بالبلل تحتي ورأيت أنها دماء، وتبين لي أن ابني قد أُصيب. ولم أحرك ساكناً وتظاهرت بأنني ميت."
وبحسب ما قاله فتحي شلبي، مكث الجنود هناك مدة تزيد على الساعة. وكانوا يتفحصون الجثث من حين لآخر وقد وجه أحد الجنود ضوءاً بالقرب من عينيه. وحاول ألا يتحرك. وبعدما تأكد من مغادرة الجنود، ذهب واختبأ في منـزله. وعرف أن كلا من ابنه وعبد الكريم السعدي قد توفي. وظل في المنـزل حتى فترة لاحقة من ذلك الصباح، ثم غادر إلى منـزل آل السعدي حيث كانت عائلته تحتمي. وظلت جثتا الرجلين في الزقاق طوال تسعة أيام (ويشير سجل المستشفى إلى أنهما أُحضرتا في 15 إبريل/نيسان).
وزارت منظمة العفو الدولية موقع إطلاق النار. وكانت المسافة بين موقع الجنود وموقع الضحايا تقل عن مترين. وقد جرت عملية إطلاق النار عند بداية المساء، لكن الظلام لم يكن قد حل. وأُشير إلى أن عبد الكريم كان يرتدي حمالة للظهر (؟) وظن الجنود خطأ أنها حزام متفجرات؛ لكن شقيق عبد الكريم السعدي ووالده أصرا على أنه لم يكن يرتدي حمالة ظهر. وأجرى البروفيسور دريك باوندر تشريحاً لجثة وضاح شلبي وخلص إلى أنه توفي متأثراً بطلق ناري دخل من الجزء الأيسر من ظهره وخرج من الجزء الأمامي الأيمن من جسمه. كذلك أُصيب وضاح بطلق ناري في القدم.
وقد وصف اللواء غيورا إيلاند، رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي هذه القضية بأنها واحدة عثر فيها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على ثلاثة رجال مختبئين يرتدي أحدهم حزاماً ناسفاً :
"في الماضي كان قائد السرية يدعو الناس للخروج. فخرجت بعض النسوة. وسألهن الجنود عما إذا كان هناك أشخاص آخرون في المنـزل. فأجبن ‘بعض الزوار’. ‘قولوا لهم بأن يخرجوا’. فخرج الرجال الثلاثة؛ وكان أحدهم يحمل طفلاً. وأمره الضابط التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي بتسليم الطفل للنساء، فرفض فأصر الضابط، وفي النهاية فعل ذلك. عندئذ أمروا الرجال بالاقتراب وخلع قمصانهم. فخلع اثنان قمصانهما ورفض الثالث. وفي النهاية فعل ذلك وكان يرتدي حزاماً. فأُطلقت عليه النار."
ويصعب التوفيق بين هذا التوضيح للقضية وبين موقع وجود الجثتين، في زقاق ضيق جداً بحيث لا يحتمل لجندي يقف على مسافة 1,7 متر بأن يأمر المعتقلين أن يقتربوا. وهذه قضية حظيت بتغطية واسعة والاسمان الأولان للجنديين المشاركين في إطلاق النار معروفان. ويظل الغموض يحيط بالأسباب التي حالت دون إجراء تحقيق كامل وعام لكشف ملابسات الوفاة.
علي نائل سليم مقصقص
أجرى البروفيسور ديرك باوندر تشريحاً لجثة رجل عمره 52 عاماً، عُرف فيما بعد أن اسمه علي نائل سالم مقصقص، في مستشفى مدينة جنين في 17 إبريل/نيسان 2002. وأظهر التشريح وجود طلقة واحدة مميتة في الجانب الأيمن من الصدر والقلب لا بد أنها سببت موتاً سريعاً.
وقال حسان ابن علي مقصقص :
"كان يوم السبت المصادف 6 إبريل/نيسان. وكنا جميعاً في غرفة نوم. وكان هناك تسعة أشخاص؛ أربعة أطفال وامرأة شابة وأربعة رجال، ومن ضمنهم أنا ووالدي. وكان الإسرائيليون يطلقون النار. وكنت أعرف أن جيش الدفاع الإسرائيلي هو مصدر النار، لأنها تختلف عن النيران التي تطلقها المقاومة. وفي اليوم الأول من الغزو، أصاب قناص خزان المياه لدينا، لذا قمنا بتخزين بعض الماء تحت سلم الدرج خارج المنـزل مباشرة. وعند الساعة حوالي 12,30 من بعد ظهر ذلك اليوم، خرج والدي لإحضار بعض الماء للعائلة. وكان يعرف أين يمكنه أن يمشي، لأننا شاهدنا القناص من قبل وسبق أن أطلق النارعلينا. وكنا نعرف مدى القناص، لذا كان والدي يعرف أنه يمكنه أن يمكث في مناطق معينة أو أن يسير بسرعة في مناطق أخرى وإلا تُطلق النار عليه. وفي ذلك اليوم، ركض والدي عبر المنطقة الأولى، وهي المنطقة الأولى الخطرة. ثم سمعت طلقتين. وسمعت صوت والدي يقول إنه أُصيب. وخرجت كي أحاول الوصول إليه، لكن جرى إطلاق نار باتجاهي. ولم أستطع الوصول إليه. وحاولت أن أتحدث إليه، لكنه لم يجب. وكان سلم الدرج يبعد حوالي 20 متراً عن الغرفة التي كنا فيها. وحاولت مناداة جاري لأرى ما إذا كان يستطيع الوصول إلى والدي بطريقة أخرى، ربما بالتسلق فوق الجدار. وأبلغني جاري أبو خالد أنه لا يستطيع التسلق فوق الجدار، فهو رجل عجوز. ثم جاء وأخذ يقرع الباب. وكان يقرعه بشدة لدرجة أني ركضت لكي أفتحه. وكانت هناك طائرة مروحية تحلق في حينه فوق رؤوسنا وكذلك نيران قناصة. وبدأ إطلاق النار وأُصيب أبو خالد في صدره. ولم يكن جرحاً عميقاً؛ إذ إن الرصاصة خدشته فقط. والآن أصبحت لدي مشكلتان.
"فأحضرت جاري إلى الغرفة الخلفية وحاولنا إعطاءه إسعافاً أولياً. وبعد إصابة أبو خالد بالرصاص، أدركت أن القناص لم يكن في مكانه المعتاد. ونظرت من النافذة الخلفية للغرفة التي كنا فيها وشاهدت حركة في المنـزل المقابل وعرفت عندها أن جيش الدفاع الإسرائيلي موجود في ذلك المنـزل، لأن معظم جيراننا غادروا المنطقة. وأنا الابن الأكبر وكان القرار يعود لي في تلك اللحظة، فقررت إخراج العائلة من المنـزل. وكانت عملية محفوفة بخطر شديد. وعندما غادرنا، كنا ما زلنا نأمل بأن يكون ووالدي على قيد الحياة. وظللنا نناديه ‘أبي، أبي’، لكنه لم يرد علينا. وكسرنا زجاج نافذة في الغرفة الخلفية وتسلقنا عبرها. فوصلنا إلى زقاق وإلى منـزل عمي القريب منا. وبقينا في هذا المنـزل إلى ما بعد انتهاء الغزو. وكنا ننادي على والدي من هذه النافذة. وكانت العودة خطرة للغاية، لكننا كنا نحاول التحدث معه ومعرفة ما إذا كان لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد. ولم نستطع الوصول إليه إلى أن حضر الصليب الأحمر وبعض الأطباء وسحبوا جثته في 15 إبريل/نيسان. وكان قد فارق الحياة."
وتتماشى نتائج التشريح مع رواية العائلة لقصة مقتله.
جمال فايد
من الواضح أن الناس لم يمنحوا دائماً وقتاً كافياً لإخلاء منازلهم قبل أن يبدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بجرفها. وفي حالة من هذا النوع، قُتل جمال فايد، البالغ من العمر 38 عاماً، عندما تسببت عملية هدم بيته بانهيار جدار عليه.
وأبلغت فتحية محمد سليمان شلبي والدة جمال فايد مندوبي منظمة العفو الدولية أن ابنها كان مقعداً منذ ولادته. ولم يستطع أن يتحرك من تلقاء نفسه وكان عاجزاً عن النطق. ويقع منـزل العائلة في منطقة جورة الذهب بالمخيم، بالقرب من حي الحواشين. وأشارت إلى وقوع قتال عنيف في منطقتها ومن حولها في 10 إبريل/نيسان، بعد أسبوع واحد تقريباً من التوغل الأول داخل المخيم. وقالت إنه في اليوم التالي، أصاب صاروخ منـزلها وبدأت النيران تلتهم الأدوار العليا منه. وعندما حاولوا مغادرته، أُصيبت عمتها فوزية محمد. عندئذ تسلقت العائلة عبر نافذة جانبية وخرجت من المنـزل، لكنها لم تستطع حمل جمال فايد معها. وعندما غادرت المنـزل، أبلغت جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذي أقام موقعاً له في منـزل مجاور، أن جمال فايد كان داخل البيت وأنهم يجب أن يوقفوا إطلاق النار. وكان هناك مسعف طبي تابع للجيش المذكور، وعالج فوزية محمد من الجروح التي أُصيبت بها. ثم لجأت العائلة إلى منـزل أحد الأعمام وظلت فيه طيلة المساء.
وفي اليوم التالي عادت أم جمال وشقيقته إلى منـزلهما للاطمئنان على جمال. وفي هذه اللحظة كان ما زال على قيد الحياة ولم يُصب بأذى. وتقول والدته :
"غادرنا المنـزل وذهبنا إلى الجنود لإبلاغهم بأن جمال كان في المنـزل وأنه مشلول. وأخذت بطاقته الشخصية معي كإثبات وطلبنا منهم أن يساعدوننا على نقله. وفي ذلك الوقت كان جميع الشبان قد قُبض عليهم، لكن كان هناك بعض الرجال المسنين وسألنا الجنود عما إذا كانوا يستطيعون مساعدتنا. فقالوا لا. لكننا ألححنا في السؤال، ثم وجدنا بعض الجنود الآخرين في بيت آخر وسألناهم السؤال نفسه. وسمحوا لنا في النهاية بدخول منـزلنا، لكن للنساء فقط. وكنا خمس نساء : أنا وابنتي وشقيقتي وجارتان. وما أن دخلنا المنـزل، حتى سمعتُ صوت جرافة. وكانت متجهة نحو المنـزل. وبدأت بتدميره، لذا خرجنا إلى الشارع وصرخنا في السائق كي يتوقف. وكنا نصرخ، ‘هناك نساء في الداخل’ وأن جمال في الداخل ولا يستطيع أن يتحرك. وحتى جنود جيش الدفاع الإسرائيلي كانوا يصرخون فيه كي يتوقف. لكنه لم يصغِ. وشاهدنا الجدار الشرقي للمنـزل ينهار. فهرعنا إلى خارج المنـزل. ما بيدنا أن نفعله؟"
وعندما زار مندوبو منظمة العفو الدولية الموقع للمرة الأولى بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الحادثة، كانت والدة جمال فايد تجلس على أنقاض منـزلها المهدم وعلامات اليأس والقنوط بادية على وجهها.
أحمد وجميل يوسف غزاوي
في 21 يونيو/حزيران 2002، بعد مضي شهرين على عملية السور الواقي، وخلال الأيام الأولى من عملية الدرب الحازم وإعادة احتلال جيش الدفاع الإسرائيلي للضفة الغربية، أطلق الجيش المذكور النار من دبابة على الدكتور سامر الأحمد وقتل شقيقين هما أحمد البالغ من العمر ست سنوات وجميل يوسف غزاوي البالغ من العمر 12 عاماً، وأصاب شقيقهما طارق والدكتور الأحمد بجروح خطيرة.
وعقب إعلان جيش الدفاع الإسرائيلي عن رفع الحظر، أخذ أحمد غزاوي البالغ من العمر ست سنوات شيكلاً من والده لشراء حلوى. وذهب مع شقيقه جميل، البالغ من العمر 12 عاماً وطارق البالغ من العمر 11 عاماً. وكانت المنطقة التي تعيش فيها العائلة عبارة عن منطقة سكنية تقع عند طرف مدينة جنين في المنطقة ج (خاضعة للسيطرة الإسرائي
لية الكاملة). وقد صور أحد الجيران جزءاً من الحادثة بآلة تصوير فيديو من سطح أحد المنازل. وأظهر الفيلم سيارة الدكتور سامر الأحمد وسبعة أطفال (تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً) أربعة منهم يركبون دراجات. ولم يُسمع صوت إطلاق نار، لكن فجأة ظهر وميض أحمر وسُمع دوي انفجار. وخرَّ أحمد صريعاً وقُطعت إحدى ساقيه وكانت الأخرى شبه مبتورة، وكان جميل مثخناً بالجراح والدماء وطارق ممدداً بالقرب من عمود كهرباء وكان هناك ثقب في جنبه وبطنه.
وقال الدكتور سامر الأحمد، البالغ من العمر 40 عاماً، وهو طبيب بيطري ومدير لجان الإغاثة الزراعية الفلسطينية في منطقة جنين، إنه بعدما أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي رفع حظر التجول بين الساعة العاشرة صباحاً والثانية بعد الظهر، توجه بسيارته إلى مكتبه لإحضار الفاكسات، ثم ذهب إلى دكان محلي حيث أُبلغ بأن الجيش يجول المنطقة وعليه الذهاب إلى منـزله. وكان الدكان يبعد 200 متر عن منـزله. وعندما توجه بسيارته إلى الطريق الرئيسية، رأى دبابة تسير عليها بادرت إلى إطلاق النار عليه، فأصابته بجروح من خلال الزجاج الخلفي للسيارة. وانعطف بسرعة إلى أول شارع جانبي حيث شاهد مجموعة من الأطفال يلعبون، ويركب بعضهم دراجات هوائية. وأطلقت الدبابة نيرانها مرة أخرى، هذه المرة قذيفة يبدو أنها أدت إلى تناثر الجدار.
وقال أحد الفتيان واسمه رامي وعمره 12 عاماً :
"سمعت أن حظر التجول رُفع. وعندما سمعت ذلك، ذهبت مع أصدقائي جميل وطارق وأحمد ومحمد ووائل ووسام. وتوجهنا جميعاً إلى الشارع الرئيسي. وكان جميل وطارق وأحمد ووائل يركبون دراجاتهم الهوائية أما بقيتنا فكنا نسير على الأقدام. وعندما وصلنا إلى التقاطع مع الشارع الرئيسي، شاهدنا سيارات جيب تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي قرب الميدان وشعرنا بالخوف. وقفلنا عائدين إلى منازلنا، وتوقفنا ووقفنا بجانب مبنى يقع في شارعنا عندما سمعنا صوت دبابة مارة. ثم رأينا دبابة أخرى تبعد حوالي 300 متر عنا، لذا غادرنا المبنى وأسرعنا في العودة إلى المنـزل. وكان جمي4? يقول لأحمد وطارق بأن يغادرا بسرعة بسبب وجود الدبابات. وأصبحت الدبابة الآن في نهاية الشارع، ثم شاهدت سيارة الدكتور سامر متجهة نحونا. وكان يستخدم بوق السيارة لتحذيرنا بالابتعاد عن طريقه. وكان الشيء التالي الذي أتذكره ضوءاً أحمر ثم دوي انفجار.
"وتنحيت جانباً عندما سمعت دوي القنبلة. وبعد ذلك عدت صوب الشارع وشاهدت أولاً أحمد. وقد بُترت ساقه اليسرى وبُقرت بطنه واندلقت أمعاؤه على الطريق. ورأيت جميل : وكان مصاباً في ظهره ويداه ترتعشان. وفتح عينيه لمدة دقيقة ثم أغلقهما. وكان طارق بالقرب من عمود كهربائي، وعثرنا عليه أخيراً. وكان هناك ثقب في إحدى ساقيه واخترقت شظايا القنبلة بطنه وأذنه وظهره.
"وأوقف الدكتور سمير سيارته أمام منـزلنا ومشى نحو مرآبنا. وعندما خرج من سيارته، طلب منه الجيران أن يأتي إلى الداخل، ثم ما لبث أن انهار. فحمله جارنا يزيد. ولم يكن الدكتور سامر يرتدي حذاءً وكان يرتدي قميصاً وسروالاً".
وفارق أحمد الحياة في الطريق، وأسلم جميل الروح في المستشفى. وتابعت الدبابة طريقها، دون أن تنظر لمشاهدة الدمار الذي أحدثته. ويقول الناس في الحي أنهم أُبلغوا بأن حظر التجول قد رُفع. لكن جيش الدفاع الإسرائيلي يطعن في ذلك ويقول إن الحظر عند إطلاق النار كان لا يزال سارياً. وأجرى مندوبو منظمة العفو الدولية مقابلات مع الشهود على إطلاق النار وراجعوا شريط الفيديو الذي صور الحادثة : ومن الواضح أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يفِ بالتزامين أساسيين – حماية السكان المدنيين واستخدام درجة من القوة تتناسب وحجم التهديد المتصور. وقال جيش الدفاع الإسرائيلي إنه سيجري تحقيقاً في عمليات القتل، لكن لا تُعرف حتى الآن نتائج التحقيق؛ ولم يُستدع أي من الشهود للإدلاء بأقوالهم، بمن فيهم الدكتور سامر الأحمد الذي مكث في مستشفى إسرائيلي مدة تسعة أيام.
وفي اليوم ذاته الذي قُتل فيه جميل وأحمد، قُتلت فتاة اسمها سجود فحماوي، بعد مغادرتها المنـزل أيضاً على ما يبدو معتقدةً أن حظر التجول قد رُفع. وفي 26 يونيو/حزيران، وهو اليوم الذي أجرت فيه منظمة العفو الدولية مقابلة مع عائلة الغزاوي في جنين، أطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي النار على طفل عمره سبع سنوات وأردوه قتيلاً في جنين في ظروف مشابهة كما يبدو.
فارس حسن السعدي
عشية 21 يونيو/حزيران 2002، فجر جيش الدفاع الإسرائيلي منـزلاً مهجوراً في الحي القديم بجنين. كذلك دمر الانفجار منـزلاً ملاصقاً له كان بداخله ثمانية أفراد من عائلة واحدة، حوصروا جميعهم بين الأنقاض. وأصيب اثنان بجروح خطرة وتوفي طفل عمره 12 عاماً اسمه فارس. وبحسب ما قالته العائلة والجيران، لم يوجه أي تحذير إلى العائلة قبل الانفجار، رغم احتجاج أحد الجيران الذي استُخدم خلال هذه العملية العسكرية لتفتيش المنـزل الملاصق. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع الجيران، وكذلك مع أفراد العائلة. وكانت روايتهم للحادثة متوافقة. وزعم جيش الدفاع الإسرائيلي أن العقار المستهدف كان يُستخدم مستودعاً للذخيرة. وبصرف النظر عن صحة هذا الزعم، يتحمل أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي المشاركون في العمليات مسؤولية الحفاظ على سلامة السكان المدنيين الموجودين في المنطقة المحيطة بالعمليات مباشرة.
وقد وصف أحد جيران عائلة السعدي كيف أجبره جيش الدفاع الإسرائيلي على تفتيش غرف منـزل خال من السكان بحثاً عن المتفجرات :
"[…] أبلغني الجنود أنهم سيهدمون المنـزل. وشاهدت القنبلة. وأوضحت للجنود أن هناك في الحقيقة منـزلين، وليس منـزلاً واحداً، وأن جداراً مشتركاً هو الذي يفصل بينهما فقط. وقلت لهم إنهم إذا فجروا هذا المنـزل، فإن المنـزل الآخر سينهار أيضاً. وقلت أن هناك أطفالاً في المنـزل الآخر. وطلبت من الجنود السماح لي بقرع الباب وتحذيرهم، لكنهم قالوا ‘لا’".
وقال حسان فارس السعدي، والد فارس لمنظمة العفو الدولية :
"فجأة، حدث انفجار وهوى السقف. فأصبحت تحت الأنقاض. وعندما خرجت، كنت أنادي أطفالي. وسمعت أولاً صوت محمد (11 عاماً) الذي كان مصاباً بجرح في كاحله الأيسر. ثم سمعت صوت ابنتي أصيل (8 أعوام) التي كُسرت ساقها وأُصيبت بجرح في رأسها. وكانت زوجتي مثخنة بالجراح في الجانب الأيسر من جسمها وكانت تنـزف دماً. وحتى الآن لا تستطيع أن تسمع في أذنها اليسرى. ثم عثرت على ابنتي هديل التي كانت فاقدة الوعي. وبعد ذلك وجدت ابنة أختي منى؛ وكانت مصابة بجروح في ظهرها وساقها. ثم عثرنا على فارس. وفي تلك اللحظة لم أدر ما إذا كان حياً أو ميتاً."
وتوفي فارس السعدي في سيارة الإسعاف التي كانت تنقله إلى المستشفى.
وتقتضي المعايير الدولية، بما فيها مبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في عمليات القتل هذه. وتقع المسؤولية الأساسية عن إجراء هذه التحقيقات على عاتق الدولة. وتحث منظمة العفو الدولية الحكومة على المباشرة دون المزيد من التأخير بإجراء تحقيق يتسم بالشمولية والشفافية في الحالات المذكورة أعلاه ونشر نتائجه على الملأ. ويتحمل المجتمع الدولي مسؤولية في التأكد من إجراء هذه التحقيقات وفق مبادئ الأمم المتحدة وتقديم المسؤولين عن عمليات القتل غير القانونية إلى العدالة.
إجبار الفلسطينيين على المشاركة في العمليات العسكرية واستخدامهم "كدروع بشرية"
أجبر جيش الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين على المشاركة في العمليات العسكرية. وقال عدة فلسطينيين أجرت منظمة العفو الدولية معهم مقابلات حول مواضيع أخرى إنهم أُجبروا على المشاركة في العمليات العسكرية "كدروع بشرية". وتنتهك هذه الممارسات القانون الإنساني الدولي. ورغم أن جيش الدفاع الإسرائيلي أعلن على لسان النائب العام في 24 مايو/أيار 2002 أنه لن ي�587?تخدم المدنيين في عمليات عسكرية، فقد ظلت منظمة العفو الدولية تتلقى أنباء حول حالات استخدم فيها أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية، بما في ذلك "كدروع بشرية" (انظر مثلاً وصف الحالة التي أدت إلى مقتل فارس السعدي أعلاه).
ويكشف العدد الكبير من الحالات التي استُخدم فيها الفلسطينيون "كدروع بشرية" في العمليات العسكرية التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي وجود نمط واضح. وعادة يجبر جيش الدفاع الإسرائيلي ذكراً راشداً(6) في عملية عسكرية على تفتيش الممتلكات في كل منطقة من مخيم اللاجئين. ويُحتجز الفلسطيني لفترة معينة لدى جيش الدفاع الإسرائيلي، تصل أحياناً إلى عدة أيام. وقد عُرِّض هؤلاء الفلسطينيون لخطر شديد، وأدى ذلك في بعض الحالات إلى الإصابة بجروح، كما توضح الحالة التالية.
فيصل أبو سرية
قال فيصل أبو سرية، وهو معلم عمره 42 عاماً، لمندوبي منظمة العفو الدولية أنه أُجبر على مرافقة جيش الدفاع الإسرائيلي في عملياته العسكرية لمدة يومين، وخلال هذه الفترة استُخدم "كدرع بشري". وأثناء المدة التي أمضاها في حجز جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، ذكر أنه تعرض للضرب وسوء المعاملة. وخلال الفترة التي استُخدم فيها "كدرع بشري"، أُصيب بطلق ناري في ركبته، لكنه لم يحصل على رعاية طبية كافية ولم يستطع الحصول على علاج إلا بعد ثلاثة أيام.
وفي 4 إبريل/نيسان 2002، وهو اليوم الثاني من عمليات التوغل، كان فيصل أبو سرية في منـزله مع عائلته في مخيم جنين للاجئين. وعند حوالي الساعة الرابعة فجراً قُرع باب داره. وأمر جيش الدفاع الإسرائيلي جاراً له عمره 15 عاماً بالدخول إلى منـزل فيصل أبو سرية وإصدار تعليمات للعائلة بالذهاب إلى غرفة واحدة. ثم فتش الجنود المنـزل واحتلوه في ذلك اليوم حتى المساء. وقال فيصل أبو سرية أنه خلال هذه الفترة اقتيد إلى غرفة جانبية وتعرض للضرب. وقال لمندوبي منظمة العفو الدولية :
"أمرني ضابط عرفته باسم إيتان أن أوجه عبارة مهينة إلى جندي آخر. فرفضت. عندئذ قال لي ‘إن هذا أمر’، لكنني استمريت في الرفض. عندئذ بدؤوا بضربي بنعالهم وقبضاتهم على كتفيَّ وساقيَّ. وبعد ذلك أمسكوا بجهاز التلفزيون وألقوا به على الأرض."
وفي صبيحة 5 إبريل/نيسان، اقتاد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي فيصل أبو سرية من منـزله :
"وقال لي الضابط إيتان : ‘تعال معنا’. فسألته ‘لماذا ينبغي علي أن أذهب معكم؟ فأنا لست مطلوباً’. وأمرني بأن أذهب معه لمدة 10 دقائق، فقط إلى منـزل أحد الجيران. فقلت له إنني إذا ذهبت فسيبدأ أطفالي بالبكاء. وأمرني مجدداً بأن أذهب معه لمدة عشر دقائق فقط ثم قال ‘أفضل ألا استخدم القوة’. وبعد ذلك ذهبت معهم. وعندما كنا نغادر المنـزل، جال الضباط ببصره يساراً ويميناً ثم أمسكني من ياقتي وأوقفني أمامه عندما خرجنا وتوجهنا نحو بيت الجار. ولم يكن هناك إطلاق نار في حينه، لكن إيتان انحنى مباشرة خلفي وبدأ بإطلاق النار إلى ناحية اليسار، بينما تقدم الجنود الآخرون نحو بيت الجار.
"دخلنا منـزل الجار. ولم يكن فيه أحد. وكان معنا حوالي 15 جندياً في ذلك الحين. وأُمرت بأن أبقى في غرفة واحدة. ثم نُقلت من هذا المنـزل وأُمرت بالذهاب إلى منـزل آخر بمفردي وبقرع الباب. ففعلت ذلك، لكن لم يجبني أجد. وأمروني بأن أعود أدراجي. ورأيت أنهم يحملون نوعاً من الصناديق المعدنية وأنهم أحضروه إلى الباب. ثم سمعت دوي انفجار. فأُمرت عندها بالعودة إلى المنـزل وإذا وجدت أحداً فيه أن أبلغهم بالتجمع في غرفة واحدة. وعندما عدت، وجدت باباً آخر. ومرة أخرى قرعت الباب، لكن لم يجبني أحد. وفجَّر الجنود هذا الباب. وفي ذلك الوقت، أدخلوا كلباً إليه وأمروني بأن أدخل وإذا وجدت أية أبواب مغلقة، فيجب أن أفتحها. ثم تبعني الجنود.
"شارفت الساعة الآن على الثالثة والنصف بعد الظهر، فقلت للجنود إنني أريد الذهاب إلى المنـزل، فأجابني أحد الجنود بأنني أستطيع العودة عندما يعثرون على شخص آخر يحل محلي. وفتش الجنود المنـزل، ثم نزلنا إلى الدور السفلي فيه حيث أحدثوا حفرة في الجدار الفاصل بين هذا المنـزل والمنـزل التالي. واقتادني الجنود وأمروني بأن أمر عبر الحفرة أولاً. وتبعني حوالي ستة أو سبعة جنود. ومن هناك، أخذوني إلى منـزل آخر، ومرة أخرى فتش الجنود المنـزل، ولم يكن فيه أحد. وعند مغادرته، أمسكني إيتان من عنقي ووجه مدفعه الرشاش إلى خاصرتي اليمنى. ومشيت مسافة 20 متراً تقريباً على هذه الحال. ثم أخذوني إلى منـزل آخر يعود لجار اسمه إبراهيم فريحات، كنت أعرفه. وعندما دخلنا، وجدنا جنوداً في المنـزل، وُضعت مع إبراهيم في غرفة واحدة. وأمضينا الليل فيها."
وخلال هذه الفترة، واليوم التالي، لم يكف فيصل أبو سرية عن مطالبة الجنود بإخلاء سبيله. وفي كل مرة كان الجنود يقولون له إنهم سيطلقون سراحه عندما يجدون شخصاً آخر يحل محله. وقال إنه خلال هذه الفترة كان هو أو معتقل آخر يُوضع في مقدمة الجنود خلال عمليات التفتيش من منـزل إلى منـزل. وفي ثلاث مناسبات مختلفة، ذكر أن جندياً وضع مسدساً بالقرب من جسده أو على جسده مباشرة، وفي إحدى المرات أُجبر على الوقوف أمام الجندي عندما أطلق النار. وعند حوالي الساعة الخامسة من مساء 6 إبريل/نيسان، أُمر فيصل أبو سرية بعبور طريق صغير وقرع باب مبنى مقابل لأن الجنود شاهدوا أسلاكاً متدلية من المبنى. وبينما كان يهم بعبور الطريق، فتحت عليه النار وحدة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي كانت متمركزة على سطح في الجوار، فأصابت فيصل أبو سرية بجرح بليغ في ساقه. فقفل عائداً إلى الوحدة التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي التي كان بصحبتها، فقدموا له بعض الإسعافات الأولوية، لكنهم لم يرسلوه إلى مستشفى، وعوضاً عن ذلك أوعز الجنود لبعض الشبان الفلسطينيين بحمله. ولم يستطيعوا الوصول إلى المستشفى، لذا تركوه في منـزل يقع في حي الدمج بالمخيم. ولم يتمكن من تلقي علاج طبي حتى 9 إبريل/نيسان عندما أمر جيش الدفاع الإسرائيلي سكان هذه 75?لمنطقة بإخلاء منازلهم.
ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ضد المعتقلين
خلال العمليات التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي في مخيم جنين للاجئين بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2002، أساء معاملة المئات من الرجال المعتقلين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و55 عاماً ومارس التعذيب ضدهم أحياناً.(7) وأعلن جيش الدفاع الإسرائيلي عن اعتقال 685 فلسطينياً في جنين بحلول 11 إبريل/نيسان. ويبدو أن الشرط الوحيد للاعتقال هو جنس المعتقل وجنسيته وعمره.(8) وقد فُصل الرجال عن النساء والأطفال والرجال الذين تتجاوز أعمارهم 55 عاماً. وجُردوا من ملابسهم باستثناء الداخلية منها، وعُصبت أعينهم ورُبطت أيديهم بأصفاد بلاستيكية. وتكررت أنباء إساءة المعاملة وقال البعض إنهم تعرضوا للضرب، وتوفي أحد المعتقلين نتيجة عمليات الضرب هذه.
ونُقل المعتقلون من مخيم اللاجئين واقتيدوا أولاً إلى بـير سعادة حيث احتُجزوا بين يومين وخمسة أيام. وخلال هذه الفترة أُسيئت معاملتهم : وقال المعتقلون السابقون الذين أُجريت مقابلات معهم إنهم أجبروا على جلوس القرفصاء مطأطئي الرأس فترات طويلة من الوقت؛ وكانت أيديهم لا تزال مقيدة خلف ظهورهم بأصفاد بلاستيكية وأعينهم معصوبة. وطوال فترة الأربع والعشرين الساعة الأولى لم يُقدم إليهم أي طعام، كما ورد، ولم يتم توزيع الماء عليهم بصورة منتظمة (ذكر بعضهم أنه تلقى بعض الماء، بينما لم يتلق آخرون أي ماء على الإطلاق). وقال معظمهم إنه لم يُزوَّد ببطانيات رغم برودة الطقس ليلاً وكان الدخول إلى المراحيض محدوداً أو معدوماً (أو سُمح بالدخول في ظروف صعبة أو مهينة). ونُقل المعتقلون من بيـر سعادة إلى معتقل سالم؛ وأفرج عن معظمهم بعد قضاء ما بين 3 أيام و11 يوماً في المعتقل.
وفي نهاية فترة اعتقالهم، جرى استجواب المعتقلين لفترات تتراوح بين 15 و60 دقيقة. وأشار بعضهم إلى أنه طُرحت عليه أسئلة أساسية؛ وأشار آخرون إلى أنهم سئلوا أسئلة تتعلق بالنشاط السياسي أو المسلح في مخيم اللاجئين أو عن آرائهم السياسية. ثم نُقل بعض المعتقلين إلى مراكز اعتقال أخرى، أحياناً إلى مراكز اعتقال سرية؛ وأُطلق سراح بعضهم فيما بعد، وصدرت أوامر اعتقال إداري بحق بعضهم الآخر أو احتُجزوا بانتظار محاكمتهم أمام محكمة عسكرية. وجرى تصوير كل معتقل أُطلق سراحه في ختام المقابلة، عادة مرتين. وأُعطيت صورة للمعتقل دُوِّن عليها رقم بطاقته الشخصية واحتفظت السلطات بالصورة الأخرى. وبالنسبة للبعض أصبحت الصورة الآن مصدر الإثبات الوحيد لهويتهم.(9)
وأُفرج عن المعتقلين على بعد عدة كيلومترات من قرية واحدة من ثلاث قرى تقع حول معتقل سالم، هي عادة قرية رمانة. وأُجبروا على السير على الأقدام إلى البلدة؛ وغالباً ما كانوا لا يزالون مجردين من ملابسهم ومعظمهم من دون أحذية. وأُمروا بالبقاء في القرية. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع عدة معتقلين لدى الإفراج عنهم. وتم إيواؤهم في مساكن مؤقتة في المباني العامة (في قرية رمانة، حيث حولت إحدى المدارس إلى ملجأ مؤقت)؛ واستضافت العائلات بعضهم الآخر. وبما أن الحصار كان لا يزال مستمراً، لم يدر معظمهم ما حل بعائلاتهم التي بقيت في المخيم أو بممتلكاتهم. ولم يعودوا إلى جنين إلا بعد 17 إبريل/نيسان 2002، عقب الانسحاب المؤقت لجيش الدفاع الإسرائيلي من مخيم اللاجئين.
أمير محمد عبد الكريم
قُبض على عامر عبد الكريم، 24 عاماً، في مخيم جنين للاجئين في 9 إبريل/نيسان 2002. وأبلغ منظمة العفو الدولية كيف أن جميع الذين كانوا يحتمون داخل منـزل معه خرجوا عندما رأوا أن المنازل حولهم تُهدم بالجرافات :
"كان هناك 60 شخصاً في المبنى ذاته، وكانت هناك ثلاث نساء وطفل مولود حديثاً وحوالي سبعة أطفال وخمسة رجال مسنين تقريباً … وبدأ القصف مجدداً وجرى هدم المنـزل المتاخم بالجرافة. وقرر سكان المنـزل مغادرته عوضاً عن مواجهة الجرافة. وعندما غادروا، أعطوا إشارة الاستسلام. وأمرهم جيش الدفاع الإسرائيلي بالجلوس على الأرض ووضع أيديهم خلف ظهورهم؛ ورُبطت أيديهم بأصفاد بلاستيكية. وفُصل الرجال عن النساء واقتيدوا كل عشرة على حدة وأمروا بخلع ملابسهم ما عدا الداخلية منها. ثم أُمروا بأن يسيروا في موكب دائري. ولم تُعصب أعيننا. ثم مشينا مسافة 20 متراً تقريباً وبعد ذلك فصلونا بعضنا عن بعض. وعندما كنا نسير رأيت امرأة جريحة لديها ساق واحدة فقط. وطلبنا من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي مساعدتها وإحضار سيارة إسعاف. فرفضوا وقالوا لا تقلقوا. وفي ذلك الوقت، سمعت إطلاق نار من جهة اليسار، دام حوالي 10 دقائق. وخلال هذه الفترة، كان الجنود الإسرائيليون يستخدمون الناس دروعاً بشرية. وكانوا يجبروننا على السير أمامهم، وكانوا يضعون بنادقهم أحياناً على أكتافنا. وفي أحيان أخرى كانوا يتبادلون إطلاق النار ويطلقون النار من أكتاف الأشخاص. وبعد زهاء 10 دقائق، عصبوا أعيننا ثم اقتادونا إلى ساحة كبيرة. وحاولت نزع عصابة عيني لأرى ما إذا كان أصدقائي معي. وسألت عن المرأة الجريحة، فقيل لي إنها تُركت هناك. ثم ربطونا معاً بواسطة الأيدي في مجموعات تضم كل منها خمسة أشخاص. وبعد ذلك مشينا لمدة 30 دقيقة تقريباً … ثم أُمرنا بالجلوس على الأرض مدة خمس دقائق تقريباً. وسمعت جندياً يقول ضعوا 20 في أربعة طوابير. وكان أمامنا دبابة وخلفنا دبابة، لقد سمعت صوتهما. وأصبحنا الآن في ساعة متأخرة من الليل. وجُمعنا في منطقة واحدة وجلسنا في صف. وحاولت نزع عصابة عينيَّ بساقي. وكنت قلقاً من أن تدهسني دبابة … وبدؤوا بضربنا على أجسامنا وصدورنا بأعقاب البنادق … وبعد الضرب، أمرنا بالجلوس ورؤوسنا على ركبنا وأذرعنا خلف ظهرنا. وجمعونا كلنا في باحة كبيرة تقع بالقرب من بيـر سعادة الواقعة بالقرب من موقع جنين المتقدم. وجُمعنا كلنا هناك ونحن نرتدي ملابسنا الداخلية. وكان الجو بارداً. وعندما طلبنا بطانيات، انهالوا علينا بالضرب. ولم يقدم لنا الماء. ومكثنا هناك من منتصف الليل تقريباً وحتى حوالي العاشرة من صباح اليوم ال?الي.
"ثم نقلونا إلى سالم على متن حافلة أو ما يشبه الشاحنة المزودة بكراسي. وأُنزلنا من الحافلة واحداً تلو الآخر وسألونا عن بطاقاتنا الشخصية وأسمائنا. وبدؤوا عندها بجمع المعلومات - الأسماء والبيانات الشخصية. وسأل أحد الجنود ما إذا كان أحد يتكلم العبرية. فرفعت يدي. وأزالوا عصابة عينيَّ. وأعطيت جالوناً من الماء تقريباً كان حاراً وأمروني بأن أقدمه للعطشى. وكان هناك زهاء 31 رجلاً. وبما أنني أعرف العبرية، طُلب مني أن أُبلغ الجنود أن بعض الأشخاص مصابون بجروح. فقال لي الجنود إنهم سيعالجون هذا الأمر فيما بعد. ونفد الماء قبل أن يحصل الجميع على شربة ماء. وقال لي أحد الجنود بأن أُبلغ الآخرين بأنكم ‘أنتم المقاتلون لا تستحقون العيش – ويجب أن تموتوا’. فقلت له ‘لقد جئنا إليكم للاستسلام، ونحن أناس عاديون’. وكان الجو حاراً جداً وحاول بعضهم الاستلقاء على الأرض لكن الجنود أمرونا بأن نضع رؤوسنا بين أرجلنا. وكان هناك رجل يناهز عمره 68 عاماً لم يُنفِّذ الأمر، لذا ضربه الجنود بأعقاب بنادقهم ونعالهم. وظللنا جالسين القرفصاء اعتباراً من الساعة العاشرة مساء تقريباً وحتى منتصف الليل ولم نحصل على استراحة. وفقط عندما كنت أصب الماء سُمح لي بأن أكون في وضعية مختلفة. وبقينا في سالم من ليل الثلاثاء وحتى ليل الأربعاء. وكان معنا رجل مصاب بداء السكر، لكن لم تُقدم له أية مساعدة طبية خلال هذه الفترة. وأُفرج عني في محطة وقود (بنـزين). وكنت لا أزال معصوب العينين لكن يديَّ كانتا مكبلتين من الأمام. وعندما غادرت الحافلة، أُمرت بعدم العودة إلى جنين أو إلى المخيم".
محمد وحسني أحمد عامر
اعتقل جيش الدفاع الإسرائيلي يوم الأحد في 7 إبريل/نيسان شقيقين هما محمد وحسني أحمد عامر. ووصف محمد عامر كيف تعرض حسني، الذي أُجبر على المشاركة في عملية لجيش الدفاع الإسرائيلي، للضرب المبرح، ونُقل من معتقل سالم في سيارة إسعاف في فترة لاحقة من ذلك اليوم. وفي الوقت الذي أجرت منظمة العفو الدولية مقابلة معه كان في يبحث عن معلومات حول مصير شقيقه. وبعد قرابة الشهرين، أُبلغ محمد عامر بأن شقيقه حسني قد توفي.
وقال محمد عامر لمنظمة العفو الدولية :
"كنت في منـزل والدتي في منطقة جورة الذهب بالمخيم في صباح السابع من إبريل/نيسان. وكان يوم أحد وكانت الساعة تشير تقريباً إلى الثامنة صباحاً. وكنت مع ابني، وشقيق آخر ووالدتي. فسمعت الباب يُقرع. وفتحنا الباب، فكان القارع شقيقي حسني مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي. وأمرنا الجنود بمغادرة المنـزل ودخل إليه قرابة 20-25 جندياً. وكنا على الشرفة. ومكثوا في المنـزل زهاء الخمس دقائق. واعتقلوا ابني عامر وتركوا والدتي وشقيقي الآخر ماهر (المُقعد). واقتادوني أنا وشقيقي حسني وأدخلونا إلى منـزل حسني الذي يقع على مسافة قريبة جداً.
"وعندما وصلنا إلى منـزل حسني، دخلنا ونزلنا إلى الدور السفلي. وعندما وصلنا إليه، شاهد الجنود صوراً عديدة على جدران الدور السفلي، وقال أحد الضباط لنا ‘هذه خرائط لإرشاد المقاتلين إلى الطرقات.’ فأجبنا كلانا وقلنا لهم إن هذه مجرد رسومات للأطفال. وعندما أبلغهم شقيقي أن هذه رسومات أطفاله، قيدوا يديه خلف ظهره برباط من البلاستيك وأجبروه على الجلوس. ولم يمسوني. وكنت واقفاً قرب شقيقي في حينه.
"وبدؤوا بضرب شقيقي على كتفه ومؤخرته بنوع من الهراوات. واستمروا في ضربه طوال نصف ساعة تقريباً. وظل الجندي يقول له ‘عليك القول إن هذه خرائط المتشددين’. وأخذ شقيقي يصرخ برهة. لكن بعد فترة من الوقت أصبح وجهه شاحباً. وظل يقول لهم إن هذه مجرد رسومات رسمها أطفاله. وقال للجنود ‘أستطيع أن أحضر أولادي حتى يخبروكم.’
"ثم بدأ شقيقي يشكو من ألم في بطنه وطلب من الجنود شربة الماء. فلم يعطوه ماءً. وانهالوا عليه بالضرب أربع أو خمس مرات تقريباً، وبين كل عملية ضرب وأخرى، كانوا يسألونه عن الرسومات.
"وعندما انتهوا من ضرب شقيقي، قالوا لي : ‘حسناً الآن جاء دورك’. فقلت لهم بالعبرية إنني مريض وعند مشكلة في القلب. وتركوني زهاء خمس دقائق وعندما عادوا قالوا، ‘حسناً يمكنك الذهاب إلى الغرفة الأخرى’. وكانت بجانب الغرفة التي كنت فيها مع شقيقي. وعندما ذهبت إلى الغرفة الأخرى، أُمرت بأن أجلس على الأرض. وتُرك الباب مفتوحاً. وكنت أرى شقيقي. وأمضيت قرابة النصف ساعة في هذه الغرفة. وبعد ذلك، اقتادوني أنا وشقيقي إلى خارج المنـزل. وكان شقيقي يتكئ علي. واقتادنا جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مدخل المخيم. ومشينا مسافة 200-250 متراً تقريباً. وعندما وصلنا إلى داخل المخيم، كبلوا أيدينا بأربطة بلاستيكية وعصبوا أعيننا. وأُمرنا بالجلوس. وأبقونا هناك نحو الساعة أو الساعتين، لست متأكداً.
"وظل شقيقي يشكوا من الألم. وفي البداية أخذونا إلى بيـر سعادة. وأصبح شقيقي يصرخ الآن من شدة الألم. وكرر القول إنه مصاب. وعندما وصلنا إلى بيـر سعادة، فصلوني عن شقيقي. وفي لحظة ما طلبت الذهاب إلى الحمام، فأخذني جندي إليه. وسمح لي بأن أنزع عصابة عيني. وعندما عدت جلست في مكان آخر تحت شجرة. وسُمح لي بأن أبقى بدون عصابة العينين. وسمعت شقيقي يطلب ماء ويشكو من الألم الذي يشعر به في بطنه. وبعد هنيهة، أمرني الجندي بأن أعيد وضع عصابة عينيَّ. وخلال الوقت الذي أُزيلت فيه عصابة عينيَّ، كنت أرى شقيقي عند أسفل التل. ولم يعطوه أي ماء أو يقدموا له أي مساعدة طبية. وأبقونا هناك ما يقرب من الست ساعات.
"ثم وضعونا في ناقلة جند مدرعة واقتادونا إلى معتقل سالم. وأدركنا أننا في سالم عندما سمعنا الآذان. وعندما وصلنا إلى سالم، أمرونا بأن نجلس على الحصى. وخلال وجودي في المعتقل، اقتادوني للاستجواب وسألوني بضعة أسئلة. وسألوني عما إذا كنت أود أن أعمل معهم وقالوا لي إنه إذا وافقت سيستصدرون إذن عمل لي داخل إسرائيل. فرفضت. واستجوبوني لمدة 10-15 دقيقة تقريباً. ثم التقطوا صورة لي واحتفظوا بها. وسمعتهم يقولون لبعضهم بعضاً بالعبرية يُمكنك إطلاق سراحه.’ وأعادوا تكبيل يديَّ ووضع عصابة عينيَّ.
"وبعد الاستجواب، عدت إلى الأرض المفروشة بالحصى ووُضعت إلى جانب شقيقي. وأعطاني جندي بطاقته. وكان يئن بصوت مرتفع جداً في هذه اللحظة وبدا أنه يعاني من مشاكل في التنفس. وبدأ السجناء الآخرون بالصراخ قائلين أنه ينازع. وسمعت الجنود وهم يحاولون تقديم بعض المساعدة الطبية له، ثم سمعت أحدهم يستدعي سيارة إسعاف. وكنت ما أزال قادراً على أن أرى قليلاً من أسفل العصابة وشاهدتهم يأخذون شقيقي. وكانت الساعة تقارب السابعة والنصف مساءً. وبقيت هناك ليلة واحدة. وفي صباح اليوم التالي، أطلقوا سراحي. ولم أر شقيقي مرة أخرى."
وأجرت العائلة، فضلاً عن المنظمات المحلية لحقوق الإنسان، ومن ضمنها هاموكيد، استفسارات متكررة تتعلق بحسني عامر. فقال لهم جيش الدفاع الإسرائيلي إنه لا يوجد سجل لاعتقاله أو لمعالجته في المستشفى. وفي 1 يونيو/حزيران، بعد قرابة الشهرين من اعتقاله، أبلغ مكتب التنسيق في المقاطعة (مركز التنسيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية) عائلة حسني عامر أن جثمانه محتجز في مركز أبو كبير للتشريح الطبي. وفي 6 يونيو/حزيران، منعت المحكمة العليا الإسرائيلية التي استجابت لالتماس قدمته العائلة، إجراء المزيد من الفحص للجثة. وفي 13 يونيو/حزيران، استُدعي محمد عامر إلى أبو كبير للتعرف على الجثة. وطلبت العائلة إجراء فحص جنائي مستقل لتحديد سبب الوفاة.
الحصول على الإمدادات الضرورية
أبلغ سكان بلدة جنين ومخيمها مندوبي منظمة العفو الدولية بمخاوفهم المتزايدة إزاء تناقص مخزون الطعام والماء. وشهد المندوبون الذين كانوا في البلدة بين 15 و17 إبريل/نيسان معاناة العائلات التي أمضت الأسبوعين السابقين حبيسة في منازلها، مع انقطاع الماء والكهرباء طوال معظم الفترة.
وقُطع التيار الكهربائي عن المدينة في 3 إبريل/نيسان 2002؛ وفي معظم الأماكن أُعيد التيار خلال أربعة إلى عشرة أيام، لكن بحسب ما قالته الأونروا، لم يعد التيار الكهربائي ولو بشكل جزئي إلى الجزء الأسفل من مخيم اللاجئين إلا حتى 25 إبريل/نيسان. وفي مقابلة مع منظمة العفو الدولية، قدم رئيس مصلحة الكهرباء في بلدية مدينة جنين سجلاً تفصيلاً لفترات انقطاع التيار، فضلاً عن تقرير حول تقييم الأضرار أعده المهندسون. وبرأيه جرى استهداف عدد من وحدات التغذية الرئيسية، وتعرضت فرق الصيانة لنيران أسلحة جيش الدفاع الإسرائيلي عندما حاولات إصلاح الكبلات المعطلة.
كذلك قطع جيش الدفاع الإسرائيلي إمدادات المياه، إضافة إلى الأضرار التي ألحقتها نيران الجيش المذكور بالعديد من خزانات المياه الموجودة على أسطح المنازل؛ وفي بعض الأماكن لم تتم إعادة إمدادات المياه لمدة 20 يوماً. وأبلغ مدير قطاع المياه في مدينة جنين مندوبي منظمة العفو الدولية أن المضخات معطلة في إحدى محطات الضخ التي تزود مدينة جنين والقرى الغربية بالمياه؛ وقد لحقت بالشبكة أضرار واسعة وقطعت الجرافات عمداً "الخطوط الرئيسية الممتدة من الخزانات أو محطات الضخ أو أُصيبت بصورة غير مباشرة بنيران الدبابات الثقيلة. وأُصيبت سبع من أصل 11 مضخة تعزيز (تساعد على وصول المياه إلى الأماكن المرتفعة) أو دُمرت بنيران المدافع الرشاشة الثقيلة أو الدبابات. أما الأضرار التي لحقت بالشبكة داخل المخيم، فليست قابلة للإصلاح." وفي 5 إبريل/نيسان، احتل جيش الدفاع الإسرائيلي إحدى محطات الضخ وطرد مشغلها لمدة أربعة أيام. وظل سكان المخيم وأولئك الذين يعيشون في المناطق العليا من البلدة من دون مياه مدة تصل إلى ثلاثة أسابيع؛ وتشير الأونروا إلى أنه لم يتم إصلاح نقاط المياه الموصولة بالمخيم حتى 28 إبريل/نيسان.
وأبلغ رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي مندوبي منظمة العفو الدولية أنه ليس هنا سياسة لقطع الكهرباء أو الماء وقال إن الفلسطينيين استخدموا أنابيب المياه لصنع القنابل. لكن بين مارس/آذار ومايو/أيار 2002، عاين مندوبو منظمة العفو الدولية أجهزة التغذية الكهربائية وأنابيب المياه المتضررة في العديد من المدن ومخيمات اللاجئين الفلسطينية وخلصوا إلى أن الضرر الذي لحق بالأسلاك الكهربائية وأنابيب المياه كان متعمداً وواسع النطاق.
وجعل حظر التجول الطويل من المستحيل على الموجودين في مدينة جنين أو في مخيم اللاجئين الحصول على إمدادات بديلة للمياه، إلا خلال فترة رفع حظر التجول. ولم تستطع هيئات الإغاثة الإنسانية تقديم المياه أو الإمدادات الطبية أو الغذائية حتى 17 إبريل/نيسان 2002. وكان لدى معظم المنازل احتياطي من الطعام؛ إذ إن السكان عانوا من عمليات التوغل وفترات حظر التجول السابقة وكدسوا مؤن الأرز والعدس والبقول فضلاً عن تخزين الماء في قناني أو دلاء داخل منازلهم. ولم يتوفر الحليب والماء والطعام الطازج. وأشارت المستشفيات إلى ست حالات داخل مخيم جنين لأطفال أُصيبوا بمضاعفات ناتجة عن شرب المياه المبتذلة. وكان لدى المستشفيات مولداتها الكهربائية الخاصة، لكن خدماتها تأثرت بالنقص الحاصل في المياه والطعام؛ وطوال أيام عاش المرضى والموظفون في مستشفى مدينة جنين على البسكويت بصورة رئيسية.
منع وصول الإغاثة الطبية والإنسانية
مُنعت هيئات الإغاثة الطبية من الدخول إلى مخيم جنين للاجئين طوال 11 يوماً تقريباً، اعتباراً من الساعة 12 من ظهر 4 إبريل/نيسان وحتى 15 إبريل/نيسان 2002. وإضافة إلى ذلك، أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي النار على سيارات الإسعاف (10) أو أطلق طلقات تحذيرية حولها. وتعرض سائقو سيارات الإسعاف للمضايقة أو الاعتقال. وفي هذه الأثناء ظل القتلى الذين سقطوا في مخيم جنين للاجئين في الشوارع أو المنازل طوال أيام. وبقي الجرحى ممددين على الأرض من دون رعاية أو جرت معالجتهم في المنازل. وفي عدة حالات، ورد أن أشخاصاً توفوا في ظروف قد يكون الحرمان من الرعايا الطبية أدى إلى الوفاة أو عجَّل بحدوثها. وتبين العديد من الشهادات أن العائلات كانت تستميت ف0? إجراء المكالمات الهاتفية طلباً للمساعدة من دون جدوى واضطرت للبقاء وحدها مع أقاربها الذين يصارعون الموت أو الذين فارقوا الحياة. وتبين حالات عديدة لفلسطينيين قتلهم جيش الدفاع الإسرائيلي صعوبة أو استحالة الحصول على الرعاية الطبية أو سيارة إسعاف لنقل الموتى؛ ونصف أدناه ثلاث حالات كهذه – تتعلق بعطية أبو إرميلة ونايف قاسم عبد الجابر وعميد عزمي أبو حسان فايد. وفي حالتين أجرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً فيهما، سيترتب على تأخير الحصول على العلاج الطبي عواقب طبية طويلة الأجل بالنسبة للمرضى.
وقال أفراد الجسم الطبي إنه طوال الساعات الثلاثين الأولى للتوغل، ابتداءً من الساعات الأولى من صباح 3 إبريل/نيسان وحتى ظهر 4 إبريل/نيسان 2002، لم تتمكن سيارات الإسعاف من التنقل. وخلال هذه الفترة، أحضرت سيارات الإسعاف خمس جثث وحوالي 45 جريحاً إلى مستشفى مدينة جنين. وكان من ضمن الفلسطينيين الأوائل الذين قُتلوا ممرضة عمرها 27 عاماً تدعى فدوى فتحي عبد الله جمال وكانت ترتدي زيها الرسمي، حيث أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي النار عليها بينما كان تسير في ساعة مبكرة من صباح 3 إبريل/نيسان مع شقيقتها، وهي ممرضة أيضاً، إلى مركز طبي يقع في المخيم.
واعتباراً من الساعة 12 من ظهر 4 إبريل/نيسان 2002، فرض جيش الدفاع الإسرائيلي حصاراً طبياً ومنع سيارات الإسعاف من دخول المخيم. وطوقت الدبابات مستشفى مدينة جنين واستُخدم المبنى المقابل للمستشفى كقاعدة للجيش المذكور. وحوصر جميع الذين كانوا في المستشفى عند ظهر 4 إبريل/نيسان بداخله : الزوار والموظفون والمرضى – حوالي 300 شخص : 100 من أفراد الجسم الطبي و105 من المرضى وأقربائهم. وعاشوا طوال أيام على البسكويت والشكولاته والماء بصورة أساسية. وفي 4 إبريل/نيسان مُنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تسليم الأوكسجين إلى المستشفى الذي بدأت مؤنه بالنفاد ، لكن سُمح بإدخال المؤن في اليوم التالي. كذلك سلَّمت اللجنة
الدولية للصليب الأحمر عقاقير ودم وطعام. وبحلول 5 إبريل/ نيسان ، تسلَّم المستشفى ست جثث (زادت إلى سبعة عندما توفي رجل جريح في اليوم التالي داخل المستشفى) ، ولم تكن مشرحة المستشفى تتسع لأكثر من جثة واحدة.وطُلب إذن من جيش الدفاع الإسرائيلي لدفن الجثث في بقعة صغيرة من الحديقة الواقعة خلف المستشفى ، فمُنح الإذن في 6 إبريل/ نيسان.
استقبل مركز جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني زهاء 200 لاجئ [فروا من مخيم جنين للاجئين]. وكانوا في معظمهم من النساء والأطفال. ولم يكن لدينا أي طعام أو مياه ولا فراش ليناموا عليه. وبسبب هذا الوضع الصعب، قرر في 9-10 إبريل/نيسان بعض الذين آويناهم هنا أن يحاولوا الذهاب إلى مدينة جنين. وعندما غادروا المركز، كان عليهم المرور عبر نقطة التفتيش ، لذا أرسلت سيارة إسعاف معهم . وعندما وصل الناس إلى نقطة التفتيش ، انضمت إليهم سيارة إسعاف أخرى من الجانب الآخر. وفي 10 إبريل/ نيسان قبض جيش الدفاع الإسرائيلي على أربعة من أطقم سيارتي الإسعاف –اثنان من كل سيارة.واحتُجزوا في معتقل سالم مدة يومين ، ثم أُطلق سراحهم في قرية مجاورة وأُمروا بعدم العودة إلى جنين لمدة ثلاثة أيام أخرى.
إبراهيم دبابنة ، رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في جنين.
|
dfl3 |
وفي 6 إبريل/ نيسان كانت سيارات الإسعاف لا تزال تُمنع من دخول مخيم جنين للاجئين. وفي 7 إبريل/ نيسان ، مُنعت سيارات لاند كروزر تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر تحمل مؤناً إلى مستشفى مدينة جنين من المرور؛ لكن المؤن نُقلت إلى سيارات إسعاف محلية وأُدخلت إلى المستشفى. وفي 8 إبريل/ نيسان بدا أن المفاوضات المتواصلة بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب التنسيق في المقاطعة والجيش أدّت إلى التوصل إلى اتفاق. وحاولت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني --- إرسال ثلاث فرق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى المخيَّم لنقل الجرحى.وجرى تفتيش سيارات الإسعاف مدة طويلة وأُجبر سائقوها على الاستلقاء على الأرض. وعند حوالي الساعة الخامسة مساءً قال جيش الدفاع الإسرائيلي إنه يمكن إدخال ثلاثة أشخاص؛ وينبغي على المستشفى أن يفحصهم من دون طرح أسئلة. ونُقل الرجال الجرحى إلى المستشفى وهم معصوبي الأعين. وبعد فحصهم ، قال الدكتور أبو غالي مدير المستشفى إنهم جميعاً بحاجة إلى علاج عاجل في المستشفى. لكن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يسمح إلا لمريض واحد بالدخول إلى المستشفى.
ودامت هذه العملية بأكملها والتفاوض مع جيش الدفاع الإسرائيلي واللجنة الدولية للصليب الأحمر من الساعة 8 صباحاً وحتى 11 ليلاً – وفي نهاية اليوم "لم يُدخَل إلى المستشفى إلا جريح واحد" على حد قول الدكتور أبو غالي.
وبين 9 و14 إبريل/ نيسان ، كان هناك انتظار يوماً بعد يوم خارج مخيم جنين ، حيث كانت تقف خمس سيارات إسعاف وأطباء تابعون للجنة الدولية للصليب الأحمر وحوالي ست سيارات إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تنتظر دون جدوى بأن يسمح لها جيش الدفاع الإسرائيلي بدخول المخيم لإخلاء القتلى والجرحى.
حاولنا في هذه المرحلة إيجاد طرق بديلة إلى المخيّم ، لكن لسوء الحظ كانت جميع الطرقات إما مسدودة أو غير صالحة للمرور. عندئذٍ خلصنا إلى أن جيش الدفاع الإسرائيلي قد سدّ المخيم بالكامل. وعند تقاطع الطريق المؤدي إلى مستشفى مدينة جنين، أقام جيش الدفاع الإسرائيلي نقطة تفتيش عسكرية منعت أيضاً حركتنا من وإلى مدينة جنين. وفي كل مرة كنا نمر فيها ، كان جيش الدفاع الإسرائيلي يجبرنا على خلع قمصاننا ثم يقوم بتفتيش السيارات. وكان ذلك يستغرق أحياناً فترة طويلة جداً من الزمن، ولذا في عدد من الحالات كنا عندما نصل في النهاية إلى المكان الذي دُعينا للحضور إليه ، يكون الشخص المصاب إما قد نُقل أو أحياناً قد فارق الحياة نتيجة الانتظار". إبراهيم دبابنة ، رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في جنين |
وعشية 11 إبريل/ نيسان كان وفد عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والدكتور أبو غالي ، مدير المستشفى يجلسون في مكتب الدكتور أبو غالي الواقع في الدور الأعلى من المستشفى عندما اخترقت رصاصتا قنص النافذة وأصابت السقف. فاتصلوا بقائد جيش الدفاع الإسرائيلي في المنطقة الذي ورد أنه اعتذر قائلاً إن أحد قناصة الجيش المذكور ارتكب خطا.
وفي 14 إبريل/ نيسان ، بعد ثلاثة أيام من انتهاء القتال ، ظلَّ مخيم جنين معزولاً عن العالم الخارجي. وقد مضت تسعة أيام على إخراج آخر جثة من المخيم . ولم يصل إلى المستشفى إلا جرحى المخيم الذين استطاعوا أن يعضُّوا على جراحهم ويتوجهون إليها.
وفي هذه الأثناء قُدِّم عدد من الالتماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وفي 8 إبريل/ نيسان ، ذكرت المحكمة في معرض تعليقها على التماس طعن في إقدام الجيش الإسرائيلي على "حرمان المرضى والجرحى في جنين ونابلس من العلاج الطبي؛ وحظر وصول المسعفين الطبيين ووسائل النقل إلى المناطق؛ والحرمان من الحق في دفن الموتى بطريقة مشرِّفة :
"رغم أنه ليس ممكناً تناول الأحداث المحددة الواردة في الالتماس والتي تبدو في ظاهرها قاسية، إلا أنه علينا أن نشدِّد على أن قواتنا المقاتلة ملزمة بتطبيق القواعد الإنسانية التي تشير إلى معاملة الجرحى في المستشفيات وجثث الموتى.وإن الاستخدام الخاطئ للفرق الطبية والمستشفيات وسيارات الإسعاف يجبر جيش الدفاع الإسرائيلي على العمل على منع مثل هذا النشاط؛ لكن هذا بحد ذاته لا يجيز ارتكاب انتهاكات واسعة للقواعد الإنسانية. وفي الحقيقة هذا هو أيضاً الموقف المعلن للدولة. وهذا الموقف لا يقتضيه القانون الدولي فقط ، والذي يستند إليه مقدمو الالتماس ، بل تقتضيه أيضاً قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية".()
وفي 14 إبريل/ نيسان ، استمعت محكمة العدل العليا إلى ثلاثة التماسات ، بما فيها المطالبة بدخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى المخيم لنقل الجثث. وقدمها عضوا الكنيست محمد بركة وأحمد الطيبي ، ومنظمتا حقوق الإنسان عدالة والقانون.وذكر ممثل النائب العام في البداية أن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه السماح للمنظمات الإنسانية بدخول المنطقة لأن بعض الجثث قد تكون مفخخة بالقنابل ؛ ثم وافق على السماح بدخولهم. ورفضت المحكمة الالتماسات ، لكنها أمرت بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بمرافقة الجيش الإسرائيلي ومساعدته في تحديد مواقع الجثث والسماح لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالانضمام إليهما.
وبعد صدور قرار المحكمة العليا وللمرة الأولى منذ 11 يوماً ، سُمح لسيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالدخول إلى المخيم. وانطلقت عند تمام الساعة 6.30 من صباح 15 إبريل ، لكن جرى تأخيرها بسبب عمليات التفتيش الروتينية التي يقوم بها جيش الدفاع الإسرائيلي. وأُمرت إحدى الفرق بالبقاء مع وحدة المرافقة التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي؛ ويبدو أن الجيش قيَّد حركتها ولم تعثر على أية جثث.ورافق الدكتور أبو غالي سيارة الإسعاف الأخرى ووصف المشهد :
" ذهبت وبحوزتي آلة تصوير فيديو صغيرة وشاهدت أولاً جثة واحدة. ثم شاهدت جثة ثانية. وكانت الجثة الثالثة التي رأيتها لامرأة عمرها 59 عاماً، موجودة على مسافة مترين من أحد الأبواب ، وقد أُصيبت في صدرها ورأسها، وكانت جثتها متحللة". وهكذا قال جيش الدفاع الإسرائيلي : ‘هذا كل شيء . وفي وسط المخيم ليس هناك أحياء.’ وتابعت طريقي . وفي غرفة بأحد المنازل ، عثرت على رجل عمره 85 عاماً كان بمفرده وليس لديه ماء وقد أصيب بالجفاف. وقلت ‘يجب أن أذهب إلى مسافة أبعد لأرى’. فقال جيش الدفاع الإسرائيلي : ‘هذه المنطقة الوحيدة التي طهَّرها جيش الدفاع الإسرائيلي " ، فإذا ذهبت إلى أبعد من ذلك فلا نضمن سلامتك’. فسرت مسافة 35 متراً في المنطقة التي لم يتم تطهيرها وعثرت على 10 جثث. وكان خمس منها في منزل واحد؛ ولم نستطع نقلها ، وطلبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من جيش الدفاع الإسرائيلي جلبها. وشاهدتُ أناساً كثيرين ينظرون خائفين من نوافذ منازلهم وأبوابها فقلت لهم ‘سأجلب الطعام لكم. هل لديكم ما تأكلونه؟’ فقالوا ‘لا شيء لدينا’. فطلبت بأن يُسمح لي بجلب الطعام والأدوية للناجين ، فقال جيش الدفاع الإسرائيلي : "لديك ساعتان في المخيم ".
وخلال الساعتين اللتين سمح بهما جيش الدفاع الإسرائيلي في المخيم في 15 إبريل/ نيسان ، استطاعت الفرق الطبية والإنسانية الفلسطينية والدولية توزيع بعض الطعام والماء والحليب في المخيم. وفي 16 إبريل/ نيسان سمح الجيش المذكور للجنة الدولية للصليب الأحمر ولموظفي الأونروا بدخول المخيم . وذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في موجزها اليومي : يبدو جزءاً من المخيم وكأن زلزالاً ضربه… والمدنيون في المخيم واقعون تحت تأثير الصدمة ويشيرون إلى الحاجة الملحة إلى الأدوية والماء والطعام".
وفي 16 إبريل/ نيسان ، كان هناك 15 جثة في مستشفى مدينة جنين-وقد جُلبت جثة أخرى خلال اليوم . وأمر بيان المحكمة العليا اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجيش الإسرائيلي بالتعرف على الجثث وفق مقتضيات القانون الإنساني الدولي . لكن مدخل المستشفى كان لا يزال مسدوداً بنقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي تحرسها الدبابات. وطلب الدكتور أبو غالي من جيش الدفاع الإسرائيلي السماح للبروفيسور دريك باوندر ، الذي أوفدته منظمة العفو الدولية ، بالدخول إلى المستشفى لإجراء عمليات تشريح للجثث ، لكن طبيباً تابعاً لجيش الدفاع الإسرائيلي كان متمركزاً عند نقطة التفتيش قال للبروفيسور باوندر : "إذا كنت طبيباً تعالج الناس ، فنسمح لك بالدخول ، لكننا لسنا مهتمين بطبيب شرعي" .
وفي 16 إبريل/ نيسان ، اتصل البروفيسور باوندر بالمقر الرئيسي لمنظمة العفو الدولية في لندن قائلاً :
"لا يوجد خبراء في الطب الشرعي (خبراء جنائيين) في جنين ولا يوجد أحد في المستشفى لديه أي تدريب في الطب الشرعي. وبموجب القانون الإنساني الدولي ، ثمة شرط يقتضي فحص الجثث المتحللة للحصول على أدلة حول سبب الوفاة. ويهدف هذا إلى توضيح ملابسات الوفاة وكذلك يساعد في التعرف على الجثة. وتحديد الهوية ضروري حتى يتسنى للعائلة أن تتعرف على جثة قريبها وتدفنه ولإجراء عملية التوثيق. وكلما تحللت الجثة أكثر كلما ضعف الدليل أكثر وقلَّت الحقائق الثابتة اللازمة للحصول على الأدلة."
ولكن لم يستطع البروفيسور باوندر الدخول إلى مستشفى مدينة جنين حيث أجرى عمليتي تشريح وثلاثة فحوص إلا في اليوم التالي بعدما وافق النائب العام الإسرائيلي إلياكيم روبنشتاين على وجوب السماح له بالدخول. وأُجريت الفحوص على ثلاث من الجثث الخمس التي عُثر عليها في منزل واحد وأحضرها في ذلك اليوم جيش الدفاع الإسرائيلي؛ وبدا أنهم جميعاً من المقاتلين. وبحسب ما قاله البروفيسور باوندر فإن نتائج التشريح "أثارت الشك"؛ وأُجريت عمليات التشريح لجثث تم التعرف على أصحابها لاحقاً وهم علي نائل سالم مقصقص ووضاح فتحي شلبي (أنظر أعلاه).
وناقش مندوبو منظمة العفو الدولية مع أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي مسألة عدم السماح بوصول المساعدات الطبية إلى جنين ونابلس وسواهما في مناسبات عديدة. ونفى رئيس مديرية الخطط والسياسة اللواء غيورا إيلاند ، أنه تم منع سيارات الإسعاف من الدخول إلى جنين لأكثر من يومين ، وأن هذا يعود فقط إلى رفض جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني السماح بتفتيش سيارات الإسعاف التابعة لها. وذكر عدداً من الحوادث التي قيل إن سيارات الإسعاف أُسيء استخدامها فيها لنقل الرجال الأصحَّاء والجثث لزيادة عدد القتلى المزعومين في المخيم أو لإدخال حزام ناسف.(12) وأقر بوجود صعوبات في تنسيق المعونة الطبية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأونروا."حصلت بعض المشاكل بسبب الأخطاء التي ارتكبناها ، ولم تكن بعض المشاكل الأخرى ضرورية. لكننا قدمنا الطعام والماء والعقاقير للفلسطينيين في جنين وحتى الكهرباء. وحاولنا إخلاء الفلسطينيين الجرحى."
رغم الملاحظات التي أبداها اللواء غيورا إيلاند ، فهناك أدلة قاطعة على منع وصول المساعدات الطبية والإنسانية إلى مخيم جنين طوال أكثر من 10 أيام.(13)
عطية حسن أبو إرميلة
قُتل عطية أبو رميلة ، 44 عاماً ، في 5 إبريل/ نيسان متأثراً بجرح أُصيب به في رأسه ناتج عن عيار ناري واحد أطلقه جيش الدفاع الإسرائيلي. وعندما أُصيب كان في منزله مع زوجته وأطفاله الثلاثة. وبحسب ما قالته عائلته ، لم يكن مشاركاً في القتال.(14) وتشكل هذه الحالة مثالاً على تقصير جيش الدفاع الإسرائيلي في التمييز بين المقاتلين وبين أولئك الذين لا يشاركون في القتال. كما يوضح تأثير رفض جيش الدفاع الإسرائيلي السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر أو جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بتسيير سيارات الإسعاف لنقل الجثث والاهتمام بالجرحى.
وقالت هالة زوجة عطية لمنظمة العفو الدولية :
"في الليلة التي سبقت مقتل عطية ، سقط على منزلنا العديد من القذائف ، لذا نمنا في المطبخ. وفي اليوم التالي ، وعند حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر ، أطلقت دبابة صاروخاً سقط بين منزلتا ومنزل جارنا. وفي فترة لاحقة من بعد ظهر ذلك اليوم ، بدأنا نحصي الأضرار التي لحقت بمنزلنا. وكان زوجي يزحف داخل البيت. ولم يكن للشرفة أية نوافذ وكانت تطل على الشارع. ويمكن منها رؤية الشارع بوضوح. وكنت أول من تنقل في المنزل وعدت وأبلغت زوجي أن النوافذ قد تحطمت. وفي البداية ، قال إنه سيذهب لتفحص الأضرار ، لكنني أقنعته بعدم التنقل. وانتقلنا إلى غرفة الجلوس في المنزل. وبعد برهة ، هدأ إطلاق النار قليلاً ، فقرر زوجي الذهاب لتفحص باقي أجزاء المنزل. فزحف إلى الغرفة التالية ، وهي غرفة الضيوف. وعندما وصل إليها ، وجد زجاجاً مكسوراً على الأرض ، لذا عاد إلى غرفة الجلوس لارتداء حذائه. وكانت الساعة تشير إلى حوالي 5.25 مساءً. وإذا كنت تتساءل كيف عرفت بهذه الدقة كم كانت الساعة ، فذلك لأننا كنا جالسين لا نفعل شيئاً ، وبالتالي كنت أنظر إلى ساعتي باستمرار.
"وكنت أرى الدبابات والجنود في الجهة المقابلة لمنزلي وكنت أسمع صوت المروحيات. وعندما عاد عطية إلى غرفة الاستقبال، مرت دقيقتان تقريباً ثم سمعته يقول :"يا هالة يا هالة، تعالي تعالي"وقبل أن يناديني مباشرة ، كنت قد سمعت صوت طلق ناري واحد. فأخذت أطفالي وهرعت إلى حيث يوجد زوجي. ودخلت الغرفة فوجدته واقفاً. وسألته "ما الحكاية، ما الحكاية؟"وكان يوشك أن يقول شيئاً لكنه لم يستطع. ثم رأيت الدم يسيل من فمه وأنفه. فركضت نحوه ، وكان يتحرك ببطء ثم هوى على الأرض. وعندما سقط على الأرض سألته أين أُصيب. وكنت أعتقد أنه أُصيب في صدره لأنني رأيت دماً على قميصه. وأخذ الأطفال بالصراخ. ولم ينبث عطية ببنت شفة. ونظر إلي مرة أخرى ثم اختلج. وشعرت أنه أسلم الروح عندها.
"وعدت إلى غرفة الجلوس مع أطفالي. ولا أذكر كيف فعلت ذلك. وكان أطفالي الثلاثة يمسكون بي ويبكون. وحاولت استدعاء سيارة إسعاف بواسطة الهاتف المحمول.وأخيراً استطعت تذكر رقم هاتف شقيقي واتصلت به وأبلغته أن عطية مصاب ورجوته بأن يطلب سيارة إسعاف. ولم أُبلغه بأنني أعتقد أن عطية قد مات. فقال لي إنه سيتصل وعليّ الصبر. وعندما كنت أنتظر أن يعاود الاتصال بي ، اتصل بي صهر (نسيب) عطية، فأخبرته بما حدث وطلبت منه استدعاء سيارة إسعاف. وبعد برهة اتصل بي مرة أخرى وقال إن سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول إلينا ، وطلب مني أن أحاول مساعدة عطية. عندئذ أبلغته بأنني أعتقد أن عطية قد مات. فقال لي إنني خائفة لا أكثر ورنما فقد وعيه. فأجبته "لا لقد مات".
"في هذه اللحظة ، أصبحت على قناعة من أن سيارة الإسعاف لن تستطيع الوصول إلينا ؛ وبدأت أصرخ طالبة المساعدة من الجيران. وبدأ الظلام يهبط. فكسرت نافذةً في إحدى الغرف قريبة من بيت أحد جيراننا وبدأت أصرخ طلباً للمساعدة. فرد عليّ أحد الجيران وطلب سُلَّماً. ولم يستطع أن يصل إليَّ بالسلَّم ، لذا حاولت القفز من الطابق الأول ، لكن الجيران بدؤوا يصيحون بي قائلين إنه عالٍ جداً. فعدت إلى الداخل. وأبلغني أطفالي بأنهم خائفون.واستطعت أن أُقنعهم بأن يخلدوا إلى النوم، ثم استخدمت الهاتف المحمول لمحاولة الاتصال بالناس لمساعدتي. وأصبح الظلام دامساً. ولم يكن لديَّ كهرباء. وكنت وحيدة. واتصل بي أشقَّائي وشقيقاتي، لكن بطارية هاتفي المحمول فرغت. وحاولت استخدام الهاتف المحمول كي أرى ما حولي عندما هبط الظلام. وفي هذه اللحظة تذكرت أن عطية ليس لديه بطانيات. فأحضرت له بعض البطانيات وغطيته بها. ثم رجعت وبقيت مع أطفالي. ولم يغمض لي جفن.
"وفي صباح اليوم التالي، قررت أن أحاول الاتصال بعائلة عطية. وحاولت القفز من الشرفة ، لكنني لم أفلح. فقد كانت عالية جداً. وعدت إلى غرفة الجلوس وسألت ابني محمد ، وهو في ربيعه السابع ، إذا كان يستطيع القفز إلى الأسفل. وربطت بعض مناديل الرأس الخاصة بي بعضها ببعض ولففتها حول خصره. وأنزلته إلى الأرض وطلبت منه أن يذهب إلى بيت جده ويبلغه أن عطية قُتل. فذهب محمد ووصل إلى دار جده وأبلغه هو وعمته بذلك. فتوجهوا برفقة والدة عطية إلى منزلي.
"وهذا أسبوع لن أنساه ما حييت. تصور شخصاً يعيش معك وتتحدث معه وهو الآن مجرد جثة هامدة. وظلَّ أولادي يتحدثون معه كما لو أنه ما زال حيَّاً. وكان ابني البالغ من العمر أربع سنوات يأتي إلى والده ويطلب منه أشياء-وكان يقول لوالده إنه يريد شراء الكعك والحليب. وعندما كان الأولاد يتقاتلون كانوا يذهبون إليه.
"ظلت جثة عطية معنا طوال سبعة أيام. وعندما علمت أن سيارة الإسعاف لن تأتي ، مسحت الدماء عن وجهه. وبقيت والدة عطية معنا ونامت إلى جانب جثته خلال الليل. وفي اليوم السابع ، عندما رُفع الخطر لمدة ساعتين ، أتت سيارة إسعاف ونقلت جثمانه.ودُفن في المقبرة الشرقية في جنين."
نايف قاسم عبد الجابر وعميد عزمي أبو حسن فايد
في 10 إبريل/ نيسان قُتل نايف عبد الجابر (19 عاماً) وعميد فايد (20 عاماً) بنيران مدفع رشاش أطلقتها مروحية على منطقة المرح في مدينة جنين، الواقعة خارج المخيم مباشرة. وقُبيل إطلاق النار، كان الشابان يزوران منزل صديقهما محمد شلبي (20 عاماً) مع صديق رابع هو رائد أحمد عزام (20 عاماً). وأُبلغ مندوبو منظمة العفو الدولية أن أياً من الشبان لم يكن عضواً في أية جماعة مسلحة ولم يكن هناك إطلاق نار من جانب الفلسطينيين المسلحين في حينه. ويُبين وصف عملية القتل تقاعس جيش الدفاع الإسرائيلي عن حماية السكان ويلقي الضوء على شبه استحالة حصول الجرحى على المساعدة الطبية فيما كان جيش الدفاع الإسرائيلي يمنع دخول سيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطينية.
ووصف محمد شلبي ما شاهده قائلاً :
"عند قرابة الساعة 2.30 من بعد ظهر 10 إبريل/ نيسان ، كنت بصحبة أصدقائي نايف وعميد ورائد. وقررنا مغادرة منزلي لأن نايف وعميد أرادا الذهاب إلى البيت. ومشينا في الشارع الكائن أمام منزلي مباشرةً، مسافة خمسة أمتار تقريباً وبدأنا نسمع إطلاق نار. وكان مصدره طائرة مروحية. واستمر إطلاق النار ما بين 5 و6 دقائق تقريباً. وعندما ظننت أن إطلاق النار توقف ، بدأت أنظر حولي، وشاهدت جاري يفتح باب منزله. وبدا مرتبكاً ومرتعباً وكان يتجه ببصره نحو المكان الذي كنا جميعنا واقفين فيه قبل أن يبدأ إطلاق النار …… ثم شاهدت عميداً ممدداً على بطنه. ورأيت الدماء تسيل من فمه وأذنيه. وخرج جاري وساعدني على حمله إلى بيت جار آخر. وكل ما قاله عميد هو، "أين هم؟" وبدأنا نصيح للناس كي يطلبوا سيارة إسعاف. ثم جاء والد عميد."
وقيل لعزمي أبو حسان فايد والد عميد إن فتاة صغيرة تدعى رينا حسن قد أُصيبت بجروح عندما سمع صراخ الناس وهم يرددون اسم ابنه. وركض باتجاه الصراخ ورأى عميداً وهو يرقد في بركة من الدم. وقال :
"عندما رأيت عميد لأول وهلة، كانت الدماء تسيل من فمه وأذنيه، وأُصيبت ساقاه بجروح. واتصل شقيقي غسان بطبيب وبشخص يعرفه من البلدية وطلب منهما إرسال سيارة إسعاف أو سيارة دفاع مدني أو سيارة بلدية. ولكن في كل حالة، كان يقال له إن ذلك مستحيل. فلا تستطيع سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى التنقل بأمان. وفي هذه اللحظة، كنت أسمع نبضات قلب عميد الضعيفة. وانتظرنا حوالي 10 أو 15 دقيقة. وحاولت أن أفعل شيئاً لابني، لكنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. وأحسست بذلك. وعندما أدركنا أنه لن تصل سيارات إسعاف أو سواها قررنا مع 6 أو 8 أشخاص آخرين حمل عميد ورينا إلى المستشفى سراً على الأقدام. ووضعناهما على بابين وحمله شقيقي وآخرون إلى مستشفى الرازي. وتلقيت مكالمة بعد ذلك بفترة وجيزة لإبلاغي أن عميد توفي وهو في طريقه إلى المستشفى.
"ابني مدني. وأردي بالرصاص في حي مدني. ولا يوجد متشددون في هذا الحي وحتى في المخيم. وكانت المعركة قد انتهت تقريباً. وقال الإسرائيليون إنهم لم يقتلوا مدنيين، لكن ابني كان مدنياً."
ووصف غسان أبو حسان البحث عن سيارة إسعاف مستخدماً جهاز هاتفه المحمول. ثم بعد الانتظار 10 دقائق؛
"أدركنا أن سيارات الإسعاف لا تستطع التنقل بحرية، لذا قررت أنا والجيران حمل عميد ورينا إلى المستشفى. ووجدنا بابين معدنيين ووضعت بعض الخشب على كل منهما ثم حملناهما متوجهين إلى مستشفى الرازي.
"وفي طريقنا إلى المستشفى، صادفنا دبابة في أحد الشوارع، ثم دبابة أخرى. ووجهت إحدى الدبابتين مدفعها نحونا. وعندما مررنا بالقرب من الدبابتين، رفعنا الجثمانين فوق رؤوسنا حتى يروا بأننا نحمل جرحى. وعندما وصلت إلى البيت كان عميد يتنفس ولكن عندما وصلنا إلى المستشفى، وضعت يدي على عنقه وكنت متيقناً أنه فارق الحياة.
"وما أن وصلنا إلى المستشفى حتى قيل لنا بأن نحترس من قناص متمركز مقابل المستشفى. وقيل لنا أن المستشفى بحاجة إلى أوكسجين، لكن عندما حاولوا الحصول عليه، أُطلقت النار عليهم. وأبلغني الأطباء في تلك اللحظة أن عميد قد مات، لكن ينبغي أن يحاولوا الحصول على الأوكسجين لإنقاذ رينا".
وفي هذه الأثناء كان قاسم عبد الجابر والد نايف ما زال يبحث عن ابنه، حيث أجرى مقابلات هاتفية مع أهالي الحي، دون أن يجرؤ على الخروج لأن الدبابات كانت خارج منـزله مباشرة. وفي النهاية خرج حوالي 4 أو 5 من الجيران وعثروا على نايف تحت سيارة وهو في الرمق الأخير. وكان والد نايف ما زال خائفاً من مغادرة منـزله، لكن زوجته أصرت. وقال قاسم عبد الجابر لمندوبي منظمة العفو الدولية :
"وصلنا إلى المكان الذين وجدوا ابني بقربه. ووضعوه على سُلَّم ووضعت وجهي قرب رأسه. وكان لا يزال يتنفس وكان على قيد الحياة. واتصلت بأحد أقربائي وهو طبيب يعمل في مستشفى الرازي وطلبت منه إرسال سيارة إسعاف أو بعض المعونة الطبية. فأبلغني بأنه لا يستطيع وأن بعض أطقم سيارات الإسعاف قد اعتُقلوا.
"عندئذ حاولنا رفع جسد عميد ونقلناه إلى منـزل آل شلبي. وكان معنا شخص لديه هاتف محمول فاتصل بسيارة إسعاف أخرى وبمستشفيات أخرى، لكن بطارية المحمول فرغت ولم يأت أحد. ورأيت أن ابني أُصيب في ساقه اليسرى وركبته اليمنى والجزء الأيمن من صدره والجانب الأيسر من عنقه. كذلك، كان مصاباً بجرح بليغ في الجانب الأيمن من صدغه. وفيما بعد أدركنا أنه أصيب أيضاً بجرح في مؤخر رأسه.
"حملنا جثمانه إلى الدور السفلي في المنـزل. وبقيت هناك مع ابني وزوجتي فقط. وانتظرنا ثماني أو تسع ساعات. وكنا خائفين من الخروج، لذا بقينا في الداخل. وأخيراً أتى الدفاع المدني عند حوالي الساعة الثانية من صباح اليوم التالي ونقلوه إلى المستشفى. وظل في العناية الفائقة (المركزة) حتى وفاته في تمام الساعة الثامنة من صباح 11 إبريل/نيسان".
وفي مستشفى الرازي تلقوا المكالمة عند حوالي الساعة الخامسة مساء لإبلاغهم بأن نايف مصاب بجروح خطيرة ويحتاج إلى سيارة إسعاف. واتصل مدير المستشفى بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وبرئيس مستشفى مدينة جنين الدكتور أبو غالي لإبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كذلك حاول الدفاع المدني إحضار نايف، لكن سيارتهم الأولى تعطلت ولم تتمكن من الوصول. وبعد ساعات عديدة، استطاعت سيارة تابعة للدفاع المدني الوصول إلى نايف قاسم عبد الجابر وأعادته معها.
ولم يتم فقط تأخير وصول المساعدة الطبية أو جعل وصولها مستحيلاً إلى الذين تأثروا بالعمليات الحربية في المخيم، بل إن الذين كانوا يعيشون داخل مدينة جنين غالباً ما عجزوا عن الحصول على خدمات سيارات الإسعاف أو الحصول على الرعاية الصحية الروتينية أو الطارئة.
تدمير الممتلكات والبنية الأساسية المدنية
هناك دمار شامل، فلا يوجد منـزل ما زال قائماً بأكمله، كما لو أن أحدهم دمر مجتمعاً كاملاً بالجرافات. وإذا كان هناك أي شخص في أي منـزل فلا يمكن أن يبقى على قيد الحياة … وليس هناك سوى أنقاض وأناس يجولون في المنطقة وينظرون من حولهم وهم في حالة ذهول. وتفوح رائحة الموت من تحت الأنقاض."
مندوب منظمة العفو الدولية، 17 إبريل/نيسان 2002.
|
كان هذا هو المشهد الذي استقبل مندوبي منظمة العفو الدولية الذين دخلوا مخيم جنين للاجئين عندما رفع جيش الدفاع الإسرائيلي حصاره عن المخيم في 17 إبريل/نيسان 2002.
لكن جيش الدفاع الإسرائيلي هدم منازل الفلسطينيين في مخيم جنين للاجئين منذ بداية هجومه، كما تشهد على ذلك أقوال الشهود والصور الجوية، وتمت تسوية معظم حي الحواشين بالأرض بعد 11 إبريل/نيسان. بيد أن عملية هدم المنازل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي في مخيم جنين كانت أصلاً موضوع الالتماس الذي قُدِّم إلى المحكمة العليا في 8 إبريل/نيسان 2002. وقال مقدمو الالتماس أنه من خلال التقاعس عن توجيه إنذارات قبل مدة كافية تسمح بسماع أصوات سكان المنازل، وتتيح لهم وقتاً كافياً للخروج قبل هدمها، تقصر الدولة في الوفاء بالواجبات المحلية المترتبة عليها بموجب القانون الأساسي الإسرائيلي : وهو كرامة الإنسان وحريته، فضلاً عن القانون الإنساني الدولي بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. وقالت الدولة (التي قبلت المحكمة بموقفها) إن سكان المنازل أُعطوا إشعاراً كافياً وأنه بموجب المادة 23 من أنظمة لاهاي، يُسمح بتدمير الممتلكات لتحقيق أهداف عسكرية. لكن ممثل النائب العام اعترف بأنه في بعض الحالات دُمرت المنازل بواسطة جرافات الجيش قبل أن يغادرها الفلسطينيون :
"أُعطي الفلسطينيون ما بين ساعة وساعة ونصف الساعة بين نداء (الجيش بإخلاء منازلهم). وتقدم الجرافات نحوها. وخلال عملية جيش الدفاع الإسرائيلي في وسط المخيم، كانت هناك منازل تم إخلاؤها بعد النداء عبر مكبرات الصوت، وكانت هناك منازل لم يخرج منها أهلها بعد النداء. وخرجوا بعد أن أصابت الجرافات أحد الجدران وقبل هدم المنـزل."(15)
وبين 11 إبريل/نيسان عندما استسلمت آخر مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين و15 إبريل/نيسان عندما سمح جيش الدفاع الإسرائيلي بدخول سيارات الإسعاف تحت المراقبة المشددة من جانبه بعد الجلسة التي عقدتها المحكمة العليا، جرى تدمير حوالي عُشر مساحة مخيم جنين للاجئين. وبحسب ما قاله المقاتلون الفلسطينيون وجيش الدفاع الإسرائيلي حصلت أشد المعارك ضراوة في هذا الجزء من المخيم، وفي حي الحواشين نفسه قُتل 13 جندياً إسرائيلياً في كمين نُصب لهم. لكن الأدلة توحي بقوة بأن القتال كان قد توقف عندما جرت معظم عمليات هدم المنازل.
ونظراً للكثافة السكانية في مخيم اللاجئين الذي تبلغ مساحته كيلومتراً مربعاً واحداً، وكان يضم نحو 14000 نسمة قبل أحداث 3 إبريل/نيسان 2002، فقد أدى الدمار الكامل لحي الحواشين والتدمير الجزئي لحيين إضا ?يين في المخيم، إلى تشريد أكثر من 800 عائلة يصل مجموع أفرادها إلى حوالي 4000 شخص مشرد، ويعيشون في خيم أو مع أقربائهم. وقد دُمر 169 منـزلاً يضم 374 وحدة سكنية تدميراً كاملاً مع تدمير وحدات إضافية بصورة جزئية.(16) وإضافة إلى ذلك، كان التخريب واسع النطاق الذي قام به جيش الدفاع الإسرائيلي وإتلاف الممتلكات داخل المنازل بادياً للعيان في عدد من مناطق المخيم، لاسيما في حي الدمج.
وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، لا يمكن تبرير تدمير الممتلكات إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى. وقد شاهد مندوبو منظمة العفو الدولية الذين دخلوا مخيم جنين في 17 إبريل/نيسان، وهو اليوم الذي تلا انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي، الجيش المذكور يستخدم الجرافات ليس لتدمير المنازل فقط بل لتمريرها جيئة وذهاباً فوقها ورص الأنقاض، وهو ما يجعل من الصعب جداً على السكان أن يحفروا بين الأنقاض بحثاً عن ممتلكاتهم أو أشيائهم القيمة أو أفراد عائلاتهم المفقودين.
وأبلغ جيش الدفاع الإسرائيلي مندوبي منظمة العفو الدولية بأن القتال استمر بعد 11 إبريل/نيسان 2002 وأن القناصة الفلسطينيين ظلوا في المباني. كذلك زعموا أن تدمير الممتلكات في أعقاب العمليات الحربية كان ضرورياً بسبب انتشار القنابل المفخخة والذخائر التي لم تتفجر.(17) لكن اليوم تستمر أعمال إزالة القنابل الإسرائيلية التي لم تنفجر والأجسام المفخخة الفلسطينية الموجودة تحت الأنقاض المدمرة، وقد شدد الخبراء العسكريون أمام منظمة العفو الدولية على أن إزالة الذخائر المطمورة تحت الأنقاض المسحوقة أكثر صعوبة بكثير من تركها في المنازل غير المهدمة.
ويقول شهود العيان الفلسطينيون والأجانب داخل مخيم جنين للاجئين وخارجه إن القتال قد توقف بصورة أساسية بعد 10 إبريل/نيسان. وتبين الصور الجوية للدمار والتي التقطتها وزارة الخارجية الإسرائيلية والتي يعود تاريخها إلى 11 و13 إبريل/نيسان، بأن الجزء الأكبر من الدمار حدث حينذاك. وبرأي مندوب منظمة العفو الدولية الرائد ديفيد هولي فإنه :
"وقعت أحداث بعد 11 إبريل/نيسان لم يكن لها ما يبررها من الناحية العسكرية ولم يكن لها أية ضرورية عسكرية: فقد عمد جيش الدفاع الإسرائيلي إلى تسوية ساحة المعركة النهائية بالأرض تسوية كاملة بعد توقف العمليات الحربية." وأضاف : "لذا نظن أن التدمير الكامل لأنقاض المعركة عقاب لسكانها."
كذلك تعرضت مدينة جنين لأضرار واسعة خلال عملية السور الواقي. وبحسب السجلات الرسمية لحقت أضرار بـ 1200 عقار سكني. ودُمر أربعون منـزلاً تدميراً كاملاً. وتعرضت منازل أخرى إما لأضرار جزئية أو أُحرقت أو أُتلفت محتوياتها أو جدرانها الخارجية أو خزانات مياهها. ولحقت أضرار بتسع مدارس في منطقة مدينة جنين وكذلك بوزارة التعليم.(18) وفي الحي القديم في جنين ومنطقة السوق في السبت (السبات)، دُمر عدد من المنازل أو المتاجر أو تضرر جزئياً بما في ذلك المكتبة العامة التابعة لبلدية جنين.
شهادات السكان شهدت ساحة الحواشين في مخيم جنين للاجئين التدمير الأوسع نطاقاً للممتلكات. وقد دُمرت معظم المنازل في هذه المنطقة تدميراً تاماً. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع عائلتين من هذا الحي دُمر منـزلاهما؛ وفي كلا المنـزلين، كان الفلسطينيون يحتمون في الجزء الخلفي من المنـزل بينما كانت واجهته تُهدم بالجرافات.
وظلت زينا حسن أبو سري في منـزلها لعدد من الأيام بعد بدء التوغل. وأبلغ العديد من سكان المخيم منظمة العفو الدولية أنهم بقوا لسببين أساسيين : لم يكن لديهم أي مكان آخر يذهبون إليه، وحالما بدأ القتال كانوا يخشون أن يغادروا لأنه لم يتوفر مرور آمن. وأبلغت زينا حسن أبو سري منظمة العفو الدولية أنه :
"خلال الأيام الأربعة الأولى للغزو (3-6 إبريل/نيسان) كان إطلاق النار ينهمر كالمطر. ولم أستطع حتى أن أنظر من النافذة، لأن ذلك كان شديد الخطورة. وكنت خائفة. وكان إطلاق النار يأتي من الجو ومن الدبابات ومن المقاومة في الحي. وخلال هذه الفترة، لم أسمع أي نداء للإخلاء من جيش الدفاع الإسرائيلي. وقررت بألا أغادر منـزلي، لأنني كنت خائفة جداً. وخلال الأيام الأربعة هذه، كنت مع عائلتي. وكان هناك تسعة أشخاص، ثلاثة راشدين وستة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين و10 أعوام. وبقينا في الممر بالقرب من الحمام طوال هذه الفترة. وقد انقطع التيار الكهربائي بعد اليومين الأولين ولم يكن لدينا ماء لأنه تم تدمير خزان المياه. وبعد مرور أربعة أيام، انضمت إلينا عائلتان أخريان دُمر منـزلاهما بالصواريخ. وأصبح عددنا الآن 22 شخصاً. ومكثوا معنا قرابة ثلاثة أيام.
"وفي اليوم السابع من الغزو (في 10 إبريل/نيسان تقريباً) أصاب صاروخ منـزلي في الدور الثاني واخترق السقف لكنه لم يصل إلى حيث كنا. لذا غادرنا المنـزل وذهبنا إلى منـزل يقع مباشرة في الجهة المقابلة من الشارع. وعندما وصلنا إلى المنـزل وجدنا فيه تسعة أشخاص. وبعد ظهر اليوم التالي، جاءت جرافة وبدأت تدمير المنـزل، لكن ليس الجزء الذي كنا مختبئين فيه. وبقينا في الغرفة الخلفية. وكنا خائفين جداً من الانتقال، لذا بقينا. ودُمر جزء من المنـزل، لكن الجزء الخلفي الذي كنا موجودين فيه ظل قائماً وبقينا فيه لمدة خمسة أيام أخرى. وكنا من دون مطبخ وأي شيء آخر.
وفي النهاية قررنا مغادرة هذا المنـزل، إذ ساد الهدوء ولم يعد هناك إطلاق نار، وهكذا غادرناه. وعندما خرجنا أمرنا جيش الدفاع الإسرائيلي بأن نمشي في درب معين قادنا عبر الجبال إلى حديف. ومشيت جزءاً يسيراً من هذا الدرب ثم قررت أن أتوجه إلى مدينة جنين التي تسكن فيها عائلتي. واستطعت الوصول إليها. وعندما غادرت رأيت عدداً كبيراً من المنازل المدمرة أو المهدمة بالجرافات أو المصابة بالصواريخ. كذلك كانت تفوح رائحة الجثث المتعفنة. ولم أستطع أن أحمل معي أي شيء من منـزلي. ونجونا فقط بأنفسها والملابس التي كنا نرتديها، لكننا بقينا على قيد الحياة".
دُمر منـزل امرأة تبلغ من العمر 40 عاماً تعيش في حي الساحة في مرحلة ما بين 10 و13 إبريل/نيسان. وقد وصفت لنا التالي :
"بقيت في منـزلي قرابة 10 أيام بعد الغزو. وأنا لست متأكدة بالضبط من الوقت. ولم أغادر منـزلي لأنني كنت خائفة، فكانت الصواريخ تتساقط وكان إطلاق النار كثيفاً. واعتقدت أن البقاء في منـزلي أكثر أماناً. ولم أغادره إلا عندما جاءت الجرافة. وقبيل مغادرتي كان القتال محتدماً. واعتباراً من اليوم الثالث لم يكن لدى كهرباء ولا ماء ولا طعام. وبقينا في الجزء الخلفي من المنـزل في الغرفة التي كنا نستخدمها كغرفة نوم سابقاً لكن بعد ذلك أصبحنا نخزن فيها أشياء. وعادة يوجد سبعة أشخاص في المنـزل، لكن بسبب الوضع، أتت ابنتي وطفلاها للإقامة معنا، فأصبحنا عشرة. وكان هناك ستة راشدين (امرأتان وأربعة رجال) وأربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 22 عاماً و11 عاماً. وفي اليوم الذي سبق مغادرتي للمنـزل، كان هناك دكان بجانبه أصيب بصاروخين. وفي اليوم التالي، عند حوالي الساعة الخامسة مساء، جاءت جرافة ودمرت الجدار الرئيسي لمنـزلي المواجه للشارع الرئيسي. ودمرت نحو 50% من المنـزل. وعندما أتت الجرافة، كنا في الجزء الخلفي من المنـزل. وعندما سمعت صوت الجرافة، أخرجت الأطفال من النافذة وغادرت المنـزل. وكان زوجي آخر المغادرين. وعندما غادرنا لم نكن حتى نرتدي أحذية. ولم أكن أضع وشاحاً أو أي شيء آخر على رأسي. وركضنا بكل بساطة. وذهبنا إلى منـزل قريب في حي الدمج. وعندما وصلنا، كان فيه أصلاً عدد كبير من الناس، ربما مائة. وبقينا في المنـزل لمدة 10 دقائق فقط، لأن الوضع ما زال خطيراً جداً. ثم غادرنا المخيم متوجهين إلى مدينة جنين.
"وعندما عدت إلى منـزلي لم يكن قد بقي منه شيء. فقد دُمر بالكامل؛ ودُمر حينا بالكامل. وكان هناك حوالي 60 منـزلاً اختفت جميعها. ولا أستطيع أن أصف لك شعوري عندما غادرت، لدى سماع صوت الجرافة. كنت أريد الهروب فقط. ولم يعد لدي شيء. لماذا عائلتنا؟"
نابلس نابلس التي يبلغ تعداد سكانها 120 ألف نسمة هي ثاني أكبر مدينة في الضفة الغربية وأحد المراكز التجارية والصناعية الرئيسية. كذلك كانت تُعرف بأنها أحد مراكز مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وهناك ثلاثة مخيمات فيها تؤوي الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم في العام 1948 ومن ضمنها مخيم عسكر ومخيم بلاطة (كان بلاطة مسرحاً للقتال الذي دار خلال التوغل الذي تم في مارس/آذار) وتشكل منطقتا القصبة والياسمينة (الحي القديم) جزءاً صغيراً من المدينة الحديثة؛ وهما تقعان على سفح جبل جرزيم وتطغى عليهما المباني الجديدة التي تطل على المنطقة من منحدرات عالية. ويوجد داخل منطقتي القصبة والياسمينة متاهة من الأزقة التي يمر العديد منها تحت المساكن وسلسلة من الأزقة الضيقة التي تربط الأحياء بعضها ببعض. والمباني شديدة المتانة ومبنية بالحجارة ويعود تاريخ بعضها إلى القرن الخامس عشر.
وقد قام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية توغل واسعة في مخيم بلاطة للاجئين بنابلس بين 27 فبراير/شباط و3 مارس/آذار، حيث أطلق أولاً صواريخ من مروحيات الأباتشي، ثم دخل المخيم مستخدماً في أغلب الأحيان ما يسمى "بفتحات الفئران" التي تُثقب في الجدران للانتقال من منـزل إلى آخر. وهدم جيش الدفاع الإسرائيلي منـزل عائلة ناصر أبو عويس، وهو فلسطيني مطلوب من جيش الدفاع الإسرائيلي، فألحق أضراراً بستة منازل أخرى حوله. وركز التوغل الذي حصل داخل نابلس خلال عملية السور الواقي على الحي القديم الواقع في وسط نابلس، رغم فرض حظر التجول على نابلس بأكملها ومخيمات اللاجئين في المدينة بين 4 و22 إبريل/نيسان.
وقام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية توغل ثانية داخل نابلس بين 31 مايو/أيار و6 يونيو/حزيران 2002. وفُرض حظر تجول على المدينة خلال هذه الفترة. وجُمع حوالي 4000 فلسطيني واعتُقل 65 منهم. وأجرى جيش الدفاع الإسرائيلي عمليات تفتيش من منـزل إلى منـزل في كل من مخيمي بلاطة وعسكر للاجئين حيث اعتقل الذكور الراشدين. ودُمر منـزلان كإجراء عقابي، أحدهما في مخيم بلاطة والآخر في مدينة نابلس.
وأعاد جيش الدفاع الإسرائيلي احتلال مدينة نابلس خلال عملية الدرب الحازم في 21 يونيو/حزيران 2002؛ وظلت البلدة ترزح تحت الاحتلال في نهاية سبتمبر/أيلول؛ وخلال الأشهر الثلاثة هذه، فُرض حظر تجول على مدار الساعة في أكثر من سبعين يوماً منها.
عمليات القتل غير القانونية قُتل ما لا يقل عن 80 فلسطينياً في نابلس على يد جيش الدفاع الإسرائيلي بين 29 مارس/آذار و22 إبريل/نيسان 2002. ويشمل هذا العدد سبع نساء وتسعة أطفال تقل أعمارهم عن 15 عاماً. ووفقاً لسجلات المستشفيات التي فحصتها منظمة العفو الدولية، عالج مستشفى رافديا 255 جريحاً خلال عمليات التوغل، بينما عولج 65 شخصاً في مستشفيات أصغر حجماً. وعولج عديدون غيرهم في مستشفيات ميدانية أقامتها جمعية الإغاثة الطبية والعيادات المحلية. ويبدو أن عدداً من عمليات القتل كان قتلاً غير قانوني لأشخاص لم يشاركوا في القتال ضد جيش الدفاع الإسرائيلي.
رشا فايز فريتخ وزهى فايز فريتخ جرى قتل الشقيقتين رشا وزهى فريتخ لأن جيش الدفاع لم يميز بين المقاتلين والسكان الذين لم يشاركوا في القتال وقَصَفَ الأحياء السكنية. وفي 3 إبريل/نيسان 2002 كان بشار فريتخ وعائلته في البيت عندما أصاب صاروخ منـزلهم المؤلف من ثلاثة أدوار عند حوالي الساعة 9,30 مساء.
ووصف بشار فريتخ لمنظمة العفو الدولية ما حدث : "في ليل 3 إبريل/نيسان، كنت جالساً مع بعض أفراد عائلتي في باحة منـزلي. وكنا كلنا مجتمعين معاً باستثناء عمتيَّ رشا وزها وشقيقتي رائدة اللواتي كنا في الدور الثاني من المنـزل في ذلك الحين. وسمعنا صوت صاروخ قادم، ويمكن للمرء معرفة الصوت، لذا تفرقنا كلنا. وأصاب الصاروخ الأعمدة الدا u1593?مة للمنـزل فانهارت الأدوار الثلاثة.
"وقبل أن يسقط الصاروخ، سمعنا إطلاق نار، لكنه كان خارج المدينة. وكان منـزلنا أول منـزل يصاب بصاروخ في البلدة القديمة وبدون سابق إنذار. وبعدما انهار المنـزل، نقلتني سيارة الإسعاف مع أشقائي وشقيقتي إلى مستشفى قريب من جامعة النجاح. وقد أصبت بجرح في ساقي. وبعد بضع ساعات، غادرت المستشفى، لكن في هذه اللحظة دخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى البلدة القديمة، لذا ذهبت للإقامة في منـزل صديق لي. وبقيت هناك 5 أيام. كذلك حصل قصف في المنطقة التي يوجد فيها منـزل صديقي، لذا غادرته وذهبت إلى جزء آخر من المدينة حيث بقيت مدة يومين إضافيين. وفي 10 إبريل/نيسان تقريباً، صدر إعلان عبر مكبرات الصوت يدعو جميع الرجال إلى مغادرة منازلهم. وتم اقتيادي واعتقالي، أولاً في مدرسة قريبة ثم في معتقل حوارة. وفي هذه المرحلة لم أدرِ ما حصل لعمتيَّ. واحتُجزت هناك لمدة يومين ثم أُطلق سراحي.
وتم انتشال جثة رشا فريتخ، 49 عاماً، من أنقاض منـزلها في 17 إبريل/نيسان وزها فريتخ، 37 عاماً في 19 إبريل/نيسان. وتظل رائدة فريتخ، 29 عاماً مشلولة نتيجة الجروح التي أُصيبت بها خلال قصف منـزلها وانهياره.
محمود روحي العكة في صبيحة 4 إبريل/نيسان، قُتل محمود روحي العكة، 42 عاماً، برصاصة واحدة أطلقها قناص تابع لجيش الدفاع الإسرائيلي وأصابته في رأسه. وقال ابنه هيثم البالغ من العمر 17 عاماً، والذي كان بصحبة والده لحظة مقتله، لمنظمة العفو الدولية :
"اتصل بي صديق في ساعة مبكرة من ذلك الصباح وأبلغني بوجود دبابات في منطقتنا. وذهبت أنا ووالدي إلى النافذة لنستطلع الأمر ودلني على مكانهم بأصبعه، لكنني لم أرهم لأنني لم أكن ارتدي نظارتي. وبعد أن أحضرت نظارتي، رأيت شيئاً لكنه كان لا يزال باهتاً. وكانت الساعة تقارب السابعة صباحاً وسمعنا الإسرائيليون يدعون أبو صلاح إلى فتح الباب. وكانوا يتكلمون بلكنة عربية ثقيلة. ويعيش هذا الشخص في مبنى يقع في مكان مرتفع ويواجه الجزء الشمالي من المدينة. واحتل جيش الدفاع الإسرائيلي هذا المبنى خلال الانتفاضة الأولى. وعندما سمعنا أصوات جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، غادرنا الغرفة الأمامية وذهبنا إلى غرفة الاستقبال. وعندما وصلنا إليها، طلبت جدتي من عمتي جهاد إحضار الدواء لها. لكن بما أن غرفة جدتي التي يوجد فيها دواؤها تقع في الجهة الأمامية من المنـزل، وكان هناك عدد كبير من الدبابات، قال والدي إنه سيذهب ويحضره لها، فتبعته.
"وسبقني والدي ووقف أمام النافذة المواجهة لجهة الشمال؛ وقال لي إنه يستطيع رؤية دبابة أخرى لكنني لم أستطع أن أراها. وكان يصفق ويضحك ويقول إنني مصاب بعمى شديد. وكانت الستارة مغلقة، لكنه فتحها قليلاً. ونظرنا إلى الخارج لمدة 10 ثوانٍ فقط، ثم ذهبنا إلى حيث يوجد الدواء في خزانة معلقة على الجدار الشرقي. ثم سمعنا قرعاً أو ضرباً، لكننا لم نعرف مصدره. وكنت شبه مستلقٍ على السرير، وركبتيَّ على الأرض وتحرك والدي مسافة قليلة بين الخزانة والنافذة وهمَّ بفتح الستارة قليلاً حيث سمعت عندها صوتاً. ولم يكن قد وقف بجانب النافذة أكثر من ثانية. وأنا متأكد من أنه لم يتسن له حتى إلقاء نظرة خاطفة إلى الخارج.
"عندما أصيب والدي، كان هناك شيء على وجهي، بدا أشبه بالدم. وفي الدقائق القليلة الأولى، اعتقدت أنني أصبت. وسقط إلى الخلف نحو السرير وشعرت بيده تمسك بي. وعندما نظرت إليه، كان نصف جسمه على السرير. وصُحت في والدي كي ينهض لكنه لم يجبني. وظللت أتساءل هل أصيب هو أم أنا؟ ثم وضعتُ رأسه على يدي ورأيت أن الجانب الأيسر من رأسه قد أًصيب. وبدأت بالصراخ والعويل وهرع الجميع إلى الغرفة. وأذكر أنني سمعت عمتي جهاد تقول شيئاً مثل ‘يرحمك الله’. واستمريت في الصراخ.
"ووجدت نفسي في غرفة والديَّ لا أعرف كيف. وعندما هدأت، أدركت أن والدي قد مات. ثم عدت إلى غرفة الاستقبال. وشاهدت عمي أحمد في الغرفة وكان يجهش بالبكاء. ووقفت إلى جانب عمي ونظرت إلى والدي. وكان ممدداً الآن على الأرض ولم أستطع أن أرى إلا الجانب الأيمن من رأسه الذي لم يصب بجرح. وزحفت نحوه؛ أردت رؤيته. وعندما وصلت إليه، نظرت إلى رأسه وكانت عظامه بارزة من جهة اليسار وكانت هناك بركة من الدماء تحت رأسه. كان الأمر حقيقياً إذاً."
اتصلت العائلة هاتفياً بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وجمعية الإغاثة الطبية لإرسال سيارة إسعاف، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى المنـزل. ولم تستطع العائلة نقل جثمانه إلا بعد مضي 27 ساعة.
عائلة الشعبي في 6 إبريل/نيسان، هدم جيش الدفاع الإسرائيلي بيتاً في القصبة بنابلس بواسطة جرافة على رأس 10 أفراد من عائلة الشعبي. وقُتل ثمانية من أفراد العائلة، بينهم ثلاثة أطفال وأمهم الحامل وجدهم البالغ من العمر 85 عاماً. ومن الواضح أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يتأكد من عدم وجود أشخاص في المنـزل عندما دمره.
وقال أحمد فؤاد النجار، وهو جار لعائلة الشعبي يعيش في منـزل متاخم، لمنظمة العفو الدولية :
"في عمليات التوغل السابقة داخل البلدة القديمة، استخدم الإسرائيليون المنطقة التي نعيش فيها كنقطة دخول. وعرف سكان هذه المنطقة ذلك وعرفوا أنها ستكون منطقة خطرة. ونتيجة لذلك كنا على اتصال وثيق بعضنا مع بعض خلال عملية التوغل هذه. وظللنا متأهبين لأننا كنا نتوقع الخطر. وكنت قد حذرت جيراني الآخرين من أن منطقتنا قد تُستخدم كنقطة دخول إلى البلدة القديمة، واتفقنا فيما بيننا بأن نحذر بعضنا البعض إذا اشتبهنا بحدوث أي شيء. ويوم الخميس في 4 إبريل/نيسان تحدثت مع سمير الشعبي وحذرته من الخطر. ويوم الجمعة، نادتني نبيلة زوجة سمير بصوت مرتفع من النافذة عند حوالي الساعة العاشرة صباحاً وقالت إن هناك العديد من الدبابات خلف المنـزل وبعض الجرافات على الطريق. وقالت إنها تستطيع رؤيتهم من منـزلها. وتوجد خلف بيت الشعبي ساحة مكشوفة واسعة كانت الدبابات تستخدمها جيئة وذهاباً. ولم يبدُ أن الأمور كانت تنذر بالخطر في تلك اللحظة. ويوم السبت في 6 إبريل/نيسان كان هناك نشاط كثيف للدبابات والجرافات. وفي ذلك اليوم، تحدثت مع نبيلة، فقالت لي إن هناك العديد من الجرافات التي تعمل لكنها لا تدري ما تفعله تلك الجرافات. وعند حوالي الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم، بدأ هدم المنازل بالجرافات.
"وشاهدت من منـزلي هدم منـزل آل غانم بالجرافات. ورأيت سليمان غانم وزوجته في الشارع. وناديتهما من النافذة وسألتهما عما إذا كان سائر الجيران قد غادروا. فقال لي إن عائلته غادرت جميعها وسألته عن عائلة الشعبي، فقال إنه يعتقد بأنهم غادروا أيضاً. عندئذ نظرت حولي ورأيت إحدى الجرافات الكبيرة قادمة من جهة الغرب وتعمل على هدم منـزل آل الشعبي ورأيت المنـزل يميل. ومن دون أن أفكر صرخت بالجندي الذي يقود الجرافة قائلاً ‘دع سكان المنـزل يغادرون’. وفي هذه اللحظة خرج الجندي من الجرافة وشهر سلاحه وبدأ بإطلاق النار باتجاهي. فابتعدت عن طريقه وأصابت الرصاصات جدار منـزلي. ويمكنك أن ترى الثقوب. وفي هذه اللحظة طلبت من أطفالي مغادرة المنـزل وأبلغت عائلتين أخريين قريبتين بأن تغادرا. واتجهنا نحو المسجد."
وقال أحمد النجار إنه لم يتم إعطاء تحذير قبل أن يبدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بهدم المنـزل بالجرافة. وقال إن السكان كانوا على درجة عالية من التأهب لدرجة أنه لو وُجه إليهم أي تحذير لغادروا المنطقة فوراً.
وعاد أحمد النجار إلى منـزله عندما رُفع حظر التجول فترة وجيزة يوم الأربعاء في 10 إبريل/نيسان. وعندما بدأ الجيران بالعودة إلى المنطقة، أخذوا يسألون عن عائلة الشعبي.
وقال محمود عمر الشعبي لمنظمة العفو الدولية إنه بعد ظهر 12 إبريل/نيسان، رُفع حظر التجول لمدة ساعتين وذهب للعثور على والده وشقيقته. وعندما وصل إلى منـزل العائلة، وجد أنه قد هُدم. وقال محمود الشعبي إنه بدأ يحفر بمساعدة الجيران. على أمل العثور على أحياء تحت الأنقاض. ولكن بسبب هطول الأمطار، زاد الوحل من صعوبة الحفر. واستمروا في الحفر بعد إعادة فرض حظر التجول، وأطلق جيش الدفاع الإسرائيلي طلقات تحذيرية نحوهم عدة مرات. وفي ساعة متأخرة من الليل، عثر عمال الإنقاذ على فتحة صغيرة في الطابق الأرضي الذي كان المنـزل مقاماً عليه؛ وحدثت المعجزة، إذ عثروا في الحيز الصغير المتبقي على عبد الله الشعبي، 68 عاماً، وزوجته شمسة 67 عاماً، وهما على قيد الحياة. واستمر عمال الإنقاذ في الحفر طوال الليل وعثروا على بقية أفراد العائلة متجمعين على شكل دائري، في غرفة واحدة : عمر والد محمود الشعبي، 85 عاماً؛ وشقيقتي محمود، فاطمة 57 عاماً، وعبير 38 عاماً وسمير شقيق محمود، 48 عاماً وزوجته نبيلة الحامل في شهرها السابع، 40 عاماً، وأطفال سمير ونبيلة الثلاثة؛ عبد الله، 3 أعوام، وعزام، 7 أعوام، وأنس 4 أعوام. وقد ماتوا جميعاً.
عميد محمود أبو سير استمرت العمليات العسكرية في نابلس والمنطقة المحيطة بها بعد عملية السور الواقي، وكل أسبوع كان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يقتلون الفلسطينيين، غالباً نتيجة الاستخدام العشوائي وغير المتناسب للقوة المميتة. فعلى سبيل المثال، في 17 مايو/أيار 2002، قتلت قذيفة دبابة أمين أبو سائر، البالغ من العمر 7 سنوات، الذي كان بصحبة والده وهما في طريقهما لأداء صلاة الجمعة. وأُطلقت النار على كل من الأب والابن بينما كانا يحتميان خلف باب في ممر يؤدي إلى منـزلهما. وبحسب روايات شهود العيان، أطلقت دبابتان إسرائيليتان النار رداً على الحجارة التي ألقاها باتجاهها عدة فتيان تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات و13 سنة كانوا على طريق عسكر الرئيسية. ولم يُبلَّغ عن إطلاق نار في ذلك الحين.
وتقاعست السلطات الإسرائيلية عن إجراء تحقيقات مستقلة وحيادية وشاملة في مقتل عميد أبو سائر أو إصابة يعقوب يوسف البيشاوي، البالغ من العمر 8 سنوات، بجروح خلال الحادثة نفسها، وهو الآن مصاب بشلل جزئي بعد أن أُصيب بعيار ناري أطلقته إحدى دبابات جيش الدفاع الإسرائيلي بينما كان يلعب بالكريات الزجاجية بالقرب من منـزل جده الكائن في الجوار.
إجبار الفلسطينيين على المشاركة في العمليات الحربية واستخدامهم "كدروع بشرية" في نابلس كما في جنين، غالباً ما أجبر جيش الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين على المشاركة في العمليات الحربية، بما في ذلك استخدامهم "كدروع بشرية". وأجبر الجيش المذكور الفلسطينيين على استطلاع المناطق لتأمين مرور آمن لجنوده، والدخول إلى منازل الفلسطينيين الآخرين خلال العمليات العسكرية وكأول شخص يدخل عبر "فتحات الفئران" (الثغرات التي يفتحها جيش الدفاع الإسرائيلي عبر جدران المنازل كي يتمكن من الانتقال من منـزل إلى آخر).
ماهر محمد حسان سالم كان ماهر سالم، 45 عاماً، في المنـزل مع أسرته في الساعات الأولى من صباح 6 إبريل/نيسان. وبحسب ما جاء في إفادته، سمع عند حوالي الساعة 1,30 صباحاً قرعاً مصدره بيت جاره. وكان يعرف أن جيرانه لم يكونوا في المنـزل. وعندما سمع ضجيجاً في الدور العلوي، ساورته شكوك بأن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يحاولون الدخول إلى منـزله. وبعد مرور نصف ساعة، دخل خمسة من جنود الجيش المذكور إلى منـزله من المطبخ. وحطموا باباً في غرفة نوم الضيوف ثم وصلوا إلى غرفة النوم التي كان ينام فيها هو وزوجته وأولاده. وصوبوا أسلحتهم نحوه وأمروه بأن يرفع هو وزوجته وأطفاله السبعة الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أعوام و19 عاماً أذرعهم وبأن يرافقوا الجنود إلى الغرفة التالية. وأُمروا بالجلوس. وفي هذه الأثناء كان يسمع صوت الجنود الذين يدخلون إلى غرف منـزله وصوت تكسير النوافذ. وبعد ساعتين عاد الجنود وأبلغوه بأنهم راحلون وأمروا العائلة بأن تبقى في الغرفة.
وفي صباح اليوم التالي عاد الجنود إ4?ى منـزل ماهر سالم. وكانوا هذه المرة حوالي 20 –25 جندياً مع كلبين وقد جاءوا عبر "فتحة الفئران" التي ثُقبت في الجدار. وأمر الجنود ماهر سالم بمرافقتهم،
"سألني الجنود عن باب معين، وهو يؤدي إلى زقاق. وأُمروني أن أفتح الباب من الجانبين. وبأن أنظر إلى أعلى وأسفل الزقاق، وأن أبلغهم ما إذا كان هناك أي مقاتلين. وهددوا بقتل عائلتي إذا كذبت عليهم. ثم سألوني عن باب آخر موجود مباشرة في الجهة المقابلة لنا من الشارع. فقلت لهم إنه باب دكان يملكه جاري. فأمروني بأن أذهب وأفتح الباب. فحاولت ذلك لكنه كان مقفلاً. فأمرني الجندي بالعودة وخلال ثوانٍ، أطلق الجندي طلقتين على القفل. وأمرني بأن أعود وأفتح الباب وأنظر إلى الداخل. وسألني عما في الداخل، فقلت له ‘خشب’. ودعاني للعودة ثم أمسك بي من ياقة قميصي ووجه مسدسه إلى ظهري. ومشينا نحو الدكان. وكان يسير خلفي. وعندما دخلنا إلى الدكان، استدعى بقية الجنود.
"وفي هذه اللحظة شاهد سيارة متوقفة أمام منـزلي. فسألني منذ متى هي موجودة هناك، فقلت ‘حوالي 10 أيام’. وسألني عما إذا كانت سيارتي فقلت ‘لا’. وهدد بقتل عائلتي إذا كنت أكذب. ورأيت أسلاكاً ممتدة من أسفل السيارة، عندئذ أمرني الجنود بأن أعود إلى منـزلي. وخلال دقيقة تقريباً سمعت انفجاراً. وعندما دخلت إلى منـزلي، كان هناك جنود على سُلَّم الدرج. وأبقوني على السُلَّم معهم. وبُعيد وقوع الانفجار، عاد جندي آخر وأمرني أن أذهب معه. ومرة أخرى أمسكني من ياقتي ووجه مسدسه إلى ظهري. وأخذني الجندي إلى منـزل جاري، الذي يبعد نحو خمسة أمتار. وكانت الساعة تقارب الآن التاسعة من صباح الأحد. وكان هناك حوالي 6-7 جنود ورائي. وشاهدني جاري وناداني باسمي. وقال لي الجندي إنه سيطلق النار علي إذا تفوهت بأية كلمة.
"دخلنا منـزل جاري. وبدأ الجنود بحفر فتحة في الجدار المؤدي إلى منـزل آخر. وذهبت مع ثلاثة جنود والكلب عبر الحائط إلى المبنى التالي. وظل الجندي مصوباً البندقية إلى رأسي. وعندما وصلنا إلى المبنى التالي، كان فارغاً. ولم يكن منـزلاً، بل مجرد مبنى مهجور. عندئذ فتح الجنود فتحة في جدار آخر. وفعلوا ذلك ست أو سبع مرات تقريباً. وفي كل مرة، عندما كنا نمر من جدار إلى آخر ومن مبنى إلى آخر، كان الجنود يضعوني دائماً في المقدمة.
"وفي المكان الأخير، كان هناك باب حديدي. وفتحه أحد الجنود وأمرني بأن أخرج منه. وسحبت الباب إلى الخلف وما أن بدأت أخرج، حتى سمعت إطلاق نار. وسحبني الجنود من الزقاق وبدأوا يردون على إطلاق النار. وكنت على بعد متر واحد خلف الجنود. وكنت منحنياً عندما كانوا يطلقون النار. وبعد نصف ساعة، قلت للجنود أريد مقابلة أحد الضباط. فسألني لماذا، فقلت له إنني مريض واحتاج إلى دوائي. فأعطاني الجندي بعض الأكامول وأبلغني أنه بعد نصف ساعة أخرى سيأخذني إلى البيت. وكان الدواء الذي احتجته للسعال والنزلة الشُعبية. وبعدما تناولت الأكامول شعرت بالدوار وانهرت. ولم أدر كم كان طول المدة التي فقدت فيها وعيي. وعندما استعدت وعيي قال لي الجنود ‘حسناً يمكنك الذهاب الآن’، لكنهم قالوا لي إنه لا يمكنني مغادرة منـزلي وإلا سيقتلونني. كذلك طلبوا مني إبقاء الباب الرئيسي لمنـزلي مفتوحاً."
غازي كمال أبو كشك أُجبر غازي كمال أبو كشك على مرافقة الجنود والمشاركة في العمليات التي عرَّضت حياته للخطر. وعلاوة على ذلك تم هدم جزء من منـزله بالمتفجرات.
وفي فترة متأخرة من صباح 7 إبريل/نيسان 2002، احتل جيش الدفاع الإسرائيلي منـزل غازي أبو كشك، وهو مراسل صحفي محلي. وأبلغ جيش الدفاع الإسرائيلي غازي أبو كشك بأن المقاتلين شوهدوا يخرجون من منـزله؛ فأنكر ذلك وقال إن المقاتلين كانوا في الأزقة المحيطة بمنـزله.
وقال غازي أبو كشك لمنظمة العفو الدولية : "نحن نعيش في منـزل قديم جداً بني في عهد الإمبراطورية العثمانية. وعندما أتى جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بابي لأول مرة، هرعنا لفتح الباب حتى لا يفجروه، كما فعلوا بأبواب أخرى على حد علمي. وكنت في المنـزل مع عائلتي وشقيقي وعائلته. وكان هناك حوالي 12 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و18 عاماً، وأربع نساء وأنا وشقيقي. وعندما دخلوا المنـزل سألوني أين المقاتلين؟ فقلت لهم ليس هناك مقاتلون. لقد رأيت المقاتلين في الممرات تحت منـزلي، لكنهم لم يدخلوا إليه قط. فقالوا لي إنه ينبغي علي أن أخبرهم بمكان المقاتلين وإلا سيهدمون المنـزل. فلم أجبهم. وخلال بضع ثوانٍ، أحضروا مطرقة ضخمة. وبعد ذلك فتحوا ثقباً كبيراً في جدار غرفة الضيوف ووضعوا بعض الديناميت فيها. وأخذونا إلى باحة المنـزل، وفجروا جزءاً من المنـزل بواسطة جهاز تحكم عن بعد. وكانت الساعة قرابة 12 ظهراً.
"فظننت أنهم بعد ذلك سيمضون في سبيلهم، لكن عوضاً عن ذلك، أقام جيش الدفاع الإسرائيلي مقراً في منـزل جاري. وبعد الانفجار، لم يعد هناك حاجز يفصل بين منـزل جاري ومنـزلي. وكان بإمكان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي أن يروا الجهة الشرقية من شرفة جاري. وأمرنا جيش الدفاع الإسرائيلي بأن نذهب إلى غرفة واحدة وبألا نغادرها. ولم يكن لدينا ماء ولا كهرباء ولا اتصالات. وطلبنا من الجنود عبر نافذة الحمام بعض القهوة والماء، فأمرونا بإغلاق النافذة. وخلال الأيام التي أمضاها الجنود في منـزلي، واصلوا إطلاق النار منه. وأستطيع فهم العبرية وسمعت جندياً يتبجح بأنه أردى ثلاثة فلسطينيين بالرصاص.
"وفي 7 إبريل/نيسان، وهو اليوم الأول الذي احتل فيه جيش الدفاع الإسرائيلي المنـزل، أمروني بأن أذهب لفتح باب المدخل المعدني. وكان مسدوداً بالأنقاض جراء الانفجار. وأعطوني مطرقة. فقلت لهم إنني إذا حاولت فتحه، أخشى أن ينهار السقف. فرد أحد الجنود علي قائلاً إنها ليست مشكلته. وسمعت إطلاق نار صادراً من الجانب الآخر من الباب وكان الجندي يطلق النار من ورائي أيضاً. واستطعت أخيراً فتح الباب. وخلال هذه الفترة كنت خائفاً جداً.
ap1 "وفي نهاية فترة الأيام الأربعة، لم يأت أحد ويقول لنا إننا نستطيع الذهاب، ولم أسمع شيئاً، لذا ألقيت عندها بعض الحجارة على الباب وعندما لم يأتوا، خرجت في النهاية".
وقد تعرض منـزل غازي أبو كشك لأضرار جسيمة. ودُمرت غرفتان بالكامل. ولحق ضرر كبير بغرفة ثالثة للضيوف. ودمرت معظم التجهيزات الداخلية. وقال غازي أبو كشك إن مهندساً من البلدية أبلغه أن المبنى لم يعد آمناً للعيش. وقال "كان لذلك وقع شديد على عائلتي"، فهم أصلاً لاجئون من يافا، والآن أصبحوا لاجئين مرتين."
ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ضد المعتقلين في نابلس، أساء جيش الدفاع الإسرائيلي معاملة المعتقلين الذين ألقى القبض عليهم في عمليات اعتقال جماعية للذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاماً ومارس التعذيب ضدهم أحياناً. وأصدر جيش الدفاع الإسرائيلي بعض الإعلانات عبر مكبرات الصوت داعياً فيها الذكور إلى التجمع أمام جنود الجيش المذكور (في 10 إبريل/نيسان كما يبدو)؛ وإضافة إلى ذلك أجرى عمليات اعتقال للفلسطينيين عبر عمليات التفتيش من منـزل إلى آخر حالما سيطر على البلدة القديمة. وزعم بثبات المعتقلون المفرج عنهم والذين أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم أنهم تعرضوا لإساءة المعاملة على يد جيش الدفاع الإسرائيلي فور اعتقالهم. وكان من بين الذين تعرضوا لإساءة المعاملة أو التعذيب رجل مشلول على كرسي المقعدين.
وعقب اعتقالهم على الفور، قال المعتقلون من أبناء مدينة نابلس إنهم نقلوا إلى معتقل شومرون المؤقت (المعروف بالحوارة للفلسطينيين، وهي قرية تقع في الجوار). وقال الفلسطينيون الذين اعتُقلوا إن عمليات الضرب استمرت في المعتقل. وقالوا إن المركز كان مكتظاً وأنه لم تقدم لهم كميات كافية من الماء وفقط القليل من الطعام ومُنعوا أحياناً من استخدام المراحيض.
وتعرض الفلسطينيون الذين اعتُقلوا في العملية التي نفذها جيش الدفاع الإسرائيلي في نابلس بين 3 و21 إبريل/نيسان 2002 ثم أُطلق سراحهم عند نقطة التفتيش في حوارة، تعرضوا لخطر شديد نتيجة إطلاق النار من جانب جيش الدفاع الإسرائيلي، لأنه حتى 21 إبريل/نيسان، فُرض حظر تجول صارم على مدينة نابلس، مع فترات قصيرة فقط رُفع خلالها حظر التجول. ويذكر المعتقلون أنهم لدى الإفراج عنهم، أُعطوا ورقة إفراج تعطيهم فترة محدودة، عادة يوم واحد، للعودة إلى منازلهم. وقال العديد من المعتقلين إنهم عندما كانوا يعودون إلى منازلهم سيراً على الأقدام، كان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يطلقون النار نحوهم. وقال الأشخاص الذين اعتُقلوا وأُخلي سبيلهم عند نقطة التفتيش إنهم يخافون من تعرضهم للقتل، لأن الجيش الإسرائيلي كان ما زال يطلق نيراناً كثيفة، وكان الذين يحاولون العبور إلى البلدة القديمة، يُحاصرون أحياناً وسط النيران المتبادلة.
محمد دراغمة يعيش محمد دراغمة في نابلس وهو مراسل لصحيفة الأيام وكذلك للأسوشيايتد برس. وأبلغ منظمة العفو الدولية أنه في يوم 16 إبريل/نيسان 2002، وعند حوالي الساعة الثالثة صباحاً، جاء جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى الحي الذي يعيش فيه وأجبروا أحد الجيران الذي يقيم في مبنى ملاصق بأن يذهب إلى كل منـزل ويأمر جميع الرجال الذين تزيد أعمارهم على 16 عاماً بالخروج. وخرج محمد دراغمة وطُلب منه إبراز بطاقة هويته. وعند هذه اللحظة أمر جنود جيش الدفاع الإسرائيلي بعض السكان بالعودة إلى منازلهم واعتقلوا آخرين. وكان محمد دراغمة من ضمن 20 رجلاً تم اعتقالهم. ووصف لمنظمة العفو الدولية ما حدث بعد ذلك :
"كبل الجنود أيدينا من الأمام بأصفاد بلاستيكية. ونُقلنا على متن ناقلات جند مدرعة وأمرنا جنود جيش الدفاع الإسرائيلي بأن نخفض بصرنا إلى الأرض. وكان معي حوالي ثمانية رجال آخرين. واقتادونا إلى مبنى للشقق السكنية في الرافدية. وعندما وصلنا إليه، عُصبت أعيننا وأُمرنا بالجلوس على سُلَّم الدرج. ومن تحت عُصابة عينيَّ استطعت أن أرى الجنود يصعدون على السلالم وينـزلون منها. كذلك سمعت أصوات أطفال في الأدوار العليا وافترضت أن السكان ما زالوا داخل المبنى.
"وأبقونا هناك مدة ثلاث ساعات. وأُمرنا بأن نبقي رؤوسنا مطأطئة وبألا نحرك ساكناً. وعند حوالي الساعة 12 ظهراً، أُمرنا بأن نشكل سلسلة بشرية بأيدينا ووضعنا على متن شاحنة. وكان هناك حوالي 50 رجلاً في هذه المرحلة. فساروا بنا مسافة 11 كيلومتراً تقريباً إلى قاعدة حوارة العسكرية. وعندما وصلنا إلى هناك، اقتادونا إلى مكان مكشوف وأمرونا بالجلوس. وكنا لا نزال معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي. وأخذوا منا حاجياتنا الشخصية. ثم اقتادونا إلى خيمة. وأمرنا الجنود بعدم التحدث مع بعضنا البعض، وبعدم إزالة العُصابة عن أعيننا. وكان هناك رجل شاب، ربما عمره 18 عاماً أزاح عُصابة عينيه ربما قليلاً. وشاهدت من تحت عُصابة عينيَّ جندياً يقترب من الرجل ويضربه على رأسه بهراوة. ثم جاء جندي وسأل من يستطيع التحدث بالعبرية. ورفع أحدهم يده وطلب منه الجندي أن يترجم وطلب منا أن نكرر ما قاله. إذ قال ‘أحضر لي حمص’، ‘أحضر لي فول’ و‘أنا أحب جيش الدفاع الإسرائيلي’.
"وفي هذه اللحظة شعرت بالحاجة للذهاب إلى المرحاض. وطلبت من الجندي ذلك فأخذني. وعندما وصلت إلى المرحاض، سألته كيف سأستخدم الحمام وأنا مكبل اليدين. فقال افعلها في سروالك، فهذه ليست مشكلته. وأعادوني إلى حيث كنت وبقيت في هذا المكان وفي الوضع نفسه حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً. وفي هذه اللحظة أتى جندي وناداني باسمي."
واقتيد محمد دراغمة للاستجواب ثم نُقل إلى مدخل القاعدة وقيل له بأن يعود إلى منـزله. وأُعطي ورقة إخلاء سبيل، ذُكر فيها اسمه ورقم بطاقته الشخصية وتاريخ اعتقاله وتاريخ الإفراج عنه. وكانت المنطقة تشهد إطلاق نار كثيفاً في حينه. ومشى حوالي كيلومترين إلى نقطة التفتيش في حوارة، وبعد إيقافه واستجوابه من جانب الجنود، سُمح له بالمرور. وكان يبعد قرابة 11 كيلومتراً عن منـزله في الجانب الآخر من نابلس. وابتعد مسافة 200 متر تقريباً عن نقطة التفتيش ثم قرر العودة بسبب إطلاق النار من كل جانب :
"وعندما عدت إلى نقطة التفتيش، سألني أحد الجنود ماذا أفعل هنا. فأخبرته أنني لا أستطيع التقدم أكثر من ذلك بسبب إطلاق النار الكثيف. فقال الجندي، ‘وما المشكلة؟ إنها مدينتك.’ ثم سألته عما إذا كنت أستطيع البقاء عند نقطة التفتيش فقال لا، هذا غير مسموح. عندئذ سألته عما إذا كنت أستطيع العودة للمعتقل. فقال لي كلا إنه ليس فندقاً. فقلت له إن الجنود في حوارة قالوا لي إنه علي العودة إذا صادفت أية مشاكل. ولم يكن ذلك صحيحاً ولكنني قلته. وعند حوالي الساعة 2,30 صباحاً، جاءت سيارة جيب من المعسكر. وسأل الجنود ‘أين هو؟’ فدلَّهم الجندي الآخر علي. وطلبوا مني أن اقترب منهم وسألوني ماذا أفعل هناك. فقلت لهم هناك إطلاق نار كثيف لدرجة لا أستطيع أن أسير فيها إلى منـزلي بأمان. فقال لي أحد الجنود إنه لا يمكنني البقاء هناك لأنها منطقة عسكرية محظورة. فقلت له عندئذ هناك إطلاق نار كثيف أمامي. فرد علي الجندي قائلاً يجب أن أسير إلى الأمام وإلا سيُطلق هو النار علي بنفسه. فسألته ماذا أفعل إذا صادفت دبابة. فقال لي بأن أسير إلى المدينة رافعاً ذراعي وحاملاً بطاقتي الشخصية وورقة إخلاء سبيلي بيدي وأن أقول بالعبرية ‘لقد أُطلق سراحي تواً من السجن’.
"سرت مسافة 300 متر تقريباً وصادفت دبابتين. فأبقيت يديَّ مرفوعتين ورددت الجملة نحو أربع مرات. وسرت مسافة 20 متراً أخرى تقريباً وصادفت دبابة أخرى. وكنت في وضع خطر جداً لدرجة أنني قررت بألا أتقدم خطوة واحدة. وبدأت أنظر إلى يساري ويميني بحثاً عن منـزل مُضاء حتى يمكنني الخروج من الطريق والانتظار قليلاً حتى تهدأ الأوضاع."
وعثر محمد دراغمة على منـزل وأمضى الليلة فيه. وفي صباح اليوم التالي غادره مجدداً وحاول العودة إلى منـزله سيراً على الأقدام. فوصل إلى نقطة تفتيش ثانية قريبة من مخيم بلاطة للاجئين وأوقفه الجنود. وسألوه عن السبب الذي احتاج فيه كل هذا الوقت للوصول إلى هذه النقطة (لأن تاريخ ووقت الإفراج عنه كانا مدونين في ورقة إخلاء السبيل). وعندما حاول أن يوضح لهم السبب أُمر بأن يصمت. وأمره الجنود بأن يجلس على الأرض مطأطئ الرأس وباشروا باستجوابه. وعندما قال للجنود أنه مراسل صحفي، بدؤوا بسؤاله عما يكتب وعن آرائه السياسية.
وجرى تأخير محمد دراغمة عند نقطة التفتيش لأكثر من نصف ساعة ثم أُفرج عنه. وبدأ يسير نحو المدينة وفي أول منـزل رآه، اتصل بأعضاء جهاز الصحافة الأجنبية، لعمله بأنهم يتمتعون بأفضل فرصة للتنقل بحرية حول المدينة وقد يستطيعون الوصول إليه. وفيما بعد أركبه صحفيان معهما وأوصلاه إلى منـزله.
ماهر موسى حسين النقيب ماهر النقيب البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً مصاب بشلل نصفي ويقضي وقته في كرسي المقعدين بسبب جرحين ناجمين عن أعيرة نارية أصيب بها في العام 1994. ويعيش في مخيم عسكر للاجئين في نابلس. وبعد ظهر يوم 16 إبريل/نيسان 2002، انتقل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى حي ماهر النقيب وأمروا جاراً له بالمجيء إلى البيت الذي تقيم فيه شقيقات ماهر النقيب الأربع ووالده ووالدته وزوجة شقيقه وابنة شقيقه البالغة من العمر ثمانية أشهر. وعندما أجرت منظمة العفو الدولية مقابلة معه، كانت هناك علامات واضحة لجروح وكدمات متلاشية في الجزء الأسفل من ساقه وفي ركبتيه.
وقال ماهر النقيب لمنظمة العفو الدولية : "عندما دخل الجنود المنـزل طلبوا مني ومن والدي بطاقاتنا الشخصية. وأعطيتهم بطاقتي الشخصية مع بطاقة أخرى تبين أنني مصاب بشلل نصفي. وكان عددهم يتراوح بين 20 و25 جندياً في المنـزل في تلك اللحظة. وكان يُشار إلى أحد الجنود الذي ظل يتكلم على جهاز لاسلكي متنقل باسم أمير … وحالما دققوا في البطاقات الشخصية، بدؤوا بتفتيش المنـزل بينما بقي بعض الجنود الآخرين معنا في غرفة الجلوس، وهم يتنقلون من جانب إلى آخر لتفتيش الغرفة. وخلال التفتيش كسروا الخزائن وأحدثوا ثقوباً في الأريكة مستخدمين نعالهم وبعض الأدوات الأخرى التي كانت بحوزتهم. وظلوا يفتشون غرفة الجلوس لمدة أربع ساعات تقريباً. وبعد مضي حوالي الساعتين، طلبوا من العائلة الوقوف. فقلت لهم بالعبرية إنني لا أستطيع الوقوف وأنني مشلول. فرد الجندي ‘أنت لست مشلولاً’.
"وعندما لم أنهض، أخذني ثلاثة جنود إلى غرفة نوم والديَّ وأغلقوا الباب. وعندما وصلنا إلى غرفة النوم حاولوا رفعي من تحت ذراعي. وفي الوقت ذاته الذي كانوا يرفعونني فيه، كانوا يضربونني على الجزء الأسفل من ساقيَّ ويديَّ وصدري ومؤخر رأسي مستخدمين أيديهم وأقدامهم، فضلاً عن بنادقهم. وبقينا في تلك الغرفة لأكثر من نصف ساعة. وخلال هذا الوقت بأكمله، ظلوا يأمرونني بالنهوض، وعندما لم أستطع كانوا يضربونني. وفي النهاية قلبوني على الأرض وبدؤوا بركلي على رأسي وكافة أنحاء جسدي. واستمروا على هذا المنوال لمدة خمس دقائق تقريباً. ثم رفعوني ووضعوني في كرسي المقعدين. فأصبت بجروح في ركبتيَّ وفخذي الأيمن. وعندما وضعوني على الكرسي، كان أحد الجنود يقف على السرير مصوباً بندقيته نحو صدغي. وأمرني بأن أقف. فظللت أقول لهم إنني لا أستطيع.
"ثم كبلوا يديَّ برباط بلاستيكي وأعادوني إلى غرفة الجلوس. عندئذ استدعى أمير جندياً آخر نقلني إلى مدخل المنـزل. وتوجد بضع درجات تؤدي في أسفلها إلى باحة ومن ثم إلى الشارع. ودفعني الجندي إلى أسفل الدرج وفقدت وعيي."
وعندما استرد ماهر النقيب وعيه، وجد نفسه في كرسي المقعدين في مدرسة الصبيان الكائنة في المخيم. وكان في إحدى الزوايا بعيداً عن الرجال الفلسطينيين الآخرين الذين اعتُقلوا. ونُقل بالشاحنة إلى معتقل حوارة وقال إن الجنود دفعوه من الشاحنة، فسقط على ظهره وارتطم رأسه بالأرض. وقال إنه خلال فترة اعتقاله في المخيم، أخذه الجنود خمس مرات وركضوا به وقلبوه على الكرسي ثم أمروا المعتقلين الآخرين بانتشاله. وفي إحدى المرات، نزعوا قميصه ووضعوه في العراء. ولم يُقدَّم له أي طعام أو ماء أو بطانيات وظل في العراء مدة يومين. وفي النهاية أدخلوه إلى إحدى الخيم. وخلال الأيام الأربعة التي أمضاها في الاعتقال، يقول إنه لم يتناول طعاماً إلا مرة واحدة. وفي 19 إبريل/نيسان، تم استجوابه وإطلاق سراحه. ونُقل على متن سيارة جيب كبيرة إلى نقطة التفتيش في حوارة، مع بعض المعتقلين الآخرين وأنزلوهم هناك. وكانت رحلة العودة إلى المنـزل صعبة، لأن عجلتي الكرسي أُصيبتا بأضرار. ودامت الرحلة ثلاث ساعات.
منع وصول الإغاثة الطبية والإنسانية خلال تنفيذ عملية السور الواقي في نابلس، تقاعست السلطات الإسرائيلية عن احترام مبادئ الحيدة الطبية. وبذلك انتهكت الحق في الحياة.
وخلال حظر التجول، مُنعت الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف بصورة روتينية من الوصول إلى المرضى والجرحى. واعتباراً من 3 وحتى 8 إبريل/نيسان، لم يُسمح للخدمات الطبية بالعمل في منطقة نابلس. وعشية 8 إبريل/نيسان، بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بالسماح لسيارات الإسعاف والفرق الطبية بالتنقل المقيد، بشرط قيام تنسيق بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب التنسيق في المقاطعة حتى يُسمح بعمل سيارات الإسعاف. وكان هذا الإجراء يستغرق وقتاً طويلاً ويؤدي بثبات إلى تأخير الاستجابة لطلبات المساعدة الطبية. وأحياناً لم يسمح جيش الدفاع الإسرائيلي لسيارات الإسعاف بالاستجابة للطلبات بالمرة؛ وحتى بعد منح التصريح، كانت نقاط التفتيش تؤخر سيارات الإسعاف مدة تصل إلى أربع ساعات، حتى عندما يكون المرضى في حالة مرضية حرجة. وقد زود رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس مندوبي منظمة العفو الدولية بسجل المخابرات الذي أشار إلى حدوث عمليات تأخير ملموسة في استجابة الأطقم الطبية للحالات الطارئة. وأبلغ أفراد الجسم الطبي الفلسطيني منظمة العفو الدولية أن بعض المرضى مُنعوا من الوصول إلى المستشفى لفترات تتراوح بين 48 و72 ساعة من لحظة استدعائهم سيارة الإسعاف.
وبحسب ما قالته جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية، أطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي النار على سيارات الإسعاف التي كانت تستجيب للاستدعاء في مناسبات عديدة بين 3 و21 إبريل/نيسان. وإضافة إلى ذلك، ففي أربع مناسبات على الأقل، أوقف جيش الدفاع الإسرائيلي سيارات الإسعاف وطلب من المسعفين خلع ملابسهم. وقال موظفو اتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية لمنظمة العفو الدولية إنه بعد إيقاف سيارات الإسعاف لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات، كان جيش الدفاع الإسرائيلي عادة يأمر المسعفين بالعودة من حيث أتوا.
إطلاق النار على سيارات الإسعاف قال محمد رمضان محمود سقا، وهو سائق سيارة إسعاف يعمل لدى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إنه في 8 إبريل/نيسان 2002، حاول هو وزميله الاستجابة لاتصال أُجري بالقرب من معمل كنعان للصابون. وتم تنسيق الاستجابة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتأخر وصول سيارة الإسعاف ساعة ونصف الساعة بينما كانت تنتظر السماح لها بالمرور. وعندما اقتربت سيارة الإسعاف من المدخل الغربي للمدينة، كانت هناك أكوام كبيرة من الحجارة والأنقاض منعتها من الحركة. وأزال هو وزميله الحاجز الأول بأيديهما وتقدما ببطء، وأزالا الأنقاض من طريقهما. وعندما وصلا إلى المنطقة التي تقع خارج المصنع مباشرة، حصل إطلاق نار كثيف في اتجاههما. وصاحا باللغتين العربية والعبرية بأنهما تابعان لخدمات الإسعاف. وعادا إلى سيارة الإسعاف وتوقف إطلاق النار. لكن عندما حاولا مرة أخرى إزالة الحواجز التي تسد مدخل المصنع، استؤنف إطلاق النار وأُجبرا على التقهقر. واستمر إطلاق الأعيرة النارية باتجاه سيارة الإسعاف، فاضطرا للعودة إلى قاعدتهما.
وذكر خالد خليل، وهو ممرض يعمل لدى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أن سيارة الإسعاف التي يعمل عليها تعرضت لإطلاق نار في 25 إبريل/نيسان 2002، عندما كانت تستجيب لاستدعاء في قرية سالم (التي تبعد أربعة كيلومترات عن نابلس). ولم يستطع متابعة رحلته.
وقبل عمليات التوغل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي في نابلس، أُنشئت تسعة مستشفيات ميدانية في منطقة نابلس. وكان أكبرها في مسجد يقع بالبلدة القديمة. وقال الدكتور محمد عبد المعطي القريني، الذي كان من ضمن أفراد الجسم الطبي الذي أقاموا مستشفى ميدانياً في مخيم عسكر للاجئين، قال إنه لم يتمكن من التنقل بأمان للاهتمام بالمرضى الذين كانوا بحاجة إلى رعاية طبية. وفي إحدى المناسبات، بينما حضر ليعالج شخصاً مصاباً بجرح خطير في المخيم في 7 إبريل/نيسان، أطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي النار عليه. وقال إنه بين 3 و19 إبريل/نيسان عالج 175 مريضاً كانوا غير قادرين على الوصول إلى المستشفيات الواقعة خارج مخيم عسكر للاجئين وأن سيارات الإسعاف لم تتمكن من التنقل بأمان داخل المخيم وخارجه حتى 21 إبريل/نيسان. حافظ صبري وسونا حافظ صبرا في 7 إبريل/نيسان 2002، قُتل حافظ صبرا، 65 عاماً، وهو عامل يصنع أدوات معدنية، بعيار ناري أصابه في ظهره، بينما كان في باحة منـزله في مخيم عسكر للاجئين؛ وأُطلقت النار على ابنته سنا حافظ صبرا، 35 عاماً، فأصيبت بجروح خطيرة في الحادثة نفسها. ولم تتمكن سيارات الإسعاف من الوصول إليهما وتأخر تقديم المساعدة الطبية لهما. وبحسب ما قاله الشهود، لم يصدر إطلاق نار من المنطقة قبل وقوع الحادثة.
وقالت منال حافظ صبرا، 34 عاماً، ابنة حافظ صبرا، التي كانت بصحبة والدها في حينه، لمنظمة العفو الدولية إنه :
"عند حوالي الساعة 5 من مساء الأحد، دخلت الدبابات مخيم عسكر … وكانت شقيقتي سنا تقف بجانب الباب المعدني، الذي يفضي ?لى الطريق. وكان والدي في باحة المنـزل. ثم سمعت إطلاق نار. فناديت والدي لكي يُدخل الأطفال. وكان هناك حوالي سبعة أطفال حوله. فجمعهم ودخل إلى المنـزل. ولم أره يخرج ثانية.
"وبعد ذلك صرخ جاري أحمد قائلاً إن سنا قد أصيبت. وكانت سنا تهمُّ بإغلاق الباب عندما قالت إنها شعرت بشيء أصابها في رأسها. وفي تلك اللحظة، لم ندرك أن والدي قد أُصيب أيضاً. وذهبنا إلى غرفته بعد 10 دقائق تقريباً ورأينا أنه مريض جداً، لكننا اعتقدنا أنه أُصيب بنوبة قلبية.
"فاتصلنا بصديق يعمل بالقرب من مركز للإغاثة الطبية أُنشئ في منـزل مهجور وسألناه عما إذا كان يستطيع الاتصال بطبيب، لأننا كنا نعرف بأن سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول إلينا. وبعد حوالي الساعة، حضر الطبيب مع بعض الممرضين. وقدم الطبيب لِسنا بعض الإسعافات الأولية واتصل بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني طالباً منهم إرسال سيارة إسعاف حاولت الوصول إلينا ثلاث مرات. وعندما اتصل شقيقي في المرة الأخيرة، أبلغه أحدهم أنه في المحاولة الثالثة للوصول إلينا، أُطلقت النار على سيارة الإسعاف، فعادت أدراجها. وفحص الطبيب والدي. وكان قد فارق الحياة."
وبحلول 9 إبريل/نيسان، تدهورت حالة سنا وقرر الطبيب أنها بحاجة إلى عملية لتخفيف بعض الضغط على رئتيها. ولم تصل سيارة الإسعاف إلا حتى الساعة الواحدة من بعد ظهر ذلك اليوم. ومنذ ذلك الحين أُجريت لها خمس عمليات أخرى.
تدمير الممتلكات والبنية الأساسية تشير جردة أجرتها بلدية نابلس بالاشتراك مع جمعية المهندسين وجامعة نابلس (جامعة النجاح) إلى أنه خلال عملية السور الواقي لحقت أضرار جسيمة أو دمار شامل بـ 64 مبنى في البلدة القديمة، من ضمنها 22 عمارة سكنية و17 عمارة تجارية-سكنية ولحقت أضرار جزئية بـ 221 مبنى آخر. ولحقت أضرار أخرى لكن أقل حجماً بأحياء تقع خارج البلدة القديمة.
وتعرض عدد من المواقع الدينية أو التاريخية لدمار جزئي أو أضرار جسيمة في ما بدا بصورة متكررة أنه تدمير متعمد لا ضرورة عسكرية له. وكان بينها، ضريح الشيخ مُسلَّم والمسجد الكبير والسراي العثماني والمدرسة الفاطمية ومسجد الخضراء وخان التجار وكنيسة الأرثوذكس اليونان وحمام الجديدة وهو حمام عام يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر. كذلك دُمرت ثلاثة مصانع صابون هي : مصنع كنعان ومصنع النابلسي ومصنع أبو شمط. وبدا أنه لم تكن هناك ضرورة عسكرية مطلقة لاستهداف أي من هذه المباني. ولحقت بأقدم مسجد في نابلس وهو مسجد الخضرا (بني في العام 1187 م) أضرار فادحة. ودُمرت قاعة الصلاة الرئيسية تدميراً كاملاً وانهار الجانب الغربي من السقف، ولم تكن هناك أية دلائل على أن أياً من أفراد الجماعات المسلحة الفلسطينية كانوا داخل المسجد أو بجواره مباشرة، وبالتالي فإنه لا بد من التشكيك في الضرورة العسكرية لهدم هذا المبنى الديني والتاريخي. وبالنسبة لمصنعي كنعان والنابلسي للصابون، لا بد مرة أخرى من إثارة تساؤلات جدية حول الضرورة العسكرية لهدم هذين المبنيين. وقال رئيس كنيسة الأرثوذكس اليونان في نابلس الأب جورج عواد، الذي تقع كنيسته ومسكنه قبالة مصانع الصابون، لمنظمة العفو الدولية إنه في اليومين اللذين سبقا هدم المصنعين في 10 إبريل/نيسان، كان الهدوء يسود المنطقة. وذكر بأن المبنيين لم يستخدما إلا كمستودع لمنتجات الصابون وكمكاتب، وإنه رأى أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي داخل المصنع قبل هدمه. كذلك تعرضت منازل الفلسطينيين المتاخمة لمصنعي الصابون للدمار أو لحقت بها أضرار في ما كان استخداماً مبالغاً به للقوة.
كذلك أصيبت ست مدارس في نابلس بأضرار جراء عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي، تتراوح بين الضرر الخارجي الطفيف والتدمير الجزئي. ودُمرت عقارات تجارية، من ضمنها 35 متجراً، في جميع أنحاء البلدة القديمة وفي نابلس ككل. وأُحرقت سبعة مبانٍ بالكامل. وأشهر هذه المباني عمارة هندية الواقع على طريق بلاطة المؤدية إلى نابلس والذي أُحرق ثم هُدم بالمتفجرات على يد جيش الدفاع الإسرائيلي في 4 إبريل/نيسان. وكان المبنى يضم أربعة مكاتب تجارية و11 وحدة سكنية. وفي أسفل المبنى كان هناك 24 مؤسسة تجارية أخرى. وكان جيش الدفاع الإسرائيلي قد احتل المبنى سابقاً في 28 فبراير/شباط لمدة 15 يوماً، خلال عملية توغل سابقة في نابلس. وقد دُمر المبنى المؤلف من سبعة طوابق تدميراً كاملاً الآن، مما أدى إلى تشريد عدد من العائلات التي كانت تعيش فيه وإلى إغلاق تام لجميع المؤسسات التجارية. ويثير كل من موقع المبنى وحقيقة إصرار السكان وشهود العيان في المنطقة على أنه لم يصدر إطلاق نار من داخل المبنى أو من حوله في وقت تدميره، يثير أسئلة جدية حول الضرورة العسكرية المحتملة لتدميره. وأبلغ السكان منظمة العفو الدولية أن جيش الدفاع الإسرائيلي أرسل أحد السكان في المبنى ليقرع الأبواب ويأمر السكان بالخروج. ومنحوا عشر دقائق لمغادرة المبنى ولم يتح لهم الوقت لأخذ أغراضهم الشخصية.
وحصلت منظمة العفو الدولية على عدة شهادات تصف نمطاً لما قام به جنود جيش الدفاع الإسرائيلي من تدمير لتجهيزات المنازل ونهب للشقق خلال احتلالها. وقال عبد الرازق واصف ريافا، الذي يعيش في عمارة قمحاوي بنابلس، لمنظمة العفو الدولية إن جيش الدفاع الإسرائيلي احتل شقته لمدة ستة أيام. وعندما عاد وجد أن :
"كل الأثاث قد أُتلف ومُزقت الستائر ورُميت على الأرض. ودخل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى كل غرفة وأتلفوا بعضاً من أثاثها وثقبوا الأرائك والمرتبات. ومزقوا ملابس زوجتي وملابس الطفل الذي ستنجبه زوجتي الحامل. وأحرقوا السجاد والبطانيات وبعض المرتبات."
كذلك قال إن المجوهرات الذهبية التي قدمها لزوجته عند زفافهما، والتي تصل قيمتها إلى حوالي 1700 دينار أردني (حوالي 2430 دولاراً أمريكياً) قد فُقدت. وأبلغ الأب جورج عوض منظمة العفو الدولية أن هناك مفقودات من كل من الكنيسة ومسكنه القريب منها بما فيها 2000 دينار أردني (حوالي 2850 دولاراً أمريكياً) وجهاز ستيريو وبعض الأجهزة الكهربائية الصغيرة.
الإطار القانوني
القانون الدولي والإنساني لحقوق الإنسان المنطبق في الضفة الغربية وقطاع غزة هناك مجموعتان من الأطر القانونية المكملة بعضها لبعض والتي تنظم سلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة : القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.
القانون الدولي لحقوق الإنسان يسعى القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى حماية الأفراد في جميع الأوقات بتقييد سلطة الدولة عليهم، ويقتضي من الدول ضمان الحقوق الإنسانية للأفراد وحمايتها واحترامها. وتتضمن المعايير الدولية لحقوق الإنسان : تلك الواردة في المعاهدات المتفق عليها فيما بين الدول؛ والمبادئ المقننة، بما فيها تلك الواردة في الإعلانات والمبادئ ومدونات قواعد السلوك والقواعد والمبادئ التوجيهية التي اتفقت عليها الدول (وتعرف أحياناً بالمبادئ التي لا تشكل معاهدات)، والمبادئ التي أصبحت مقبولة عموماً لدى الدول وبالتالي تعتبر جزءاً من القانون الدولي العرفي وهي بالتالي ملزمة لجميع الدول.
وإسرائيل طرف في عدة معاهدات دولية لحقوق الإنسان، ومن ضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وبوصفها طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وافقت إسرائيل على احترام الحقوق المحددة في المعاهدات وحمايتها وضمانها لجميع الأشخاص المقيمين داخل أراضيها أو الخاضعين لولايتها القضائية.
وقد ساقت إسرائيل الحجج القائلة إن الالتزامات المترتبة عليها بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تشكل طرفاً فيها لا تنطبق على الأشخاص المقيمين في الأراضي المحتلة. لكن لجنة حقوق الإنسان، وهي هيئة من الخبراء ترصد تقيد الدول بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وتصدر تفسيرات موثوق بها للمعاهدة، وسواها من هيئات مراقبة تنفيذ المعاهدات صرَّحت بأنها تنطبق بالفعل على الأراضي المحتلة، وبأن إسرائيل تظل ملزمة باحترام الحقوق الإنسانية لجميع الأشخاص الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة واحترامها وحمايتها.(19)
وبموجب بعض معاهدات حقوق الإنسان، بما فيها المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يمكن وقف العمل ببعض الحقوق في ظروف محددة ضمن نطاق ضيق – بما فيها فترات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الدولة- بالقدر الذي يقتضيه الوضع دون زيادة أو نقصان.
وتتضمن حقوق الإنسان التي لا يمكن وقف العمل بها حتى خلال فترات الطوارئ العامة، من جملة أمور : · الحق في الحياة · حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
وبينما أوقفت إسرائيل العمل بالالتزامات المترتبة عليها بموجب المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تحمي الحق في حرية الشخص وأمنه، أوضحت لجنة حقوق الإنسان بأنه إضافة إلى الحقوق المعبر عنها صراحة في المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي لا تخضع للانتقاص (أو التقييد) في أي وقت، هناك حقوق أخرى لا يجوز وقف العمل بها (20) وهي تتضمن : · حظر الاعتقال التعسفي · واجب معاملة جميع الأشخاص المجردين من حريتهم بإنسانية واحترام الكرامة المتأصلة في شخص الإنسان · حق رفع دعوى أمام المحكمة كي يتسنى لها أن تبت دون تأخير في قانونية الاعتقال · المبادئ الأساسية للحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك افتراض البراءة والحق في المحاكمة أمام محكمة مستقلة وحيادية. · حظر العقاب الجماعي
إن معايير حقوق الإنسان التي لا تشكل معاهدات والتي لها صلة خاصة بمعاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين هي مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (مدونة قواعد السلوك)؛ والمبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (المبادئ الأساسية)؛ ومجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن (مجموعة المبادئ)؛ ومبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة.
وبوجه خاص أدى تقاعس أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي عن التقيد بمعايير مدونة السلوك ومجموعة المبادئ إلى الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة وأفضى إلى عمليات قتل غير قانونية للفلسطينيين.
وتنص المادة الثانية من مدونة قواعد السلوك على أن "يحترم الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، أثناء قيامهم بواجباتهم، الكرامة الإنسانية ويحمونها، ويحافظون على حقوق الإنسان لكل الأشخاص ويوطدونها".
وتنص المادة 3 من مدونة قواعد السلوك على أنه : "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم". ويوضح التعليق على هذه المادة أن استعمال الأسلحة النارية يعتبر تدبيراً أقصى وينص تحديداً على وجوب "بذل كل جهد ممكن لتلافي استعمال الأسلحة النارية، ولاسيما ضد الأطفال." ar وينص المبدأ التاسع من المبادئ الأساسية على أنه : "يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين عدم استخدام أسلحة نارية ضد الأفراد إلا في حالات الدفاع عن النفس، أو لدفع خطر محدق يهدد الآخرين بالموت أو بإصابة خطيرة … وذلك فقط عندما تكون الوسائل الأقل تطرفاً غير كافية لتحقيق هذه الأهداف … وفي جميع الأحوال، لا يجوز استخدام الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماماً تجنبها من أجل حماية الأرواح.
القانون الإنساني الدولي ينطبق القانون الإنساني الدولي، المعروف أيضاً بقانون النـزاعات المسلحة، على أوضاع النـزاع المسلح والاحتلال العدواني. ويهدف إلى الحد من آثار النـزاع المسلح والحد من المعاناة الإنسانية، بتنظيم طرق القيام بالعمليات الحربية، بما فيها داخل الأراضي المحتلة وبحماية الأشخاص غير المشاركين فعلياً في العمليات الحربية أو الذين لم يعودوا كذلك. وتضم مجموعة القانون الإنساني الدولي القواعد العرفية والمبادئ العامة.
وقد وقعت إسرائيل على اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، وهي من ضمن المعاهدات التي تقنن القانون الإنساني الدولي.
وترد القواعد التي تنظم سلوك دولة الاحتلال في الأراضي المحتلة، والتي تهدف حماية السكان، في اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة).
والأشخاص المحميون بموجب اتفاقية جنيف الرابعة هم جميع أولئك الذين "يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان، في حالة قيام نزاع أو احتلال، تحت سلطة طرف في النـزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال ليسوا من رعاياها" (المادة الرابعة).
وتتضمن التزامات دولة الاحتلال تجاه الأشخاص المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة الواجبات التالية :
كما ينبغي على دولة الاحتلال :
ولا يجوز أن يتعرض الأشخاص المحميون :
ووفقاً للقانون الإنساني الدولي. فإن الأشخاص الذين يشاركون مباشرة في العمليات الحربية يمكن أن يفقدوا مؤقتاً صفتهم كأشخاص محميين، لكنهم يفقدونها فقط خلال الفترة التي شاركوا فيها مباشرة في العمليات الحربية. بيد أنه يجب معاملتهم في كافة الأوقات باحترام لإنسانيتهم؛ وإذا حوكموا، فيجب احترام حقهم في محاكمة عادلة. وإضافة إلى ذلك، يجب احترام جميع حقوقهم الإنسانية الأخرى المنطبقة.
وفي حين أن إسرائيل طرف في اتفاقية جنيف الرابعة، تصر على أن هذه الاتفاقية لا تنطبق رسمياً على الضفة الغربية وقطاع غزة(21). وعلى الصعيد العملي وافقت إسرائيل على تطبيق ما أسمته "بالأحكام الإنسانية" لاتفاقية جنيف على الأراضي المحتلة، رغم أن تعريف ما تشكله الأحكام الإنسانية غير واضح. وتختلف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تعمل على ضمان تطبيق القانون الإنساني الدولي كما تحدده اتفاقيات جنيف للعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان الملحقان بها، فضلاً عن الدول الأخرى الأطراف في هذه الاتفاقية (المعروفة باسم الأطراف المتعاقدة الأصلية أو السامية) تختلف مع وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية. وأصدر المؤتمر الذي عقدته الأطراف المتعاقدة الأصلية في اتفاقية جنيف الرابعة في ديسمبر/كانون الأول 2001 إعلاناً أعاد تأكيد "انطباق اتفاقية (جنيف الرابعة) على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية" وكرر الحاجة إلى الاحترام الكامل لأحكامها.(22) وحظي موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأطراف المتعاقدة الأصلية في اتفاقيات جنيف حول انطباق التزامات إسرائيل بموجب اتفاقية جنيف الرابعة على الضفة الغربية وقطاع غزة بدعم قرارات عديدة أصدرها مجلس الأمن الدولي.(23)
وتعتبر منظمة العفو الدول0?ة أن جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة هم "أشخاص محميون" بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. وكما أشرنا أعلاه، فإن الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة والذين يشاركون مباشرة في العمليات الحربية يفقدون مؤقتاً صفتهم كأشخاص محميين خلال الفترة التي يشاركون فيها مباشرة في العمليات الحربية؛ ويجب معاملتهم في جميع الأوقات باحترام لإنسانيتهم. وإذا حوكموا، فيجب ضمان حقوقهم في محاكمة عادلة واحترامها وحمايتها شأنها شأن كافة حقوقهم الإنسانية الأخرى المنطبقة.
وتعتبر منظمة العفو الدولية أن أطر القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني تنطبق على العمليات الحربية/الأحداث التي جرت في جنين ونابلس في إبريل/نيسان 2002.
القانون الدولي المنطبق على القتال الذي دار في جنين ونابلس هناك نقاش واسع حول ما إذا كان العنف الذي يجري في إسرائيل والأراضي المحتلة قد وصل إلى درجة من الحدة والاتساع تسمح بتطبيق قواعد القانون الإنساني الدولي على إجراء العمليات الحربية في النـزاعات المسلحة الدولية، وإذا كان الأمر كذلك فإلى أي مدى. ويمكن القول إن العمليات الحربية التي جرت في جنين ونابلس في إبريل/نيسان، بشكل خاص، وصلت إلى الحد المطلوب. وفي أوضاع كهذه، يحدد القانون الإنساني الدولي معايير السلوك الإنساني المنطبق على كل من قوات الدولة والجماعات المسلحة. وهذه القواعد مقننة في البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف للعام 1949 بشأن حماية ضحايا النـزاعات المسلحة (البروتوكول الأول). وينطبق البروتوكول الأول على النـزاعات المسلحة الدولية بما فيها "النـزاعات المسلحة التي يقاتل فيها أشخاص ضد الهيمنة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية في ممارسة حقوقهم في تقرير المصير (المادة 1(4) من البروتوكول الأول).
وتُعتبر أحكام البروتوكول الأول المتعلقة بحماية السكان المدنيين معايير في القانون الدولي العرفي.
ويؤكد البروتوكول الأول القاعدة العرفية بأن "السكان المدنيين والمواطنين الأفراد يتمتعون بالحماية من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية" (المادة 51(1) ويحدد القواعد التي تكفل هذه الحماية. ولا يجوز أن يكون السكان المدنيون وكذلك المدنيون الأفراد عرضة للهجوم.
ويكفل مبدأ التمييز (الفصل) في القانون الإنساني الدولي احترام أرواح المدنيين وحمايتهم. وتقنن المادة 48 من البروتوكول الأول هذه القاعدة الأساسية في القانون الإنساني الدولي العرفي الملزمة لجميع أطراف النـزاع المسلح :
"تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية".
وإلى جانب حظر الهجمات المباشرة على المدنيين، يحظر القانون الإنساني الدولي الهجمات غير المتناسبة التي تُشن بلا تمييز. وتتضمن الهجمات التي تُشن بلا تمييز تلك التي لا تمييز بين المدنيين وأولئك المشاركين في العمليات الحربية و/أو الأهداف المدنية والأهداف العسكرية. كما أنها تتضمن الهجمات التي وإن تكن موجهة إلى هدف عسكري، إلا أنها تُشن من دون إيلاء اعتبار لعواقبها المحتملة على المدنيين. ويمكن أن تتضمن استخدام طرق أو أسلحة غير قادرة على إصابة هدف عسكري بدقة – إما بطبيعتها أو نتيجة للظروف التي استُخدمت فيها.
كما أن مبدأ التناسب يشكل قاعدة جوهرية في القانون الدولي العرفي. ويحظر البروتوكول الأول الهجمات غير المتناسبة – –"والهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضراراً بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة" " (المادة 51(5)(ب)).
ومن أجل حماية المدنيين والتقيد التام بمبدأي التمييز والتناسب، ينبغي على أطراف النـزاع اتخاذ التدابير الاحترازية الضرورية في التخطيط للهجمات وتنفيذها. وتحدد المادة 57(2) التدابير الاحترازية اللازمة:
"تتخذ الاحتياطات التالية فيما يتعلق بالهجوم": أولاً: أن يبذل ما في طاقته عملياً للتحقق من أن الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصاً مدنيين أو أعياناً مدنية وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية في منطوق الفقرة الثانية من المادة 52، ومن أنه غير محظور مهاجمتها بمقتضى أحكام هذا للحق "البروتوكول" ثانياً: أن يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند تخير وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابة بهم أو الأضرار بالأعيان المدنية، وذلك بصفة عرضية وعلى أي الأحوال حصر ذلك في أضيق نطاق. ثالثاً: أن يمتنع عن اتخاذ قرار بشن أي هجوم قد يتوقع منه، بصفة عرضية، أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهن، أو الأضرار بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، مما يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة مباشرة. (ب) يلغي أو يعلق أي هجوم إذا تبين أن الهدف ليس هدفاً عسكرياً أو أنه مشمول بحماية خاصة أو أن الهجوم يتوقع منه أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، وذلك بصفة عرضية، تفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة مباشرة. (ج) يوجه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحل الظروف دون ذلك.
كذلك تقتضي حماية المدنيين بموجب القانون الإنساني الدولي من جميع الأطراف إخلاء المدنيين من جوار الأهداف العسكرية وتفادي وضع أهداف عسكرية في مناطق مكتظة بالسكان أو بالقرب منها.(المادة 58 من البروتوكول 1).
ولا تحرم حقيقة أن بعض الأشخاص الموجودين ضمن السكان ليسوا من المدنيين هؤلاء السكان من صفتهم المدنية، وبالتالي من الحماية من الهجوم المباشر (المادة 50(2) و(3)، البروتوكول الأول). لكن وجود شخص محمي في هدف عسكري لا يجعل الهدف بحد ذاته محصن من الهجوم؛ إذ إن استخدام المدنيين "كدروع بشرية" – في محاولات لحماية الأهداف العسكرية من الهجوم أو حماية العمليات العسكرية – ممنوع منعاً باتاً. (المادة 28 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 50(7) من البروتوكول الأول).
وكما هو محدد في المادة 51(8) من البروتوكول الأول، فإن احتماء طرف خلف المدنيين لا يعفي الأطراف من الالتزامات المترتبة عليها باحترام السكان المدنيين وحمايتهم، بما في ذلك اتخاذ تدابير احترازية.
وصرَّح المسؤولون الإسرائيليون، بما في ذلك خلال الاجتماعات التي عقدوها مع منظمة العفو الدولية، أن جيش الدفاع الإسرائيلي تمسك في العمليات التي قام بها في جنين ونابلس تمسكاً صارماً بمبدأي التمييز والتناسب المشمولين في البروتوكول الأول. بيد أن دراسة منظمة العفو الدولية للحالات الفردية في جنين ونابلس توحي بأن الجيش المذكور تقاعس عن التمسك بهذه المبادئ.
المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي لوحظنا وجود نمط خلال مناقشاتنا المتعددة مع الجنود الذين يتولون نقاط التفتيش وهو أنه لم يقل لنا قط من يتخذ قرار إدخالنا، ولم نستطع مطلقاً التحدث إلى الرئيس أو في الواقع معرفة من هو الرئيس. وبالنسبة للجنود، رفضوا بثبات تعريفنا بأنفسهم أو تحمل أية مسؤولية عن أفعالهم التي تعيق تنقل الناس. ومن الواضح أن هذا السلوك يهدف إلى جعل تعرُّف ضحايا الانتهاكات التي يرتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي على الجناة والتسلسل القيادي صعباً للغاية. خافيير زونيغا، منظمة العفو الدولية |
تقتضي المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تشكل إسرائيل طرفاً فيها واتفاقية جنيف الرابعة مساءلة إسرائيل عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني. وتتضمن المساءلة واجب إجراء تحقيقات مستقلة وحيادية وشاملة، دون إبطاء، في مزاعم الانتهاكات وتقديم المذنبين إلى العدالة في إجراءات قضائية تستوفي المعايير الدولية للعدالة. وبموجب قانون حقوق الإنسان، يحق لضحايا الانتهاكات كشف الظلم عنهم وتقديم تعويض لهم – بما في ذلك تعويض مادي وتأهيل وإرضاء وضمانات بعدم تكرار الظلم؛ وفي سبيل هذه الغاية، يقتضي من إسرائيل ضمان توفير سبل تظلم فعالة.
فمثلاً، إسرائيل ملزمة بتقديم سبل تظلم وتعويض فعالة عن انتهاكات الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويحمل هذا الواجب في طياته الالتزام بإجراء تحقيقات مستقلة وحيادية وشاملة، دون إبطاء، في مزاعم انتهاك الحقوق الواردة في الاتفاقية، بما فيها الحق في الحياة وحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
ويقتضي كل من قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من الدول الأخرى إجراء تحقيق مع الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم معينة بموجب القانون الدولي وانتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة وإما مقاضاتهم أو تسليمهم إلى دولة أخرى لمحاكمتهم بصرف النظر عن مكان ارتكاب الجريمة.
وتحدد المادة 147 قائمة الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة. وهي تتضمن الأفعال التالية التي تُرتكب ضد الأشخاص أو الممتلكات بموجب الاتفاقية :
-
القتل العمد
-
التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية
-
تعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة
-
النفي أو النقل غير المشروع
-
الحجز غير المشروع للشخص المحمي
-
إكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية
-
حرمان الشخص المحمي عمداً من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة
-
أخذ الرهائن
-
تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.
وتشكل الانتهاكات الجسيمة للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة جرائم حرب.(24) وتصل بعض الأفعال التي ارتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي والمبينة في هذا التقرير إلى حد الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة. وتتضمن هذه الأفعال بعض عمليات القتل غير القانونية المبينة في هذا التقرير؛ وممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد السجناء؛ والتدمير المتعمد للممتلكات بعد انتهاء العمليات الحربية؛ ومنع حركة سيارات الإسعاف والحرمان من المساعدة الإنسانية؛ واستخدام المدنيين الفلسطينيين في العمليات الحربية.
وتُعرِّف المادة 7 من قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الجرائم ضد الإنسانية كأفعال محددة مختلفة عندما تُرتكب في إطار "هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي سكان مدنيين، مع معرفة بشن الهجوم"، "شن ذلك الهجوم تمشياً مع سياسة دولة أو منظمة أو تعزيزاً لها". ولا تقتضي الجرائم ضد الإنسانية ربطها بنـزاع مسلح – إذ يمكن ارتكابها إما في زمن السلم أو في زمن الحرب. وتتضمن الأفعال المحدودة القتل، والإبادة، والعبودية، والترحيل أو النقل القسري للسكان، والسجن أو سواه من ضروب الحرمان القاسي من الحرية الفعلية في انتهاك للقواعد الأساسية للقانون الدولي، والتعذيب، والاغتصاب وسواه من أشكال العنف الجنسي، والاضطهاد الممارس ضد أية مجموعة محددة أو بصورة جماعية، والإخفاء القسري؛ والفصل العنصري، وسوى ذلك من الأفعال اللاإنسانية ذات الطبيعة المشابهة والتي تتسبب عمداً بآلام شديدة، أو بالأذى الخطير بالجسد أو بالصحة العقلية أو الجسدية.
وطوال سنوات، وثقت منظمة العفو الدولية عمليات القتل غير القانونية، والتعذيب وإساءة المعاملة، والاعتقال التعسفي، والمحاكمات الجائرة، والعقوبات الجماعية مثل عمليات الإغلاق العقابية للمناطق وتدمير المنازل، والتدمير الواسع والمتعمد للممتلكات، والترحيل، ومعاملة الفلسطينيين القائمة على التمييز قياساً بمعاملة المستوطنين الإسرائيليين. وقد ارتُكب العديد من هذه الانتهاكات على نحو واسع النطاق ومنهجي، وتنفيذاً لسياسة حكومية (ارتُكب بعضها، مثل عمليات القتل التي استهدفت أشخاصاً محددين أو الإبعاد، تنفيذاً لسياسة أُعلنت على الملأ)، وتستوفي هذه الانتهاكات تعريف الجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
وتُشكل بعض الانتهاكات التي وردت أنباء حولها خلال عمليات التوغل في جنين ونابلس جزءاً من نمط هذه الجرائم.
وقد أدانت منظمة العفو الدولية الهجمات التي شنها الفلسطينيون على المدنيين الإسرائيليين بوصفها جرائم ضد الإنسانية.(25) فعمليات القتل العمد للمدنيين على أيدي أفراد فلسطينيين أو أعضاء في جماعات مسلحة مثل حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى، واسعة النطاق ومنهجية، وتُرتكب في إطار سياسة معلنة باستهداف المدنيين. ولذا تستوفي تعريف الجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
وتعتبر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من أكثر الجرائم خطورة بموجب القانون الدولي، وتمثل جرائم ضد الإنسانية ككل. ولذا فإن تقديم مرتكبي هذه الجرائم إلى العدالة هو شأن المجتمع الدولي ومن مسؤوليته. ويُوضَّح هذا الرأي في ديباجة قانون روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في يوليو/تموز 1998 والذي يؤكد أن أكثر الجرائم خطورة التي تهم المجتمع الدولي ككل لا يجوز أن تظل دون عقاب وأنه يجب ضمان المقاضاة الفعالة عليها باتخاذ إجراءات على المستوى الوطني ومن خلال تعزيز التعاون الدولي.(26)
وتتحمل السلطات الإسرائيلية مسؤولية رئيسية في تقديم مرتكبي الانتهاكات الخطيرة، ومن ضمنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى العدالة. لكن يترتب على جميع الأطراف المتعاقدة الأصلية في اتفاقيات جنيف واجب معين، بموجب المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة في تعقب الأشخاص الذين يُزعم بأنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب انتهاكات جسيمة، وتقديم هؤلاء الأشخاص، بصرف النظر عن جنسيتهم أو المكان الذي حصل فيه الجرم، إلى العدالة أمام محاكمها الوطنية أو تسليم هذا الشخص لمحاكمته لدى دولة طرف أخرى في الاتفاقية. ويجب اتخاذ جميع الإجراءات القانونية ضد هؤلاء الأشخاص وفقاً للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. وقد حثت منظمة العفو الدولية على عدم فرض عقوبة الإعدام على أي شخص يدان بارتكاب هذه الجرائم.
الخلاصة التي توصلت إليها منظمة العفو الدولية
تتضمن الفقرة التالية ملخصاً للنتائج التي توصلت إليها منظمة العفو الدولية فيما يتعلق بتأثير عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي، وبخاصة عملية السور الواقي على الحقوق الإنسانية للسكان الفلسطينيين، وتقييماً للالتزامات المترتبة على إسرائيل بموجب القانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان في كل حالة.
ودولة إسرائيل ليس لديها فقط الحق في حماية أرواح مواطنيها وأولئك الخاضعين لحمايتها، بل يترتب عليها واجب حمايتهم، لكن الإجراءات يجب أن تُتخذ وفقاً للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان. ولا يمكن لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الجماعات المسلحة أن تبرر أبداً انتهاك الحقوق الإنسانية الأساسية من جانب الحكومات. وتشير المعلومات الواردة في هذا التقرير إلى أن جيش الدفاع الإسرائيلي ارتكب انتهاكات للقانون الدولي في سياق العمليات العسكرية التي نفذها في جنين ونابلس، ومن ضمنها جرائم حرب، يجب مساءلته عنها.
عمليات القتل غير القانونية
وثَّقت منظمة العفو الدولية حالات في جنين ونابلس قُتل فيها أشخاص أو أُصيبوا بجروح في ظروف توحي بأنهم استُهدفوا بصورة غير قانونية ومتعمدة أو قُتلوا نتيجة الاستخدام غير المتناسب للقوة أو الإهمال الصارخ في حماية أولئك الذين لم يعودوا مشاركين في القتال.
وفي عدة حالات، تسبب جيش الدفاع الإسرائيلي في وفاة فلسطينيين عندما هدم المنازل أثناء وجود ساكنيها بداخلها. وغالباً ما تقاعس جنود هذا الجيش عن إعطاء إنذارات كافية المدة قبل هدم المنازل، ورفض السماح للعائلة والجيران بتحذير شاغلي المنـزل، وتقاعس عن تقديم المساعدة لهم أو في استدعاء وحدات الإنقاذ أو سيارات الإسعاف، وأطلق النار أحياناً على أولئك الذين حاولوا المساعدة. وخلق التقاعس عن إجراء تحقيقات صحيحة في عمليات قتل تمت في ظروف اختلفت بشأنها الآراء، وتلك التي بدا واضحاً أنها غير قانونية، خلق أجواء اعتقد أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي فيها أنه يمكنهم ارتكاب هذه الانتهاكات للحق في الحياة من دون أن ينالوا عقابهم.
وتنتهك عمليات القتل غير القانونية "الحق في الحياة" المحدد في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وترى منظمة العفو الدولية أن بعض هذه الانتهاكات للحق في الحياة تصل إلى حد "عمليات القتل المتعمد" و"تعمُّد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة" ضمن معنى المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تتناول الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية؛ وتشكل "الانتهاكات الجسيمة" لاتفاقية جنيف جرائم حرب.
التقاعس عن توفير الإغاثة الطبية والإنسانية
منع جيش الدفاع الإسرائي�604?ي في كل من جنين ونابلس المنظمات الطبية ومنظمات الإغاثة الإنسانية من الدخول إلى المناطق التي تأثرت بالقتال – بما فيها مخيم جنين للاجئين والبلدة القديمة في نابلس – حتى بعد أن ذكرت الأنباء أن القتال قد توقف. ولم يُسمح لخدمات الإغاثة الطبية بالدخول إلى مخيم جنين للاجئين طوال 11 يوماً تقريباً، بين 4 و15 إبريل/نيسان 2002. واعتباراً من 9 إبريل/نيسان وحتى 14 منه كانت هناك خمس سيارات إسعاف تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء وحوالي ست سيارات إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تنتظر السماح لها بالدخول إلى المخيم. وفي منطقة نابلس لم يُسمح لأية سيارة إسعاف بالتنقل بين 3 و8 إبريل/نيسان، وقُيِّدت حركة الخدمات الطبية بشدة حتى 19 إبريل/نيسان. وفي هذه الأثناء توفي الفلسطينيون من دون أن يتلقوا رعاية طبية وظلت الجثث تتحلل طوال أيام في الأمكنة التي قُتل فيها أصحابها.
وفي 12 إبريل/نيسان 2002، قدمت منظمة هاموكيد الإسرائيلية، مركز الدفاع عن الفرد، التماساً إلى المحكمة العليا لمعرفة لماذا لم يرسل وزير الدفاع وحدة الإنقاذ الخاصة "للبحث عن جميع الأشخاص الذين دُفنوا أحياء تحت الأنقاض في مخيم جنين للاجئين وتحديد مواقعهم وإنقاذهم". وفي الحكم الذي أصدرته المحكمة صرحت أن "القانون والأخلاق يبرران كلاهما دخول وحدة الإنقاذ". لكن المحكمة رفضت الالتماس بعدما قال مستشار وزير الدفاع إن "الوحدة ستحاول تحديد مواقع الناس". ولم تتلق منظمة العفو الدولية أية معلومات يمكن أن تشير إلى أنه بعد الحكم الصادر في 14 إبريل/نيسان دخلت وحدة الإنقاذ التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي إلى مخيم جنين للاجئين.
وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، تلتزم الدول باحترام الجرحى وحمايتهم (المادة 16) والسماح بنقل الجرحى أو المرضى من المناطق المحاصرة، وإدخال أفراد الجسم الطبي إلى هذه المناطق (المادة 17) وتوزيع الإمدادات الطبية والإنسانية على المناطق المحاصرة (المادة 55). وينتهك منع دخول المسعفين الطبيين واستهدافهم الحظر المفروض على "تعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة" بموجب المادة 147 ويشكل في هذه الحالة انتهاكاً جسيماً للاتفاقية وبالتالي جرائم حرب.
هدم المنازل والممتلكات
بحسب ما قالته الأونروا، لحقت أضرار جسيمة بـ 2649 منـزلاً فلسطينياً، يؤوي 13145 لاجئ خلال الفترة الممتدة بين 29 مارس/آذار و23 إبريل/نيسان 2002. ولا تتضمن هذه الأرقام عشرات المنازل المدمرة أو المتضررة العائدة للفلسطينيين الذين لم يسجلوا أنفسهم كلاجئين لدى الأونروا خلال هذه الفترة، ولا المنازل التي هُدمت في فترة لاحقة من العام. وشهد مندوبو منظمة العفو الدولية، ومن ضمنهم مستشار عسكري، أثار تدمير منازل الفلسطينيين، وبخاصة في جنين، من دون وجود ضرورة عسكرية واضحة في الأغلبية العظمى من الحالات. وجلبت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي التي دخلت إلى جنين ونابلس الدبابات أو الجرافات عبر طرق ضيقة، فهدمت واجهات المنازل في طريقها؛ وأحياناً كان يتم هدم واجهة المنـزل حتى عندما تكون الطريق عريضة. وفي حي الحواشين والمناطق المجاورة له في مخيم جنين للاجئين، جرى تدمير 169 منـزلاً، يضم 374 وحدة سكنية، بالجرافات بعد توقف القتال في معظم الأحيان. وخلص مندوبو منظمة العفو الدولية الذين شهدوا الموقع المدمر في 17 إبريل/نيسان، عندما رُفع أخيراً الحصار الذي فرضه جيش الدفاع الإسرائيلي على البلدة، إلى أنه لم تكن هناك ضرورة عسكرية حتمية لهذا التدمير.
وفي كل من جنين ونابلس، كانت هناك حالات، عمد فيها جيش الدفاع الإسرائيلي إلى هدم المنازل على رؤوس أصحابها. ولم يعط جيش الدفاع الإسرائيلي إنذارات كافية أو تقاعس عن إعطاء إنذارات بالمرة قبل هدم المنازل، وبالتالي لم يخفق فقط في اتخاذ إجراءات لإنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض، بل حتى منع الآخرين من البحث عنهم. وقد وثَّقت منظمة العفو الدولية ثلاثة حوادث أدت إلى وفاة 10 أشخاص تتراوح أعمارهم بين أربعة أعوام و85 عاماً؛ وتم تسجيل ستة آخرين على قوائم المستشفيات المتعلقة بالذين قُتلوا في جنين نتيجة سحقهم تحت الأنقاض.
وخلال العمليات العسكرية، دُمرت أيضاً المباني التجارية والدينية والثقافية والمدنية من دون وجود ضرورة عسكرية حتمية. وتعرضت نابلس بشكل خاص لمثل هذا التدمير ليس فقط لمبانيها التجارية، بل أيضاً لمبانيها الدينية والثقافية التي يعود تاريخها إلى عدة قرون خلت.
كذلك وثَّقت منظمة العفو الدولية حوادث تعرضت فيها الممتلكات الشخصية الموجودة داخل الشقق أو البيوت التي احتلها جيش الدفاع الإسرائيلي إلى التلف عمداً وأحياناً إلى النهب. وفي سبتمبر/أيلول أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها لاحقت قضائياً 18 جندياً بتهمة السلب. وتثير حوادث التخريب والنهب العديدة التي ارتكبها عدد من وحدات جيش الدفاع الإسرائيلي في مختلف المدن القلق من أن بعض هذه الأفعال، التي تنتهك القانون الإنساني الدولي، ربما حصلت على مباركة السلطات الإسرائيلية أو قادة جيش الدفاع الإسرائيلي أو قبولهم.
وتحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة العقاب الجماعي، مثل هدم المنازل حيث تنص على أنه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب". وتحظر المادة نفسها السلب وتدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم. وتنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه "يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير." وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2001 ذكرت لجنة مناهضة التعذيب، في الخلاصات التي توصلت إليها عقب مراجعة تقرير إسرائيل، بأن سياسة الإغلاق التي تتبعها إسرائيل وهدمها لمنازل الفلسطينيين "قد تصل في بعض الظروف إلى حد المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" في انتهاك للمادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب. وتدرج المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة "تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية" بوصفه انتهاكاً جسيماً للاتفاقية ولذا يشكل جريمة حرب.
قطع المياه والتيار الكهربائي
في جنين قُطعت الكهرباء عن المدينة في 3 إبريل/نيسان؛ وفي الجزء الأسفل من مخيم اللاجئين لم تتم إعادة التيار الكهربائي ولو جزئياً حتى 25 إبريل/نيسان. وزعمت بلدية جنين أن المغذيات الرئيسية بالتيار استُهدفت وأن فرق إصلاح الأضرار (فرق الصيانة) تعرضت لإطلاق النار. وقطعت المياه كذلك، وتعرض العديد من خزانات المياه الموجودة على سطوح المنازل لأضرار نجمت عن نيران جيش الدفاع الإسرائيلي. وظل سكان المخيم وأولئك الذين يعيشون في المناطق العليا من دون ماء مدةً تصل إلى ثلاثة اسابيع؛ وتشير الأونروا إلى أن نقاط المياه المتصلة بالمخيم لم يتم إصلاحها حتى 28 إبريل/نيسان. وفي نابلس قُطعت المياه والكهرباء وأيضاً اعتباراً من 3 إبريل/نيسان.
ويشكل قطع الماء والكهرباء عقاباً جماعياً ممنوعاً بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة.
ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في الاعتقال التعسفي
في المدن ومخيمات اللاجئين التي احتلها الجيش الإسرائيلي، أساء معاملة الفلسطينيين الذين اعتقلوا في عمليات اعتقال جماعية للذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و55 عاماً وأحياناً مارس التعذيب ضدهم كما ورد. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع العديد من الفلسطينيين المقيمين في جنين الذين أُطلق سراحهم من الاعتقال عندما كانوا لا يزالون في قرية رمانة الواقعة بالقرب من جنين، ومُنعوا من العودة إلى ديارهم. كذلك أجرى مندوبو منظمة العفو الدولية مقابلات مع معتقلين فلسطينيين سابقين قُبض عليهم خلال عملية السور الواقي في جنين ونابلس والذين وصفوا المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي تعرضوا لها بصورة مألوفة. وتعرض معظمهم للإذلال ووُجهت الإهانات إلى العديد منهم. ووصف كثيرون المعاملة التي وصلت إلى حد التعذيب، معظمها على شكل عمليات ضرب عشوائية بأعقاب البنادق.
وتحظر المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ وهذه المادة غير قابلة للانتقاص. كذلك صادقت إسرائيل على اتفاقية مناهضة التعذيب التي تنص على أنه "لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أياً كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديداً بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب" (المادة 2(ب)) وتقتضي إجراء تحقيق في كل زعم تعذيب أو إساءة معاملة (المادة 12).
وبموجب المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة يشكل "التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية …والحجز غير المشروع للشخص المحمي "والحرمان المتعمد للشخص المحمي من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية" انتهاكات جسيمة للاتفاقية وبالتالي جرائم حرب.
استخدام الفلسطينيين في العمليات العسكرية أو "كدروع بشرية"
في كل من جنين ونابلس وكما يُبين العديد من الشهادات، كان هناك نمط تمثل في إجبار الفلسطينيين على المشاركة في العمليات الحربية أو استخدامهم "كدروع بشرية" وقد استُخدمت النساء فضلاً عن الرجال على هذا النحو.
وكان استخدام الفلسطينيين "كدروع بشرية" وللقيام بالعمليات الحربية موضوع التماس قُدم إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في مايو/أيار 2002. وقدمت سبع منظمات لحقوق الإنسان التماساً يطلب منع جيش الدفاع الإسرائيلي من استخدام المدنيين الفلسطينيين "كدروع بشرية". وفي معرض ردها أشارت الدولة الإشارة إلى أن الجيش حظر على جميع القوات استخدام "الدروع البشرية" (رغم أنه لم يعترف أو ينفي استخدام هذه الممارسة التي تُعرف لدى جيش الدفاع الإسرائيلي "بإجراء الجيران") وأنه سيباشر تحقيقاً داخليا بشأن القضايا التي أُثيرت في الالتماس. وفي ضوء رد الدولة، قررت المحكمة عدم إصدار أمر زجري لكنها طلبت من الدولة تقديم نسخة خطية من أوامرها.(27) ولم يتم ذلك بعد. وفي هذه الأثناء، واصل جيش الدفاع الإسرائيلي ممارسة إكراه الفلسطينيين على العمل "كدروع بشرية" في العمليات العسكرية. وفي أغسطس/آب قُتل فلسطيني استخدمه جيش الدفاع الإسرائيلي "كدرع بشري" أثناء تبادل إطلاق النار، وأصدرت محكمة العدل العليا أمر منع مؤقتاً ضد استخدام هذا الإجراء؛ لكن استخدامه يتواصل رغم ذلك.(28)
وتحظر المادة 51 من اتفاقية جنيف الرابعة على دولة الاحتلال إجبار الأشخاص المحميين على الإسهام في العمليات العسكرية. وتحظر المادة 28 استخدام الأشخاص المحميين "كدروع بشرية". وتعتبر المادة 147 "تعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة بمثابة "انتهاك جسيم". لذا يُشكل جريمة حرب أيضاً.
إبعاد أنظار العالم عما يجري : التقاعس الدولي عن اتخاذ إجراءات
يترتب على دولة إسرائيل الواجب الرئيسي المتمثل في احترام مواد اتفاقية جنيف الرابعة. وإضافة إلى ذلك، يترتب، بموجب المادة الأولى، من اتفاقية جنيف الرابعة على جميع الدول التي تشكل الأطراف المتعاقدة السامية في اتفاقية جنيف واجب بأن "تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها".
وقد أبدى المجتمع الدولي والحكومات والمنظمات والأفراد اهتماماً شديداً بالوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأدت علاقة النـزاع بتدهور أوضاع حقوق الإنسان إلى إدراك متزايد بأنه لا يمكن تحقيق السلام أو الأمن في المنطقة إلى أن يتم احترام حقوق الإنسان. ولم يكن التقصير في إحداث 8?غيير ناجماً عن تقصير في الإدراك أو حتى في الإرادة لدى معظم أعضاء المجتمع الدولي. ففي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وسواها من المنظمات الحكومية الدولية، صدرت بيانات وقرارات. وأُرسلت الوفود إلى المنطقة وقُدِّمت خطط السلام. لكن كل المحاولات التي بُذلت لوضع حد لانتهاك حقوق الإنسان ووضع نظام للحماية الدولية في إسرائيل والأراضي المحتلة، وبخاصة عبر نشر مراقبين لديهم صلاحيات واضحة بشأن حقوق الإنسان، قد تقوضت نتيجة رفض الحكومة الإسرائيلية، غالباً بدعم من الولايات المتحدة، التي بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، تستطيع إبداء دعمها لإسرائيل بممارسة حق النقض ضد قرار مجلس الأمن.
وخلال شهر إبريل/نيسان 2002، مع تواصل عملية السور الواقي، ازداد القلق بسرعة إزاء ما كان يحدث في المناطق التي أغلقها جيش الدفاع الإسرائيلي بوجه العالم الخارجي، مثل جنين ونابلس، ومورس ضغط دولي غير مسبوق على الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك إجراء مناقشات أدت إلى إصدار قرارات وتحركات في برلمانات الدول في شتى أنحاء العالم وفي البرلمان الأوروبي والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا وفي هيئات الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان، فضلاً عن العشرات من التدخلات الدبلوماسية والزيارات التي قامت بها الوفود الحكومية والبرلمانية إلى إسرائيل.
لكن الحكومة الإسرائيلية عرقلت بثبات استعداد المجتمع الدولي برعاية الأمم المتحدة للتحرك من أجل حماية حقوق الإنسان، بما فيها الحقوق الإنسانية للمدنيين الإسرائيليين الذين استهدفتهم الجماعات المسلحة الفلسطينية.
وبعد مضي يومين فقط على غزو جنين ونابلس، طلبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المجتمعة في جنيف في 5 إبريل/نيسان من المفوضة السامية لحقوق الإنسان بترؤس بعثة زائرة للسفر فوراً والعودة بسرعة لعرض النتائج التي توصلت إليها والتوصيات التي أعدتها على الدورة الحالية للجنة. وقد شُكلت البعثة في 8 إبريل/نيسان. لكن في 19 إبريل/نيسان أبلغ وزير الخارجية الإسرائيلي البعثة بأن الحكومة الإسرائيلية لن تُسهِّل زيارتها. وبناء على طلب لجنة حقوق الإنسان، أصدرت المفوضة السامية لحقوق الإنسان تقريراً في 24 إبريل/نيسان 2002 يدعو إلى التطبيق الكامل لاتفاقية جنيف الرابعة على كلا الجانبين لوضع حد لأعمال العنف ومساءلة جميع الأطراف.
علينا أن تكون واضحين جداً بأن الدفاع عن النفس ليس شيكاً على بياض. ومن المهم أن نفهم بأن الرد على الإرهاب لا يُعفي إسرائيل بأي شكل من الالتزامات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي، كما أنه لا يبرر خلق أزمة إنسانية وحقوق الإنسان داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وثمة حاجة ملحة للتقيد بجميع أحكام القانون الدولي، وبخاصة تلك التي تُحظِّر استخدام القوة بلا تمييز وبدرجة غير متناسبة، فضلاً عن المعاملة المهينة للسكان المدنيين.
الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في بيان أدلى به أمام مجلس الأمن الدولي في 4 إبريل/نيسان 2002.
|
"إن التقاعس عن التحقيق في المزاعم واسعة النطاق حول الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والمطالبة بالمساءلة يهدد بتقويض سلامة نظام حقوق الإنسان."(29)
قام الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي خافييـر سولانا ووزير خارجية أسبانيا جوزيف بيكه، الذي كانت بلاده تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي في حينه، بزيارة إسرائيل في 4 إبريل/نيسان. ولم يُسمح لهما بلقاء الرئيس عرفات. وفي 10 إبريل/نيسان، ودعا البرلمان الأوروبي إلى وقف العمل فوراً باتفاقية الشراكة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وفي القمة الوزارية الأوروبية – المتوسطية التي عُقدت في بلانسيا بين 22 و24 إبريل/نيسان، طغت أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة على جدول الأعمال؛ وقام خافييـر سولانا بزيارة أخرى إلى إسرائيل والأراضي المحتلة في 25 إبريل/نيسان وعقد اجتماعات مع رئيس الوزراء أرييل شارون، وعقب التغلب على بعض الصعوبات، سُمح له بلقاء الرئيس ياسر عرفات الذي كان في ذلك الحين محاصراً في مقره برام الله.
وأعرب مجلس الأمن الدولي من خلال قراريه رقم 1397 و1402 اللذين أصدرهما في مارس/آذار والقرار رقم 1403 الذي أصدره في إبريل/نيسان عن قلقه إزاء تدهور الأوضاع ودعا إلى وقف إطلاق نار حقيقي. وفي 10 إبريل/نيسان أصدرت "اللجنة الرباعية" التي تضم ممثلين عن الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا بياناً عاماً حثت فيه إسرائيل على تنفيذ القرارين 1402 و1403. وأمضى وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ستة أيام في إسرائيل بين 11 و17 إبريل/نيسان في محاولة للتوسط.
ونتيجة للقلق المتزايد إزاء الوضع في جنين وهول مشهد المنازل المهدمة الذي استقبل المراقبين الأوائل من المجتمع الدولي الذين استطاعوا الدخول إلى مخيم جنين للاجئين بعد 15 إبريل/نيسان، استجابت الأمم المتحدة للدعوات إلى إجراء تحقيق دولي والتي أصدرتها مجموعات عديدة، من ضمنها منظمة العفو الدولية. وتم الاتفاق بين الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ووزير خارجية إسرائيل شمعون بيريز على إرسال بعثة لتقصي الحقائق من أجل "جمع معلومات دقيقة" تتعلق بالأحداث التي حصلت في جنين، وحظيت بالإجماع في التصويت الذي جرى على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1405 (2002) الصادر في 19 إبريل/نيسان 2002. كذلك شدد القرار على واجب الجميع في ضمان سلامة المدنيين واحترام المعايير المقبولة عموماً للقانون الإنساني الدولي. وضمت بعثة تقصي الحقائق ثلاثة خبراء بارزين (مارتي أهتيساري، رئيس وزراء فنلندا السابق وساداكو أوغاتا، المفوض السامي السابق للاجئين التابع للأمم المتحدة وكورنيليو وسوماروغا، الرئيس السابق للجنة الدولية للصليب الأحمر) وضمت مستشارين عسكريين وشرطيين وقانونيين وطبيين، كان بي u1606?هم خبراء في الطب الشرعي. وبعد موافقة مبدئية على بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، أثارت الحكومة الإسرائيلية سلسلة من الاعتراضات تتعلق بأعضائها وصلاحياتها. ثم سحبت الحكومة الإسرائيلية تعاونها مع البعثة ومنعتها من الدخول إلى إسرائيل. وحل الأمين العام للأمم المتحدة البعثة في 3 مايو/أيار.
وفي 7 مايو/أيار 2002، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من الأمين العام "تقديم تقرير، يستند إلى الموارد والمعلومات المتوافرة، حول الأحداث الأخيرة التي جرت في جنين وسواها من المدن الفلسطينية.(30) وقد كُتب هذا التقرير من دون القيام بزيارة إلى جنين أو غيرها من المدن الفلسطينية. وارتكز فقط على مذكرات قدمتها الدول الأعضاء وبعثات المراقبين والمنظمات غير الحكومية، فضلاً عن الوثائق التي أصبحت أصلاً في متناول الجمهور. ولم ترد إسرائيل على طلب قدمه مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية لتقديم معلومات من أجل التقرير. ويُعيد التقرير، الذي نُشر على الملأ في يوليو/تموز 2002، تأكيد الالتزامات المترتبة على إسرائيل بموجب اتفاقيات جنيف – وواجب السلطة الفلسطينية بموجب القانون الدولي العرفي - في احترام حقوق الإنسان. وعلى صعيد الوقائع، يتماشى العديد من الخلاصات التي توصل إليها مع استنتاجات منظمة العفو الدولية وسواها من منظمات حقوق الإنسان. ويثير التقرير قضية فرض إسرائيل لحظر التجول على مدار الساعة و"القيود" المفروضة على حركة الموظفين الدوليين، وأحياناً منعهم التام من الحركة، بمن فيهم في بعض الأحيان عمال الإغاثة والمسعفون الطبيون"، ويشدد على "المصاعب الجمة" التي يعاني منها السكان المدنيون (الفقرة 24). ويشير التقرير إلى العديد من الأنباء التي تحدثت عن استخدام جيش الدفاع الإسرائيلي للفلسطينيين لمرافقته في عمليات تفتيش المنازل واعتقال الفلسطينيين وإساءة معاملتهم، وأعمال التخريب التي يرتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي و"الدمار واسع النطاق للممتلكات الفلسطينية والخاصة". كما يشير إلى الاتهامات المتعلقة بانتهاك الجماعات المسلحة الفلسطينية للقانون الإنساني الدولي بتواجدها في منطقة مكتظة بالسكان واستخدامها الأطفال لنقل العبوات المفخخة وربما زرعها.
ولا يمكن لتقرير الأمين العام حول الأحداث التي وقعت في جنين والمدن الفلسطينية الأخرى أن يشكل بديلاً لإجراء تحقيق كامل ومستقل وحيادي وشامل. وتدرك منظمة العفو الدولية أنه ما زالت هناك حاجة ملحة جداً لإجراء مثل هذا التحقيق في الأحداث المرتبطة بعملية السور الواقي. ويمكن للجنة تحقيق دولية كاملة، تستطيع أخذ أقوال الأفراد والإطلاع على السجلات لدى كلا الجانبين، أن تجري تحقيقاً شاملاً في كل عملية قتل مستخدمة الخبرة الجنائية والقانونية والعسكرية لتحديد ما إذا كانت عملية القتل قانونية أم غير قانونية؛ ويمكنها التحقيق في ملابسات هدم كل منـزل ومبنى فلسطيني وإلحاق الضرر به لتحديد "الضرورة العسكرية المطلقة" لهدمه؛ ويمكنها إجراء تحقيق كامل في معاملة المعتقلين الفلسطينيين عقب إلقاء القبض عليهم؛ ومدى استخدام "الدروع البشرية" والحقائق المتعلقة بالحرمان من المعونة الطبية والإنسانية. وتستطيع أيضاً النظر بشكل تام في الانتهاكات المزعومة للقانون الإنساني الدولي التي ارتكبتها الجماعات المسلحة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية خلال عملية السور الواقي. ويمكن للجنة التحقيق أن تقدم توصيات واضحة مدعومة بقوة وأثر التحقيقات التي أجرتها.
وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية هي من أكثر الجرائم خطورة بموجب القانون الدولي، وتمثل جرائم ضد الإنسانية ككل ويُحظرها قانون روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية. ولذلك لا يستطيع المجتمع الدولي أن يظل شاهداً عاجزاً على الانتهاكات الجسيمة التي يتواصل ارتكابها في إسرائيل والأراضي المحتلة.
التوصيات تتعلق هذه التوصيات بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت في جنين ونابلس وحدهما. وتتضمن التقارير الأخرى لمنظمة العفو الدولية توصيات للاستخدام العام.
تدعو منظمة العفو الدولية الحكومة الإسرائيلية إلى : · التأكد من أن عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي تتقيد في تنفيذها بالاحترام التام للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان؛ · إجراء تحقيق كامل وشامل وحيادي يتسم بالشفافية في جميع مزاعم انتهاك القانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان، بما فيها تلك الموثقة في هذا التقرير وإذاعة النتائج على الرأي العام؛ · التعاون مع التحقيقات التي تجريها الأمم المتحدة؛ · تقديم الذين يُزعم أنهم ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي إلى العدالة في إجراءات تستوفي المعايير الدولية للمحاكمات العادلة؛ · ضمان تقديم تعويضات سريعة وكافية إلى ضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني؛ · احترام الحقوق الإنسانية لجميع الأشخاص الذين يعيشون في الأراضي المحتلة وحمايتها بلا تمييز؛ · إدراج ممارسات السلطات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة في جميع التقارير التي تُرفع إلى هيئات مراقبة تنفيذ المعاهدات في الأمم المتحدة؛ · اتخاذ إجراءات فورية لمنع جيش الدفاع الإسرائيلي من إجبار الفلسطينيين على المشاركة في العمليات العسكرية أو استخدامهم "كدروع بشرية" واتخاذ إجراءات ضد أي جندي أو قائد عسكري يقوم بهذه الممارسات أو يجيزها؛ · الوفاء بالالتزامات القانونية الدولية المترتبة عليها بضمان السماح للمسعفين الطبيين وسيارات الإسعاف بأداء واجباتهم من دون تأخير غير لازم وتأمين المرور الآمن لهم؛ · ضمان المرور الآمن للمؤن الإنسانية والطبية؛ · التوقف فوراً عن استخدام القوة المميتة لتطبيق حظر التجول؛ · وضع حد للعقاب الجماعي بما في ذلك تدمير المنازل وعمليات الإغلاق وحظر التجول وقطع الماء والكهرباء؛ · وضع حد لممارسة التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة ضد المعتقلين؛ · وضع حد للاعتقال الإداري وإطلاق سراح جميع المعتقلين الإداريين إلا إذا تمت محاكمتهم بارتكاب جرم جنائي معترف به في محاكمة تستوفي معايير المحاكمات العادلة لدى الأمم المتحدة؛ · القبول بوجود مراقبين دوليين في الأراضي التي تحتلها إسرائيل يتضمن عنصراً قوياً لحقوق الإنسان.
وتدعو السلطة الفلسطينية إلى : اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لمنع أي شخص خاضع لولايتها القضائية من مهاجمة المدنيين أو تعريض سلامتهم للخطر على نحو آخر؛
وتدعو الجماعات المسلحة الفلسطينية إلى : · احترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي تحظر قتل المدنيين؛ · وضع حد لاستخدام الأطفال في أية عمليات عسكرية.
وتدعو المجتمع الدولي إلى : الالتزام بالواجب المترتب عليه بموجب المادة 1 من اتفاقية جنيف الرابعة في أن "يحترم هذه الاتفاقية ويكفل احترامها". ورغم المعلومات التي قدمتها منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الدولية الإنسانية ولحقوق الإنسان، والتي تُوثق بوضوح انتهاكات الاتفاقية، بما فيها الانتهاكات الجسيمة بموجب المادة 147، إلا أن هذه الانتهاكات تتواصل دون أن ينال مرتكبوها أي عقاب. وتدعو منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي، وبخاصة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى : · التوقف فوراً عن بيع أو نقل الأسلحة التي تُستخدم في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان إلى القوات الإسرائيلية إلى حين الحصول على ضمانات بعدم استخدام هذه المعدات في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أو لحقوق الإنسان؛ · التأكد من الوفاء بالالتزامات المترتبة على إسرائيل بموجب قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني، وتحديداً الالتزامات المترتبة عليها كدولة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة؛ · التأكد من إدراج حقوق الإنسان في صلب جميع المفاوضات والاتفاقيات المؤقتة وأية اتفاقيات نهائية؛ · تقديم أي شخص متهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو تعذيب قد يكون داخل في ولايتها القضائية إلى العدالة؛ · اتخاذ خطوات لإقامة وجود للمراقبين الدوليين في الأراضي التي تحتلها إسرائيل على أن يتضمن عنصراً لحقوق الإنسان.
هوامش : 1. للاطلاع على عمليات التوغل السابقة التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي في مارس/آذار انظر تقرير إسرائيل والأراضي المحتلة : الثمن الفادح لعمليات التوغل الإسرائيلية، إبريل/نيسان 2002 (رقم الوثيقة : MDE 02/003/2002). 2. جرى توثيق نمط الاعتقالات في تقرير منظمة العفو الدولية : إسرائيل والأراضي المحتلة : اعتقال جماعي في أوضاع قاسية ولاإنسانية ومهينة، مايو/أيار 2002 (رقم الوثيقة : MDE 15/074/2002). 3. انظر تقرير منظمة العفو الدولية إسرائيل والأراضي المحتلة والسلطة الفلسطينية : قتل المستقبل، أطفال في خط النار، أكتوبر/تشرين الأول 2002 (رقم الوثيقة : MDE 02/005/2002) وتقرير إسرائيل والأراضي المحتلة والسلطة الفلسطينية : الجماعات المسلحة الفلسطينية تشن هجمات على المدنيين بلا تمييز، يوليو/تموز 2002 (رقم الوثيقة : MDE 02/003/2002). 4. قُتل خمسة إسرائيليين بينهم ثلاث نساء، على يد انتحاري في مركز تسوق مزدحم في هشارون نتانيا في 18 مايو/أيار 2001. وأعلنت حماس مسؤوليتها عن الهجوم. 5. تشير أرقام جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مقتل 52 فلسطينياً وتقول إن 14 منهم فقط لم يكونوا مقاتلين (أي أن كل فلسطيني ذكر يتراوح عمره بين 15 و55 عاماً اعتُبر في عداد المقاتلين). ولم تدرس منظمة العفو الدولية كل حالة على حدة؛ وبحسب الإحصائيات الفلسطينية ومرصد حقوق الإنسان، كان حوالي 22 شخصاً من القتلى مقاتلين. وبحسب دراسة الأونروا التي أُجريت في مخيم جنين للاجئين بعد أن غادر جيش الدفاع الإسرائيلي المخيم في إبريل/نيسان، لا يوجد حالياً إلا شخص واحد في عداد المفقودين. انظر تقرير إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة المحتلان وأراضي السلطة الفلسطينية : العمليات العسكرية لجيش الدفاع الإسرائيلي في جنين، تقرير لمرصد حقوق الإنسان. 6. لكن النساء والأطفال استُخدموا أيضاً : فمثلاً، الطفل المذكور أدناه البالغ من العمر 15 عاماً وأسمهان أبو مراد في الحالة المتعلقة بقتل عفاف الدسوقي. 7. انظر تقرير منظمة العفو الدولية إسرائيل والأراضي المحتلة : اعتقال جماعي في أوضاع قاسية ولاإنسانية ومهينة، مايو/أيار (رقم الوثيقة : MDE 15/074/2002). 8. قُبض على بعض الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً أو الرجال الذين تزيد أعمارهم على 55 عاماً، فضلاً عن بضع نساء؛ 9. يذكر العديد من المعتقلين بأن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي أخذوا بطاقاتهم الشخصية خلال اعتقالهم، لكنهم لم يعيدوها لهم، وقال آخرون إنهم اعتُقلوا خلال الليل ولم تكن بحوزتهم بطاقات شخصية. 10. تعرضت ثلاث سيارات إسعاف على الأقل، اثنتان منها تابعتان لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وواحدة تابعة لجمعية أصدقاء المريض لأضرار جسيمة خلال شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار نجمت عن نيران جيش الدفاع الإسرائيلي. 11. الق90?ية H.C.2941/02 باديا رائيك سوابتا ومنظمة القانون ضد قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (رُفعت في 7 إبريل/نيسان 2002؛ ضُمت إليها القضية H.C.2936/02 من جانب المحكمة لإصدار قرار بشأنهما؛ وقضية أطباء لحقوق الإنسان – في إسرائيل ضد قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، صدر القرار في 8 إبريل/نيسان 2002). 12. تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية مناسبة حظيت بدعاية واسعة عندما عُثر في 27 مارس/آذار على حزام ناسف في سيارة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس. وأحاط بها العديد من الملابسات التي تثير الشكوك. فقد مرت سيارة الإسعاف عبر أربع نقاط تفتيش وهي في طريقها إلى القدس من دون تفتيشها (وهذا غير طبيعي) ثم جرى تأخيرها لأكثر من ساعة قبل تفتيشها لإتاحة المجال لعدسات الكاميرات التلفزيونية بالمجيء (مما يوحي بأنه كان على الأقل لدى جيش الدفاع الإسرائيلي معرفة مسبقة بشيء مخبأ فيها). وأُطلق سراح الطبيب والركاب الموجودين في سيارة الإسعاف على الفور. وطلبت منظمة العفو الدولية من جيش الدفاع الإسرائيلي تزويدها بمعلومات حول الوضع القانوني لسائق سيارة الإسعاف، لكنها لم تتلق رداً. 13. أنشطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنين من 3/4/2002 وحتى 21/4/2002 (معلومات عامة)"؛ اللجنة الدولية للصليب الأحمر. 14. أُردي هاني عطية أبو إرميلة، 20 عاماً، ابن عطية أبو رميلة، بالرصاص قبل يومين. وبحسب ما قالته عائلته كان مشاركاً في القتال. 15. انظر القضية H.C.2977/02 العدالة والقانون ضد قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (رُفعت في 8 إبريل/نيسان 2002؛ وصدر القرار في 9 إبريل/نيسان 2002) 16. معلومات قدمتها الأونروا إلى منظمة العفو الدولية في 13 يونيو/حزيران 2002. 17. مقابلة أجرتها منظمة العفو الدولية مع اللواء غيورا إيلاند في 14 مايو/أيار 2002. 18. ومن بينها مدرسة جنين الثانية ومدرسة جنين الابتدائية وثانوية الزهراء للبنات ومدرسة الكرامة الابتدائية المختلطة ومدرسة حطين الابتدائية ومدرسة جنين الابتدائية للبنات وثانوية جنين للبنات ومدرسة تحت النطاقين الابتدائية للبنات ومدرسة فاطمة خاتون للبنات. 19. الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان : إسرائيل، وثيقة الأمم المتحدة UNDoc:CCPR/C/79/Add.93 (18 أغسطس/آب 1998) في الفقرة 10؛ الملاحظات الختامية للجنة القضاء على التمييز العنصري : إسرائيل: UNDoc:CERD/C/304/Add.45، (30 مارس/آذار 1998) في الفقرة 12؛ الملاحظات الختامية للجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية : إسرائيل ، UNDoc:E/C.12/Add.69 (31 أغسطس/آب 2001). 20. لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام 29: حالات الطوارئ، UNDoc.CCPR/C/21/Rev.1/Add.11 (31 أغسطس/آب 2001). 21. قالت إسرائيل إن هذه الاتفاقية لا تنطبق إلا على الأراضي ذات السيادة التابعة لطرف متعاقد أصلي، وبما أن الأردن ومصر لم تكن لهما قط السيادة القانونية على الضفة الغربية وقطاع غزة، فلا يمكن اعتبار هذه المناطق محتلة بموجب القانون الدولي. http://www.israelemb.org/public_affairs/FAQ/currentFAQ.html.#8 22. الإعلان الصادر عن مؤتمر الأطراف المتعاقدة الأصلية في اتفاقية جنيف الرابعة، جنيف، 5 ديسمبر/كانون الأول 2001، في الفقرة 3. 23. انظر مثلاً قرار مجلس الأمن الدولي رقم 465 (1980) الصادر في مارس/آذار 1980؛ وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 681 (1990)، الصادر في 20 ديسمبر/كانون الأول 1990، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 799 (1992) الصادر في 18 ديسمبر/كانون الأول 1992. 24. انظر المادة 8 من قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كذلك تدرج المادة 8 الانتهاكات الجسيمة وغيرها من الانتهاكات الخطيرة للبروتوكول الأول كجرائم حرب. 25. انظر تقرير منظمة العفو الدولية، إسرائيل والأراضي المحتلة والسلطة الفلسطينية: الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة الفلسطينية بلا تمييز، يوليو/تموز 2002 (رقم الوثيقة : MDE 02/003/2002). 26. تجدر الملاحظة بأن إسرائيل ليست طرفاً بعد في قانون روما الأساسي. وفي حال عدم وجود إحالة من جانب مجلس الأمن الدولي، لن تتمكن المحكمة الجنائية الدولية من مقاضاة رعايا دولة لم تصادق على قانون روما الأساسي، أو إذا ارتُكب الجرم في دولة لم تصادق عليها إلا إذا أصدرت أي من الدولتين إعلاناً تقبل فيه بالولاية القضائية للمحكمة. 27. انظر القضية H.C.3799/02 العدالة وآخرون ضد إسحاق إيتان، قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وآخرون (رُفعت في 5 مايو/أيار 2002؛ القضية ما زالت عالقة). ويطلق جيش الدفاع الإسرائيلي على ممارسة إجبار المدنيين على تفتيش المنازل تسمية "إجراء الجيران". 28. انظر تقرير في تعارض مع قرار المنع الصادر عن محكمة العدل العليا – جيش الدفاع الإسرائيلي يواصل استخدام "إجراء الجيران"، بتسلم، 28 أغسطس/آب 2002. 29. الفقرة 63، E/CN.4/2002/184. 30. القرار ES-10/10. |
|
|
Page