تقرير منظمة العفو الدولية لعام  2013
حالة حقوق الإنسان في العالم

5 يونيو 2013

المسيرة الطويلة من أجل "معاهدة الاتجار في الأسلحة"

المسيرة الطويلة من أجل "معاهدة الاتجار في الأسلحة"
"معاهدة الاتجار في الأسلحة" هي محصلة نحو عقدين من النضال

"معاهدة الاتجار في الأسلحة" هي محصلة نحو عقدين من النضال

© Amnesty International


إن تجارة الأسلحة على المستوى العالمي يهيمن عليها بشكل كبير نحو 20 دولة من الدول المصدِّرة وحفنة من الدول التابعة المستوردة التي تتسم بالاتساع الشديد، وتأتي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين على قمة الدول المصدِّرة. ومن ثم، فإنه ليس سهلاً على الإطلاق تحقيق ذلك التوازن بين ضم جميع الدول المشاركة في هذه التجارة أو معظمها من جهة وإقرار معاهدة قوية ومتماسكة من جهة أخرى، ولكن هذا ما سوف يتعين علينا أن نفعله
Source: 
برايان وود، رئيس برنامج "حقوق الإنسان والحد من الأسلحة" في منظمة العفو الدولية
تكمن أهمية الفكرة الداعية لإبرام معاهدة للاتجار في الأسلحة في أن من شأنها أن تلزم دول العالم، للمرة الأولى على مر العصور، بأن تضع في الحسبان المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي، وكذلك معايير القانون الجنائي الدولي، كأساس لما تتخذه من قرارات بخصوص المضي قُدماً في عمليات نقل الأسلحة عبر الحدود. وهذا هو جوهر فكرة "معاهدة الاتجار في الأسلحة"، التي انبثقت أول الأمر من أذهان عدد قليل منَّا في غرفة صغيرة داخل منظمة العفو الدولية
Source: 
برايان وود، رئيس برنامج "حقوق الإنسان والحد من الأسلحة" في منظمة العفو الدولية

في بعض الأحيان قد يكون بوسع فكرة بسيطة، ذات محتوى ثوري، أن تغيِّر العالم إلى الأفضل.

إلا إن مثل هذه الفكرة قد تتطلب نشوء أزمة ملحَّة لكي تحفز الناس على المبادرة بالتحرك.

وهذا ما حدث قبل نحو عقدين من الزمان، عندما بادرت حركة المجتمع المدني في العالم، بقيادة منظمة العفو الدولية، بخوض غمار التحدي المتمثل في وضع قواعد منظمة لتجارة الأسلحة التقليدية في العالم.

وكانت حرب الخليج في عام 1991 قد جعلت كثيراً من قادة العالم يدركون أن بلدانهم لم تعد بمأمن من المخاطر التي ينطوي عليها الافتقار إلى معايير كافية للرقابة والتحقق فيما يتعلق بتجارة الأسلحة على مستوى العالم.

وعندما هدأت العاصفة في أعقاب النزاع الذي اندلع عندما قامت القوات المسلحة القوية للرئيس العراقي السابق صدام حسين بغزو دولة الكويت المجاورة، تبين أن العراق يمتلك مخزوناً هائلاً من الأسلحة التي كانت تنهال عليه من جميع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. كما اتضح أن بعض هذه الدول كانت تزود إيران بالأسلحة أيضاً خلال العقد السابق، مما أدى إلى تأجيج أتون الحرب مع العراق، التي استمرت ثماني سنوات وأسفرت عن إزهاق أرواح مئات الآلاف من المدنيين.

وكان من شأن أزمة الشرعية في تجارة الأسلحة التقليدية أن تقود إلى تحوِّل في التفكير، على حد قول برايان وود، رئيس برنامج "حقوق الإنسان والحد من الأسلحة" في منظمة العفو الدولية، الذي يستطرد قائلاً: "كانت هناك سلسلة هائلة من الفضائح في ذلك الوقت. ولم يعد هناك خيار أمام الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وغيرها من القوى ذات النفوذ سوى أن تفعل شيئاً لاستعادة الثقة من الرأي العام العالمي".


تجاوز الفكرة التقليدية


كان قادة العالم السياسيين قد حاولوا دون جدوى على مدى عقود سابقة وضع ضوابط لتجارة الأسلحة على مستوى العالم، والتي تفتقر إلى قواعد منظمة.

ففي عام 1919، وبدافع من الفزع الذي أثارته ويلات الحرب العالمية الأولى، سعت "عصبة الأمم" المشكَّلة حديثاً آنذاك إلى فرض قيود للحد من عمليات نقل الأسلحة عالمياً على النحو الذي أدى إلى الموت والخراب على نطاق واسع خلال الحرب.

إلا إن هذه المساعي خلال عشرينات وثلاثينات القرن العشرين من أجل وضع معاهدة لتجارة الأسلحة كانت تستند بالأساس إلى التنافس بين القوى الاستعمارية القديمة، ولهذا فسرعان ما تهاوت. فقد عادت الدول ذات الإمبراطويات والأطماع إلى التسلح على نطاق واسع من خلال عمليات إنتاج الأسلحة ونقلها، مما أدى إلى اندلاع حرب عالمية أخرى مدمرة في عام 1939.

وفي أعقاب ما تمخضت عنه الحرب العالمية الثانية من فظائع وخسائر بشرية على نطاق لم يسبق له مثيل، أقام المجتمع الدولي الناشئ آنذاك ثلاثة أعمدة رئيسية، تتمثل في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" و"ميثاق الأمم المتحدة" و"اتفاقيات جنيف". وكانت هذه المواثيق بمثابة خطوة هائلة نحو وضع معايير دولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني.

ومثلما كان الحال مع "معاهدة عصبة الأمم"، فقد نص "ميثاق الأمم المتحدة" على منح مجلس الأمن الدولي صلاحية وضع نظام يكفل التحكم في تجارة الأسلحة. ولكن على مدى أكثر من 60 عاماً لم يطرح مجلس الأمن مطلقاً أية مقترحات لوضع نظام لتجارة الأسلحة التقليدية، بالرغم من أن هذه التجارة استمرت في النمو وتأجيج الانتهاكات نفسها التي سعت المواثيق الدولية الثلاثة الجديدة إلى الحد منها.

وبالرغم من أن الحرب الباردة قد جلبت معها ضوابط جديدة بين أطراف متعددة بخصوص حركة نقل الأسلحة عبر الحدود، فقد ظلت هذه الضوابط خارج نطاق الأمم المتحدة، كما شكَّلت جزءاً من سباق التنافس المحسوب على النفوذ العالمي، والأشبه بلعبة الشطرنج، بين أعضاء "حلف شمال الأطلنطي" (الناتو) من جهة والدول الأعضاء في "حلف وارسو" من جهة أخرى. ولهذا، غاب مرة أخرى بشكل خاص أي اهتمام بالأثر الذي تخلفه عمليات نقل الأسلحة على حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية.

إلا إن سلسلة من الأزمات الصادمة التي شهدها العالم في أواخر الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين جعلت دول العالم تشعر بالأهمية الملحة للإسراع في المحاولات الرامية إلى وضع ضوابط لتجارة الأسلحة على المستوى العالمي. وتمثلت هذه الأزمات في حرب الخليج الأولى، والنزاعات في منطقة البلقان، ومذابح الإبادة الجماعية في رواندا في عام 1994، ثم النزاعات في منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا.


مدوَّنة قواعد السلوك الدولية


ومع تفاقم هذه الأزمات، ازداد قلق المنظمات غير الحكومية والمحامين بالأثار الخطيرة لعمليات نقل الأسلحة غير المسؤولة على حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية.

ويستعيد برايان وود ما حدث في عامي 1993 و1994، عندما اجتمع مع عدد من ممثلي ثلاث منظمات أخرى غير حكومية في أحد مكاتب منظمة العفو الدولية في وسط لندن لصياغة مشروع مدوَّنة لقواعد السلوك الدولية بشأن نقل الأسلحة على أن تكون ملزمة قانوناً. ولأسباب مرحلية، كان مشروع هذه المدوَّنة يستهدف في المقام الأول الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وكان الاتحاد الأوروبي، الذي شعر بالصدمة لما تكشف في أعقاب حرب الخليج من حقائق عن عمليات نقل الأسلحة والذخائر، قد وافق للتو آنذاك على قائمة من ثمانية معايير بشأن صادرات الأسلحة. وأعقب ذلك إقرار "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" لمجموعة من المبادئ بشأن صادرات الأسلحة، وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 1993. ولكن المبادئ التوجيهية التي وضعها الاتحاد الأوروبي والمبادئ التي وضعتها "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" كانت تنطوي على مشكلة، كما يوضح برايان وود، إذ كانت هذه المعايير بأكملها طوعيةً تماماً، في حين أن المنظمات غير الحكومية كانت تطمح إلى وضع معايير ملزمة قانوناً لإحكام الرقابة على عمليات نقل الأسلحة.

وقد سعى برايان وود، بالتعاون مع ممثلي كل من منظمة "عالم أكثر أمناً" و"حركة التنمية العالمية" و"المجلس البريطاني الأمريكي للمعلومات الأمنية"، إلى الاستعانة بخبراء قانونيين من أجل صياغة مبادئ توجيهية تستمد أصولها من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

وبدأت فروع منظمة العفو الدولية في مختلف بلدان أوروبا في عرض الفكرة على الزعماء السياسيين في هذه البلدان، وسرعان ما انتقلت الفكرة إلى الفرع الأمريكي لمنظمة العفو الدولية وغيره من المنظمات غير الحكومية العاملة في الولايات المتحدة، ومن ثم بدأت أنشطة الدعاية تنتشر في مختلف أنحاء منطقة الأطلنطي، حيث لفتت انتباه رئيس كوستاريكا السابق الحائز على جائزة نوبل للسلام أوسكار أرياس.

وقد بادر أرياس بدعوة بعض زملائه من الحائزين على جائزة نوبل للسلام، ومن بينهم ميخائيل غورباتشيف، فضلاً عن منظمة العفو الدولية لحضور "منتدى حالة العالم"، الذي عقده في سان فرانسيسكو في أكتوبر/تشرين الأول 1996. وشارك في المنتدى برايان وود وسوزان والتز، التي كانت ترأس آنذاك اللجنة التنفيذية الدولية لمنظمة العفو الدولية، وهي الهيئة القيادية للمنظمة، ونجح الاثنان، بالتعاون مع أوسكار أرياس وعدد من المنظمات غير الحكومية الأخرى، في إحباط محاولة لطرح نسخة معدلة من مدوَّنة قواعد السلوك الدولية.

وللمرة الأولى من نوعها بالنسبة للرأي العام العالمي، بدأ عدد من الحائزين على جائزة نوبل للسلام وممثلي منظمات غير حكومية يعرضون رؤيتهم المشتركة لنوع جديد تماماً من المعاهدات الدولية من أجل الرقابة على عمليات نقل الأسلحة، وذلك بهدف "جعل وسائل القمع والعنف بمنأى عن أيدي الحكام المستبدين ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان".

وإذا كانت هذه الرؤية قد نبتت أول الأمر من فكرة بسيطة صاغها عدد قليل من النشطاء المخلصين في منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات غير الحكومية داخل مكتب المنظمة في لندن عام 1993، فقد تطلبت سنوات من الجهود المتواصلة من أجل كسب تأييد القادة السياسيين لمشروع مدوَّنة ملزمة قانوناً، يمكن أن تؤدي بدورها إلى إجراءات تشريعية بشأن ضوابط تجارة الأسلحة.

وقد كان جون كيري من المؤيدين المرموقين لفكرة المدوَّنة في الكونغرس الأمريكي، وبالاشتراك مع سينثيا ماكيني ونواب آخرين، ظل يكافح على مدى عامين حتى نجح عام 1998 في استصدار قانون يمنح الرئيس الأمريكي صلاحية التفاوض من أجل إبرام اتفاقية دولية.

وفي العام نفسه، أقر الاتحاد الأوروبي "مدوَّنة قواعد السلوك بشأن صادرات الأسلحة". ويرى برايان وود أن الفائزين بجائزة نوبل قد شعروا بخيبة الأمل من أن مدوَّنة الاتحاد الأوروبي كانت مجرد مدوَّنة طوعية، ولكنها كانت المرة الأولى التي تُوضع فيها مجموعة مفصَّلة من المعايير بشأن صادرات الأسلحة ذات صلة بالالتزامات القانونية الدولية، بما في ذلك الالتزامات في مجال حقوق الإنسان.


نقل المدوَّنة إلى الصعيد العالمي


في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، تقدم أوسكار أرياس وممثلو منظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى عدد من الحائزين على جائزة نوبل للسلام، ومنهم ديزموند توتو وخوزي راموس هورتا، ومجموعة قوية من المنظمات غير الحكومية، بنسخة معدلة من مشروع مدوَّنة قواعد السلوك إلى بعثة الأمم المتحدة في كوستاريكا، طالبين توزيعها على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

ويستعيد برايان وود ما حدث في تلك الأيام فيقول: "في البداية، راح خبراء نزع السلاح يسخرون من فكرتنا، ولكننا في منظمة العفو الدولية كنا ندرك أن جميع الأفكار الخلاقة الرامية لتغيير العالم من خلال وضع مواثيق جديدة لابد أن تُقابل أول الأمر بالرفض والاستهجان".

ويذكر برايان وود أن رد الفعل من بعض الدبلوماسيين المتعاطفين كان مفاده أن ثمة حاجة لمزيد من العمل لتعزيز البنود القانونية الواردة في مشروع المدوَّنة، وأن كثيراً من دول العالم في ذلك الوقت كانت تشارك في عملية للأمم المتحدة من أجل وضع برنامج عمل بشأن الأسلحة الصغيرة فقط، وليس لوضع معاهدة بشأن التجارة في جميع الأسلحة التقليدية.

ومن ثم، أقنع برايان وود المجموعة الأساسية من المنظمات غير الحكومية، والتي كانت قد انضمت لها قبل عدة سنوات منظمة "أوكسفام" في المملكة المتحدة ومنظمة "بلاوشيرز" في كندا، بأن تسعى إلى الحصول على مزيد من المشورة والمساعدة من خبراء قانونيين لفحص نصوص القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني، بغرض تدقيق مشروع المعاهدة.

وتمثلت نتيجة هذا العمل في نسخة منقحة من "إطار اتفاقية بشأن عمليات نقل الأسلحة على المستوى الدولي"، والتي أصبحت معزَّزة بنحو 200 إشارة إلى المعايير الدولية المتعلقة بعمليات نقل الأسلحة. وفي عام 2001، بدأت منظمة العفو الدولية وشركائها من المنظمات غير الحكومية والشخصيات الحائزة على جائزة نوبل للسلام في الاتصال بالحكومات بشكل ودي من أجل ترويج مقترح الاتفاقية الجديد.

ويعلق برايان وود على ذلك بقوله: "على مستوى ما، كان مفهوم المعاهدة بسيطاً نسبياً، فقد كان مبنياً على الالتزامات القانونية القائمة للدول. وقد أُدرج مجمل القانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، في نص قصير نسبياً. ومن ثم، بدأت مجموعة من الحكومات الأساسية تأخذ الأمر على محمل الجد".

وقد وجهت منظمة العفو الدولية ومنظمة "عالم أكثر أمناً" دعوةً لممثلي الحكومات لمناقشة المشروع الجديد، وعُقدت عدة اجتماعات لهذا الغرض، من بينها اجتماع رئيسي عُقد في عام 2001 في "مركز لوترباخت للقانون الدولي" في جامعة كمبردج تحت رعاية العلامة القانوني دانيال بيتلهم.

وفيما بعد، عُقدت اجتماعات أخرى في فنلندا، التي برزت كحليف لمشروع المعاهدة، وكذلك في تنزانيا. وفي كل مرة، كان عدد الحكومات المشاركة يتزايد، حسبما يذكر برايان وود، الذي يستطرد قائلاً: "بدأت الفكرة تنتشر، وبدأت النقاشات الدولية حول الفكرة تتوالى".


حملة الحد من الأسلحة


بمجرد أن بدأ مفهوم المعاهدة يكتسب اهتماماً جدياً من بعض الحكومات التقدمية، بادرت المجموعة الأساسية من المنظمات غير الحكومية بوضع خطة لعرض الفكرة على جمهور أوسع. وقد أدرك التحالف الأوسع من المنظمات غير الحكومية العاملة بشأن قضية الأسلحة الصغيرة أن "برنامج العمل" لن يكون له أثر كاف فيما يتصل بقضايا حقوق الإنسان والقضايا الإنسانية بدون معاهدة للرقابة على تجارة الأسلحة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2003، بدأت منظمة العفو الدولية ومنظمة "أوكسفام" و"شبكة التحرك الدولية بشأن الأسلحة الصغيرة "حملة الحد من الأسلحة" في أكثر من 100 دولة بهدف الدعوة لإبرام معاهدة دولية بخصوص تجارة الأسلحة.

وراح النشطاء في مختلف أنحاء العالم ينشرون عبر الإنترنت صور المؤيدين لفكرة المعاهدة، فيما عُرف باسم حملة "التماس المليون وجه"، وهي أول حملة من نوعها في العالم، كما شاركوا في أنشطة عامة خلاقة بغرض الضغط على الحكومات لطرح مشروع المعاهدة في الأمم المتحدة. وشملت الأنشطة الجماهيرية مسيرة بالجمال بطول الساحل في مالي، ومسيرة بالأفيال في الهند، وتشييد قارب طويل يحمل شعار "حملة الحد من الأسلحة"، وقد فاز في الاحتفال السنوي للقوارب في العاصمة الكمبودية بنوم بنه.

وشيئاً فشيئاً أخذ مشروع المعاهدة يكتسب زخماً، مع تضاعف عدد الدول المؤيدة من مجرد حفنة قليلة في عام 2001 إلى أكثر من 50 دولة في مطلع عام 2005.

أما في لندن، التي شهدت انطلاق الفكرة، فقد بدأت أنشطة الضغط الجماهيرية تؤتي ثمارها. وفي سبتمبر/أيلول 2004، أدلى جاك سترو، وزير الخارجية آنذاك، بتصريح مفاجئ قال فيه إن بريطانيا سوف تؤيد مشروع "معاهدة الاتجار في الأسلحة".

ويتحدث برايان وود عن ردود الفعل التي أثارها هذا التصريح في مختلف أنحاء العالم، فيقول: "أتذكر ذلك اليوم جيداً- كان الأمر مفاجئاً ومثيراً، لأن خطاب جاك سترو نُقل إلى حكومات الاتحاد الأوروبي. كنا وقتئذ في لاهاي، ولم تكن لدى ممثلي هذه الحكومات أية فكرة أن سترو سوف يدلي بهذا التصريح، الذي كان بمثابة قنبلة سياسية. لقد كان الأمر صعباً من قبل، ولكن بمجرد أن أعلنت بريطانيا دعمها للفكرة، سارعت فرنسا وبقية دول الاتحاد الأوروبي بإعلان موافقتها هي الأخرى، ومن ثم بدأ عدد الدول المؤيدة يتنامى بسرعة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية".


عودة إلى الأمم المتحدة


بحلول منتصف عام 2006، كان مقر الأمم المتحدة في نيويورك يعج بالأحاديث عن "معاهدة الاتجار في الأسلحة"، على حد تعبير برايان وود.

وفي يونيو/حزيران من ذلك العام، قام ممثلو منظمة "أوكسفام" وغيرها من المنظمات المشاركة في "حملة الحد من الأسلحة" بتسليم "التماس المليون وجه" إلى كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، مطالبين قادة العالم بدعم مشروع المعاهدة.

وفي الشهر التالي، تقدمت كل من الأرجنتين وأستراليا وكوستاريكا وفنلندا واليابان وكينيا والمملكة المتحدة بمشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان "نحو معاهدة بشأن تجارة الأسلحة". وفي أكتوبر/تشرين الأول 2006، طُرح مشروع القرار للتصويت في "اللجنة الأولى لنزع السلاح" التابعة للأمم المتحدة، فأيدته 153 دولة. وبالرغم من أن بعض الدول المصدرة لكميات كبيرة من الأسلحة، مثل روسيا والصين، قد امتنعت عن التصويت، فقد وقفت ضده دولة واحدة فقط هي الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدراة بوش.

وبناءً على هذا التصويت، بدأت الأمم المتحدة عملية رسمية لاستطلاع آراء الدول بشأن مشروع "معاهدة الاتجار في الأسلحة". وفي الوقت نفسه، نظم المشاركون في "حملة الحد من الأسلحة" "مشاورات شعبية" في عشرات الدول، واستعانوا ببعض الزعماء السياسيين لكي يتحدثوا تأييداً للمعاهدة. وقد ردت أكثر من 100 دولة على استطلاع الآراء، وشُكلت مجموعتان في الأمم المتحدة لإدارة النقاش حول نص المعاهدة.

وبحلول نهاية عام 2009، كان التأييد السياسي للمعاهدة قد تنامى بما يكفي لطرح مشروع قرار جديد في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، أعلنت الولايات المتحدة، التي أصبحت آنذاك في ظل إدارة أوباما، أنها سوف تؤيد المعاهدة بشرط أن يُجرى التصويت النهائي على أساس الإجماع، بمعني أنه يتعين الحصول على موافقة جميع الدول.

وبعد شهرين، صوَّت أكثر من ثلاثة أرباع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لصالح البدء في عملية رسمية للتفاوض حول المعاهدة، وهي عملية شملت خمسة اجتماعات تحضيرية على مدى عامي 2010 و2011، واختُتمت بأربعة أسابيع من المفاوضات النهائية في يوليو/تموز 2012.  


الشيطان يكمن في التفاصيل


وخلال هذه العملية، ظهرت مواقف تفاوضية واضحة في أوساط الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وهي الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في أوساط دول أخرى.

فقد حاولت بعض الدول، مثل الولايات المتحدة، تضييق نطاق المعاهدة عن طريق استبعاد بعض الذخائر، مثل الطلقات. بينما أبدت دول أخرى، مثل روسيا، رضاها التام عن جميع العناصر والأنشطة التي يشملها نص المعاهدة، ولكنها أوضحت بجلاء أنها لا تريد أن يكون للمعايير الإنسانية ومعايير حقوق الإنسان دور في الرقابة على عمليات نقل الأسلحة.

كما لعبت التحالفات والعداوات الإقليمية وشبه الإقليمية دوراً، ومن ثم كانت عملية المشاورات الدبلوماسية كثيراً ما تتسم بالتعقيد وتستغرق وقتاً طويلاً، حسبما يقول برايان وود.

ويرى وود أن بعض الدول، التي يصفها بأنها متشددة ومتششكة في موقفها من "معاهدة الاتجار في الأسلحة"، مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا ومصر وباكستان، قد عملت على إضاعة الوقت، وكان ذلك من الأسباب التي حالت دون وصول المباحثات التي بدأت في يوليو/تموز 2012 إلى اتفاق، ومن ثم بدأت جولة جديدة من المناقشات في الفترة من 18 إلى 28 مارس/آذار 2013 لاختتام المباحثات حول المعاهدة.

ويقرُّ برايان وود بأنه ما زال هناك كثير من العمل الذي يتعين أن تقوم به منظمة العفو الدولية والمنظمات المشاركة في "تحالف الحد من الأسلحة" خلال المؤتمر الختامي، من أجل التوصل إلى أقوى معاهدة ممكنة وجذب أكبر عدد من الدول للانضمام إليها كأطراف.

ويقول برايان وود: "إن تجارة الأسلحة على المستوى العالمي يهيمن عليها بشكل كبير نحو 20 دولة من الدول المصدِّرة وحفنة من الدول التابعة المستوردة التي تتسم بالاتساع الشديد، وتأتي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين على قمة الدول المصدِّرة. ومن ثم، فإنه ليس سهلاً على الإطلاق تحقيق ذلك التوازن بين ضم جميع الدول المشاركة في هذه التجارة أو معظمها من جهة وإقرار معاهدة قوية ومتماسكة من جهة أخرى، ولكن هذا ما سوف يتعين علينا أن نفعله".

وحتى بعد إقرار المعاهدة، سوف يظل هناك عمل هائل ينبغي القيام به من أجل حث الحكومات على امتلاك الإرادة السياسية لضمان عمل الإطار العالمي الناشئ "لمعاهدة الاتجار في الأسلحة"، والذي سيتولى مراقبة مدى تنفيذ الدول الأطراف لالتزاماتها بموجب المعاهدة ومدى حرصها على تقديم تقارير بشأن هذه الالتزامات.

إلا إن الإنجاز الأساسي لهذه العملية برمتها، أو بالأحرى لهذه المسيرة الطويلة نحو إقرار "معاهدة الاتجار في الأسلحة"، يكمن حسبما يرى برايان وود في قبول معظم حكومات العالم حالياً للفكرة القائلة بأن ضوابط تجارة الأسلحة يجب أن تتماشى مع الالتزامات العالمية للدول، بما في ذلك الالتزامات في مجال حقوق الإنسان.

ويعبِّر برايان وود عن ذلك بقوله: "تكمن أهمية الفكرة الداعية لإبرام معاهدة للاتجار في الأسلحة في أن من شأنها أن تلزم دول العالم، للمرة الأولى على مر العصور، بأن تضع في الحسبان المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي، وكذلك معايير القانون الجنائي الدولي، كأساس لما تتخذه من قرارات بخصوص المضي قُدماً في عمليات نقل الأسلحة عبر الحدود. وهذا هو جوهر فكرة "معاهدة الاتجار في الأسلحة"، التي انبثقت أول الأمر من أذهان عدد قليل منَّا في غرفة صغيرة داخل منظمة العفو الدولية، وما زال هذا هو محور المفاوضات".

ويستطرد برايان وود قائلاً: "وهذا كله يثبت أن بوسع أناس عاديين، مثل أعضاء منظمة العفو الدولية في شتى أنحاء العالم وشركائنا في منظمات المجتمع المدني، أن يتوصلوا إلى فكرة خلاقة تستحق النضال من أجلها، وأن يتمسكوا بها وأن يسعوا إلى وضع مقترح يحظى باهتمام وتأييد القادة السياسيين. إن بوسعنا حقاً أن نُحدِث تغييراً".

ويختتم وود حديثه بقوله: "لقد تغيَّرت أرضية النقاش العالمي حول الرقابة على الأسلحة تغيراً تاماً اليوم. ويتعين على القادة السياسيين أن يغتنموا هذه اللحظة الفارقة وألا يدعوها تفلت من أيديهم وتؤول إلى الفشل مثلما حدث في ثلاثينات القرن العشرين".

موضوعات

نشطاء 
نزاع مسلح 
جماعات مسلحة 
جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب 
الإعدام خارج نطاق القضاء وغيره من عمليات القتل غير القانوني 
المعدات العسكرية والأمنية والشرطية 
الأمم المتحدة 

البلد

بريطانيا 

المنطقة

أوربا وأسيا الوسطى 

حملات

Arms control and human rights 

Follow #ArmsTreaty @amnestyonline on twitter

أخبار

03 ديسمبر 2014

عندما مجدي البغدادي, المقيم في لندن والبالغ من العمر 30 عاما, قرر أن يسافر إلى السودان في عام 2011 من أجل افتتاح مطعم صغير, ما كان يتخيل أن سيتم القبض عليه وسيتعرض... Read more »

08 ديسمبر 2014

عشية تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على قانون عسكري رئيسي يوم الثلاثاء، قالت منظمة العفو الدولية أن الكونغرس الأمريكي يخاطر بتزويد دفعات جديدة من السلاح للقوات والجماعات المسلحة... Read more »

22 ديسمبر 2014

قالت منظمة العفو الدولية أن ما زُعم عن خطط باكستان تنفيذ أحكام الإعدام بخمسمائة شخص آخرين تبعث على "عميق القلق" ولن تسهم في حماية المدنيين من النزاع الدائر مع حركة طالبان... Read more »

15 ديسمبر 2014

قالت منظمتا العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش اليوم أنه ينبغي على السلطات الروسية أن تنهي حملة الترهيب والمضايقة التي تشنها بحق المدافعين عن حقوق الإنسان في الشيشان، وذلك... Read more »

23 ديسمبر 2014

في تقرير جديد تصدره اليوم، قالت منظمة العفو الدولية أن همجية حكم التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم الدولة الإسلامية لتتجلى بوضوح في التعذيب بما في ذلك الاغتصاب وغيره من... Read more »