Annual Report 2012
The state of the world's human rights

Document - ????? : ????? ?? ???????

فرنسا : البحث عن العدالة




المقدمة

"كنت اعتقد حقاً أن العدالة ستأخذ مجراها"، هذا ما قاله ضحية لعنف الشرطة لمنظمة العفو الدولية بعدما رفض النائب العام شكواه القضائية.

وزعم الضحية (الذي تشكل قضيته إحدى الحالات المبينة في هذا التقرير) أنه في فبراير/شباط 2002، تدخل في حادثة كان شاهداً عليها، وهو في طريقه إلى المنـزل للاحتفال بعيد الأضحى الإسلامي. ونتيجة لتدخله، اعتدى عليه أفراد الشرطة وكسروا أنفه. كذلك زعم أنه تعرض لشتائم وإهانات عنصرية من جانبهم، بينما وقف 15 شخصاً آخر يتفرجون دون أن يتدخلوا.

وشهد الهجوم عدد من الأشخاص الذين أدلوا بشهاداتهم أمام مندوبي منظمة العفو الدولية. لكن يبدو أنه رغم حقيقة أن رواية الضحية أكدها العديد من الشهود والتقارير الطبية التي شهدت على عدد من الجروح، فإن النائب العام لم يتابع الشكوى وخلص إلى القول إنه لا وجه لإقامة دعوى. لذا اضطر مقدم الشكوى إلى التفكير إما في التخلي عن القضية أو متابعتها بصورة شخصية.


هذه ليست قضية غير نموذجية لكيفية تقاعس نظام القضاء الجنائي في فرنسا عن توفير الحق في سبيل انتصاف لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والحصول على تعويضات، بما فيها التعويض المادي. فطوال سنوات عكفت منظمة العفو الدولية على توثيق رد السلطات على مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة، بما في ذلك احتمال ارتكاب عمليات قتل غير قانونية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.1والمدة الطويلة التي عكفت فيها المنظمة على مراقبة هذه الحالات أتاحت لها متابعة العديد منها طوال كامل فترة الإجراءات القانونية التي غالباً ما كانت طويلة، وبالتالي إجراء تقييم فعال لمختلف المراحل التي مرت بها داخل النظام. وتواجه الأغلبية العظمى من الحالات المصير ذاته : فالتحقيقات داخلية للشرطة مقرونة بصلاحيات استنسابية للنيابة العامة، أدت إلى عمليات مقاضاة عديمة الفعالية لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وأُغلقت ملفات قضايا عديدة قبل وصولها إلى المحكمة، حتى عندما توافرت أدلة جديرة بالثقة تؤكد حدوث الانتهاك. وحتى عندما أُحيلت هذه القضايا إلى المحكمة، كانت الإدانات نادرة نسبياً، أو عندما صدرت إدانات، كانت العقوبات رمزية في أغلب الأحيان. وكما أشارت صحيفة لوموند الفرنسية، فإن : "العدالة بالنسبة لأفراد الشرطة لها تعريفة خاصة : إذ لا يعاقبون عقاباً جدياً أبداً."2


وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن استمرار تقاعس الحكومة عن التصدي لهذه الانتهاكات أدى إلى نشوء ظاهرة إفلات الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من العقاب فعلياً. فكانت النتيجة "عدالة ذات سرعتين" وفقاً لهذه العبارة التي استحدثتها صحيفة لوموند – واحدة للقضايا التي ترفعها الشرطة وأخرى للقضايا التي يرفعها الضحايا المزعومون لعنف الشرطة. ويسهم هذا الأمر في خلق إحساس بالإفلات من العقاب وانعدام ثقة الجمهور في أن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين يعملون تحت سقف سيادة القانون ويخضعون للمساءلة عن أفعالهم


ومن الأمثلة الحية على بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب قضية أحمد سلموني (5-1). وفي معرض إصدار حكمها حول هذه القضية في يوليو/تموز 1999، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن فرنسا انتهكت الحظر المفروض على التعذيب فضلاً عن الحق في محاكمة عادلة ضمن مهلة زمنية معقولة. ولم تصل القضية إلى المحاكم الفرنسية إلا بعد مرور عدة سنوات على ارتكاب الانتهاكات، وبضغط من التحقيق الذي أجرته المحكمة الأوروبية. وحتى عندها، فإن محاولات إحدى المحاكم الفرنسية لإصدار حكم بالسجن لمدة تشكل "عبرة" للآخرين، بسبب خطورة القضية، باءت بالفشل، عندما عبَّرت نقابات الشرطة عن غضبها بالنـزول إلى الشارع. وإضافة إلى ذلك، فإن جلسة الاستئناف المقدم من المدانين والتي عُقدت بسرعة خاطفة، والتي قدَّم فيها النائب العام مناشدة دفاعاً عن "شرف" الجناة، أدت إلى تخفيض خطورة الجرائم التي أدينوا بارتكابها ومكَّنت أفراد الشرطة من متابعة مسيرتهم المهنية في الشرطة.


وكانت تقريباً جميع القضايا التي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية تتعلق بأشخاص ليسوا من أصول عرقية أوروبية وينحدرون غالباً من أصل شمال أفريقي أو ينتمون إلى المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى أو من الإدارات أو الأراضي التابعة لفرنسا في الخارج. ورغم أن هذا لا يشكل بحد ذاته دليلاً ظاهر الوجاهة على العنصرية الراسخة في النظم أو الأعراف داخل الهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين،3فقد لمست المنظمة وجود نمط، حدث بموجبه سلوك متهور أو ارتُكبت "سلسلة من الحماقات" – ونستخدم هنا عبارة شائعة في المحاكم لتبرير �575?لأحكام الخفيفة أو الرمزية – ضد هؤلاء الأشخاص بصورة رئيسية. ويشير هذا النمط إلى تصور رسمي بأن هؤلاء الأشخاص ربما يشكلون خطراً أمنياً أكبر أو أنهم أكثر ميلاً لارتكاب جرائم من المواطنين الفرنسيين البيض أو غير المسلمين أو سواهم من الأوروبيين.


وعلاوة على ذلك، لاحظت منظمة العفو الدولية وجود عدد من الحالات التي رافقت فيها الانتهاكات العنصرية كما ورد العنف الذي ارتكبته الشرطة. وتعني المواقف العنصرية للشرطة أن بعض الأشخاص معرضين بشكل خاص للتمييز وسوء المعاملة على أيدي الشرطة. كما يمكن للتمييز أن يعزز إفلات أفراد الشرطة، المسؤولين عن إساءة معاملة الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعات اجتماعية مهمشة أو يُتصوَّر بأنهم ينتمون إليها، من العقاب. وغالباً ما يتمكن أفراد الشرطة من التصرف وهم مطمئنون إلى أنه لن تجري تحقيقات شاملة في سلوكهم، أو بالفعل أية تحقيقات أصلاً. ومن العواقب المترتبة على ظاهرة الإفلات من العقاب هذه إسكات الأشخاص الذين انتُهكت حقوقهم، إما لأنهم لا يشعرون بأنهم قادرون على الإبلاغ عن الانتهاكات أو لأن الشرطة أو أعضاء النيابة يقررون عدم تلقي الشكاوى أو تسجيلها أو عدم متابعتها.


وبشكل خاص يسود انعدام ثقة الجمهور في نزاهة عملية الحفاظ على القانون والنظام في "المناطق الحساسة" التي ينتمي إليها العديد من ضحايا سوء المعاملة أو الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة. كما إن أجواء التوتر هذه السائدة بين الشرطة وهذه المجتمعات تفاقمت عندما وصلت الدعاوى التي رفعها الضحايا المزعومون لعنف الشرطة أو عائلاتهم إلى المحاكم في نهاية الأمر وأدت إلى صدور أحكام بالبراءة أو أحكام رمزية على أفراد الشرطة كانت مثار جدل شديد. وقد غصت قاعات المحاكم في هذه المناسبات بالأصدقاء والأقرباء من جانب، وأفراد الشرطة من جانب آخر، ولم يخلُ محيط المحاكم من مشاهد العنف، الأمر الذي عزز الإحساس بانقسام الحاضرين إلى "نحن مقابل هم".


وعند استخدام عبارة "الإفلات الفعلي من العقاب" لا تشير منظمة العفو الدولية بالضرورة إلى إفلات تام من العقاب، حيث يُعفى مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب كلياً، ولكن إلى عدد من العوامل المختلفة التي تسهم في التقاعس واسع النطاق لنظام القضاء الجنائي عن إجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان والمقاضاة والمعاقبة عليها بشكل فعال في المسائل المتعلقة بإنفاذ القوانين. انظر الفقرة الواردة في المربع.


والعوامل التي تسهم في الإفلات الفعلي من العقاب والتي تهدف الحالات الواردة في هذا التقرير إلى توضيحها تشمل ما يلي :

  1. عدم توافر الإجراءات القانونية السريعة في مراكز الشرطة بالنسبة لعدد متزايد من الأشخاص الذين يعتقلون بسبب مجموعة واسعة من المخالفات أو الجرائم المزعومة التي تندرج تحت عنوان "الجريمة المنظمة" أو بالنسبة للمتهمين "بالإرهاب"، والحظر المستمر على تسجيل استجواب السجناء الراشدين على أشرطة فيديو؛

  2. التقاعس عن الاحترام الكامل لحقوق المعتقلين في حجز الشرطة، مثل التقاعس عن تقديم المساعدة الطبية أو السماح للمعتقل بإجراء اتصال مع قريب أو صديق أو رب عمل؛

  3. صعوبة تسجيل الشكوى ضد الشرطي في مراكز الشرطة والاستخدام المتكرر للشكاوى المضادة من جانب أفراد الشرطة لتخويف أولئك الذين يودون تقديم شكوى ضد شرطي؛

  4. روح تضامن مشوهة بين أفراد الشرطة تشجع أفراد الشرطة على التستر على زملائهم أو مرؤوسيهم وتجعل التعرف على هوية أفراد الشرطة مستحيلاً؛

  5. تقاعس آليات الشكاوى الداخلية للشرطة عن إجراء تحقيقات في مزاعم سوء المعاملة وعمليات إطلاق النار التي اختلفت بشأنها الآراء أو حالات الوفاة في الحجز، بصورة سريعة وشاملة ونزيهة؛

  6. تقاعس الحكومة عن إنشاء آلية مستقلة فعالة للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛

  7. إخفاق نظام القضاء الجنائي في المعالجة الكافية لمزاعم الانتهاكات العنصرية أو السلوك القائم على التمييز الذي يمارسه الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين؛

  8. تقصير النيابة العامة في ضمان المقاضاة الفعالة للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان؛

  9. التفسيرات المشكوك فيها لمفهومي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة"؛

  10. الأحكام التي لا تعكس كما يبدو خطورة الجريمة المرتكبة؛

  11. انعدام الخبرة أو التدريب، الذي يستخدمه القضاة بصورة متكررة كسبب لتوقيع عقوبات متساهلة أو للامتناع عن توقيع أية عقوبات؛

  12. القضايا الهيكلية، مثل انعدام آليات الاستئناف الوافية – وهو وضع يجرى تصحيحه تدريجياً فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الابتدائية، لكنه يظل غير كاف؛

  13. تخلف المحاكم، في بعض الحالات، عن إعلان الأسباب الكامنة وراء قراراتها. وتجدر الملاحظة بأن المحاكم الجنائية الابتدائية ليست ملزمة بفعل ذلك، سواء بالنسبة لأحكام الإدانة أو البراءة، على أساس أن أعضاء هيئة المحلفين غير المتخصصين هم الذين يصدرون القرار.


ويتضمن هذا التقرير وصفاً تفصيلياً لبعض الحالات الأكثر خطورة للإفلات الفعلي من العقاب، والتي تمكنت المنظمة من متابعتها في كل مرحلة من مراحل العملية القضائية الطويلة منذ البداية وحتى النهاية. ورغم أن هذه القضايا وصلت إلى نهايتها، إلا أنها توضح بواعث القلق التي لم تتم معالجتها. كما يشير التقرير أيضاً إلى عدد الحالات الأخرى التي تظل مصدر قلق لمنظمة العفو الدولية. والعديد من هذه الحالات، وبخاصة تلك المتعلقة بسوء المعاملة، حديثة العهد. أما الحالات الأخرى، ففي حين أنها تعود إلى عدة سنوات خلت، إلا أ ?ها ما زالت قائمة. ويُختتم التقرير بسلسلة من التوصيات المقدمة إلى السلطات، والتي إذا تم تنفيذها، يمكن أن تقضي قضاءً مبرماً على أنماط الإفلات الفعلي من العقاب والتي ما برحت المؤسسات الفرنسية تُبتلى بها.


1. النظام القانوني الفرنسي

تتضمن الفقرة أدناه خلاصة موجزة للنظام القانوني الفرنسي من أجل تهيئة الخلفية التي تنبع منها بواعث قلق منظمة العفو الدولية.


وبموجب النظام القانوني "الوحداني" في فرنسا، فإن المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية التي تم التصديق عليها أو اعتمادها لها الأولوية تلقائياً على القانون الفرنسي (انظر المادة 55 من الدستور الفرنسي). وهكذا مثلاً، فإن نصوص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) يجب أن تحظى بالأولوية من جانب الحكومة الفرنسية والهيئة التشريعية الفرنسية والقضاة الفرنسيين ولها أثر متساوٍ وغير مقيد في جميع الأراضي والإدارات الفرنسية في الخارج.


ولدى فرنسا مستوى مزدوج من الولاية القضائية والولاية القضائية العليا. وهذا يعني أن القضية التي صدر فيها حكم عن المحكمة الابتدائية (مستوى المحاكمات) يمكن تقديم استئناف لها إلى محكمة أعلى (مستوى الاستئنافات). وفوق محكمة الاستئناف، يمكن لقاضٍ في محكمة النقض أن يصدر حكماً حول قانونية قرارات المحكمة الأدنى. ولا يُسمح باستئناف الأحكام الصادرة عن محكمة النقض ضمن النظام القانوني الوطني. ويجوز لكل من يعتبر أن حقوقه الأساسية، كما هي معرفة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، قد انتُهكت ومن استنفد سبل الانتصاف القانونية المحلية، أن يرفع دعوى قانونية، خلال ستة أشهر، أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي بعض الحالات ستنظر المحكمة الأوروبية في القضية حتى وإن لم يتم استنفاد سبل الانتصاف المحلية، لكنها تكون طويلة أو غير وافية.4


وهناك عدة أنواع من المحاكم الجنائية، تبعاً لطبيعة القضية. فالمخالفات الصغيرة أو الإساءات تنظر فيها محاكم الشرطة، والجنح الأكثر خطورة تنظر فيها المحاكم الإصلاحية. أما الفئة الأكثر خطورة من الجرائم فتنظر فيها المحاكم الجنائية الابتدائية. وهناك حق في استئناف القرار الصادر عن جميع هذه المحاكم، رغم أنه في حالة المحاكم الجنائية الابتدائية، فهذا تطور مستجد، ولا يمكن استئناف قرارات البراءة إلا من جانب أعضاء النيابة الملحقين بمحاكم الاستئناف.


ويمكن تقديم الشكاوى حول الانتهاكات أو سوء المعاملة أو القوة المفرطة على أيدي الموظفين الرسميين بعدة طرق مختلفة، عن طريق النائب العام، وقاضي التحقيق وهيئات الشكاوى لدى الشرطة أو هيئة الإشراف على الشرطة المعروفة باسم الهيئة الوطنية للآداب في الأمن. وليس بين هذه الإجراءات ما هو مُرضٍ تماماً.


1.1 القضاء

تتألف السلطة القضائية الفرنسية من أعضاء النيابة العامة وقضاة هيئة المحكمة (بمن فيهم قضاة الاستجواب والتحقيق المستقلين وقضاة الإشراف على الاعتقال5). وأعضاء النيابة العامة الذين يشكلون جزءاً من وزارة العدل مسؤولون أمام وزير العدل. ولدى أعضاء النيابة العامة ألقاب مختلفة، تبعهاً للدور المسند إليهم أو المحكمة الملحقين بها. والعبارة العامة التي غالباً ما تشير إلى النيابة ككل هيParquet.واستناداً إلى مبدأ النيابة الاستنسابية، يقرر أعضاء النيابة كيفية تصنيف القضية. وعندما يقررون متابعة القضية، يمكنهم إما إرسال المتهمين إلى المحاكم الإصلاحية أو محاكم الشرطة (إذا كانت القضية غير معقدة أو جاهزة للمحاكمة) أو أن يطلبوا بأن يتابعها قاضي تحقيق في القضايا الأكثر تعقيداً التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق. كذلك يمكنهم إقفال الشكوى باعتبار أنه لا وجه لإقامة الدعوى.


وتغلق العديد من الشكاوى حول إساءة المعاملة من جانب الشرطة بهذه الطريقة، إما لأن وكيل النيابة يعتبر أن القضية غير مناسبة أو لأنه يشعر بأنها ليست مؤيدة بوقائع جيدة أو في حالات عديدة لأنه برأيه، تفتقر إلى الأدلة التي تجعل من الصعب متابعتها. ويمكن للضحايا أو أقرباء الضحايا أن يتصلوا بقاضي التحقيق للانضمام إلى الإجراءات كطرف مدني (بالنسبة للجرائم) أو في حالة ارتكاب مخالفات، عن طريق مذكرة دعوى مباشرة (تكليف مباشر بالحضور). ويسمح الانضمام إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني بالاطلاع على المعلومات المتعلقة بالقضية التي لا يجوز لهم الحصول عليها لولا ذلك، بسبب سرية التعليمات، ويسمح لهم بالمشاركة في الإجراءات. بيد أن ذلك يمكن أن يكون مكلفاً. وقد انتقدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤخراً السلطات الفرنسية بسبب تقصيرها في إجراء تحقيق رسمي فعال في وفاة شخص معتقل. وقضت المحكمة أن التحقيق الفعال في الوفاة يجب أن يُطلع عائلات الضحايا تلقائياً على الإجراءات بدون أن تنضم إلى العملية كطرف مدني، كما جادلت السلطات الفرنسية.6


ووفقاً لتقديرات حديثة، فإن 80 بالمائة من الشكاوى التي ترفعها الأطراف المدنية في الإجراءات القانونية تنتهي برفض الدعوى، على أساس أنه لا وجه لإقامة الدعوى.7


وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004 اقترح رئيس محكمة باريس فرض حد على قدرة الأطراف المدنية (والمحامين) على المشاركة في الإجراءات القضائية عبر شكواهم وإحالة الدعوى إلى النائب العام قبل أن يستطيع قاضي التحقيق فتح تحقيق فيها. وفيما يتعلق بالحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، حيث تصبح عائلات الضحايا بصورة شبه ثابتة طرفاً مدنياً في الإجراءات القانونية، بسبب تقاعس النائب العام عن متابعة القضية بفعالية، هناك خطر في أن تسهم خطوة من هذا النوع في مشكلة الإفلات الفعلي من العقاب.

2.1 الشرطة وآلياتها

جرت العادة على تقسيم عملية إنفاذ القانون الفرنسي بين شرطة مدنية وطنية خاضعة لوزير الداخلية ودرك وطني خاضع لمسؤولية وزير الدفاع ويُعتبر جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة، إلى جانب القوات البرية والبحرية وسلاح الطيران. ويمكن للدرك أن يعمل بصفة مدنية وكذلك عسكرية. وتعمل الشرطة الوطنية عادة في المدن والتجمعات السكانية الحضرية بصورة رئيسية؛ أما الدرك (الذي ينحدر من الماريشوسيه التي أُنشئت كقوة عسكرية في القرن السادس عشر) فهو موزع في جميع أراضي فرنسا، لكنه مركز في المناطق الريفية بصورة رئيسية، فضلاً عن المناطق الحضرية المستحدثة. وما زال نظامه الأساسي الذي أرساه القانون الصادر في 28 جرمينال العام السادس (17 إبريل/نيسان 1798) ساري المفعول.


وقد أُنشئت مؤسسة الشرطة الوطنية بموجب القانون الصادر في 9 يوليو/تموز 1966. وتضم عدداً من الأجهزة المتخصصة، مثل شرطة الحدود التي تعمل في المناطق الحدودية، بما فيها المطارات ووحدة المرافقة الوطنية للمساندة والتدخل المشاركة في عمليات المرافقة الخاصة مثل الإبعاد، والوحدات الميدانية الخاصة أو وحدات "مكافحة الإرهاب". ومن الوحدات المتخصصة التي تستحق الذكر ألوية مكافحة الجريمة التي تُنشر لمحاربة "الجنوح البسيط والمتوسط الحجم". وغالباً ما اصطدمت ألوية مكافحة الجريمة بالشبان في المناطق "الحساسة" من المدن، وفي ضواحي المدن أو التجمعات الحضرية في فرنسا التي اكتسبت سمعة خلافية اعتباراً من الثمانينيات فصاعداً. وهناك مفرزة متخصصة أخرى للتدخل ومكافحة الشعب هي سرايا الأمن الجمهورية. وتشكل شُعب الشرطة القضائية التي تنضوي تحت راية المديرية الإقليمية للشرطة القضائية، وحدة ملحقة بالسلطة القضائية، وتعمل على منع وقمع الجريمة المنظمة، مثل الاتجار بالمخدرات أو الأشخاص والاختلاس و"الإرهاب". وقد ازدادت مسؤوليات الشرطة القضائية في السنوات الأخيرة لتشمل العنف في المدن.


ويتصور قانون العقوبات الفرنسي فرض عقوبات على أفراد الشرطة المدانين بارتكاب أفعال غير قانونية، ولدى قوات الشرطة مدونات قواعد الآداب أو مدونات قواعد السلوك الخاصة بها، التي تهدف إلى التمسك بالمعايير الأخلاقية للحفاظ على الأمن وتحديداً بالإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والدستور الفرنسي والقوانين والاتفاقيات الدولية. ومن بين المواد الرئيسية لمدونة قواعد سلوك الشرطة الوطنية (المحددة في مرسوم صادر في 18 مارس/آذار 1986)، والتي تُعطى إلى كل شرطي ما يلي :

  1. المادة 2 : ينبغي على الشرطة أن تؤدي مهامها المتعلقة باحترام حقوق الإنسان والدستور الفرنسي والمعايير الدولية؛

  2. المادة 6 : إذا انتهك شرطي مدونة قواعد السلوك سيتعرض لعقوبة تأديبية؛

  3. المادة 7 : ينبغي للشرطي أن يبدي "احتراماً مطلقاً" للأشخاص أياً كانت جنسيتهم أو أصلهم؛

  4. المادة 10 : جميع الأشخاص الذين تلقي (الشرطة) القبض عليهم تضعهم تحت مسؤوليتها ولا يجوز تعريضهم لأي نوع من أنواع العنف أو المعاملة المهينة.


وتُجري وحدة متخصصة ضمن قوات الشرطة الوطنية هي المفتشية العامة للشرطة الوطنية التي أُنشئت في أكتوبر/تشرين الأول 1986 التحقيقات الجنائية والتأديبية في سلوك الشرطة. وهي تغطي كامل الأراضي الفرنسية باستثناء باريس، التي توجد فيها الهيئة المقابلة وهي المفتشية العامة للأجهزة. ويجوز للأفراد أن يقدموا شكاوى مباشرة إلى أفراد الشرطة. ولدى الدرك الوطني وحدة تفتيش داخلية مشابهة يُطلق عليها اسم مفتشية الدرك الوطني. ويمكن للتحقيقات الداخلية في الشرطة أن تستغرق عدة شهور. ثم تُعرض نتائج تحقيقات الشرطة على النائب العام الذي يقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء بصيغة شكوى تُقدَّم إلى قاضي التحقيق.


وفي فترة سابقة تعود إلى العام 1997 ذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في ملاحظاتها الختامية حول التقرير الدوري الثالث لفرنسا المتعلق بتنفيذها للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ذكرت أنها "تشعر بقلق شديد" إزاء عدد المزاعم التي تلقتها حول إساءة المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين ضد المعتقلين وغيرهم من الأشخاص "الذين يحتكون بهم احتكاكاً ينطوي على نزاع"، وإزاء الطبيعة الخطيرة لهذه المزاعم، وحقيقة أنه "في معظم الحالات لا يُجرى تحقيق يُذكر من جانب الإدارة الداخلية للشرطة والدرك الوطني في الشكاوى المتعلقة بإساءة المعاملة هذه، الأمر الذي يؤدي إلى إفلات فعلي من العقاب".8


وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2004، ظل تقاعس المفتشية العامة للأجهزة عن أداء دورها بفعالية ونزاهة "كشرطة على الشرطة" مشكلة وتعرضت المفتشية العامة للأجهزة لانتقادات وجهها رئيس اللجنة الوطنية للآداب في الأمن (انظر أدناه) بسبب قصورها في التعامل مع الحالات التي نُهيت إلى علمها. وفي معرض انتقاده أشار الرئيس بيير تروش تحديداً إلى قضية اعتداء للشرطة على مقهى لأبناء القبائل في باريس ليلة رأس السنة الجديدة 2003-2004، الذي جرى فيه تعطيل احتفال سلمي بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع وتوفي فيه شخص واحد (انظر الفقرتين 2 و5-8).


3.2.1 آليات الإشراف المستقلة

شُكِّلت هيئة إشراف مستقلة على الشرطة والسجون هي اللجنة الوطنية للآداب في الأمن بموجب قانون صدر في 6 يونيو/حزيران 2000 في أعقاب سلسلة من عمليات إطلاق النار التي ارتكبتها الشرطة، وبدأت عملها في 14 يناير/كانون الثاني 2001. 9وتملك صلاحيات للتحقيق في حالات الانتهاكات المزعومة التي يرتكبها أفراد الشرطة وسواهم ولأخذ أقوال الضحايا والشهود وأولئك المتهمين بارتكاب الانتهاكات، بمن فيهم أفراد الشرطة. ولا تستطيع اتخاذ إجراءات تأديبية أو قضائية بمفردها، لكنها مخولة بإصدار توصيات، وينبغي عليها إبلاغ النائب العام بالأفعال التي ترى أنها تشكل جرماً جنائياً.

lmult1

ويجوز تقديم الشكاوى إلى اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة من جانب مواطنين أفراد تعرضوا لأفعال غير أخلاقية من جانب موظفي الأمن العام أو كانوا شهوداً عليها. بيد أنهم لا يستطيعون تقديم شكوى إلى اللجنة الوطنية للآداب العامة إلا بصورة غير مباشرة، عن طريق رئيس الوزراء أو مكتب المظالم الخاص بالقُصَّر أو عضو في مجلس الشيوخ أو عضو في الجمعية الوطنية.


ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الأفراد لا يستطيعون تقديم شكوى مباشرة إلى اللجنة الوطنية للآداب في الأمن ومن أن الشرط الحالي لإحالة قضية عن طريق وسيط برلماني يمكن أن يؤدي إلى عمليات تأخير كبيرة في التحقيق بالشكوى. وتُصدر اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريراً سنوياً، كما تصدر تقارير محددة تتعلق بقضايا معينة.10

2. بواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب في فرنسا


1.2 حدوث زيادة في الشكاوى المتعلقة بالعنف الذي تمارسه الشرطة، بما في ذلك العنصرية

لقد عملت منظمة العفو الدولية طوال سنوات عديدة بشأن حالات القتل على يد الشرطة والوفاة في الحجز وحالات التعذيب وسوء المعاملة في فرنسا. وفي معظم الحالات التي تناهت إلى علمها كان الضحية شاباً ذكراً منحدراً من شمال أفريقيا أو المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وفي السنوات الأخيرة، انخفض – لحسن الحظ – عدد عمليات إطلاق النار المتهورة المميتة من جانب أفراد الشرطة أو الدرك في ظروف اختلفت بشأنها الآراء. بيد أن عدد الشكاوى حول سوء المعاملة من جانب أفراد الشرطة – النابعة غالباً من عمليات التدقيق في الهوية التي تقوم بها الشرطة والتي تنتهي بأعمال عنف – قد ارتفع على عكس ذلك. ولم تقترن الزيادة في عدد الشكاوى باعتراف من جانب السلطات بعدم مناولتها بشكل واف، ولم تضع الحكومة الفرنسية حتى الآن آلية مستقلة فعالة لضمان إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في الانتهاكات التي يرتكبها أفراد الشرطة، منذ بداية الحادث المزعوم.


وفي دراسة بعنوان "زيادة الإحساس بالتمييز في الشرطة"، أجرتها مجموعة الدراسات ومكافحة التمييز، وهي مجموعة عمل، في العام 2002 لقضية التمييز العنصري في قوات الشرطة الفرنسية نجد وصفاً كلاسيكياً لنوع القضايا التي يعنى بها هذا التقرير وهي قضية فوديل (فضل) بن ليلي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1999، كان فوديل بن ليلي، وهو عامل مع الشبيبة كان يعمل في بلدية لاكورنيف، وصديق له يدعى "مأمون" يقودان سيارة اصطدمت بترام (قطار كهربائي). وكانت الحادثة بسيطة ولم يتوقف الترام، لكن الشابين خرجا من السيارة لتفحص الضرر. ووصل ثلاثة أفراد من سرايا الأمن الجمهورية. ونظراً لأنهم اشتبهوا بأن السيارة قد تكون مسروقة، فقد فتشوها "بعنف" وانكسر المفتاح في قفل الإشعال، الأمر الذي أكد شكوك أفرادها. وعند هذه النقطة ورد أن الشرطة لجأت إلى العنف ضد الشابين نفسيهما. وأُصيب فوديل بن ليلي ورفيقه بضربات من الهراوات التي "انهالت" عليهم، وسقط مأمون على ركبتيه. واحتج فوديل بن ليلي من أنه لا يحق للشرطة أن تتصرف على هذا النحو وبأنهما يعملان في البلدية. ثم ورد أنهما تعرضا لشتائم عنصرية (عنصر قذر من الأوساخ الخ) واقتيدا إلى مركز شرطة لاكورنيف. وبعد أربع ساعات في حجز الشرطة نُقلا إلى المستشفى لتلقي العلاج الطبي، ثم أُعيدا إلى مركز الشرطة حيث احتُجزا فيه لمدة 20 ساعة أخرى. وخلال هذا الوقت، زُعم أن أفراد الشرطة أثاروا المرارة القديمة المرتبطة بحرب الجزائر. وبسبب الجروح التي أُصيب بها، أعطي فوديل إجازة مرضية لمدة ستة أيام. ولم يتمكن من تقديم شكوى في مركز الشرطة، حيث يعمل زملاء أفراد سرايا الأمن الجمهورية؛ وأبلغه أحد أفراد الشرطة بأن الشرطة لن تُبلِّغ شكواه إلى النائب العام، لذا فلا جدوى من المحاولة. وعليه قدم شكوى لدى النائب العام بدعم من رب عمله. ووفقاً للتقرير، ما زالت القضية عالقة في العام 2002، لكن الوثائق القانونية ضاعت والمعلومات الطبية اختفت أيضاً. وفي هذه الأثناء، رفع أفراد الشرطة شكوى مضادة حول "التحريض على المقاومة".


كذلك في العام 2002، أجرت جمعيتان هما نقابة القضاة ونقابة المحامين الفرنسية بالتعاون مع منظمة غير حكومية كبرى هي رابطة حقوق الإنسان تحقيقاً توصل إلى نتائج مقلقة. وتبين من التحقيق أن عمليات المقاضاة التي تقوم بها الشرطة حول إهانة الشرطة أو مقاومة الاعتقال قد ارتفعت بنسبة 27,92 بالمائة بين العامين 1996 و2000 وأن مزاعم ممارسة العنف من جانب الشرطة قد ارتفع عددها أيضاً.


وفي مايو/أيار 2004 أصدرت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن تقريرها السنوي للعام 2003 الذي لاحظ حدوث ارتفاع حاد في شكاوى الانتهاكات والعنف الذي ترتكبه الشرطة. وقد حققت اللجنة المذكورة في 70 شكوى، قياساً بـ 40 وأقل من ذلك في السنوات السابقة وحثت على إجراء إصلاحات هيكلية رئيسية في رد الشرطة. ونجم هذا الاتجاه عن زيادة للسنة السادسة على التوالي قدرها 9,10 بالمائة في الشكاوى المقدمة إلى كل من المفتشية العامة للأجهزة والمفتشية العامة للشرطة الوطنية التي تغطي فرنسا ككل، وفقاً للأرقام المتوافرة لدى الشرطة. وبحسب ما ورد صرَّح الرئيس الحالي للجنة الوطنية للآداب في الشرطة بيـير تروش، وهو رئيس سابق لمحكمة النقض، بأنه صُدم "بالتكرار الإحصائي" للشكاوى التي تتعلق بأشخاص ذوي أسماء أجنبية، وأن هذا "التكرار الإحصائي" يجب أن يخضع لمزيد من الدراسة في التقارير المستقبلية.


وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي تقرير محدد، انتقد بشدة "العدوان العنصري المنحرف" الذي انطوى عليه اقتحام مقهى القبائل الذي يملكه أحد أبناء شعب الأمازيغ (البربر) في باريس من جانب 30 شرطياً في ليلة عيد القديس سيلفستر (31 ديسمبر/كانون الأول – 1 يناير/كانون الثاني 2004). ويرد أدناه سرد للقضية (تحت الفقرة 5-7).


وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، أصدرت اللجنة الوطنية المعروفة باسم المواطنون – العدالة – الشرطة والتي تضم رابŸ?ة حقوق الإنسان والنقابتين المذكورتين أعلاه ومنظمة غير حكومية فرنسية أخرى هي حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب، والتي تتعامل مع العديد من حالات العنف العنصري أو المتعلق بالعرق. وأظهر التقرير أنه في 60 بالمائة من الحالات التي تمت دراستها، كان الضحايا من الرعايا الأجانب؛ ونسبة الـ 40 بالمائة المتبقية من حاملي الجنسية الفرنسية، لكن مع بضعة استثناءات فقط، فإن أسماءهم أو مظهرهم يعني ضمناً أنهم من أصل أجنبي. العدالة، رقم 174، مارس/آذار 2003 "انتهاكات الشرطة في عمليات التدقيق بالهوية". وكانت حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب قد لاحظت في وقت سابق أيضاً حدوث ارتفاع في حوادث مثل العنف، وبخاصة في سياق عمليات تدقيق الشرطة في الهوية أو في حجز الشرطة، والاستخدام المتكرر لتهمة إهانة أفراد الشرطة المذكورة أعلاه (إما بالإيماءة أو الكلمة) أو مقاومة الاعتقال، غالباً في شكل شكوى مضادة ضد شخص يرغب في تقديم شكواه. ويمكن تعريف الإهانة بواسطة الإيماءة بأنها إيماءة بأي جزء من الجسم "تعبر بوضوح عن الازدراء أو الاحتقار للشخص الذي وُجهت إليه". وتُعرف الإهانة بالكلمات بأنها النطق بأية ألفاظ تتهجم على السلطة الأخلاقية للشخص وتقلل الاحترام الواجب لمهامه. وبموجب المادة 433 – 5 من قانون العقوبات فإن الإهانة الموجهة إلى "شخص يشغل منصباً عاماً" تشكل جنحة محددة يعاقب عليها بشدة أكبر من إهانة المواطن "العادي" يمكن حتى أن تؤدي إلى السجن.


ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن أفراد الشرطة والدرك يستخدمون هذا الجرم كمبرر أو ذريعة لإجراء عمليات التدقيق في الهوية التي تتحول إلى عنف، غالباً نتيجة سلوكهم هم الذين يتسم بالعدوانية أو الإهانة، كما حصل في قضية حياة خمالالمعروفة جيداً في ري – أورانجي (انظر 5-5).


كذلك أشارت لجنة المواطنين – العدالة – الشرطة في تقريرها إلى القلق من أنه رغم ازدياد حجم عمل اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة، فإن مستويات تمويلها آخذة بالتراجع. كذلك لاحظت اللجنة الأولى أن الأخيرة قد أحالت قضية واحدة فقط إلى النيابة العامة، أسفرت عن اتخاذ عقوبات تأديبية بحق شرطي واحد؛ وأنه بصورة عامة نادراً ما يكون لتوصياتها أي مفعول.


وفي تقريرها الثالث حول فرنسا الصادر في 15 فبراير/شباط 2005، أعربت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا، أعربت أيضاً عن قلقها إزاء عمليات التدقيق في الهوية التي تتسم بالتحيز العنصري، اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب، التقرير الثالث حول فرنسا الذي اعتُمد في 25 يونيو/حزيران 2004، CRI (2005) 3. ولاحظت أن الشكاوى حول عمليات التدقيق في الهوية القائمة على التمييز مستمرة. ويساور اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب "قلق خاص إزاء المعلومات التي أوردتها المنظمات غير الحكومية بما معناه أنه عندما يقدم أحدهم شكوى ضد موظف مكلف بإنفاذ القانون، فإن الأخير يبادر بشكل شبه ثابت إلى الانتقام بتوجيه تهمة إهانة رجل القانون أو اتهامه بتهمة كيدية، ما يضعف موقف المدعي المدني."


كذلك أعربت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب عن شكوكها إزاء مدى فعالية بعض القوانين المعمول بها في فرنسا حتى الآن لمحاربة العنصرية والتمييز. وفي فبراير/شباط 2003، أدخل ما يعرف "بقانون لولوش" عاملاً مشدداً في سياسة إصدار الأحكام المتعلقة ببعض الأفعال العنيفة التي يثبت أنها نابعة من دوافع عنصرية. القانون رقم 2003-88 الصادر في 3 فبراير/شباط 2003 العامل المشدد للعقوبة على الجرائم ذات الطابع العنصري أو المعادي للسامية أو كراهية الأجانب، الذي صدر في الجريدة الرسمية رقم 29 في 4 فبراير/شباط 2003. وجرم قانون سابق له صدر في 1 يوليو/تموز 1972 ("قانون بلوفن") "التحريض" على التمييز العنصري والكراهية والعنف وزاد العقوبات على التشهير أو الأذى العنصري. بيد أن فعالية هذه القوانين في التصدي للعنف العنصري الذي يمارسه أفراد الشرطة كانت محدودة جداً حتى اليوم كما يقال. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، فإنه حتى اليوم، لم تؤخذ عوامل مشددة بعين الاعتبار في أية حالة في الأحكام الصادرة على رجال الشرطة، رغم تكرار مزاعم العنف ذات الطابع العنصري.


وفي تقريرها الثالث لاحظت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب أن : "الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وأعضاء السلطة القضائية ليسوا متيقظين دائماً بشكل كاف للجانب العنصري للجرائم، ولا يحاط الضحايا علماً بصورة كافية دائماً بالإجراءات الرسمية أو تُقدَّم لهم مساعدة بشأنها." وأوصت بأن : "تنفذ السلطات الفرنسية النصوص التي تنص على أن الدافع العنصري يشكل ظرفاً مشدداً في حالة الجرائم المحددة، وأن تتخذ الخطوات الضرورية لمراقبة تنفيذ هذه النصوص الجديدة". وفي تقريرها الصادر في العام 2005 فإن اللجنة الأوروبية المذكورة "لاحظت بقلق استمرار الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون ضد أبناء الأقليات. وتشير الشكاوى إلى ضلوع أفراد الشرطة والدرك وموظفي السجون والموظفين العاملين في المناطق المخصصة للأفراد الذين ينتظرون توضيح وضعهم القانوني (مناطق الاحتجاز الحدودية). وتزعم وقوع أفعال عنف بدني وإذلال وتوجيه شتائم عنصرية وممارسة تمييز عنصري. وأوصت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب اعتماد تدابير "لوضع حد لكل السلوك السيئ للشرطة بما فيه إساءة معاملة الأقليات."


وقد سار الارتفاع في حوادث العنف الذي تمارسه الشرطة، والذي يتعلق جزء كبير منه بالعرق، جنباً إلى جنب مع التصور بأن الجرائم عموماً ازدادت زيادة كبيرة ومع مطالبات الرأي العام بسياسات قائمة على "الأمن" للتصدي للجريمة أو ما يشتبه في أنه جريمة.


ووفقاً لما قاله شرطي كتب حول التحديات التي يواجهها مجتمع يزداد فيه "عدم الأمان"، فإن البيئة الحضرية شهدت "تقدماً ثابتاً في العنف"، تعرضت فيه الخدمات الضرورية العامة للخطر جراء "جميع أنواع ا�604?عدوان تحت ذريعة واحدة بأنها تمثل السلطة بنظر المعتدي". ريشار بوسكيه، عدم الأمان، مخاطر جديدة، 1999. وما زالت تعليقاته ذات صلة بواقع اليوم. ولاحظ الكاتب أن جزءاً كبيراً من التوتر المتزايد القائم بين الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وبين شبيبة "المناطق الحساسة" – التي تقطنها أغلبية من المواطنين الفرنسيين أو المقيمين المنحدرين من أصل أفريقي أو من شمال أفريقيا – نما نمواً أخطبوطياً بعد الحرب في الضواحي أو المدن والتجمعات الحضرية حول مراكز المدن وتأثر بالبطالة والفقر المستشريين وطويلي الأمد، لكن في الوقت ذاته بجوار أماكن الاستهلاك البارز مثل المتاجر الضخمة للمواد الغذائية ذات المواقف الكبيرة للسيارات. وقد تصبح السيارات المركونة هدفاً مغرياً للجرائم الصغيرة، التي يجسدها إحراق السيارات أو حفلات "الروديو" المتعلقة بالسيارات المسروقة – وهو وضع يشكل أساساً لبعض الحالات المبينة أدناه. ويشير الكاتب إلى الحاجة "لإعادة الاستيلاء على الأحياء (المناطق)".


ويعزى تكرار الشكاوى من جانب أشخاص منحدرين من أصل أجنبي، على الأقل جزئياً، إلى أفعال الشرطة، بما في ذلك عمليات التدقيق المسيئة في الهوية أو تلك التي تتحول إلى أعمال عنف، والتي تجريها وحدات الشرطة في المناطق الحساسة. ولا يمكن إنكار الصعوبات الحقيقية ومستويات الضغط التي يواجهها أفراد الشرطة الذين يحافظون على الأمن في هذه المناطق – التي غالباً ما تعتبر مناطق "محرمة". ومع ذلك تبدو مفاهيم مثل "إعادة الاستيلاء" وكأن أفراد وحدات التدخل التابعة للشرطة قد فسروها أحياناً بشكل حرفي، حيث قد يعتبرون أنفسهم جزءاً من قوة تشتبك في عمليات حربية ضد خصوم وتعمل في الأحياء وكأنها مسرح حرب. وبالنسبة للشرطة والعديد من المواطنين، هناك "إفلات من العقاب" في الأحياء، وهو ما يعني أن الجانحين (الأحداث بصورة رئيسية) هم الذين يرتكبون الجنح أو الجرائم بدون أن يخشوا افتضاح أمرهم. بيد أن الإحساس بأن الشرطة تقوم بعملية "إعادة استيلاء" وتشارك في قتال ضد الإفلات من العقاب يزيد دون شك من صعوبة إقرار أفراد الشرطة بأنهم يستفيدون أيضاً من الإفلات من العقاب خلال اللحظات التي يتخطون فيها حدودهم ويتجاهلون مدونات قواعد السلوك الخاصة بهم.


2.2 الحجز لدى الشرطة

تتعلق بعض العوامل التي تسهم في الإفلات الفعلي من العقاب بمعاملة الأشخاص حالما يتم اعتقالهم ووضعهم في حجز الشرطة. ويساور منظمة العفو الدولية القلق بشكل خاص إزاء التقاعس عن ضمان السماح لجميع المعتقلين بالحصول فوراً على مساعدة قانونية، بما فيها وجود محامٍ خلال عمليات الاستجواب؛ وفترة الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي بالنسبة لبعض فئات المعتقلين؛ والتقاعس عن إخضاع المعتقلين لفحوص طبية دون إبطاء عند اللزوم؛ وتقاعس أفراد الشرطة عن تطبيق اللوائح المتعلقة بحجز الشرطة على الوجه الصحيح.


ويجب أن يُتخذ قرار وضع شخص في حجز الشرطة من جانب موظف في الشرطة القضائية، دركياً كان أم شرطياً مدنياً، ملزم بإبلاغ النائب العام أو قاضي التحقيق حالما يتم التوصل إلى القرار. ويجب إحاطة المعتقلين فوراً بحقوقهم بلغة يفهمونها؛ وبالنصوص المتعلقة بحجز الشرطة؛ وبأسباب توقيفهم وبأية تهمة موجهة إليهم. ويحق للمعتقلين إبلاغ أقربائهم أو شركائهم أو أرباب عملهم بأنهم موضوعون رهن الحجز، وذلك خلال فترة ثلاث ساعات على الأكثر، إلا إذا تقرر بأن هذا الإبلاغ يُعرض التحقيق للخطر؛ ويحق لهم أن يفحصهم طبيب. وتقع مسؤولية سير حجز الشرطة على ما يرام على عاتق النائب العام الذي ينبغي أن يزور مراكز الشرطة كلما شعر بأن ذلك ضرورياً وهو ملزم بفعل ذلك مرة واحدة على الأقل في السنة.


والحد الأقصى لحجز الشرطة في معظم الحالات هو 24 ساعة. بيد أنه يمكن تمديده بـ 24 ساعة أخرى بموافقة النائب العام أو قاضي التحقيق، وفي الحالات التي تعتبر ذات خطورة غير عادية (مثل "الإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات)، يمكن تمديد فترة حجز الشرطة البالغة 48 ساعة لمدة 48 ساعة أخرى بناء على قرار قاضي التحقيق أو القاضي المشرف على الاعتقال.


1.2.2 الاستعانة بمحامٍ

يشكل الحق في توكيل محامٍ دون إبطاء معياراً دولياً راسخاً. فعلى سبيل المثال ينص المبدأ السابع من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين على الاستعانة "فوراً" أو "بأي حال خلال مهلة لا تزيد عن ثمان وأربعين ساعة من وقت القبض عليهم أو احتجازهم". وقد اعتمده المؤتمر الثامن للأمم المتحدة الخاص بمنع الجريمة ومعاملة المذنبين، الذي عُقد في هافانا، بكوبا، من 27 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول 1990. وأوصى المقرر الخاص المعني بالتعذيب بأن تكون الاستعانة خلال 24 ساعة من إلقاء القبض UNDoc.E/CN.4/2002/76، 27 ديسمبر/كانون الأول 2001، الملحق 1.


وفي 15 يونيو/حزيران 2000، أصدر البرلمان الفرنسي قانوناً حول "حماية افتراض البراءة وحقوق الضحايا. اسم القانون ... وقد تضمن نصاً للاستعانة بمحام منذ الساعة الأولى للحجز لدى الشرطة في معظم الحالات، لكن ليس في حالة الجرائم المتعلقة "بالإرهاب" أو جرائم الاتجار بالمخدرات. وقد تم التعامل مع "الإرهابيين" المشتبه بهم أو مهربي المخدرات بموجب نظام حجز خاص، يمكن بموجبه احتجاز المعتقلين لمدة تصل إلى 96 ساعة وحرمانهم من الاستعانة بمحام لمدة تصل إلى 36 ساعة. وكان من المتوقع أن يساعد تسجيل استجواب الشرطة للقصَّر على أشرطة فيديو على منع ممارسة الوحشية في حجز الشرطة، لكن منظمة العفو الدولية يساورها القلق إزاء تأجيل خطة لوضع ضمانات مشابهة للراشدين نتيجة معارضة شديدة من جانب الشرطة.


وفي مارس/آذار 2003، عقب وصول حكومة جديدة إلى السلطة، نقض قانون حول الأمن الداخلي بعض التدابير الإصلاحية الأكثر ليبرالية الواردة في القانون السابق. وتم وضع مجموعة من المخالفات الجديدة، مثل التجمع في الأماكن العامة ضمن المساحة المحيطة بالمباني السكنية والذي يحتمل أن يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام؛ والاستدراج العلني لارتكاب الفحشاء؛ والتسول الجماعي "العدائي"؛ وشتم العلم أو النشيد الوطني أو إهانته في بعض المناسبات العامة. (يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء هذا القانون الذي يقيد الحق في الحصول على مساعدة قانونية دون إبطاء فيما يتعلق بمجموعة أكبر من الناس، بينهم القصر الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً الذين يمكن أن يحرموا من الاستعانة بمحام في الساعات الـ 36 الأولى في حجز الشرطة؟؟). وفي مارس/آذار 2004، تم إصدار "قانون بربن الثاني" الذي كان يهدف إلى توفير إطار قضائي لتنفيذ قانون الأمن الداخلي. ومن جملة إجراءات، وسع القانون نظام الحجز الخاص البالغ 96 ساعة ليشمل مجموعة أوسع من الجرائم بينها "الجريمة المنظمة". وعلاوة على ذلك، يمكن بموجب هذا القانون احتجاز الأشخاص المتهمين "بالإرهاب" أو الاتجار بالمخدرات بمعزل عن العالم الخارجي لمدة 72 ساعة الأولى بدون الاستعانة بمحامٍ.


وغالباً ما يمارس التعذيب وسوء المعاملة في اللحظات الأولى في حجز الشرطة، وقد ساور منظمة العفو الدولية القلق منذ زمن طويل من أن الخاضعين لحجز الشرطة بدون الاستعانة بمحام، يتعرضون باستمرار لخطر التعذيب وسوء المعاملة. وتشير عدة حالات، توضح الإفلات الفعلي من العقاب ويصفها هذا التقرير، إلى حالات وفاة أو تعذيب أو سوء معاملة في حجز الشرطة لم يكن المحامون حاضرين من بدايتها. وحتى في حالات القصر، فإن وجود آلات تصوير في بعض أجزاء مركز الشرطة لا يمنع بالضرورة حدوث سوء المعاملة (انظر 5-4).


وفي تقرير أصدرته في مارس/آذار 2004، كررت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كررت خلافها مع السلطات الفرنسية حول القانون الذي يحرم من الاستعانة بمحام طوال الـ 36 ساعة الأولى في حجز الشرطة، مشددةً على أنه يجب السماح لجميع المعتقلين بمقابلة محام منذ بداية حجز الشرطة، وكذلك من الحق في حضور محام خلال الاستجواب الذي تقوم به الشرطة. ولا يُسمح بهذا الحق الأخير حالياً. وانتقدت اللجنة الأوروبية المذكورة حقيقة أن القانون الجديد الخاص بالأمن للعام 2003 قد احتفظ بالانحراف عن المعايير المتعلق بالاستعانة بمحام بالنسبة لمجموعة كاملة من الجرائم الجنائية. وأشارت اللجنة إلى أنه خلال الزيارات التي قامت بها إلى فرنسا واصلت تلقي مزاعم حول إساءة المعاملة البدنية على أيدي أفراد الشرطة لحظة الاعتقال أو خلال حجز الشرطة. وحثت السلطات الفرنسية على "التخلي عن النظام المهين في حجز الشرطة فيما يتعلق بالاستعانة بمحام وإلى الاعتراف في النهاية بحق جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم من جانب قوات النظام والقانون – لأي دافع كان- في الاستعانة بمحام (رغم أنه ليس بالضرورة محام يختارونه بأنفسهم) منذ بداية حرمانهم من حريتهم "تقرير إلى حكومة الجمهورية الفرنسية يتعلق بالزيارة التي قامت بها إلى فرنسا اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المقدم بين 11 و17 يونيو/حزيران 2003. CPT/Inf(2004)6، الفقرة 64.


وهناك قضية تناهت إلى علم هذه المنظمة في العام 2003 أثارت بواعث قلق حول احترام دور المحامين عند زيارة موكليهم في مراكز الشرطة. ففي 31 ديسمبر/كانون الأول 2002، طُلب من محام اسمه دانييل فرانسوامساعدة فتى عمره 17 عاماً محتجز لدى الشرطة في أولني – سو – بوا (سين- سان – دنيس). وعندما لاحظ المحامي وجود جروح على وجه الفتى، أبلغ الشرطي المناوب أنه يود تسجيل مزاعم بأن موكله تعرض لأفعال عنف وطالب بإجراء فحص طبي له، لكن محاولاته باءت بالفشل. فقد قال شرطي لدانييل فرانسو إنه لا توجد آلة نسخ تسمح له بتصوير نسخة من طلبه المكتوب بخط اليد ورفض إصدار أمر بإجراء فحص طبي للفتى. وعندما احتج المحامي طُلب منه المغادرة ورافقه حتى الباب. وعاد إلى مركز الشرطة لإيداع النص الذي كتبه بخط يده. عندئذ أُلقي القبض عليه، ووضع في حجز الشرطة بتهمة توجيه الإهانات ومقاومة الاعتقال. وفي تقريرها السنوي للعام 2003 الصادر في العام 2004 أشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى قضية دانييل فرانسوا. وأعربت عن دهشتها لاحتجاز المحامي لمدة 13 ساعة وإخضاعه لفحص الكحول رغم أنه لا يوجد دليل على أنه كان يعاقر الخمرة. وأوصت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن "باتخاذ تدابير لتعزيز حماية المحامين أثناء (قيامهم) بمهامهم المهنية وعدم اتخاذ أية قرارات أخرى بوضع شخص بحجز الشرطة من جانب شرطي يزعم أنه ضحية."


2.2.2 الفحوص الطبية

فيما يتعلق بالرعاية الطبية في حجز الشرطة، أُدخلت إصلاحات على الأوضاع في حجز الشرطة في العام 1993، للسماح برؤية الطبيب دون إبطاء، في أعقاب وفاة عيسى إهيش، من نوبة ربو عقب تعرضه للضرب. ويجوز للمعتقل أن يطلب بأن يفحصه طبيب يعينه النائب العام أو موظف في الشرطة القضائية. ويمكن تجديد الطلب في حالة إطالة أمد حجز الشرطة. بيد أنه سلطت عدة حالات حديثة الضوء على المشاكل المصاحبة لمحاولة الحصول على فحص طبي أثناء الحجز لدى الشرطة. وقضية دانييل فرانسواالمذكورة أعلاه هي أحد الأمثلة، كذلك هي قضية عمر بهاء، وهو مواطن فرنسي من أصل جزائري قُبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2002. وقد تدخل عمر بهاء (5-7) في استجواب من جانب الشرطة يتعلق بأطفال. وكسر شرطي يحمل علبة غاز أنف عمر بهاء. والشكوى التي قدمها في العام 2002، ما زالت عالقة في المحاكم. فرنسا : سوء المعاملة المزعوم لعمر بهاء من جانب أفراد الشرطة في باريس (رقم الوثيقة : EUR 21/002/03، مارس/آذار 2003، والتقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2004.


3.2.2 قضايا أخرى تتعلق بالحجز

كما أشرنا أعلاه، يُسمح للمعتقلين في حجز الشرطة بإجراء مكالمة هاتفية مع أحد أفراد العائلة أو رب العمل، وهي قاعدة تهدف إلى درء خطر سوء المعاملة الناجم عن عدم اتصال المعتقل بالعالم الخارجي. ومع ذلك يجوز لموظف قضائي أن يرفض منح الحق في إجراء مكالمة هاتفية إذا اعتبر ذلك بأنه يمس بمجرى التحقيق، شريطة موافقة النائب العام على ذلك. وتشير بعض الحالات ال78?ي تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية إلى أنه لم يتم دائماً التمسك بهذا الحق، حتى عندما لا يكون هناك إمكانية للمساس بالتحقيق. ففي يوليو/تموز 2001، مثلاً، اقتيد قاصر عمره 16 عاماً واسمه ياسين (5-4)، أخفت منظمة العفو الدولية الاسم الكامل في هذه القضية، إلى مركز الشرطة أسنيير في منطقة باريس. وعلى نحو مخالف للقانون، لم يتم إبلاغ والدته فوراً بأنه محتجز في مركز الشرطة، رغم أن ياسين طلب إبلاغها.


وفي 11 مارس/آذار 2003، أُرسل تعميم وزاري إلى مقر قيادة الشرطة الوطنية والدرك الوطني وإلى رئيس شرطة باريس، يتعلق بتحسين الأوضاع الفعلية لحجز الشرطة. وأشار تعميم وزارة الداخلية إلى أن عمليات التفتيش الجسدي يجب أن تكون استثناءً ودعا من جملة أمور إلى تعزيز حق المعتقلين في إجراء مكالمات هاتفية واتصالات سرية مع المحامين، فضلاً عن تقديم وجبات ساخنة إلى المعتقلين. ووُجهت انتقادات لممارسة تقييد المعتقلين بمشعاع الحرارة. وفي التقرير المذكور أعلاه، حثت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب الحكومة على إيلاء أولوية قصوى لتنفيذ التعميم. بيد أنه تجدر الملاحظة بأن هذا التعميم لم يشر إلى مشاكل العنف الذي تمارسه الشرطة ولم يتطرق إلى وجود عقوبات تأديبية لأفراد الشرطة الذين لم يحترموا القواعد التي تنظم حجز الشرطة. ويوحي استمرار مزاعم إساءة المعاملة في حجز الشرطة، مثل تلك التي صدرت عن المحامي أليكس أوروسوليه، الذي أصرَّ على أنه تعرض لسوء المعاملة في حجز الشرطة وقُيِّد بمشعاع، بأن "روح" التعميم لم تحترم بعد بالضرورة.


وقُبض على أليكس أورسوليه، وهو محام م مارتينيك، في يناير/كانون الثاني 2005، في هذه الحالة نتيجة حادث مروري. وزعم أنه تم تقييده بمشعاع بينما كان في الحجز في مركز شرطة ريفولي في باريس. ووجه تهم التوقيف التعسفي والاعتداء والتمييز العنصري والسلوك المهين إلى الشرطة. وبعث رئيس نقابة محامي باريس المحامي جون – ماري بورغوبورو برسالة إلى وزير الداخلية حول هذه القضية أشار فيها إلى "تجاوزات السلطة" من جانب الشرطة وأنباء السلوك العنصري. وعند كتابة هذا التقرير كانت المفتشية العامة للشرطة تجري تحقيقاً داخلياً.


وإن قلق منظمة العفو الدولية إزاء استمرار عدم احترام المبادئ التوجيهية أو القواعد الداخلية، فضلاً عن المعايير الدولية تشاطرها فيه المنظمات غير الحكومية مثل حركة مناهضة العنصرية من أجل الصداقة بين الشعوب. ونتيجة للتوترات ذاتها التي غالباً ما أدت إلى وجود المعتقلين في مراكز الشرطة أساساً، فقد يعاملهم أفراد الشرطة بالريبة، وفضلاً عن رفض أفراد الشرطة السماح لهم بالخضوع لفحص طبي، أو الاتصال بأقربائهم في بعض الحالات، فقد لا يحيطونهم علماً بحقوقهم الكاملة أو ربما لا يعبئون بشكل صحيح أو كامل التقارير التي يجب أن يعدوها بالنسبة لكل عملية حجز لدى الشرطة. وأفراد الشرطة ملزمون بالاحتفاظ بمحضر للحجز يتضمن معلومات حول الأوضاع في حجز الشرطة : مثلاً، المدة الكاملة لحجز الشرطة؛ وطول فترات الاستجواب؛ وأوقات الاستراحة؛ وساعات الطعام الخ. ويجب أن يوقع على محضر الحجز الشخص المحتجز لدى الشرطة قبل إنهائه. بيد أن هذا المحضر لن يشكل بالضرورة وصفاً كاملاً للحقائق ذات الصلة وقد يشعر المعتقلون المتحرقون للإفراج عنهم من حجز الشرطة بإغراء الموافقة عليه بدون قراءته بشكل صحيح أو يتم تهديدهم بإطالة أمد حجزهم لدى الشرطة إذا أبدوا علامات على رفض التوقيع عليه.


والتقاعس عن إدارة حجز الشرطة على الوجه الصحيح، إما نتيجة للامبالاة أو سوء النية يمكن أن يؤدي إلى أوضاع الإفلات من العقاب. وغياب التقرير الطبي، إذا تعرض المعتقل للإصابة خلال التوقيف أو بعده؛ وعدم الوصف الكافي في المحضر للأوضاع التي تم فيها تنفيذ الحجز لدى الشرطة، وإغفال التجاوزات المحتملة؛ وممانعة بعض أفراد الشرطة في تسجيل شكوى ضد زملائهم يتقدم بها ضحية عنف الشرطة أو تقديم شكوى مضادة ضد شخص يحاول تسجيل مثل هذه الشكوى؛ وعرقلة عمل محام يحاول أداء واجبه المهني، هي كلها من جملة العوامل التي تسهم في عرقلة التحقيق القضائي منذ البداية، وتزيد من صعوبة إقامة العدل عملياً وليس من حيث المبدأ.


3.2 الصلاحيات الاستنسابية للنائب العام

ما برحت منظمة العفو الدولية على مدى سنوات تشعر بالقلق إزاء السلطة الممنوحة إلى أعضاء النيابة العامة لتقرير ما إذا كانوا سيتابعون الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، وممانعتهم في المقاضاة في عدد من هذه الحالات. كذلك أعربت الهيئات المشرفة على تنفيذ المعاهدات الدولية عن قلقها إزاء إجراءات التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون. وما زالت بواعث القلق المعبر عنها أو التوصيات المقدمة إلى فرنسا حول هذه القضية من جانب لجنة حقوق الإنسان في العام 1997 أو لجنة مناهضة التعذيب في العام 1998 قائمة (المرة الأخيرة التي مثلت فيها فرنسا أمام أي من هاتين اللجنتين).


وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها إزاء :

"إجراءات التحقيق الحالية في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الشرطة. كذلك يساورها القلق إزاء تقاعس أعضاء النيابة أو ممانعتهم في تطبيق القانون المتعلق بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالموظفين المكلفين بإنفاذ القانون..." الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الفقرة 15.


وفي العام 1998، أعربت لجنة مناهضة التعذيب، التي نظرت في التقرير الدوري الثاني لفرنسا حول تقيدها باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أعربت عن قلقها إزاء نظام "مدى ملاءة المقاضاة" الذي على حد قول لجنة مناهضة التعذيب ترك "لأعضاء النيابة العامة حرية تقرير عدم مقاضاة مرتكبي أفعال التعذيب أو حتى إصدار أمر بإجراء تحقيق، وهذا ما يتعارض بوضوح مع نصوص المادة 12 من الاتفاقية". وحثت لجنة مناهضة التعذيب الدولة الطرف على "إيلاء أقصى حد من الاهتمام بمزاعم العنف الذي يرتكبه أفراد قوات الشرطة، بهدف الإيعاز بإجراء تحقيقات حيادية، وفي الحالات التي يثبت فيها الذنب، توقيع العقوبات المناسبة". كما حثت فرنسا على إلغاء النظام الحالي "لمدى ملاءمة المقاضاة"، وبذلك تبدد "كافة الشكوك المتعلقة بواجب السلطات المختصة في إجراء تحقيقات حيادية بصورة منهجية وبمبادرة منها في جميع الحالات التي تتوافر فيها أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن فعل تعذيب قد ارتُكب..." الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب؛ فرنسا، UN Doc A/53/44، 27 مايو/أيار 1998 (التي يشار إليها فيما يلي : بالملاحظات الختامية لـ ل. م.ت.)، الفقرات 143(ب) و146 و147 على التوالي. وهذه هي الملاحظات الختامية الأحدث عهداً للجهة القضاء على التعذيب فيما يتعلق بفرنسا التي من المقرر أن تمثل مرة أخرى أمام لجنة مناهضة التعذيب في العام 2005. بيد أن نظام "مدى ملاءة المقاضاة" ما زال يُطبَّق.


وفي قضية ما زالت عالقة أمام المحاكم وتوضح قضايا أخرى عديدة حتى اليوم، قرر كريم لطيفي (5-5) متابعة شكواه بواسطة إجراء تقديم مذكرة دعوى مباشرة. وفعل ذلك بعدما قرر النائب العام إقفال الشكوى، رغم وجود أدلة كثيرة على عنف الشرطة وحقيقة أن أفراد الشرطة قد جرى تأديبهم. وإزاء التقاعس المتواصل لأعضاء النيابة عن المتابعة الفعالة لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد الشرطة، غالباً ما قدم الضحايا أو عائلاتهم أو الجماعات المؤيدة لهم شكاويهم بأنفسهم لدى قاضي التحقيق. وهذا كما أوضحنا أعلاه، يسمح لهم بأن يكونوا طرفاً في الإجراءات وفي بعض الحالات كانت هذه المشاركة حاسمة في إعداد قضية الادعاء. وفي حكم صادر في العام 2004 (تحت الفقرة 4)، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في الحالات الخطيرة للانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، مثل الوفاة في الحجز، ينبغي للتحقيق الفعال أن يحيط تلقائياً وتباعاً أفراد عائلة الشركاء المعنيين بالمعلومات المتعلقة بالإجراءات القانونية من دون أن يضطروا للانضمام إلى العملية كطرف مدني. ولم تتبع السلطات الفرنسية حتى الآن هذه الممارسة.


وفي عدد من الحالات التي تثير قلق منظمة العفو الدولية، والتي تتعلق بعمليات إطلاق نار مميتة من جانب الشرطة أو بحالات وفاة في حجز الشرطة، لعب أعضاء النيابة العامة في الواقع دور مستشار الدفاع، غالباً عند أدائهم لعملهم كأعضاء في النيابة أمام المحاكم الجنائية الابتدائية. بيد أن أعضاء النيابة العامة في المحاكم الإصلاحية عملوا أيضاً بصورة فعلية نيابة عن فريق الدفاع عن الشرطة. وفي قضية إساءة معاملة ياسين التي ما زالت مفتوحة، والتي خلصت المحكمة الإصلاحية إلى أنها تضمنت أفعال عنف من جانب الشرطة "تتجاوز كثيراً الاستخدام المعقول للقوة"، طلب وكيل النيابة مع ذلك تبرئة ساحة أفراد الشرطة (5-4). وبموجب نظام القضاء التحقيقي، فإن وكيل النيابة ملزم بعرض وجهة نظر الدولة، وليس الطرف المدني في المقاضاة. ومع ذلك، فإنه لمما يثير القلق إنه حتى في بعض الحالات الخطيرة للغاية والخلافية المتعلقة بعنف الشرطة، تخلى أعضاء النيابة عن دور المقاضاة كلياً وأدوا فعلياً دور الدفاع، وبالتالي تركوا المقاضاة كلياً بيدي المحامي الذي ينوب عن العائلة أو الطرف المدني.


ومن الأمثلة الماضية الملفتة جداً على هذه الظاهرة قضايا مثل قضية تودور بوغدانوفيتش (3-1) التي علق فيها مراقب المحاكمة نيابة عن منظمة العفو الدولية قائلاً إن قرار وكيل النيابة بأداء دور الدفاع سهَّل جداً حجة الشرطي وجعل مهمة الأطراف المدنية والمحامي الذي يمثل العائلة "صعبة للغاية". ومرة أخرى في قضية إيتيان لوبورنيو(3-2)، تُرك الدور الفعلي للنيابة إلى قسم في محكمة الاستئناف، بينما ذهب وكيل النيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية إلى حد القول إن قتل الشرطة لسائق سيارة الأجرة يبرره "الموقف الانتحاري" لذلك السائق – وهي حجة تثير الدهشة في الملابسات المحيطة بالقضية وظلم تضاعفه حقيقة أنه لا يمكن تقديم استئناف لحكم المحكمة الجنائية الابتدائية. ورغم أن عمليات الاستئناف لأحكام المحاكم الجنائية الابتدائية يُسمح بها الآن، إلا أنها تخضع لاستنساب النائب العام. وفي قضية وفاة محمد علي سعود(4-2) التي تبت فيها الآن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تقاعس وكيل النيابة عن إخطار قاضي التحقيق الذي بناء على ذلك، لم يفتح تحقيقاً إلا بعد مضي شهرين على حدوث الوفاة. وفي قضية وفاة رياض حملاوي (3-5) الذي كان جالساً وهو أعزل في سيارة، أُردي بالرصاص من مسافة قريبة من جانب شرطي في العام 2002، قررت النيابة العامة عدم استئناف قرار المحكمة الجنائية الابتدائية الذي انتقده وزير سابق في الحكومة الفرنسية بقوله إنه لا يحتمل أن يوحي بالثقة في نظام القضاء الفرنسي. واتُخذ هذا القرار بعدم متابعة القضية رغم حقيقة أن وكيل نيابة يعمل بصفة وكيل نيابة في المحكمة الجنائية الابتدائية، طلب إنزال عقوبة السجن لمدة ست سنوات لكي تعكس خطورة الجريمة التي اعتقد أنها وقعت نتيجة قرار متعمد.


وفي التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2000، أشارت المنظمة إلى ممانعة المحاكم في إدانة أفراد الشرطة على جرائم العنف أو القوة المفرطة، أو تأييد الأحكام التي حاولت أن تعكس خطورة الجريمة. و"في بعض الحالات" علقت قائلة إن "أعضاء النيابة يؤدون كما يبدو دوراً نشطاً في استمرار ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب عندما يتعلق الأمر بأفراد الشرطة." وحتى اليوم يظل هذا الأمر يشكل مصدر قلق حقيقياً.


4.2 عمليات التأخير في الإجراءات القضائية

ينص القانون الدولي على إجراء تحقيق دون إبطاء في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن : "تضمن كل دولة طرف قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباباً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملاً 5?ن أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية." وينبغي المباشرة بالإجراءات الجنائية وإتمامها في غضون مدة زمنية معقولة، كحق للمتهم، انظر مثلاً المادة 14(3)(ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكجزء من الحق في "سبيل انتصاف فعال" للأشخاص الذين انتهكت حقوقهم، انظر مثلاً المادة 2(3) من العهد المذكور.


وفي العام 1997، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن قلقها "إزاء عمليات التأخير والطول غير المعقول للإجراءات القضائية في التحقيق والمقاضاة على الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المتعلقة بالموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين". الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، الفقرة 15. ويوضح عدد من القضايا التي عملت منظمة العفو الدولية بشأنها المشكلة الحقيقية لعمليات التأخير الطويلة والتقاعس عن توخي اليقظة الواجبة في الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بشكاوى ضد الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.


ومن هذه الحالات تلك المتعلقة بلوسيان دجوسوفي،وهو مواطن من بنين قامت منظمة العفو الدولية بحملة نيابة عنه. وأدين شرطيان فرنسيان في العام 1996 باستخدام العنف غير القانوني وبإصابته بجروح، وصدر على كل منهما حكم بالسجن لمدة 18 شهراً مع وقف التنفيذ وأُمرا بدفع تعويضات. بيد أن منظمة العفو الدولية تشعر بقلق شديد من أن التحقيق والمحاكمة استغرقا خمس سنوات وأربعة أشهر قبل اختتامهما. وقال المحامي الذي راقب الإجراءات القضائية نيابة عن منظمة العفو الدولية إنه لا يعتبر التفسيرات التي قدمها المدعي الخاص لتبرير طول الإجراءات القضائية مقنعة.


وهناك قضية أخرى كهذه هي قضيةمراد تشير، وهو شاب من أصل جزائري أُصيب بطلق ناري قاتل في ظهره في سان-فون، بالقرب من ليون، وأردي مراد تشير الذي كان أعزل بالرصاص في العام 1993، بينما كان يحاول الإفلات من حجز الشرطة. واتسمت القضية بتجاوزات إجرائية وعمليات تأخير مستمرة. ولم توجه تهمة رسمية إلى الشرطي الذي أطلق الرصاصات القاتلة إلا بعد تقديم شكوى من جانب الطرف المدني – وبعبارة أخرى، إلى أن أخذت العائلة زمام المبادرة في التحرك. ولم يتم تمثيل وقائع عملية إطلاق النار إلا بعد مضي عامين على وفاة الضحية. وفي العام 1998 حُكم على شرطي بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ.


وتوضح بعض الحالات المبينة أدناه هذا الوجه للإفلات الفعلي من العقاب. ففي 25 مارس/آذار 1998، وقبل الحكم الصادر في يوليو/تموز 1999 عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية أحمد سلموني(5-2)، تبين للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في قضية سلموني، انتهكت فرنسا المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بإجراء محاكمة عادلة خلال فترة زمنية معقولة. ووفقاً للجنة، تتضمن معايير تقدير "الوقت المعقول":

  1. مدى تعقيد القضية؛

  2. سلوك أطراف القضية؛

  3. سلوك السلطات.


وتبين للجنة أنه رغم بدء تحقيق في مزاعم أحمد سلموني في مارس/آذار 1993 – لكن فقط بعد أن أصبح المدعي طرفاً مدنياً في القضية – لم يخضع أفراد الشرطة للتحقيق من جانب قاض للتحقيق حتى العام 1997، وأن التحقيق القضائي ظل مستمراً بعد مرور أكثر من أربع سنوات وثمانية أشهر على المباشرة فيه، رغم حقيقة أن القضية، رغم خطورتها الشديدة، لم تكن معقدة جداً. وأضافت اللجنة أنه نظراً لخطورة المزاعم، والفترة الزمنية الطويلة التي مضت على وقوع الأحداث، تقاعست السلطات عن توخي اليقظة اللازمة لما فيه مصلحة إجراء تحقيق سريع.


وكانت قضيتا يوسف خايف(قُتل على يد الشرطة) وعيسى إهتش(وفاة في الحجز) من جملة قضايا أخرى توضح هذا التقاعس بشكل ملفت. فقضية يوسف خايف الذي توفي في العام 1999 احتاجت إلى 10 سنوات لكي تصل إلى المحكمة. وبالمثل فإن قضية عيسى إهتش (4-1) الذي توفي في العام 1991 استغرق وصولها إلى المحكمة 10 سنوات. والانتظار هذا الوقت الطويل جداً لتسوية القضايا ليس مشكلة حقيقية للعائلات والأقرباء وحسب، بل يمكن أيضاً أن يزيد من الإجهاد الذي يتعرض له أفراد الشرطة المعنيين.


ويساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء الوجود الفعلي لنظام "بسرعتين" للتعامل مع الإجراءات القضائية في الحالات التي تتعلق بأفراد الشرطة. ومن الحالات التي توضح هذه المشكلة حالة عمر بهاء(5-7). ففي فبراير/شباط 2003 رفضت المحكمة الإصلاحية في باريس تهماً وجهها إليه أفراد الشرطة الوطنية في ديسمبر/كانون الأول 2002 "بمقاومة الاعتقال"، و"السلوك المهين" و"التحريض على الشغب" – والأخيرة تهمة ليست موجودة في قانون العقوبات الفرنسي، لكنها استُخدمت لتبرير تمديد حجزه لدى الشرطة. بيد أن عمر بهاء قدَّم أيضاً شكوى حول إساءة المعاملة ضد أفراد الشرطة الوطنية. وعند كتابة هذا التقرير، كانت الدعوى التي رفعها عمر بهاء ضد أفراد الشرطة ما زالت قيد الدرس بعد مضي عامين على النظر في الدعوى التي رفعها الشرطي ضده وتسويتها.


5.2 الأحكام الاسمية أو "العقوبات الرمزية"

إلى جانب عدد من أحكام البراءة الخلافية جداً في قضايا تتعلق برجال الشرطة، هناك عامل آخر يسهم في نشوء ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب هو نمط الأحكام الرمزية. فغالباً ما يطلب أعضاء النيابة إصدار عقوبات رمزية وترضخ المحاكم لطلبهم، رغم خطورة الجرم. وفي العام 1997، وفيما يتعلق بدولة أخرى في أوروبا الغربية، أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها إزاء توقيع "عقوبات رمزية، لا تتضمن حتى قضاء فترة في السجن" في قضايا اتُهم فيها موظفون رسميون بارتكاب أفعال تعذيب. الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب : أسبانيا .UNDoc.A/53/44، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، الفقرة 128. وفقاً للجنة مناهضة التعذيب فإن "الأحكام التي تُفرض على الموظفين الرسميين المتهمين بممارسة التعذيب، والتي غالباً ما تتضمن عقوبات رمزية، ل�575? تنطوي حتى على قضاء فترة في السجن، تشير كما يبدو إلى درجة من التسامح تجرد العقوبة الجنائية من الأثر الرادع والاتعاظي الذي يجب أن يرتبط بها ..." المصدر آنف الذكر. وشعرت لجنة مناهضة التعذيب أن زيادة قسوة العقوبات تساعد في القضاء على ممارسة التعذيب. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن بواعث قلق مشابهة تنطبق على فرنسا اليوم، في كل من حالات التعذيب وسوء المعاملة والاستخدام غير القانوني والمفرط للقوة المؤدي إلى الوفاة أو الإصابة بجروح.


وفي معظم حالات إطلاق النار المميت التي صدرت فيها إدانات، نادراً ما تجاوزت العقوبات عقوبة السجن مع وقف التنفيذ. ورغم أننا سمعنا عن شرطي يقتل متهماً في حادثة إطلاق نار ويتلقى عقوبة بالسجن طويلة نسبياً، إلا أن ذلك أمر غير معتاد وتستلزم الملابسات توافر أدلة على أن الشرطي تصرف بطريقة صارخة بشكل استثنائي، أو أنه أُدين سابقاً أو لديه سجل تأديبي يلطخ سمعته. وفي ديسمبر/كانون الأول 1997، أُردي فابريس فرنانديز بالرصاص من جانب شرطي أثناء استجوابه وهو مكبل اليدين في مركز للشرطة. وحُكم على الشرطي، الذي أُوقف سابقاً عن الخدمة في الشرطة بتهمة الاعتداء، بالسجن لمدة 12 عاماً بتهمة القتل في ديسمبر/كانون الأول 1999. وفي أغسطس/آب 1998، أُردي إريك بن فاطمة الذي كان يتسول للحصول على السجائر من جانب شرطي أطلق عليه النار أربع مرات بينما كان يطارده في الشارع. والشرطي الذي صوره وكيل النيابة والدفاع بأنه "شرطي طيب" لكنه يعاني من أزمة عصبية، أدين بالتهمة ذاتها وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات في يونيو/حزيران 2000. لكن في معظم الحالات، سعى أعضاء النيابة والقضاة – وفي حالة المحاكم الجنائية الابتدائية – هيئة المحلفين، جاهدين لتفادي صدور حكم فعلي بالسجن. وبموجب المادة 734 من قانون الإجراءات العقابية، يجوز للقاضي أن يأخذ بعين الاعتبار سجل الخدمة الجيد وغيره من العوامل، مثل الندم أو الاعتراف بالذنب، لكنه ليس ملزماً بإبداء أسباب قراره عند إصداره عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ. وعملياً فإن أفراد الشرطة الذين أدينوا بالقتل غير القانوني للمتهم استفادوا دائماً من وقف تنفيذ العقوبة بموجب المادة 734. ويتعلق القسم الأكبر من الحالات الموثقة في هذا التقرير إما بأحكام براءة مثيرة للجدل أو بعقوبات رمزية، حتى عندما اعترفت المحكمة أن القضية خطيرة للغاية.


رشيد أردجوني،فتى عمره 17 عاماً من أصل جزائري أُطلقت عليه النار في مؤخر رأسه وسقط صريعاً في إبريل/نيسان 1993. وأُدين الشرطي بالقتل العمد وحُكم عليه بالسجن لمدة 24 شهراً مع وقف تنفيذ 16 شهراً منها. وفي مايو/أيار 1996 خفضت محكمة استئناف دواي الحكم، رغم أن الشرطي كان مخموراً (انظر التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية بين الأعوام 1994 و1997). وزادت المحكمة فترة وقف التنفيذ من 16 شهراً إلى 18 شهراً وخفضت الأضرار والتعويضات المالية الممنوحة إلى عائلة الفقيد. حتى أن المحكمة نقضت قرار المحكمة الإصلاحية بتدوين الإدانة في السجل الجنائي للشرطي. وهذا يعني أنه يمكن للشرطي مواصلة الخدمة في قوات الشرطة وحمل سلاح.


ومنذ ذلك الوقت، لا يبدو أنه حصل تغيير يذكر في نمط الأحكام الرمزية. وتشمل الأمثلة الأخرى قضية قاصر أعزل اسمه حبيب ولد محمد(3-4) أردي بالرصاص في ديسمبر/كانون الأول 1998 وتُرك على قارعة الطريق، وأشارت المحكمة إلى الحادثة على أنها "سلسلة مذهلة من الأخطاء المهنية المتهورة والخرقاء" التي ارتكبها الشرطي الذي تقاعس عن الإبلاغ، كما يجب، بأنه أطلق النار من سلاحه. بيد أنه لم يُحكم على الشرطي إلا بعقوبة السجن مع وقف التنفيذ. وفي قضية رياض حملاوي(3-5) الذي أرداه شرطي بالرصاص في العام 2000، جادلت المحكمة بالقول إنه رغم خطورة الجريمة، إلا أنه لا فائدة من سجن الشرطي وأن تصرفه يُعزى إلى التدريب "الرديء". وصدرت على الشرطي عقوبة مع وقف التنفيذ.


6.2 الدور الإشكالي للمحاكم الجنائية الابتدائية

حتى فترة حديثة، أصدرت المحاكم الجنائية الابتدائية المؤلفة من ثلاثة قضاة (’المحكمة‘) وهيئة محلفين تضم ما بين تسعة واثني عشر مواطناً فرنسياً، أحكاماً في قضايا جنائية خطيرة نسبياً أحالتها إليها شعبة الاتهام، وهي قسم في المحكمة يقرر وضع القضية – ما إذا كان سيتم المباشرة فيها، وإذا كان الأمر كذلك، يحدد المحكمة التي ستتولى المحاكمة فيها. وبينما كان هناك حق في استئناف قرارات المحكمة الإصلاحية التي تبت في جرائم أو مخالفات أقل خطورة وليس فيها هيئة محلفين، فإنه لا يتوافر مثل هذا الحق في المحاكم الجنائية الابتدائية التي تبت بالقضايا كمحكمة ابتدائية ونهائية. (والطريقة الوحيدة للاعتراض على قرارات المحاكم الجنائية الابتدائية هي رفع طلب نقض أمام الشعبة الجنائية التابعة لمحكمة النقض. ولكن هذه الشعبة لن تنظر إلا في المسائل القانونية والإجرائية، وليس في وقائع القضية، وبالتالي تحد بصرامة من إمكانيات الاستئناف).


والأساس المنطقي العام لغياب آلية كاملة للاستئناف يكمن في الاعتقاد بأنه لا يجوز استئناف الحكم الصادر عن هيئة المحلفين لأن الشعب هو السيد، وبالتالي معصوم عن الخطأ. بيد أن عدم توفير أية وسيلة للاستئناف، إلا بشأن الشكليات، مثل الأخطاء الإجرائية، شكل انتهاكاً واضحاً وجوهرياً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة 14(5) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أنه : "لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء، وفقاً للقانون، إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حُكم به عليه". ويوجد نص مشابه في المادة 2 من البروتوكول 7 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.


وقد تضاعفت المشكلة في حالة تشريع "مكافحة الإرهاب". فالقانون رقم 86-1020 الصادر في 9 سبتمبر/أيلول 1986 "المتعلق بمحاربة الإرهاب"، نص على أن الحالات المتعلقة "بالإرهاب" يجب أن تحال إلى المحكمة الجنائية الابتدائية الخاصة في باريس، التي لا توجد فيها هيئة محلفين. ويساور منظمة العفو الدولية القلق ليس فقط إزاء حقيقة أن المتهمي

u1606? "بالإرهاب" حوكموا تلقائياً أمام المحكمة الجنائية الابتدائية الخاصة، وبالتالي لا يحق لهم تقديم استئناف، بل أيضاً لأن ضحايا أو عائلات ضحايا الجرائم الخطيرة أو التي يحتمل أن تكون خطيرة الذين فصلت المحاكم الجنائية الابتدائية في قضاياهم لا يحق لهم تقديم استئناف.


وفي 1 يناير/كانون الثاني 2001، صدر القانون رقم 15 وتاريخ 15 يونيو/حزيران 2000 حول "افتراض البراءة" في إطار إصلاح عام ومتشعب لنظام القضاء الفرنسي. وأدخل القانون آلية إلى المحاكم الجنائية الابتدائية في محاولة لجعل فرنسا تتقيد بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ووفقاً للقانون، فإن القضية التي تبت فيها محكمة جنائية ابتدائية يمكن استئنافها أو إعادة المحاكمة فيها أمام محكمة جنائية ابتدائية أخرى، تؤدي دور استئناف وتضم ثلاثة قضاة و12 عضواً في هيئة المحلفين بدل تسعة. وأُجبرت المحكمة الأخيرة على إعادة استدعاء الشهود خلال المرافعات الشفوية.


وهذا الإصلاح للمحاكم الجنائية الابتدائية، رغم كونه موضع ترحيب وضروري، لكنه ليس كافياً لتبديد بواعث القلق لدى منظمة العفو الدولية إزاء الإفلات الفعلي من العقاب الذي يتمتع به الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون الذين بُرئت ساحتهم أمام المحاكم الجنائية الابتدائية التي أدت دور المحاكم الابتدائية، لأن القانون لم ينص على تقديم استئناف في حالة صدور حكم بالبراءة، كما يفعل في المحاكم الأخرى. وهذا يعني أن القضايا بالغة الخطورة مثل قضيتي تودور بوغدانوفيتش(2-3) أو إيتيان لوبورنيو(3-2)، رغم أنها انتهت بأحكام براءة خلافية للغاية، لم يكن بالإمكان استئنافها. وأثار الوضع درجة أكبر من الأسف لأن شُعب الاتهام لم ترسل إلى المحاكم الجنائية الابتدائية إلا القضايا التي تتضمن أسباباً جدية للاعتقاد بأن موظفاً مكلفاً بإنفاذ القانون قد ارتكب انتهاكاً.


وفي العام 2002، مُنح أعضاء النيابة الحق في تقديم استئناف ضد أحكام البراءة، لكن الحق لم يوسع ليشمل الأطراف المدنية في القضية. وهكذا، فإنه في الوضع الحالي، تتوقف إمكانية تقديم الاستئناف في هذه القضايا فقط على إرادة أعضاء النيابة الذين غالباً ما اتسم دورهم حتى الآن بالغموض. وتوضح قضية رياض حملاوي (3-5) القلق المستمر الذي يساور منظمة العفو الدولية إزاء دور أعضاء النيابة العامة في هذه القضايا وعجز الأطراف المدنية عن تقديم استئناف ضد الأحكام الخلافية الصادرة في المحاكم الجنائية الابتدائية، رغم إصلاحها.


7.2 مفهوماً "الدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"

شأنه شأن معظم الأنظمة القانونية، ينص القانون الجنائي الفرنسي على تقديم "وسائل دفاع" أي استثناءات من التبعة الجنائية عن الأفعال التي يمكن لولا ذلك أن تكون غير قانونية، عند استيفاء شروط استثنائية محددة. وهناك دفاعان منها لهما صلة بشكل خاص في هذا السياق.


1.7.2 "الدفاع المشروع" (الدفاع عن النفس)

يقتضي القانون الفرنسي أنه عند استخدام القوة، يجب أن تتناسب الوسيلة مع خطورة التهديد أو الهجوم. ووفقاً للمادة 122-5 من قانون العقوبات الفرنسي، يحق قانونياً للشخص الدفاع عن نفسه أو الآخرين ضد هجوم لا مبرر له، طالما أن الفعل ضروري للدفاع عن النفس أو للدفاع عن شخص آخر ويتزامن مع الهجوم وما دام هناك تناسب (التشديد من عندنا) بين الوسيلة الدفاعية المستخدمة وبين خطورة الهجوم.


كذلك فإن مبدأ التناسب مكرس بوضوح في المادة 9 من مدونة قواعد الآداب (أو مدونة قواعد السلوك) العائدة للشرطة الوطنية (المرسوم الصادر في 18 مارس/آذار 1986). فالمادة 9 من المدونة تنص على أنه : "عندما يكون مصرح قانونياً استخدام القوة، وبخاصة، استخدام الأسلحة، ينبغي على الشرطي ألا يفعل ذلك إلا عند الضرورة القصوى وبما يتناسب مع الهدف المراد تحقيقه."


وإضافة إلى ذلك، فوفقاً للمادة 10 : "يوضع كل شخص يُقبض عليه تحت مسؤولية الشرطة وحمايتها ولا يجوز أن يتعرض لأي شكل من أشكال العنف أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة من جانب شرطي أو طرف ثالث". مدونة قواعد آداب الشرطة الوطنية، المادة 9. ويتعرض الشرطي الذي كان شاهداً على هذه الحوادث لإجراءات تأديبية إذا لم يفعل شيئاً لوقفها أو تقاعس عن لفت انتباه السلطة المختصة إليها.


بيد أن مبدأ التناسب لم يُطبق على الأفراد العسكريين في الدرك الوطني (انظر 2-7 أدناه).


وينص كتيب لتدريب الشرطة الفرنسية بما قل ودل على أنه : "إذا كانت هناك أدنى إمكانية أمام الشرطي لتفادي هجوم غير قانوني، بدون أن تترتب جراء ذلك عواقب خطيرة عليه وعلى الآخرين ... هجوم غير قانوني ... عليه أن يختار ذلك الحل عوضاً عن استخدام سلاحه. فمثلاً، إذا كانت سيارة تتجه قصداً نحو الشرطي ولديه الوقت والقدرة على الابتعاد عنها ... عليه أن يفعل ذلك عوضاً عن استخدام سلاحه. وحالما تمر السيارة، لا تعود معايير الدفاع المشروع قائمة، ويحظر على الشرطي استخدام السلاح". الإشارات والأساليب المهنية للتدخل – مديرية الأفراد والمعلومات في الشرطة، وزارة الداخلية وتنمية المناطق. ويتماشى هذا النص مع المعايير الدولية لاستخدام القوة عموماً والأسلحة النارية خصوصاً، من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون (انظر أدناه).


2.7.2 "حالة الضرورة" (دفاع الضرورة)

وفقاً للمادة 122-7 من قانون العقوبات الفرنسي :

"لا يتحمل الشخص مسؤولية جنائية إذا قام في مواجهة خطر داهم أو وشيك عليه أو على شخص آخر أو ممتلكات، بعمل ضروري لضمان سلامة الشخص أو الممتلكات، إلا حيث تكون الوسيلة المستخدمة غير متناسبة مع خطورة التهديد".


ويختلف هذا الدفاع عن "الدفاع المشروع" من حيث إن الخطر لا ينشأ بالضرورة عن عدوان يرتكبه طرف ثالث، بل عن مزيج من الظروف. فمثلاً، إذا اقتحم إطفائي أو شخص بصفته الخاصة، منـزلاً خاصاً لإنقاذ سكانه من الحريق، فإن "حالة الضرورة" تحميه من التبعة الجنائية للاقتحام والدخول والتسبب بضرر للممتلكات الخ.


3.7.2 إساءة استعمال "وسائل الدفاع" هذه

يساور منظمة العفو الدولية القلق من أن وسيلتي "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة" قد أسيء استخدامهما على نطاق واسع في الحالات التي لجأ فيها أفراد الشرطة الفرنسية إلى العنف. واستُخدم الدفاعان بصورة شبه ثابتة من جانب أفراد الشرطة المتهمين بارتكاب القتل العمد أو القتل غير العمد أو غيره من الجرائم، وقبلت بها المحاكم بصورة متكررة، حتى حين أشارت الظروف بوضوح إلى الاستخدام غير الضروري والمتهور والمفرط للقوة من جانب الشرطي.


وانتهت بعض القضايا التي استُشهد بها في الفقرة 3 (أدناه) بأحكام براءة خلافية – خلافية ليس من وجهة نظر المحامين أو مجموعات حقوق الإنسان أو أقرباء الأشخاص المعنيين فقط، بل أيضاً من حيث إن المحاكم أصدرت أحكاماً مختلفة في جميع مراحل العملية القضائية. ومن المسائل المحورية في هذه القضايا المسألة المتعلقة بتفسير مقولات "الدفاع المشروع" أو "حالة الضرورة" والذي أدى إلى استخدام بعض الحجج الغريبة لمصلحة أفراد الشرطة المعنيين وإلى إعطاء أفراد الشرطة قرينة الشك الكبير في أغلب الأحيان. فقد جادل أعضاء النيابة العامة، مثلاً، بأن الضحية أبدى موقفاً "انتحارياً" (انظر قضية إيتيان لوبورنيو)؛ أو إن إدانة الشرطي "تنفي معنى" فعله (تودور بوغدانوفيتش). وترد أدناه أمثلة أخرى. ومن ضمنها قضية محمد علي سعودالذي توفي من الاختناق البطيء بينما كان أفراد الشرطة ممسكين به وهو مقيد. وفي هذه الحالة جادلت المحكمة بأن الشرطة تصرفت من منطلق "الدفاع المشروع"، وأنه لا وجه لإقامة دعوى ضد الشرطة، رغم حقيقة أن الوفاة حدثت دون جدال بعد مضي 15 دقيقة أو أكثر على تقييد الضحية وتكبيل يديه وساقيه، ومع ذلك ظل يتعرض لضغوط التقييد من جانب أفراد الشرطة والتي أدت إلى اختناقه حتى الموت.


8.2 استخدام الأسلحة من جانب الدرك

ما برحت بواعث قلق جدية وقائمة منذ زمن طويل تساور منظمة العفو الدولية إزاء استمرار استخدام أفراد الدرك الوطني لصلاحيات خاصة تتعلق باستخدام الأسلحة النارية. مذكرة منظمة العفو الدولية إلى لجنة مناهضة التعذيب في العام 1998، فرنسا : القوة المفرطة : ملخص لبواعث قلق منظمة العفو الدولية حول عمليات إطلاق النار وسوء المعاملة (رقم الوثيقة : EUR 21/05/98) أشارت إلى هذا القلق الذي شاطرتنا فيه لجنة حقوق الإنسان.


وهذه الصلاحيات التي مُنحت بمرسوم صدر في 20 مايو/أيار 1903 وعُدلت بمرسوم وقانون في العام 1943 في عهد حكومة فيشي ولم تتغير منذ ذلك الحين، مكنت الدرك تقليدياً من استخدام الأسلحة النارية من دون القيود المفروضة على أفراد الشرطة، في انتهاك واضح للمعايير الدولية الخاصة باستخدام الأسلحة النارية. وفي حين أن أفراد الشرطة ملزمون بالتقيد بالنصوص القانونية الخاصة "بالدفاع المشروع"، فإن الدرك تمتعوا بصلاحيات إيقاف المتهمين الهاربين أو الفارين بإطلاق النار عليهم، ما دام أفراد الدرك المعنيون يرتدون بزات رسمية ويعطون إشارة تحذير أولاً، مثل إطلاق النار في الهواء. وفعلياً، فإن حرية التصرف الممنوحة إلى الدرك في هذه المسألة سمحت لهم بإطلاق نيران أسلحتهم بدرجة من الخوف من الانتقام القانوني أقل من تلك التي يشعر بها أفراد الشرطة المدنية.


فمثلاً في نوفمبر/تشرين الثاني 1997، بعد مضي أربع سنوات على مقتل مهندس شاب اسمه فرانك موريهفي يوليو/تموز 1993، برأت المحكمة الإصلاحية في فالانس (دروم) دركي أطلق النار على مؤخر رأس المهندس بينما كان يحاول الانطلاق بسيارته وذلك على أساس أنه استخدم سلاحه بصورة قانونية. وفي العام 1998، نقضت محكمة الاستئناف في غرينوبل (إزير) حكم البراءة هذا. وصرحت المحكمة بأنه : "لا يجوز اعتبار التفويض الذي يمنحه القانون أو الأنظمة للأفراد العسكريين في الدرك باستخدام أسلحتهم لشل حركة السيارات تفويضاً مطلقاً وغير محدود يعفي الشرطي من الواجب العام، فإن لم يكن للتصرف وفق مبدأ التناسب ... فعلى الأقل للقيام بعمل يتسم بالحذر والحد الأدنى من المهارة". محكمة الاستئناف في غرينويل، 26 يوليو/تموز، النقض رقم 886/جي جيه. بيد أن محكمة النقص نقضت مرة أخرى هذا الحكم في يناير/كانون الثاني 2000 عند قضت بأن الدركي تصرف في حدود القانون (مرسوم العام 1903).


وفي العام 1997، صرحت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنها "تشعر بالقلق من أن صلاحيات الدرك الوطني، الذي هو أساساً فرقة عسكرية، عندما تعمل في وضع مدني للحفاظ على الأمن، أوسع من صلاحيات الشرطة. وتوصي اللجنة بأن تنظر الدولة الطرف في إلغاء المرسوم الصادر في 22 يوليو/تموز 1943 أو تعديله لتقليص صلاحيات الدرك عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسلحة النارية في أوضاع الحفاظ على النظام العام، بحيث تنسجم مع تلك التي تتمتع بها الشرطة".


وقاومت الحكومة الفرنسية بحزم القيام بأي شيء كهذا. بيد أن الوضع قد يتغير بسبب قرار حديث اتخذته محكمة النقض وقضى أن مرسوم العام 1903 لم يعد بالإمكان الدفاع عنه. ووفقاً للأنباء، أردي روموالد لافرويبالرصاص من جانب دركي بينما كان يقود سيارة غير مؤمنة في العام 1996. وكان يحاول تفادي حاجز على الطريق. وواجه الدركي تهمة القتل غير العمد، ولكن في العام 2001 برأت محكمة الاستئناف في كايين (كالفادوس) ساحته على أساس أن المرسوم 1903 سمح له بإطلاق الطلقة المميتة. لذا، لا يحق للعائلة أي تعويض. وأُحيلت القضية إلى محكمة النقض التي بدا أنها بنت قرارها على قانون القضايا الدولي، على حكم صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. إذ قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العام 1995 بأن حكومة المملكة المتحدة انتهكت الحق الأساسي في الحياة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عندما قتل موظفوها ثلاثة أعضاء عزل في الجيش الجمهوري الأيرلندي في العام 1998(؟) في جبل طارق. وصرحت المحكمة أن عمليات القتل كانت غير Ÿ?رورية. وأشارت إلى أنها "غير مقتنعة بأن قتل ثلاثة إرهابيين شكل استخداماً للقوة لم يتجاوز ما هو ضروري تماماً للدفاع عن الناس ضد العنف غير القانوني". وأنه لم يتم توخي الحذر المناسب في السيطرة على عملية الاعتقال وتنظيمها"، قضية مكَّان وآخرين ضد المملكة المتحدة السلسلة أ، رقم 324، الحكم الصادر في 27 سبتمبر/أيلول 1995، الفقرتان 213 و212 على التوالي.


9.2 مشكلة تحديد الهوية

يساور منظمة العفو الدولية القلق إزاء القضايا التي تنتهي بأحكام براءة، أو بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات قانونية ضد أفراد الشرطة بسبب صعوبة تحديد الهوية. ومشكلة تحديد هوية أفراد الشرطة الذين ربما تورطوا في انتهاك حقوق الإنسان تنشأ أساساً عندما لا يكون لدى ضحية مزعوم لانتهاكات الشرطة شهود مستقلون عن أفراد الشرطة؛ وعندما يرفض أفراد الشرطة أن يشهدوا ضد زملائهم أو عندما لا يطلب القائمون على التحقيق من أفراد الشرطة الإدلاء بشهاداتهم. كما تنشأ المشكلة بوضوح عندما يرتدي أفراد الشرطة ملابس مدنية وقد لا يرتدون رباط على الذراع أو ربما لا يضعون أرقاماً محددة بوضوح على لباسهم.


وفي يناير/كانون الثاني 2005 أغلقت محكمة الاستئناف في باريس تحقيقاً في إقدام الشرطة على إساءة معاملة عبد الحميد هيشور وعبد الصمد أياديفي لاي – ليه – روز في 30 سبتمبر/أيلول 1999. وقبلت المحكمة أن العنف الذي مارسته الشرطة كان "غير قانوني" و"لا عذر له"، لكنها لم تتمكن من تحديد هوية أفراد الشرطة المسؤولين عنه من بين العديدين الذين كانوا حاضرين. ووفقاً للأنباء شاركت 25 فرقة من الشرطة في استجواب عقب حدوث سرقة ومطاردة بالسيارات. وحصلت عملية اعتقال صعبة. فقد ذكر بعض أفراد الشرطة الذين نجحوا في تقييد شابين أنه عقب حدوث ذلك، وجهت مجموعة أخرى من أفراد الشرطة (الذين لم تُكشف هويتهم) اللكمات إلى الشابين، وبخاصة إلى عبد الحميد هيشور الذي فقد وعيه. وفيما بعد عجز الضحيتان عن العمل كلياً لمدة 10 و9 أيام على التوالي. ورغم إجراء تحقيق من جانب قاضي التحقيق في كريتيّ، واجه فيه أفراد الشرطة بصورة منهجية أحد ضحايا سوء المعاملة، استحال تحديد هوية الفاعلين، ربما كما ورد بسبب العدد الكبير من أفراد الشرطة الذين شاركوا في الحادثة. لذا أُغلقت القضية في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2002، وجرى تأكيد ذلك القرار في يناير/كانون الأول 2005.


وفي تقريرها السنوي للعام 2003 أشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى قضية الشقيقين سمير ومنير حمودي، وكلاهما طالبان من أصل مغربي تعرضا للضرب المبرح على أيدي أفراد الشرطة في يوليو/تموز 2002، قبل وأثناء احتجازهما في مركز شركة سان – دنيس (سين – سان – دنيس). وأثناء احتجازهما لدى الشرطة نُقلا إلى ثلاثة مستشفيات مختلفة لمعالجة جروحهما. وأكدت المفتشية العامة للأجهزة أن أفراد الشرطة استخدموا العنف ضدهم بصورة خاطئة. وفُتح تحقيق قضائي في محكمة بوبينييه، ونقلت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن الأدلة الوثائقية إلى كل من النائب العام ووزير الداخلية. وأشارت اللجنة الوطنية للآداب في الأمن إلى الرد الذي تلقته من وزير الداخلية في العام 2002 والذي أفاد أنه من "السابق لأوانه" النظر في اتخاذ تدابير مسلكية، لأنه لم يتم تحديد مسؤولية شخصية محددة نظراً لعدد أفراد الشرطة الذين شاركوا في الهجمات.


وتشدد قضية بابا تراوري(5-3) على المشكلة التي يواجهها أولئك الذين يحاولون تقديم شكوى عندما لا يوجد شهود بخلاف أفراد الشرطة وعندما لا يبدي أولئك الأفراد بدافع "التضامن"، استعداداً للشهادة ضد زملائهم. ويبدو أن هذا ما حصل أيضاً في قضية كريم لطيفي(5-4)، رغم وجود العديد من شهود العيان على الهجوم.


ويشير التقرير الذي يحمل عنوان المواطنون – العدالة – الشرطة (المشار إليه آنفاً في هذه الفقرة)، إلى قضية اصطدم فيها رجل (لم يُذكر اسمه) في مشادة عنيفة مع عدة أفراد من الشرطة عند مغادرة مرقص في مولهاوس في 9 أغسطس/آب 2000. واقتيد الرجل الذي كان يتناول الخمر إلى مركز الشرطة. وخلال الرحلة وُجهت إليه صفعة قوية على وجهه تسببت بجروح قدَّر الأطباء أنها تحتاج إلى 27 يوماً للشفاء. وقدم الرجل شكوى. وأقرت المحكمة الإصلاحية في مولهاوس أنه تعرض لهجوم عنيف، لكنها برأت ساحة الشرطيين لأنها لم تتمكن من معرفة من منهما نفذ الهجوم.


3. عمليات إطلاق النار المميتة التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون

في العقد الماضي أعربت منظمة العفو الدولية بصورة متكررة عن قلقها البالغ إزاء الأنباء التي أفادت بأن أفراد الشرطة يلجئون إلى استخدام القوة بتهور وعلى نحو لا يتناسب أبداً مع الوضع. كذلك أعربت عن قلقها، كما ذُكر أعلاه، إزاء النتائج القضائية لهذه القضايا على صعيد عمليات التأخير في الإجراءات القضائية، والأحكام الرمزية وهياكل الاستئناف القاصرة بالنسبة للأطراف المدنية في القضية وإساءة استعمال "وسائل الدفاع" التي يمكن أن تعفي أفراد الشرطة من التبعة الجنائية.


والحق في الحياة مكفول بموجب المادة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (لا يجوز استخدام القوة بدرجة تزيد على ما هو ضروري تماماً) والمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً) وعلاوة على ذلك،تقتضي المعايير الدولية من جميع الدول أن تضمن بأن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين :

· "يستخدمون إلى أبعد حد ممكن وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية. وليس لهم أن يستخدموا القوة والأسلحة النارية إلا حيث تكون الوسائل الأخرى غير فعالة أو حيث لا يتوقع لها أن تحقق النتيجة المطلوبة".11

· لا ينبغي استعمال الأسلحة النارية "إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في ارتكابه جرماً مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى وتكون التدابير الأقل تطرفاً غير كافية لكبح المشتبه به أو لإلقاء القبض عليه."12

· إذا تعذر تفادي استخدام القوة، فإن المبدأ الخامس من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة، ينص من جملة أمور على أنه يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين مراعاة ما يلي :

(أ) ممارسة ضبط النفس في استخدام القوة والتصرف بطريقة تتناسب مع خطورة الجرم والهدف المشروع المراد تحقيقه،

(ب) تقليل الضرر والإصابة، واحترام وصون حياة الإنسان،

(ج) التكفل بتقديم المساعدة والإسعافات الطبية في أقرب وقت ممكن إلى الشخص المصاب أو المتضرر.


كما تشدد المبادئ الدولية على أهمية مبدأ التناسب في تقدير ما إذا كان استخدام القوة مشروعاً ويتعذر تجنبه تماماً، من أجل حماية الأرواح. وينص المبدأ التاسع من المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين على أنه : "يتعين على الموظفين ... عدم استخدام أسلحة نارية ضد الأفراد إلا في حالات الدفاع عن النفس أو لدفع خطر محدق يهدد الآخرين بالموت أو بإصابة خطيرة" أو لمنع ارتكاب "جريمة بالغة الخطورة تنطوي على تهديد خطير للأرواح أو للقبض على شخص يمثل خطراً من هذا القبيل" وذلك "فقط عندما تكون الوسائل الأقل تطرفاً غير كافية لتحقيق هذه الأهداف". وتضيف المادة "وفي جميع الأحوال لا يجوز استخدم الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماماً تجنبها من أجل حماية الأرواح."


ويدعو المبدأ السابع الحكومات إلى أن تكفل : "المعاقبة على الاستخدام التعسفي للقوة أو الأسلحة النارية أو إساءة استخدامها من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين باعتبار ذلك جريمة جنائية بمقتضى قوانينها". كذلك تدعى الحكومات والهيئات المكلفة بإنفاذ القوانين إلى "وضع إجراءات فعالة للإبلاغ والمراجعة" حيثما يؤدي استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين إلى إصابة أو وفاة.


وينص المبدأ التاسع من مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة13على أن : "يجري تحقيق شامل عاجل نزيه عند كل اشتباه بحالة إعدام خارج نطاق القانون أو إعدام تعسفي أو إعدام دون محاكمة، بما في ذلك الحالات التي توحي فيها شكاوي الأقارب أو تقارير أخرى جديرة بالثقة، بحدوث وفاة غير طبيعية..." وينص المبدأ 18 على وجوب تقديم الجناة إلى العدالة. وينص المبدأ 11 على أنه حيث تكون إجراءات التحقيق المعتادة غير وافية بسبب الافتقار إلى الخبرة أو النـزاهة، أو بسبب أهمية المسألة أو حيث تقدم أسرة المجني عليه شكاوى من وجود أوجه القصور هذه أو تكون هناك أسباب جوهرية أخرى، "تواصل الحكومات التحقيق بواسطة لجنة تحقيق مستقلة".


ويدعو المبدأ 20 إلى تقديم تعويض عادل وكاف خلال فترة معقولة إلى عائلات ومعولي ضحايا عمليات الإعدام هذه.


ويساور منظمة العفو الدولية القلق، من جملة أشياء، إزاء التفسيرات الواسعة، وأحياناً الخيالية إلى حد ما "للدفاع المشروع" و"حالة الضرورة"، وتحث السلطات على مراجعة تطبيق القانون من جانب المحاكم. وتتناول الفقرة أدناه خمس حالات من أصل عدد من الحالات الأخرى لعمليات إطلاق النار المميتة التي نظرت فيها المحاكم بين العامين 1995 و2003. وبما أن هذه الحالات حدثت قبل عدة سنوات وقد أُقفلت الآن، فمن الممكن وصف تاريخها اعتباراً من البداية وحتى النهاية؛ لكنها توضح أيضاً بواعث القلق المتواصلة. ولم يكن أي من الضحايا الذين جرى توثيق حالاتهم يحمل أسلحة نارية ولم يكن لعدد منهم أي سجل سابق لدى الشرطة.


1.3 تودور بوغدانوفيتش

من الأمثلة البليغة والتي أعربت لجنة حقوق الإنسان عن قلقها بشأنها في جلسة شفوية عقدتها اللجنة في العام 1997 قضية تودور بوغدانوفيتش، وهو طفل غجري من صربيا عمره ثماني سنوات أردته شرطة الحدود بالرصاص بالقرب من سوسبل (جبال الألب – البحرية) ليلة 19-20 أغسطس/آب 1995. 14وكان تودور بوغدانوفيتش نائماً في المقعد الخلفي لإحدى السيارات التي تشكل جزءاً من قافلة قوامها 43 غجرياً حاولوا الوصول إلى فرنسا بعد الفرار من نوفي بازار. والقافلة التي كانت تتألف من أربع سيارات ومقطورتين كانت تتجه صعوداً عبر طريق جبلي ناءٍ في الظلام. وزعم شرطيا الحدود أنها عندما اقتربت من نقطة التفتيش حاولا إيقافها. وقالا إنهما كانا يرتديان زيهما الرسمي وكان هناك ضوء تحذيري في نقطة التفتيش. وعندما لم تتوقف السيارتان الأوليان – بطأتا السرعة في البداية، لكنهما ما لبثتا أن أكملتا طريقهما بسرعة، وتجنبتا سيارة الشرطة – أطلق شرطي ثلاث طلقات – واحدة على السيارة الأولى برصاصة مطاطية واثنتان على السيارة الثانية برصاص معدني، أدخلهما في البندقية نفسها التي تعمل بالدفع الخلفي عقب إطلاق الرصاصة المطاطية. وهذه البندقية من النوع الذي يحتاج إلى دفع خلفي منفصل قبل الضغط على الزناد عند إطلاق كل عيار ناري. وأصابت الرصاصتان اللتان أطلقتا على السيارة الثانية التي يقودها والد الطفل الزجاج الخلفي للسيارة من مسافة قريبة جداً، حيث اخترقتا كتف تودور بوغدانوفيتش وخرجتا من قفصه الصدري.


وزعم أفراد عائلته أنهم لم يشاهدوا الضوء التحذيري ولا اللباس الرسمي، لكن فقط "ظلال"، وخشوا من أن يكون الرجال قطاع طرق. وزُعموا أن أضواء سيارة الشرطة كان مطفأة.


وقدم أعضاء القافلة طلبات لجوء على الفور، لكن لم يُسمح إلا للأفراد المباشرين في العائلة بالدخول المؤقت إلى فرنسا. وفي اليوم الذي أعقب عملية القتل، طُرد بقية أعضاء القافلة، بينهم شاهد عيان واحد مهم على الأقل وربما عدد آخر من فرنسا، وبالتالي لم يتم أبداً إجراء مقابلة معهم طوال الإجراءات القضائية. وفي يونيو/حزيران 1997، قضى مجلس الدولة أن أوامر الطرد كانت غير قانونية. وبالتالي تم إلغاؤها.


وفُتحت تحقيقات شرطية وقضائية. وزعم الشرطي المعني أنه شعر بأنه مهدد بال87?يارات القادمة والتي بدا أنها تتجه نحوه بينما كان يقف على الطريق وأنه كان يتصرف دفاعاً عن النفس أو من قبيل "الدفاع المشروع". ولم يتمكن التحقيق الداخلي للشرطة الذي أجرته المفتشية العامة للشرطة الوطنية من إثبات تصرف الشرطي دفاعاً عن النفس وبحسب ما ورد خلص إلى أن الطلقتين اللتين صوبتا إلى السيارة الثانية أطلقتا قبل الأوان. كذلك نقل عن نائب وكيل النيابة في نيس قوله إن : "حجة الدفاع المشروع لا يمكن التمسك بها بدون تحفظ... ولا يمكن اعتبار الدفاع المشروع أمراً مسلماً به، بل يجب إثباته. والآن وفقاً للنتائج الأولية التي توصلت إليها المفتشية العامة للشرطة الوطنية يبدو أن الطلقات أطلقت قبل أوانها". وأُخضع الشرطي للتحقيق بتهمة القتل غير العمد وأُخلي سبيله تحت المراقبة القضائية. وقدمت عائلة بوغدانوفيتش شكوى كطرف مدني.


بيد أنه في ديسمبر/كانون الأول 1996 قرر قاضي التحقيق رفض القضية. وبدا أن وكيل النيابة متفق مع القاضي على أن الشرطي تصرف بصورة غريزية ومن منطلق الخوف – أي أنه بعبارة أخرى خشي بشكل مشروع من أن حياته كانت في خطر من السيارات التي مرت بسرعة عبر نقطة التفتيش. وعلى الفور قدمت عائلة بوغدانوفيتش استئنافاً ضد الحكم. وأُحيلت القضية إلى شعبة الاتهام في محكمة الاستئناف في إيه – أون – بروفانس التي نقضت في ديسمبر/كانون الأول 1997 أمر إسقاط الدعوى. وقبلت المحكمة بأن مظهر الشرطيين كان يدل بوضوح على أنهما من الشرطة وقبلت بأن القافلة التي خشيت من الإعادة القسرية تعمدت مواصلة السير عبر الحاجز. بيد أن المحكمة جادلت أنه لكي يكون الشرطي قد استخدم سلاحه في دفاع مشروع، كان ينبغي أن يطلق النار بطريقة توقف السيارة الثانية قبل اجتيازها للحاجز. وعوضاً عن ذلك، أطلق النار جانبياً، من الورك ومن الخلف، فيما كانت السيارة قد اجتازت الحاجز فعلاً. كذلك ذكرت المحكمة أن الشرطي كان بحاجة إلى تشغيل آلية البندقية والضغط على الزناد في كل مرة يطلق فيها النار. ورغم أن الوقت الذي احتاجه لإطلاق كل طلقة كان قصيراً، إلا أنه قد يكون لا بل يجب أن يكون كافياً للسماح له باتخاذ قرار بعدم إطلاق النار حالما يكون أي خطر محتمل قد زال.


وأُحيلت القضية إلى المحكمة الجنائية الابتدائية في جبال الألب البحرية. وفي ديسمبر/كانون الأول 1998 برأت المحكمة الشرطي على أساس الدفاع المشروع. وطلب وكيل النيابة إنزال عقوبة اسمية على أساس أن ظروف الدفاع المشروع حُددت حالما مرت السيارة عبر الحاجز، لكن الشرطي لا يستطيع الزعم بأنه تصرف من قبيل الدفاع المشروع، بإطلاق النار، كما فعل، حالما تجاوزته السيارة. لذا، فالقضية تتعلق بالمدى.


وأرسلت منظمة العفو الدولية محامياً لمراقبة المحاكمة. وأشار المراقب في التقرير الذي رفعه إلى المنظمة إلى "انطباعه الواضح" بأن وكيل النيابة لعب كما يبدو دور الدفاع، الأمر الذي سهَّل الدعوى كثيراً على الشرطي، ومن ناحية أخرى "زاد جداً من صعوبة" مهمة الأطراف المدنية والمحامي الذي يمثل عائلة بوغدانوفيتش. ولم يشر وكيل النيابة في أي وقت إلى أن الشرطي لم يكن بحاجة إلى إطلاق الرصاصة الثالثة والمميتة أو أن زميله، الشرطي الثاني، وجد أنه من غير الضروري استخدام سلاحه. وبالنسبة للسؤال المهم المتعلق بالوقت، توفر أمام الشرطي وقت كاف لتقرير ما إذا كان سيطلق النار، وجادل وكيل النيابة أن إدانة الشرطي تعني "نفي معنى" فعله بصورة مصطنعة بينما ينبغي على هيئة المحلفين أن تعتمد مقاربة "نفسية" وتنظر إلى فعله على أنه "الحركة الواحدة نفسها"، الناجمة عن قرار واحد. كذلك لاحظ المراقب أن القاضي الذي ترأس المحكمة لم يعطِ انطباعاً "بالحيدة الكاملة"، حيث أبدى تحيزاً واضحاً إلى جانب الدفاع (وفي هذه القضية النيابة) ضد الطرف المدني، وأشار إلى كثرة شهود الدفاع ضد شاهد واحد لمصلحة الطرف المدني. وذكر أن المحاكمة بدت، كما وصفتها إحدى الصحف أشبه "بتسجيل لأحداث حكم بالبراءة تم التنبؤ به."


ولم يكن ممكناً في ذلك الوقت استئناف قرار المحكمة الجنائية الابتدائية ونظراً لموقف وكيل النيابة، فمن غير المحتمل حدوث استئناف حتى مع تغير القانون للسماح لأعضاء النيابة باستئناف أحكام البراءة.


2.3 إيتيان لوبورنيو

إن الموقف الذي اتسم بغرابة واضحة لاحظها المراقب المذكور أعلاه والذي بدا أن وكيل النيابة اضطلع فيه بدور الدفاع شكل أيضاً سمة لقضية سائق سيارة أجرة من غواديلوب، مبينة أدناه. ورغم أنه ما زال من المعتاد في فرنسا أن يؤيد أعضاء النيابة قضية الدفاع عن أفراد الشرطة ويطلبوا إما البراءة أو حكماً رمزياً، إلا أن دور وكيل النيابة في مثل هذه الحالة يثير التساؤل حول "تساوي المسافة" بين الادعاء والدفاع في المحاكم القضائية. ويعني هذا المبدأ، الذي يشكل جزءاً أساسياً من الحق في محاكمة عادلة، أن كلا الطرفين في المحاكمة يُعاملان على نحو يكفل تمتعهما بوضع متساوٍ من الناحية الإجرائية خلال سير المحاكمة، وأنهما في وضع متكافئ في عرض حججهما، بحيث تجري المحاكمات في ظروف لا تجعل أي من الطرفين في وضع مجحف بشكل جوهري تجاه الطرف المقابل.15


وفي 6 يناير/كانون الثاني 1996، أوقف أفراد الشرطة إيتيان لوبورنيو، وهو سائق سيارة أجرة في باريس وُلد في غواديلوب، في مطار رواسي للتحقق من عداد الوقت الذي يسجل عدد الساعات التي عملها السائق. وفي محاولة للتهرب من التدقيق، أصاب شرطياً بجروح، حيث علقت ذراعه في الباب. وفي 9 يناير/كانون الثاني سد فريق يضم أربعة شرطيين الطريق أمام سيارته وأوقفوها في سان – أوين (سين – سان – دنيس). وترجل ثلاثة من أفراد الشرطة من سيارة الدورية. وركض اثنان نحو سيارته صائحين "الشرطة!" ورفض إيتيان لوبورنيو الخروج من سيارته. عندئذ حطم أحد أفراد الشرطة الزجاج الجانبي من ناحية السائق بقدمه وأمسك بخناقه. لكن فجأة خشي شرطي ثانٍ من وجود "شيء في سترة" السائق، فأطلق طلقتين على الأرض وما لبث أن تعمد إطلاق عيار ثالث عبر الزجاج المحطم لسيارة الأجرة، من مسافة لا تزيد على 10 سنتيمترات. واخترقت الرصاصة وج

u1607? إيتيان لوبورنيو. وزعم الشرطي أنه تصرف دفاعاً عن النفس، لأنه شاهد السائق يحمل "أداة سوداء" بيده، وخشي من أن يكون مسدساً. ويبدو أنها كانت علبة غاز صغيرة.


وقدمت والدة إيتيان لوبورنيو شكوى بالقتل والشروع بالقتل ضد أفراد الشرطة، لكن وكيل النيابة طلب رفض القضية على أساس أنه لا وجه لإقامة الدعوى. وجادل أنه حتى لو بدا إطلاق النار المميت، عند استعراض الأحداث الماضية، بأنه غير متناسب مع "عدوانية" السائق، إلا أن الحادثة السابقة التي وقعت في مطار رواسي (عندما أُصيب شرطي بجروح في محاولة للهرب) والواقع الضاغط، عندما كان الشرطي يخشى بصورة مشروعة من أنه يواجه خطراً شديداً، يجب أخذهما أيضاً بعين الاعتبار. ولم يوافق قاضي التحقيق على ذلك. وساور قاضي التحقيق القلق إزاء القرب الشديد للمسافة التي أُطلقت منها النار على إيتيان لوبورنيو. كذلك شعر بالقلق لأنه وفقاً لأقوال شهود العيان، بما في ذلك شهادة شرطي آخر، لم تشبه "الأداة السوداء" التي كانت بيد سائق سيارة الأجرة (علبة غاز صغيرة) سلاحاً نارياً. وقررت شعبة الاتهام في محكمة استئناف باريس في مارس/آذار 1998 أن هناك أدلة كافية لإحالة الشرطي إلى محكمة جنائية ابتدائية بتهمة القتل الخطأ. وفي قرارها ذكرت هذه الشعبة من محكمة الاستئناف أنه "لا جدال" في أن تصرف الشرطي بإطلاق النار من مسافة قريبة جداً على سائق سيارة الأجرة كان غير متناسب، وحتى مع أخذ النقاط التي أثارها وكيل النيابة بعين الاعتبار، لا يمكن الجدال بشكل معقول بأن حياة الشرطي كانت مهددة بالخطر.


ورغم هذه المشورة القانونية القوية، طالب وكيل النيابة بتبرئة ساحة الشرطي، حيث ذكر كما ورد أن إيتيان ليبورنيو اتخذ "موقفاً انتحارياً" برفضه الانصياع لأوامر الشرطة، ولذا كان يحق للشرطي إطلاق النار عليه. ووافقت هيئة المحلفين على رأي وكيل النيابة وتمت تبرئة ساحة الشرطي. ورغم الطبيعة الخلافية جداً للحكم الصادر في هذه القضية، لم يتمكن الطرف المدني من تقديم استئناف ضد حكم البراءة، وبموجب القانون ما زال لا يحق له أن يفعل ذلك. كما أنه لمما يثير القلق أنه عندما طالب بإسقاط الدعوى، بنى وكيل النيابة حجته على "الحادثة" الأولى التي جرت في رواسي، في حين كان من المفترض ألا يستند فعل أفراد الشرطة على أية معرفة بهذا الأمر أساساً.


3.3 عبد القادر بوزين

في ليلة 17 ديسمبر/كانون الأول 1997 أُردي بالرصاص عبد القادر بوزين البالغ من العمر 16 عاماً، وأحد سكان داماري – ليه – ليز (سين – إيه – مارن) عند حاجز للشرطة في فونتانبلو. وكان عبد القادر يقود سيارة بصحبة راكب آخر هو ابن عمه جمال بوشارب، 19 عاماً، عندما بدأت سيارة دورية تطاردهما، لأن السائق كما ورد كان يخالف نظام المرور.

وعندما حاولت السيارة تجاوز حاجز مقام على الطريق في فونتانبلو فتح شرطيان تابعان للواء مكافحة الجريمة التابع للشرطة الوطنية، نار سلاحيهما فقتلا الفتى البالغ من العمر 16 عاماً برصاصة اخترقت قفا الرقبة. وركض الشرطيان كما ورد باتجاه السيارة بينما كانت تحاول اختراق الحاجز، وعندما وجدا نفسيهما على مسافة بضعة أمتار منها، خشيا من أن تدهسهما. وزعما أنهما أطلقا النار من سلاحيهما دفاعاً عن النفس. وأطلق أحدهما رصاصتين. وأطلق الشرطي الآخر رصاصتين أيضاً، ارتدت إحداهما بعد اصطدامها بجانب زجاج السائق واخترقت جسده عبر قفا العنق. وقدَّم جمال بوشارب، الذي سُحب من معقد الراكب، شكوى قضائية زاعماً فيها أنه جرت محاولة لقتله وأُسيئت معاملته. وكما ورد زعم شاهد مستقل أن جمال بوشارب تلقى لكمات على ظهره وبطنه، وطُرح أرضاً وضُرب ورُكل على رأسه. وزعم جمال بوشارب فيما بعد أن صديقه أصيب بالذعر عندما أدرك أن سيارة شرطة تتعقبهما وحاول اختراق الحاجز بالصعود على ضفة مزروعة بالنجيل على الجانب الأيمن لكنه داس على المكابح لتفادي سيارة شحن كان متوقفة، والتف في الاتجاه المعاكس وتوقف قبل إطلاق أية أعيرة نارية.16


وفي أعقاب عملية القتل، اندلعت أعمال عنف في داماري بين أفراد الشرطة والشبان، الذين ينحدر العديد منهم من المهاجرين. وأطلقت عائلة عبد القادر بوزين نداءً لالتزام الهدوء.


وبحسب ما ورد أشار تقرير خاص بالمقذوفات إلى أن كل واحد من الشرطيين أطلق رصاصتين من مسافة قريبة وأن اثنتين منها أُطلقتا داخل السيارة على مستوى الرأس أو الكتف بينما كانت السيارة تتجاوز الشرطيين أو تجاوزتهما فعلاً. لذا فإن زعم الدفاع المشروع كان موضع شك.


وخلص قاضي التحقيق إلى أن الشرطيين يجب أن يحالا إلى المحكمة الجنائية الابتدائية. وقررت هيئة الاتهام في محكمة استئناف باريس وجوب إحالة شرطي واحد فقط – الذي أردى عبد القادر بوزين بالرصاص - على المحكمة الجنائية الابتدائية (محكمة سين – إي – مارن) بتهمة القتل وأنه يجب رفض القضية الأخرى لعدم وجود وجه لإقامة الدعوى. وفي 20 مارس/آذار 2001، ألغت محكمة النقض الأمر القاضي بمحاكمة الشرطي الأول أمام المحكمة الجنائية الابتدائية. وفي 20 ديسمبر/كانون الأول 2002 وافقت هيئة التعليمات في محكمة استئناف أورلينـز مع محكمة النقض وأُسقطت الدعوى المقامة ضده أيضاً (بأمر يقضي بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى) على أساس أنه تصرف دفاعاً عن النفس. ويتعارض القرار بشكل جذري مع ذلك الذي أصدره قاضي التحقيق وقضاة محكمة استئناف باريس الذين رفضوا التذرع بالدفاع عن النفس قبل سنة. واستأنف المحامي الذي يمثل عائلة بوزين قرار محكمة النقض. وفي فبراير/شباط 2003 أعلنت المحكمة المذكورة أن الاستئناف غير مقبول، لكنها لم تذكر الأسباب الكامنة وراء القرار. فأصاب ذلك العائلة بإحباط شديد. إذ أُردي ابنها بالرصاص وبعد خمس سنوات، ما زالت لا تدري لماذا قررت المحاكم عدم مقاضاة أفراد الشرطة المعنيين.


4.3 حبيب ولد محمد

أردى شرطي بالرصاص حبيب ولد محمد، وهو طالب محاسبة عمره 17 عاماً من أصل جزائري، في 13 ديسمبر/كانون الأول 1998. وأعقب ذلك عشرة أيام من أعمال الشغب. وبحسب ما ورد صرح وزير الداخل¡?ة بالإنابة أنه، وفقاً للمفتشية العامة للشرطة الوطنية، لم يتم احترام "التعليمات الأساسية"، وعندها طلب رئيس الوزراء في حينه من عائلة حبيب ولد محمد وأصدقائه أن يثقوا بنظام القضاء.


وعند حوالي الساعة 3,30 من صباح 13 ديسمبر/كانون الأول 1998، ورد أن حبيب ولد محمد وصديقه "أمين"، ضُبطا وهما يحاولان الدخول عنوة إلى سيارة بي أم دبليو، كانت مركونة في موقف سيارات تابع لمدرسة في إحدى أحياء تولوز. وشاهدت دورية للشرطة مؤلفة من أربعة رجال شخصاً يترك سيارة الـ بي أم دبليو ويتجه إلى سيارة أخرى من طراز بيجو كانا قد وصلا فيها. وعلى الفور وضعت الدورية سيارتها بطريقة تمنع راكبي سيارة البيجو من الفرار. وشهر اثنان هما رقيب ومساعده سلاحيهما. واتخذ الرقيب وضعية إطلاق النار أمام السيارة، بينما قام الآخر بتغطيته من وراء السيارة. عندئذ توقفت سيارة البيجو.


واستطاع أمين ب. رفيق حبيب ولد محمد، أن يلوذ بالفرار من الباب الأمامي للجانب الأيمن، وأثناء هروبه أوقع الشرطي المساعد على الأرض الذي ما بادر إلى إطلاق النار من سلاحه. وفي هذه الأثناء بينما كان الرقيب يحاول سحب حبيب ولد محمد من السيارة، وكان سلاحه ما زال بيده، انطلقت رصاصة من السلاح وأُصيب حبيب ولد محمد بجرح قاتل. وأفراد الشرطة ملزمون بتقديم تقرير كلما أطلقوا النار من سلاحهم، لكن في هذه القضية لم يتم تقديم مثل هذا التقرير. وقرر الرقيب عدم الإبلاغ عن العيار الذي أطلقه الشرطي المساعد. وفي الوقت ذاته زعم أنه لم يدرك أنه هو نفسه أطلق عياراً، ولم يتكشف إلا فيما بعد أنه أطلق النار دون قصد. ورغم أنه سمع صوت عيار ناري، لم يفحص سلاحه في ذلك الوقت. وقال إنه اتخذ وضع إطلاق النار في البداية لأنه اعتقد أن الشابين سيحاولان الهرب عبر دهسه. وحاول تعطيل السيارة بالانحناء إلى داخلها لقطع الأسلاك، ثم اشتبك بالأيدي مع حبيب ولد محمد.


وشوهد الأخير من جانب رفيقه وهو يتعثر في مشيته "بحركة بطيئة" في الشارع. وزعم الشرطيان أنهما بحثا عن الشابين الهاربين في سيارة الدورية، لكنهما لم يعثرا عليهما. ويبدو أنهما لم يقوما إلا ببحث عابر. وفيما بعد عثرت امرأة على جثة حبيب ولد محمد، حيث لاحظت أن الجثة كانت ملقاة على الأرض وكان جزء منها تحت سيارة متوقفة على بعد قرابة 100 متر من مسرح إطلاق النار.


وحوكم الرقيب في الشرطة الذي اتُهم بارتكاب جريمة قتل غير عمد، أمام المحكمة الإصلاحية في تولوز في أغسطس/آب 2001. وأشارت التهمة إلى أن الشرطي قتل الشاب إما لكونه أخرق أو متهوراً أو غير متنبه أو مهملاً أو مقصراً في أداء واجباته القانونية والمهنية. وفي 6 سبتمبر/أيلول 2001 حكمت المحكمة على الشرطي بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ.


وجادلت المحكمة بالقول إنه رغم أن العريف شهر سلاحه بشكل مبرر (طبيعة وأحوال الموقف؛ الظلام الخ) إلا أن أي خطر يجوز أنه واجهه زال حالما أصبح عند الجانب الأيسر من السيارة التي تم إيقافها. بيد أنه في هذه اللحظة ذاتها بدأ الشرطي الذي يحمل مسدساً بيده، يقترف "سلسلة عجيبة من الأفعال المتهورة والخرقاء والأخطاء المهنية".17


وكما حدث في عدد من الحالات الأخرى المشابهة، قوبل الحكم بالصرخات الغاضبة والدموع من جانب الأصدقاء والأقرباء إزاء هذه العقوبة المتساهلة.


5.3 رياض حملاوي

أُردي رياض حملاوي، وهو رجل جزائري عمره 25 عاماً مقيم في ليل، بالرصاص في 16 إبريل/نيسان 2000 بينما كان في سيارة اشتُبه بأنها مسروقة وكان هو أحد ركابها. وكان عائداً من سهرة خارج المنـزل احتفالاً بعقد عمل جديد. وأطلق شرطي، كان واحداً من شرطيين اثنين استدعيا إلى مسرح سرقة سيارة ورد بلاغ حولها في شارع بلزاك في ليل- وهو شارع يقع في الجزء الجنوبي من المدينة، حيث يعيش العديد من المهاجرين – فأطلق النار على رياض حملاوي من مسافة قريبة واخترقت رصاصة عنقه، فقتلته على الفور. وكان كل من رياض حملاوي وصديقه أعزلين وخرج السائق من السيارة، لكن رياض حملاوي، الذي ظل في الداخل، ذكر الشرطي أنه قام بحركة مفاجئة، دعته إلى الخوف على حياته. كما أن الشرطي ساق حجة الليل الدامس وتكثف بخار الماء على زجاج السيارة كعاملين يبرران فعلته. وأُخضع الشرطي للتحقيق بتهمة "القتل العمد". واعتُقل وأوقف عن الخدمة في قوات الشرطة بانتظار نتيجة التحقيقات. وأُخلي سبيله بعد بضعة أيام.


وفي 4 يوليو/تموز 2002، أُدين الشرطي بالقتل الخطأ بعد أن أسقطت هيئة المحلفين تهمة القتل العمد. وحكمت عليه المحكمة الجنائية الابتدائية في نور بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ ومنعته من الخدمة في قوات الشرطة. كذلك مُنع من حمل السلاح أو استخدامه لمدة خمس سنوات. وقام رئيس المحكمة بخطوة غير معتادة في تلاوة إعلان تعتقد فيه المحكمة أن "الوفاة الظالمة" لرياض حملاوي لم تكن عملية قتل متعمدة، بل جاءت نتيجة "سلسلة من الحماقات" النابعة من حالة الذعر، لأن الشرطي شعر أنه مهدد بأخطار لم تكن في الحقيقة قائمة. ورأت المحكمة أنه لا فائدة للمجتمع ولعائلة الضحية من سجن الشرطي. وفي الواقع، اتخذت موقفاً عزت فيه الفعل الذي اقترفه الشرطي إلى 11 شهراً من التدريب "الرديء" في كلية الشرطة، على حد قول المحامي الذي دافع عنه، وأنه لم يكن ببساطة مهيئاً للعمل الذي تولاه.


ومن ناحية أخرى جادل محامي العائلة بأن القتل كان بالفعل عملاً متعمداً. وأيد وكيل النيابة هذا التوجه، طالباً إصدار عقوبة بالسجن لمدة ست سنوات. وقال إنه لكي تُطلق الرصاصة، لا بد من وجود ضغط قوي ومتعمد على الزناد. وكان لا يبعد إلا 50 سنتمتراً عن الضحية ويعرف أنه لا يمكن ألا أن يقتله أو يجرحه. وليس من المجدي التخفي وراء مقولة الذعر أو الإجهاد. بيد أن موقف وكيل النيابة ربما ضعف عندما ورد أنه لم يعترض على قرار المحكمة بتوجيه تهمة متممة حول التسبب "بصفعات مميتة" تنطوي على عقوبة بالسجن أخف من "القتل العمد"؛ كذلك أسقطت هذه التهمة.


ورغم الإدانة، فإن طبيعة الحكم الصادر أغضبت العائلة والأصدقاء وكانت موضع انتقاد من جانب آخرين، بينهم وزير فرنسي سابق لاحظ أن القرار تأثر "بالمناخ الذي تسوده العقلية الأمنية" و"لم يكن من النوع الذي يوحي بالثقة في نظام القضاء ببلادنا".18


وفي 15 يوليو/تموز 2002 صرحت النيابة العامة في دوي أنها لن تستأنف الحكم الذي أدى إلى عدة ليالٍ من العنف في منطقة جنوب – ليل حيث كان يعيش رياض حملاوي.

والد ووالدة وأخت رياض حملاوي، الذي أردي بالرصاص على أيدي الشرطة في إبريل/نيسان 2000


4. الوفيات في حجز الشرطة

تنص المادة 10 من مدونة قواعد آداب الشرطة على أن أي شخص يعتقل "يوضع تحت مسؤولية الشرطة وحمايتها". وينبغي على أفراد الشرطة أن يمتنعوا عن ارتكاب "جميع أعمال العنف أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة". وينبغي على أفراد الشرطة الذين يكونون شهوداً على سوء المعاملة أن يتخذوا خطوات لوضع حد لها أو للفت انتباه السلطات المختصة إليها. وعلاوة على ذلك "ينبغي على أفراد الشرطة الذين يحتجزون شخصاً يحتاج إلى رعاية خاصة أن يحيطوه بالرعاية الطبية، وإذا دعت الحاجة، أن يتخذوا تدابير لحماية حياة ذلك الشخص وصحته."


ونادراً ما تحدث وفيات كنتيجة مباشرة لتعرض شخص عمداً للضرب حتى الموت. بيد أن القلق يساور منظمة العفو الدولية من أن الوفيات التي تحدث في الحجز تنجم في أغلب الأحيان عن مزيج من أفعال العنف أو القوة المفرطة التي ترتكبها الشرطة في سياق عمليات التدقيق في الهوية التي تتحول إلى أعمال عنف أو الاعتقال الصعب أو في بعض الحالات (النادرة) الإبعاد القسري. وقد تنطوي هذه الأفعال على إمكانية الاختناق من الغاز المسيل للدموع الذي يُرش أو الاختناق الوضعي بسبب أساليب التقييد، فضلاً عن الضرب البدني. ويمكن لمجموعة من هذه الأفعال أن تؤدي إلى حالات وفاة غالباً ما تُعزى إلى "سكتة قلبية" – وهي عبارة لا معنى لها بحد ذاتها، لأن جميع حالات الوفاة تنجم عن توقف القلب عن الخفقان.


وفي الحالات المبينة أدناه، تعرض ثلاثة أشخاص لأساليب التقييد التي قد تكون أدت إلى الاختناق الوضعي.


وعند فتح تحقيق في حالة وفاة في الحجز ويوضع بين يديّ قاضي التحقيق بناء على طلب النائب العام، يتلقى أقرباء الضحية أو أولئك الذين يمثلونه إشعاراً تلقائياً بأنهم يستطيعون الانضمام إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني. بيد أنه في الماضي إذا لم ينضم أقرباء الضحية إلى الإجراءات القضائية كطرف مدني، لم يكونوا يحاطون علماً بنتائج الشكوى. وتم الطعن في هذه الممارسة في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.


وفي حكم حديث صدر في يوليو/تموز 2004 حول وفاة محسن سليتيالذي كان محتجزاً في مركز الاعتقال الإداري في مرسيليا – أرينك العام 1999، تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن فرنسا انتهكت المادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (الحق في الحياة) من خلال التقاعس عن إحاطة شريكته السيدة دليلة سليماني علماً بالإجراءات القضائية أولاً بأول. وزعمت السلطات الفرنسية أنه لا يحق لشريكته أن تُحاط علماً بالتحقيق القضائي في الوفاة لأنها لم تنضم إلى الإجراءات كطرف مدني. وذكَّرت المحكمة فرنسا أنه عندما يموت معتقل في ظروف تختلف بشأنها الآراء، تقتضي المادة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان من السلطات إجراء تحقيقات رسمية فعالة بمحض اختيارها حالما تتناهى القضية إلى علمها للتمكن من معرفة سبب الوفاة، ويجب تحديد الشخص المسؤول عن الوفاة ومعاقبته. "والمطالبة، كما فعلت الحكومة الفرنسية، بوجوب أن يقدم أقرباء الرجل المتوفى شكوى تضمهم إلى الإجراءات كطرف مدني، تتعارض مع هذه المبادئ وحالما تعلم بحدوث وفاة في ظروف تثير الشبهات، ينبغي على السلطات أن تجري، بطبيعة الحال، تحقيقاً يعطي أقرباء الشخص المتوفى حقاً تلقائياً متكافئاً في الاطلاع عليه."19


والحالات الخمس الواردة هنا هي من ضمن تلك التي تمكنت منظمة العفو الدولية من متابعتها بالتفصيل حتى النهاية.


1.4 عيسى إهيش

في مايو/أيار 1991 توفي عيسى إهيش،20وهو طالب عمره 18 عاماً، ويعاني من حالة ربو مزمنة، في أعقاب إصابته بنوبة ربو في مركز شرطة مانت – لا – جولي، بعدما تعرض للضرب المبرح وهو مستلقٍ على الأرض.


وكان عيسى إهيش قد اعتُقل عقب اندلاع اضطرابات أقدمت فيها مجموعة من الشبان على مهاجمة السيارات ورشق أفراد الشرطة الحجارة، وقد انهال عليه أفراد الشرطة بالضرب بالهراوات قبل أن يقتادوه إلى مركز الشرطة، حيث احتُجز لمدة 36 ساعة حتى وفاته.


وفي العام 1992، اتهم قاضي تحقيق طبيباً مناوباً في مركز الشرطة بالقتل الخطأ استناداً إلى إهمال طبي مزعوم. (لم يشر إلى الربو الذي يعاني منه عيسى إهيش في الشهادة الطبية التي طلبها الأخير ولم يُعطِ تعليمات للشرطة تتعلق بمعاملة المعتقل أو بأوضاع الاعتقال). بيد أن وكيل النيابة لم يطلب إحالة أي شرطي إلى المحاكمة، واتُخذ قرار بعدم مقاضاة أفراد الشرطة. وفي العام 1997 فقط، وبعد معركة إجرائية طويلة خاضها محامو العائلة، ألغت هيئة الاتهام في فرساي هذا القرار في قضية أفراد الشرطة الثلاثة. وواجهوا تهم الاعتداء المتعمد بالأسلحة.


وفي هذه الأثناء، فإن الجدل الذي دار حول حقيقة أن عيسى حُرم من الحصول على العقاقير الطبية، أدى في العام 1993 إلى إجراء إصلاحات في أوضاع الحجز لدى الشرطة، تسمح بزيارة من الطبيب في بداية حجز الشرطة.


وفي 23 يونيو/حزيران 1999، بعد مضي ثماني سنوات على الوفاة، أمرت هيئة الاتهام في محكمة الاستئناف في فرساي بإجراء محاكمة رجال الشرطة الثلاثة والطبيب أمام المحكمة الإصلاحية.


وفي 20 مارس/آذار 2001، حكمت المحكمة الإصلاحية في فرساي على شرطيين اثنين تابعين للواء المحلي المدني بعقوبة رمزية بالسجن لمدة 10 أشهر مع وقف التنفيذ لارتكابهما أفعال عنف. وحُكم على الطبيب بالسجن لمدة عام مع وقف التنفيذ. وبُرئت ساحة الشرطي الثالث. وأُدين رجال الشرطة بارتكاب أفعال عنف خلال الاعتقال وبعده مباشرة وتبين أن لها صلة غير مباشرة بوفاته. وشهد أفراد من جهاز شرطة آخر هو سرية الأمن الجمهورية بأن عيسى إهيش تعرض للضرب بهراوة على رأسه وجسمه ويديه بينما كان مستلقياً على الأرض دون حراك.


وطوال المحاكمة لم يقبل وكيل النيابة أنه تتوافر أدلة كافية ضد أفراد الشرطة، وفي المحاكمة طلب عدم إدانتهم. وقدم أفراد الشرطة استئنافاً ضد الحكم، وفي فبراير/شباط 2002، خُفضت عقوبة بالسجن لمدة 10 أشهر مع وقف التنفيذ إلى ثمانية أشهر مع وقف التنفيذ، وبالتالي جعلت أفراد الشرطة يستحقون عفواً وسمحت لهم بمواصلة عملهم في جهاز الشرطة. أما الحكم الصادر ضد الطبيب فقد جرى تأكيده.


2.4 محمد علي سعود

تشكل وفاة محمد علي سعودالذي كان تعرف الشرطة أنه يعاني من مرض عقلي عند إلقاء القبض عليه، مثالاً حياً على الإفلات من العقاب. وهذه قضية شخص حتى عقب السيطرة عليه ورغم أنه أُصيب برصاصات مطاطية، جرى الإمساك به وهو مقيد إلى أن اختنق بصورة بطيئة حتى الموت خلال فترة تتراوح بين 15 و20 دقيقة بينما طُلب من المسعفين الطبيين إسعاف أفراد الشرطة (الذين أُصيبوا بجروح طفيفة). وفي هذه القضية المقلقة جداً لم يُحمَّل أحد المسؤولية. وحقيقة كون الاعتقال صعباً للغاية ويتعلق بشخص ليس مسؤولاً بصورة صحيحة عن أفعاله، وجرى إبلاغ الشرطة مسبقاً بحالته الصحية وضعفه المحدد، لم تبدُ ينظر القاضي أنها تستدعي المتابعة عبر المحاكم، رغم أن دراسة القضية (المبينة أدناه) تظهر أن أفرد الشرطة ارتكبوا سلسلة من الأخطاء الخطيرة وحتى المريعة. وإلى جانب حقيقة أن العدالة لم يُنظر إليها في هذه الحالة على أنها أخذت مجراها، وتُركت عائلة في حالة حزن شديد لم تتم معالجته، فإن تقاعس المحكمة عن متابعة القضية يعني أن دروساً مهمة لم يتم تعلُّمها.


وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 توفي محمد علي سعود وهو مواطن فرنسي وتونسي من أصل تونسي، في فور-بلان بطولون، بينما كانت الشرطة تقيده. وأُصيب محمد علي سعود، الذي كان يعيش مع والدته وشقيقاته في فور-بلان بمرض اكتئابي بعدما عاد إلى بيته من الخدمة العسكرية في العام 1994. وتدهورت حالته في أعقاب وفاة والده في العام 1997 وسُجِّل كشخص يعاني من عاهة عقلية بنسبة 80 المائة. وأصبح في حالة هياج شديد بعد عراك مع جار له في 20 نوفمبر/تشرين الثاني وشوهد على شرفة الدور الأرضي في شقته وهو يحمل قضيباً حديدياً وهراوة بيسبول. ثم أمسك بإحدى شقيقاته وقيَّد قدميها. فاستدعى الجيران الشرطة، وطلب أفراد عائلته من الشرطة استدعاء طبيب أو خدمات الإسعاف الوطنية محذرين إياها بأنه مريض عقلياً وبحاجة إلى عقار مهدئ. بيد أنه لم يتم فعل ذلك كما يبدو. وفي هذه الأثناء وصل ما بين 20 و30 شرطياً.


وبعد تدخل أحد الجيران، أطلق محمد علي سعود سراح شقيقته، لكنه ما لبث أن أمسك بالشقيقة الأخرى و"ضربها" مرتين على ظهرها بالقضيب الحديدي في محاولة ظاهرة لحملها على مغادرة المنـزل. وبعد أن صرخ به محذراً شرطي يحمل مسدساً يطلق رصاصاً مطاطياً، أطلق ثلاث رصاصات مطاطية على محمد علي سعود الذي كان يركض جيئة وذهاباً على الشرفة. وأصابته رصاصتان في بطنه. ورغم إصابته، لم يتم استدعاء الخدمات الطبية. وتسلق بعض أفراد الشرطة على جدار الشرفة وفي عراك كسر فيه معصم أحد أفراد الشرطة، انتـزعوا القضيب الحديدي منه. ثم جثا محمد علي سعود على ركبتيه وهو مصاب بحالة ذعر أعمى، فتمكن من الإمساك بسلاح أحد أفراد الشرطة. وفي العراك المتواصل، انطلقت عدة طلقات طائشة وأُصيب أحد أفراد الشرطة في إصبع قدمه. وأُصيب ثلاثة من أفراد الشرطة بجروح قبل أن يتم تقييده. وقُدِّمت لهم إسعافات أولية من جانب عائلة سعود بانتظار وصول المسعفين الطبيين الذين وصلت بعدهم خدمات الإسعاف الوطنية.


وزعم أفراد العائلة أنه عقب استرداد السلاح، بدأ سبعة أو ثمانية من أفراد الشرطة يضربون محمد علي سعود بقبضاتهم وهراواتهم، وشدوه من شعره ووجهوا إليه الشتائم أيضاً. وزعمت ياسمينة سعود أنه بينما أمسك شرطيان بذراعي شقيقها خلف ظهره، تعرض للضرب على رأسه ويديه. وأجبر على الاستلقاء على وجهه على الأرض وكُبلت يداه وقدماه. ووضعت يداه فوق رأسه. وعندها كانت الساعة قد شارفت على الحادية عشرة صباحاً. وزعمت العائلة، لاسيما ياسمينة ووالدتها مجهودة سعود أنه ظل يتعرض للضرب بالهراوات على رأسه وظهره حتى بعد أن تم تقييده، وأنه رغم إصابته برصاصة مطاطية في بطنه، كان يتعرض للركل على بطنه وظهره. وأمسك به ثلاثة من أفراد الشرطة على الأرض. فجلس أحدهم على ظهره وهو منفرج الساقين، وضغط بذراعيه على كتف محمد علي سعود، وبإحدى ركبتيه على ظهره؛ وداس ثانٍ بقدمه على عنق محمد علي سعود وأمسك ثالث بكاحليه. وفيما بعد وُجدت علامات مسامير على جسمه عزيت إلى ضربه بقطعة خشب بها مسامير. وثُبِّت على الأرض، وهو مقيد، مدة تصل إلى 30 دقيقة. وخلال جزء من هذا الوقت كان ما زال هائجاً وينادي والدته.

ووصل المسعفون الطبيون عند الساعة الحادية عشرة واثنتين وعشرين دقيقة. وعند وصولهم، سأل الشاويش المسؤول عما إذا كان يجب عليهم أن يهتموا بمحمد علي سعود أولاً، لكن قيل له أن ذلك ليس ضرورياً، وأنه يجب تقديم الرعاية الطبية أولاً لأفراد الشرطة الجرحى. وزعمت ياسمينة سعود أنه بين الساعة 11,30 و11,35 رأت أن يديّ شقيقها ووجهه أصبح "بنفسجي" اللون. وفي الوقت ذاته تقريباً أي بعد 10 أو 15 دقيقة من وصول المسعفين الطبيين، ذكر أحد أفراد الشرطة أن محمد علي سعود "لم يكن على ما يرام". وعندها فقط اهتم به المسعفون الطبيون محاولين إجراء تنفس اصطناعي له، لكن دون جدوى. ولوحظت رسمياً وفاة محمد علي سعود في تمام الساعة 12,30 بعد الظهر. ورغم أن أفراد العائلة، كانوا في حالة ذهول واضح، فقد اقتيدوا فوراً إلى مركز الشرطة للاستجواب.


وأُجري تشريح للجثة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني من جانب أطباء شرعيين تابعين

u1604?وحده الطب في منطقة طولون. وخلص تقرير التشريح إلى أن سبب الوفاة لا يمكن التثبت منه بوضوح. وأشار إلى وجود عدة جروح ورضوض دموية على الرأس والعنق والصدر والبطن والرسغين والساقين. واحتوت المعدة والأمعاء الدقيقة على دماء. وتبين أن الجروح الأحشائية تتماشى مع "صدمات أو ضغط مباشر على الجزع."21ورغم عدم وجود كسور، لم يتم إجراء فحص بالأشعة السينية للتأكد من عدم وجود كسور، رغم وجود تقرير للشرطة أشار كما يبدو إلى وجود كسر في الجمجمة. ولم تلتقط السلطات القضائية أية صور للجثة، رغم أن الصور التي التقطها الأقارب في المشرحة تبين أن الجثة كانت مغطاة بعلامات. وجرى فحص للأعضاء المصابة في الجسد في 15 يناير/كانون الثاني 2000. وخلص إلى أن الجروح يمكن أن تعزى إلى "الاختناق الوضعي". وأكد فحص طبي اختصاصي مؤرخ في 27 مايو/أيار 2000 أن محمد علي سعود توفي كنتيجة مباشرة لتثبيته على الأرض وهو مقيد، ويداه وقدماه مكبلتان والضغط على ظهره.


وفتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية تحقيقاً. وأجرت مقابلات مع أفراد العائلة وأفراد الشرطة والشاويش (الرقيب) المسؤول عن المسعفين الطبيين وأحد موظفي قسم الإسعاف في المستشفى، لكنها كما ورد لم تجر مقابلات مع المسعفين الآخرين أو أطباء المستشفى ولا أي من الجيران الذين كانوا شهوداً على الأحداث. وخلص التحقيق إلى أن أفراد الشرطة تصرفوا "بدفاع مشروع" ضد "شخص يستخدم قضيباً حديدياً وهراوة بيسبول". ووجد أن الضربات التي تلقاها محمد علي سعود كانت متناسبة مع الإصابات التي ألحقها بأفراد الشرطة، ومن ضمنها الكسور كما قيل، وبُررت حقيقة تثبيته على الأرض "لمدة 30 دقيقة تقريباً" بالجروح التي أُصيب بها أفراد الشرطة ومشاكل الحصول على الرعاية الطبية وغياب أية وسيلة طبية لتهدئته – وهو ما طلبته العائلة حالما وصل أفراد الشرطة إلى مسرح الحادثة.


وأُفرج عن جثة محمد علي سعود على وجه السرعة، بناء على أمر النائب العام لدفنها في تونس. وشعرت العائلة بالقلق من حدوث هذا الأمر قبل توضيح التناقضات التي شعرت بأنها ظهرت بين تقارير الشرطة وتقارير التشريح وقبل إجراء مزيد من الفحوص.


ومن ناحية أخرى، لم يفتح تحقيق قضائي لمدة شهرين، لأن النيابة العامة كما ورد لم تر ضرورة في إبلاغ قاضي التحقيق فوراً. ونتيجة للقلق الذي ساور العائلة إزاء عدم إحراز تقدم في القضية، انضمت العائلة إلى الإجراءات القانونية كطرف مدني في الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني 1999، وتقدمت بشكوى رسمية بموجب المواد 221-224 من قانون العقوبات المتعلقة "بالقتل العمد المرتكب ضد شخص ضعيف جداً". ولم يُحل وكيل النيابة القضية إلى قاضي التحقيق إلا في 14 يناير/كانون الثاني 1999 على الأساس الجامع "للقتل العمد أو الخطأ" وطُلب من المفتشية العامة للشرطة الوطنية إجراء مزيد من التحقيقات. وكانت العائلة تعتقد أنه نظراً لأن تقرير التشريح لم يعثر على سبب الوفاة، فإن التحقيق الأصلي للشرطة الذي برأ أفراد الشرطة قد أُجري على عجل وكانت الخلاصة التي توصل إليها، ومفادها أن تصرف أفراد الشرطة كان دفاعاً عن النفس، سابقة لأوانها. وخوفاً من أن يفتقر تحقيق المفتشية العامة إلى الحيدة الضرورية، طالبت العائلة بأن تجري هيئة مختلفة تابعة للشرطة أي تحقيق تكميلي، وفي هذه الحالة الدرك البحري، لكن طلبها رُفض.


وجرت إعادة تمثيل الأحداث في 22 يونيو/حزيران 1999. وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000 أصدر قاضي التحقيق الملحق بمحكمة طولون قراراً بعدم وجود وجه لإقامة دعوى بشأن الوفاة. وخلص القاضي إلى أن أفراد الشرطة وجدوا أنفسهم في موقف محفوف بالخطر ولم يتصرفوا بصورة إجرامية. وقُدِّم استئناف ضد القرار في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2000 من جانب المحامي الذي يمثل الطرف المدني. وفي 4 يناير/كانون الثاني 2001 أكد أمر صادر عن شعبة التحقيق في محكمة الاستئناف في إيه-أون-بروفانس عدم وجود وجه لإقامة الدعوى. وتبين للمحكمة أن محمد علي سعود كان يعني من مشاكل عقلية خطيرة وأنه أصيب برصاصتين مطاطيتين في بطنه، لكنه استمر في المقاومة، التي أصيب خلالها بعض أفراد الشرطة بجروح. وخلص إلى أن المسعفين الطبيين اعتنوا به عندما لزم الأمر. لكن من الواضح أن هذا ليس ما حصل. ولم توضح المحكمة لماذا لم يتم إسعاف الضحية فوراً إذا كان قد أُصيب مرتين في بطنه. كما أنها لم توضح لماذا واصل أفراد الشرطة الإمساك بالضحية في وضع يسبب الاختناق بعد فترة طويلة من تكبيل يديه وقدميه بالأصفاد والأغلال. وظلت الأسئلة الأخرى دون جواب. فلماذا مثلاً، إذا كانت الشرطة قد حُذِّرت في البداية من أن محمد علي سعود بحاجة عاجلة إلى مساعدة طبية، لم تُرسل في طلبها فوراً تماشياً مع المادة العاشرة من مدونة قواعد سلوك الشرطة الوطنية؟

ويُنتظر حالياً إجراء تحقيق في القضية من جانب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.


3.4 سيدني مانوكا نزيزا

توفي سيدني مانوكا نزيزا، وهو ملاكم هاوٍ شاب من أصل زائيري، في الحجز في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 في توركوانغ (نور) عقب عملية اعتقال رافقتها أعمال عنف. وأُخضع أربعة من أفراد الشرطة للتحقيق بشأن إمكانية توجيه تهم بالقتل الخطأ والتقاعس عن تقديم المساعدة إلى شخص في خطر. وأُوقف ثلاثة من أفراد الشرطة عن الخدمة، بانتظار نتيجة التحقيق القضائي، بناء على أمر صادر عن وزير الداخلية بالوكالة. وأُخضع شرطيان آخران للتحقيق مع إمكانية اتهامهما بالتقاعس عن تقديم المساعدة. وخلص تشريح للجثة بأن الوفاة نجمت عن "عملية اختناق بسبب الضغط على القفص الصدري". وكان من المنتظر أن تحدد هيئة التحقيق في الشكاوى المتعلقة بالشرطة، وهي المفتشية العامة للشرطة الوطنية، ما إذا كان قد تم احترام القواعد المتعلقة بعمليات توقيف واستجواب المتهمين من قبل الشرطة عند تنفيذ الاعتقال.


وقُبض على سيدني مانوكا نزيزا بعدما تلقت الشرطة بلاغاً حول حادثة مرورية في البلدة تتعلق بالملاكم الذي كان يرتدي زلاجات بعجلات وبسائق سيارة (شرطي متقاعد) ورد أن مرآة سيارته أصيبت أو انتـزعت خلال نزاع. وقُبض عليه بعد أن أكمل طريقه. وشارك اثنان من أفراد ألوية مكافحة الجريمة مدعومان بأربعة آخرين في عملية الاعتقال، بعدما رفض الصعود إلى سيارة الشرطة. ووفقاً للأنباء، بعدما ثُبت سيدني مانوكا نزيزا على الأرض بالقوة، حاول النهوض مجدداً. فطرح مرة الأخرى على الأرض بالقوة. وضغط شرطي بركبته على عظمتي كتفه؛ وضغط شرطي آخر على فخذيه بهراوة، وجلس شرطي ثالث على ساقيه، بينما قيده رابع من كلا معصميه وكاحليه. وأنكر أفراد الشرطة أنهم وجهوا إليه صفعات أو ضربوه. وزعموا أنهم كانوا يعتقدون بأنه "يتظاهر" بالإغماء في الطريق إلى مركز الشرطة. ونقل إلى مركز شرطة توروكوانغ، حيث ورد أنه وُضع في زنزانة، رغم أنه بحلول ذلك الوقت كان إما قد انهار أو مات فعلاً. وذكرت منظمة أس أو أس لمناهضة العنصرية، التي أصبحت طرفاً مدنياً في القضية، أنها جمعت شهادات شهود العيان التي تفيد أن سيدني مانوكا نزيزا انهار على الرصيف قبل وصوله إلى مركز الشرطة، وأشارت إلى أنه كان يجب تقديم المساعدة الطبية له فوراً.


وخلال المحاكمة، ساق محامي العائلة الحجج القائلة إن سيدني مانوكا نزيزا توفي لأنه لم يتم احترام مدونة قواعد سلوك الشرطة. بيد أن النائب العام أشار إلى صعوبة عملية الاعتقال وإلى "سلسلة من الأخطاء الفاضحة" التي ارتكبها أفراد الشرطة. ومع ذلك، بوصفهم أفراداً في ألوية مكافحة الجريمة، كانوا مدربين على أساليب السيطرة والتقييد.


وفي 7 يوليو/تموز 2000، أدين اثنان من أفراد ألوية مكافحة الجريمة بتهمة القتل الخطأ وحُكم عليهما بعقوبة اسمية بالسجن لمدة سبعة أشهر مع وقف التنفيذ من جانب المحكمة الإصلاحية في ليل. وجرت تبرئتهما مع ثلاثة آخرين من تهمة التقاعس عن مساعدة شخص في خطر. وطلب النائب العام توقيع عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ تتراوح مدتها بين 10 أشهر و12 شهراً. واحتجت عائلة الضحية والأطراف المدنية على العقوبة المتساهلة. وطُردت والدة الرجل المتوفى من المحكمة عندما قالت باستغراب "قتلتم ابني لتعطوني 40000 فرنك "(مشيرة إلى قيمة التعويض). ووُجهت إلى عمته التي أهانت القضاة عقب سماع الحكم، تهمة رسمية "بإهانة قاضٍ".


وصرَّح محامي العائلة أنه سيتم تقديم استئناف. لكن في مارس/آذار 2001، أيدت محكمة الاستئناف في دوي عقوبات السجن الأصلية التي اقترنت بوقف التنفيذ.


4.4 إدوارد سالومو نسومبو

في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2001، توفي إدوارد سالومو نسومبو، وهو من رعايا جمهورية الكونغو الديمقراطية، في أعقاب عملية تدقيق في الهوية من جانب الشرطة في ظروف اختلفت بشأنها الآراء في وسط باريس. وأُوقف إدوارد سالومو نسومبو الذي غادر تواً مطعماً يقع في ميدان بلاس دو بيغال أو بالقرب منه، بينما كان ينطلق بسيارته مع صديق له. وحصلت مجادلة كلامية حادة، وكما يبدو قاوم محاولة تكبيل يديه بالأصفاد. وبحسب ما ورد طُرح أرضاً بالقوة ورُش بالغاز المسيل للدموع قبل نقله إلى مركز الشرطة في شارع ري دو بارم. وفي مركز الشرطة فقد وعيه ونقله أفراد الشرطة إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة على الطريق.


ووفقاً لتشريح الجثة، توفي إدوارد سالومو نسومبو ("ليس جانحاً" بحسب الشرطة)، نتيجة نوبة قلبية أُصيب بها عقب اعتقاله. ويبدو أن التشريح لم يعثر على أية علامات على إصابته بجرح رضي باستثناء تلك الناجمة عن محاولة إنعاشه بالتنفس الاصطناعي، لكن قريباً له كان شاهداً على عملية التدقيق في الهوية ذكر أنه تعرض "للضرب" والرش بالغاز المسيل للدموع، وأن العنف الذي مارسته الشرطة قد يكون أدى إلى وفاته. وطلب النائب العام من المفتشية العامة للأجهزة أن تفتح تحقيقاً. بيد أن المفتشية خلصت إلى أنه الشرطة لم ترتكب أعمال عنف، ولم يُفتح تحقيق قضائي. وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، انضمت العائلة، التي شعرت بالقلق إزاء عدم إحراز تقدم في التحقيق، إلى الإجراءات كطرف مدني، حيث قدمت شكوى ضد الشرطة بسبب "أفعال العنف المتعمد التي أدت إلى الوفاة".


وأثارت منظمة العفو الدولية القضية مع وزير الداخلية الذي أبلغ المنظمة في أكتوبر/تشرين الأول 2002 بأن التحقيق القضائي ما زال جارياً. وقد ظل مستمراً عند كتابة التقرير.


5.4 ريكاردو باريينتوس

توفي ريكاردو باريينتوس، وهو مواطن أرجنتيني بينما كان مقيداً على متن طائرة في مطار رواسي – شارل ديغول خلال عملية إبعاد قسرية جرت في 30 ديسمبر/كانون الأول 2002. وجرت مرافقته إلى الطائرة وهو يقاوم قبل صعود الركاب الآخرين وجلوسهم، وحُني إلى الأمام بحيث بات رأسه بين ركبتيه وكُبلت يداه خلف ظهره. وضغط شرطيان وثلاثة من أفراد الدرك على عظمتي كتفه بصورة متواصلة. ورُبط جزعه وفخذاه وكاحلاه بشريط فلكرو. ووُضع قناع على وجهه وغُطي ببطانية بحيث لا يرى أحداً من المسافرين ولا يراه أحد منهم. وانهار قبل الإقلاع. وخلص تشريح الجثة إلى أنه مات جراء مضاعفات لمرض في القلب حدثت بصورة طبيعية، وخلص تحقيق للشرطة إلى أنه تم اتباع الإجراءات، رغم أنه لم تتضح ماهية هذه الإجراءات بالضبط.


وفُتح تحقيق قضائي حول إمكانية توجيه تهمة القتل – "أفعال عنف مؤدية دون قصد إلى الوفاة". وفي 20 سبتمبر/أيلول 2004، أصدرت محكمة الاستئناف في باريس أمراً بوجوب رفض القضية لأنه لا وجه لإقامة الدعوة. وقررت المحكمة أن ريكاردو باريينتوس لم يتعرض لأفعال عنف وأن أفراد الشرطة كانوا ينفذون أوامر شرعية بإبقاء المبعد مقيداً. ولم يتم تقديم استئناف.


ومصدر قلق منظمة العفو الدولية إزاء هذه القضية هو أن التحقيق كان يجب أن يساعد على توضيح ما إذا كانت الإجراءات التي استخدمها أفراد الشرطة تتماشى مع المعايير الدولية وما إذا كان أفراد الشرطة قد أخذوا هذه المعايير بعين الاعتبار. فمثلاً، في تقريرها العام الثالث عشر، أشارت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب إلى "الخطر الذي ينشأ عندما يقاوم مبعد، عقب وضعه على مقعد في الطائرة، ويستخدم حراسه القوة لإرغامه على الانحناء إلى الأمام بحيث يكون رأسه بين ركبتي7?، مما يضغط بشدة على القفص الصدري"، ولاحظت أن "استخدام القوة و/أو وسيلة التقييد القادرة على التسبب بالاختناق الوضعي يجب تفاديه كلما أمكن".22


وفي رسالة بعثت بها منظمة العفو الدولية إلى وزير الداخلية في يناير/كانون الثاني 2003، طلبت من السلطات الفرنسية توضيحاً للإجراءات المستخدمة في عمليات الإبعاد القسري وما إذا كانت تتماشى كلياً مع التوصيات أو المبادئ الدولية. بيد أنه لم يتضح ذلك، ولم يساعد قرار المحكمة بأي شكل في إلقاء الضوء على السؤال الحاسم حول ما إذا كان عمل أفراد الشرطة يندرج فعلاً ضمن المستلزمات الدولية. وكما أشارت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب بإيجاز، فإن المبدأ التوجيهي هو أن "القوة ووسيلة التقييد المستخدمتين لا يجوز أن تتجاوزا الحد الضروري بصورة معقولة" ويجب أن "تراعيا الإرشادات الهادفة إلى التقليل من المخاطر المترتبة على صحة الشخص المعني". ومن جملة أشياء، توصي اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب بفرض "حظر مطلق على استخدام وسائل يحتمل أن تسد المجاري الهوائية (الأنف و/أو الفم) جزئياً أو كلياً"، وأن المبعدين يجب "أن يخضعوا لفحص طبي قبل تنفيذ قرار إبعادهم" – وبخاصة "عندما يُتصوَّر استخدام القوة و/أو تدابير خاصة."23

5. التعذيب وسوء المعاملة من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون

1.1.5 الواجبات الدولية المترتبة على فرنسا لمنع التعذيب والمعاقبة عليه

يساور منظمة الدولية القلق منذ زمن طويل إزاء استمرار مزاعم التعذيب وسوء المعاملة على أيدي الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. كما خلصت المنظمة إلى وجود نمط من الإفلات الفعال من العقاب بالنسبة للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الذين يرتكبون التعذيب وسوء المعاملة، بسبب تقاعس السلطات عن معالجة مسألة غياب التحقيقات السريعة والشاملة والمستقلة والحيادية في جميع المزاعم، وتقديم مرتكبي هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان إلى العدالة.


ويحدث هذا رغم وجود نصوص واضحة ضد ممارسة التعذيب وسوء المعاملة، ورغم الالتزامات المترتبة على فرنسا لاحترامها، والواردة في عدد من المعاهدات الدولية التي تشكل فرنسا طرفاً فيها، وهي تشمل اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.


وتُعطي اتفاقية مناهضة التعذيب (التي صدقت عليها فرنسا في 4 فبراير/شباط 1985) تعريفاً واضحاً ومحدداً للتعذيب بوصفه : "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية." (المادة الأولى)


وتلزم المادة 4 من اتفاقية مناهضة التعذيب الدول الأطراف بضمان اعتبار جميع أفعال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي والمعاقبة على الجرائم بالعقوبات المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار خطورة الجريمة.24 كذلك تُلزم الدول الأطراف بموجب المادة 12 من الاتفاقية، بإجراء تحقيق سريع وحيادي، كلما كان هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن فعلاً من أفعال التعذيب قد ارتُكب، بغض النظر عما إذا تقدم الضحية أو أي شخص آخر بشكوى رسمية. وبموجب المادة 14 ينبغي أن يحصل ضحايا التعذيب على سبيل انتصاف وأن يتمتعوا بحق قابل للإنفاذ في الحصول على تعويض مادي منصف وكاف، بما في ذلك وسيلة إعادة التأهيل إلى أقصى حد ممكن.


2.1.5 تقاعس فرنسا عن تنفيذ هذه الوجبات بالكامل

يساور منظمة العفو الدولية القلق من أن تقاعس فرنسا عن الالتزام التام بالواجبات المترتبة عليها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وبأحكام المعاهدات الدولية الأخرى الرامية إلى منع ممارسة التعذيب وسوء المعاملة والمعاقبة عليهما، يسهم في نمط من الإفلات الفعلي من العقاب للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الذين يرتكبون مثل هذا التعذيب أو سوء المعاملة. ويشمل هذا التقاعس غياب تعريف في قانون العقوبات الفرنسي يتقيد بتعريف التعذيب الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب والتأخير المفرط في إجراء تحقيق ومقاضاة في حالات الممارسة المزعومة للتعذيب وسوء المعاملة؛ والتقاعس عن معاملة حالات العنف الذي ترتكبه الشرطة وفقاً لخطورة الجرم؛ وانعدام سبيل الانتصاف الفعال.


فعلى سبيل المثال، يشكل غياب تعريف للتعذيب في قانون العقوبات الفرنسي يتماشى مع ذلك الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب عائقاً آخر محتملاً في وجه المقاضاة الكافية لحالات التعذيب.


وقد صرحت الحكومة الفرنسية أنه، رغم أن قانون العقوبات الفرنسي لا يتضمن مثل هذا التعريف؛ إلا أن تعميماً صادراً عن وزارة العدل في 14 مايو/أيار 1993 يعلق على اتجاهات قانون العقوبات الجديد الصادر في مارس/آذار 1994 يشير صراحة إلى تعريف التعذيب الوارد في الاتفاقية. وينص على أنه "عموماً ... فإن أي فعل يُسبب عمداً ألماً أو عذاباً شديداً، عقلياً كان أم جسدياً للشخص" يمكن أن يستوفي صفة التعذيب.


ويقصر هذا التعريف عن استيفاء التعريف الكامل للتعذيب، وقد حثت منظمة العفو الدولية على إدراج تعريف كامل في قانون العقوبات يعطي أهمية وبروزاً أكبر للجريمة.


ولا تُعرَّف الأشكال الأخرى لسوء المعاملة ("الأفعال الأخرى للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة") في اتفاقية مناهضة التعذيب. ومع ذلك فإن مثل هذه المعاملة السيئة ممنوعة بموجب المادة 16 التي تقتضي من الدول اتخاذ عدد من التدابير لمنع حدوثها. وتجدر الملاحظة بأنه بموجب كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادتان 7 و4) والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادتان 3 و15)، فإن عدم التعرض لسوء المعاملة، أسوة بالتعذيب، حق إنساني "لا يمكن الانتقاص منه"، أي أنه ينطبق في جميع الظروف، حتى في أوقات "الطوارئ" التي تتهدد "حياة الأمة".


كذلك يساور منظمة العفو الدولية القلق من أنه بموجب القانون الوطني، غالباً ما تبدو المقاضاة على جرائم مثل ارتكاب معاملة سيئة شديدة مشروطة بتقديم شكوى رسمية من جانب الضحية المزعومة أو الطرف المدني.


وإن تقاعس السلطات عن وضع آلية مستقلة للتحقيق بصورة شاملة وسريعة وحيادية في أفعال التعذيب وسوء المعاملة المزعومة، وضمان المقاضاة الفعالة للجناة وتوقيع عقوبات بهم تعكس خطورة الجريمة، ينتهك أيضاً الواجبات المترتبة على فرنسا بموجب القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.


3.1.5 التمحيص الدولي في واجبات فرنسا

تتضمن هذه الفقرة أدناه حالات توضيحية لبواعث القلق التي تساور منظمة العفو الدولية منذ زمن طويل إزاء الإفلات الفعال من العقاب على التعذيب وسوء المعاملة. كذلك رددت صدى بواعث القلق هذه بثبات على مدى سنوات طويلة الهيئات الدولية التي أُنشئت لمراقبة تنفيذ المعاهدات المذكورة أعلاه.


وقد أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ولجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة والهيئات التابعة لمجلس أوروبا أعربت بثبات عن قلقها إزاء مزاعم سوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين. (وفي معظم حالات سوء المعاملة يتم ركل الضحايا ولكمهم وصفعهم وضربهم بهراوة أو خبط رؤوسهم بغطاء محرك السيارة. وفي يوليو/تموز 1997، شعرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة "بقلق بالغ" إزاء عدد وخطورة المزاعم التي تلقتها حول إساءة الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين معاملة المعتقلين وسواهم، وشددت على أن خطورة هذه المعاملة "أكبر بكثير في حالة الأجانب والمهاجرين".25وفي العام 1998 وعند النظر في التقرير الدوري الثاني لفرنسا، حثت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة فرنسا على "إيلاء أقصى قدر من الاهتمام بمزاعم العنف الذي يرتكبه أفراد قوات الشرطة، بهدف إجراء تحقيقات حيادية، وفي الحالات التي يثبت فيها ذلك توقيع العقوبات المناسبة".


وفي العام 1999 خلصت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن فرنسا انتهكت الحظر المطلق المفروض على التعذيب (انظر 5-2). وفي العام 2001، لاحظت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب في تقريرها المتعلق بزيارة قامت بها إلى فرنسا في مايو/أيار 2000، بأن معظم مزاعم إساءة المعاملة التي تمارسها الشرطة تتعلق بالشرطة الوطنية، وتتضمن بصورة رئيسية توجيه اللكمات إلى الأفراد وطرحهم أرضاً وركلهم وتكبيل أيديهم بإحكام شديد. كذلك لاحظت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب مزاعم إساءة معاملة الرعايا الأجانب في المطارات خلال محاولات إبعادهم.


ولاحظت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب في التقرير الذي أصدرته في فبراير/شباط 2005، لاحظت بقلق "استمرار الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة التي يمارسها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين ضد أبناء الأقليات". وذكر التقرير بأن المزاعم تضمنت العنف الجسدي والإذلال والشتائم العنصرية والتمييز العنصري، بما في ذلك عمليات التدقيق في الهوية القائمة على التمييز.


4.1.5 حالات توضيحية لبواعث قلق منظمة العفو الدولية

نورد الحالات التالية لتوضيح بواعث قلق منظمة العفو الدولية فيما يتعلق بالإفلات الفعال من العقاب على التعذيب وسوء المعاملة. ويوضح العديد منها مثلاً قلق المنظمة فيما يتعلق بالطريقة التي عوملت بها الشكاوى المرفوعة ضد أفراد الشرطة في المحاكم. وتعكس الحالات الأخرى، التي ما زالت قائمة ولم تصل بعد إلى المحكمة، بعض العوامل التي تؤدي إلى الإفلات الفعال من العقاب. وبناء على تجربة منظمة العفو الدولية، من النادر فعلاً أن تعامل المحاكم قضية تتعلق بعنف الشرطة بالجدية التي تستحقها، وكل محكمة تود أن تُوقع عقوبات اتعاظية تشكل عبرة للآخرين تواجه نضالاً شاقاً.


2.5 أحمد سلموني

في 28 يوليو/تموز 1999 تبين للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن فرنسا انتهكت في هذه القضية الحظر المفروض على التعذيب فضلاً عن الحق في "محاكمة عادلة وعلنية خلال فترة زمنية معقولة".


قبضت الشرطة القضائية على المواطن المغربي والهولندي أحمد سلموني بجرم الاتجار بالمخدرات في نوفمبر/تشرين الثاني 1991، ووضعته في حجز الشرطة لمدة ثلاثة أيام في بوبينييه (سين-سان-دنيس). وفي الحكم الذي أصدرته المحكمة الأوروبية تبين لها أن أحمد سلموني "تعرض لاعتداءات متكررة ومتواصلة على مدى عدد من أيام الاستجواب" وصرحت بأن "العنف الجسدي والعقلي، إذا نظرنا إليه ككل، والمرتكب ضد شخص مقدم الشكوى تسبب بألم وعذاب ’شديدين‘ واتسم بخطورة وقسوة بالغة. ويجب اعتبار مثل هذا السلوك بمثابة أفعال تعذيب"26وتضمنت المعاملة عمليات لكم وركل وضرب متكررة بعصا بيسبول وهراوة وشد الشعر. كذلك لاحظت المحكمة أنه أُرغم على الركض في رواق أصطف أفراد الشرطة على جانبيه لإيقاعه على الأرض وأُرغم على الركوع أمام امرأة شابة قال لها أحدهم : "انظري، ستسمعين أحدهم يغني". كذلك تم التبول عليه وهُدد بحقنة وبموقد لحام.


وزعمت فرنسا أنه من غير المقبول أن تنظر المحكمة الأوروبية في قضية أحمد سلموني، لأنه لم يستنفد بعد كافة سبل الانتصاف المحلية ولأن أفراد الشرطة قُدموا (أخيراً) للمحاكمة أمام محكمة فرساي الجنائية. بيد أن المحكمة الأوروبية رفضت هذه المقولة على أساس أن "وجود سبل الانتصاف هذه يجب أن يكون مؤكداً بشكل كاف ليس فقط من الناحية النظرية بل أيضاً عملياً، وإلا تفتقر ž?بل الانتصاف هذه إلى شرط الاستفادة منها واتسامها بالفعالية". وفي هذه القضية فإن الإجراءات القضائية التي كانت ما زالت قائمة أمام محكمة النقض حول نقاط قانونية في الوقت الذي صدر فيه قرار المحكمة الأوروبية، كان قد مضى عليها أكثر من ست سنوات وسبعة أشهر، فقد كانت عمليات التأخير مفرطة ولم يُمنح أحمد سلموني سبيل انتصاف فعالاً.


وقضت المحكمة الأوروبية، التي وجدت أن فرنسا انتهكت المادتين 3 و6-1 على السواء من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أنه يجب دفع 500000 فرنك فرنسي لأحمد سلموني على سبيل التعويض و113364 فرنك فرنسي لتسديد النفقات والمصروفات.


وأفراد الشرطة المعنيون بهذه القضية ينتمون إلى الجهاز الإداري للشرطة القضائية. ولم يخضعهم القاضي للتحقيق حتى العام 1997 ورغم أن الأحداث وقعت في العام 1991، ولم يمثلوا أمام المحكمة الإصلاحية في فرساي (إيفلين) إلا في فبراير/شباط 1999 – قبل حوالي ستة أسابيع فقط من بت المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ بالقضية.


وواجه أفراد الشرطة الخمسة تهماً بارتكاب أعمال عنف واعتداءات جنسية ضد أحمد سلموني ورجل آخر هو عبد المجيد ماضي. وأنكر المتهمون التهم، مشيرين إلى أن الرجلين ألحقا الأذى بنفسيهما أو ربما شاهدا أفلاماً كثيرة. وطالبت النيابة بسجنهم مدداً تتراوح بين سنتين وخمس سنوات. وفي مارس/آذار 1999، قبل بضعة أيام من انعقاد جلسة المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ، أدانت الحكمة الفرنسية أفراد الشرطة الخمسة جميعهم. وخلصت إلى أنهم ارتكبوا أفعال "العنف المنظم والبالغ الشدة" والذي "يطعن النظام العام في الصميم ويخل بأبسط مبادئ سيادة القانون"، وأنهم "لم يردوا على أقوال الضحيتين إلا بالصمت والإنكار بدون إعطاء أدنى تفسير لأفعالهم"، وحكمت المحكمة على أحد أفراد الشرطة بعقوبة بالسجن لمدة أربع سنوات "ليكون عبرة لغيره" واقتيد من المحكمة إلى دار الاعتقال في بوا- دارسي (إيفلين).27 وحُكم على ثلاثة أفراد آخرين بالسجن لمدة ثلاث سنوات وعلى الخامس بالسجن لمدة سنتين.


وقوبلت الأحكام بسلسلة من الاحتجاجات والمظاهرات الغاضبة من جانب أعضاء جميع نقابات الشرطة في فرنسا، وقدم أفراد الشرطة المعنيون استئنافاً فورياً. وبُت في الاستئناف خلال فترة زمنية قصيرة بصورة غير معتادة، أمام محكمة الاستئناف في فرساي في مايو/أيار ويونيو/حزيران 1999. وخفضت المحكمة عقوبة السجن "الاتعاظية" البالغة أربع سنوات تخفيضاً كبيراً إلى 18 شهراً مع وقف تنفيذ 15 شهراً منها، الأمر الذي يسمح بالإفراج الفوري عن الشرطي. أما الأحكام التي صدرت على أفراد الشرطة الأربعة فقد خُفضت إلى أحكام بالسجن لمدة 15 و12 و10 أشهر على التوالي مع وقف التنفيذ. لا بل أن وكيل النيابة الملحق بمحكمة الاستئناف طالب حتى بأن "يسترد" أفراد الشرطة "شرفهم" وأعلن أنهم ليسوا مذنبين بارتكاب جرم الاعتداء الجنسي، وأنهم إذا ظلوا مدانين بارتكاب أعمال عنف، فينبغي أن يستفيدوا من عفو.


وأكدت المحكمة الإدانات الصادرة على أفراد الشرطة بتهمة ارتكاب أعمال عنف، لكنها ألغت الإدانة المتعلقة بالاعتداء الجنسي. وأقرت بأن أفراد الشرطة مارسوا "معاملة مهينة جداً" وأنه لا يمكن تبرير سلوكهم في أي ظرف من الظروف. بيد أن أفراد الشرطة قدموا استئنافاً إلى محكمة النقض ضد الأحكام المخفضة. وكان معنى ذلك أنهم واصلوا عملهم في مراكزهم كما في السابق. وفي 31 مايو/أيار 2000 أكدت الشعبة الجنائية في محكمة النقض الأحكام. لكن في مارس/آذار 2002، تلقت منظمة العفو الدولية أنباءً تفيد أن أفراد الشرطة لم يخضعوا بعد لأية إجراءات تأديبية داخلية، رغم حقيقة أن محكمة النقض ذكرت أن أفراد الشرطة ارتكبوا أفعالاً "بالغة الخطورة" انتهكت بوضوح مدونة قواعد سلوكهم.


3.5 بابا تراوري

زعم بابا تراوري، وهو مواطن مالي مقيم في جزر الكناري بأسبانيا، أنه في 21 فبراير/شباط 2001، ألقى أفراد بالزي الرسمي من شرطة الحدود التابعة لشرطة الأجواء والحدود، القبض عليه على متن قطار في محطة هندايي للقطارات، القريبة من الحدود واقتادوه بالسيارة إلى مركز الشرطة.


وذكر بابا تراوري أنه كان مسافراً إلى باريس لتجديد جواز سفره، لأنه لم يستطع أن يفعل ذلك في أسبانيا. وكانت لديه تذكرة سفر بالقطار صالحة ذهاباً وإياباً وتصريحا العمل والإقامة الأسبانيان. وزعم أنه تعرض لسوء معاملة خطير أثناء وجوده في مركز شرطة هندايي. ولم يكن يتكلم الفرنسية، لكنه حاول عدة مرات السؤال عن سبب اعتقاله. وبحسب ما ورد وُجهت إليه لكمة قوية على عينه اليسرى بينما كان جالساً على كرسي.


وبعد حوالي نصف ساعة رافقه شرطيان إلى مركز الشرطة بيرياتو وسلموه إلى أفراد الشرطة الأسبانية الذين أطلقوا سراحه وكما ورد طلبوا له سيارة أجرة ليتسنى نقله إلى المستشفى المحلي في بيداساو. وبعد مضي فترة قصيرة، نُقل بسيارة إسعاف إلى مستشفى نويسترا سنيورا دي أرانزازو في سان سيباستيان. وفي اليوم ذاته أُجريت له عملية جراحية في عينه اليسرى، التي تعرضت وفقاً للتقارير الطبية لأذى شديد نتيجة "الضربة المباشرة" ومكث في المستشفى لمدة ستة أيام.


وقدم بابا تراوري شكوى قضائية لدى النائب العام في بابون. وكما ورد قال محافظ منطقة البيرنيه – أطلانتيك، رداً على الدعاية التي أحاطت بالقضية إن المواطن المالي عارض بعنف إعادته إلى أسبانيا، وبالتالي تعيَّن تكبيل يديه والسيطرة عليه.


وفي يوليو/تموز 2003، قال محامي بابا تراوري لمنظمة العفو الدولية أن قاضي التحقيق أمر برفض القضية. وخلص التحقيق إلى أنه رغم أن بابا تراوري أصيب بجروح دون شك، إلا أنه يستحيل معرفة ما إذا كان ذلك حدث نتيجة لعملية اعتقال صعبة أو في مركز الشرطة، كما أصرَّ بابا تراوري. وإضافة إلى ذلك، ورغم عمليات الاستجواب العديدة، تعذر التعرف على الشرطي الذي ضرب بابا تراوري بهذه القوة. والاستنتاج البديهي هو أن أفراد الشرطة اتفقوا فيما بينهم على عدم التع?ون مع التحقيق، لأنه من الواضح أن أحدهم قد تسبب فعلاً بالإصابة. وهكذا، برغم الجرح البليغ، لم يتلق بابا تراوري أي تعويض ولم يتم توقيع أية عقوبات بأفراد الشرطة. وتسلط القضية الضوء على المشكلة التي تواجه الضحية أو الضحية المزعومة لعنف الشرطة، عندما يتعذر معرفة الشرطي المتورط، وعندما لا تتوافر ضمانات مثل تسجيل الاستجواب على شريط فيديو.


4.5 ياسين28

كان ياسين فتى قاصراً في السادسة عشرة من عمره عندما زعم أنه تعرض للضرب المبرح من جانب أفراد الشرطة في مركز شرطة أسنيير – سير – سين عقب القبض عليه في 10 يوليو/تموز 2001. ونتيجة الضرب، احتاج إلى معالجة عاجلة في المستشفى، وأزيلت إحدى خصيتيه.


وعثرت الشرطة على ياسين في سيارة بمحطة قطارات بوا – كولومب (هو – دو – سين). واشتبه أفراد في أنه وصديق له كانا يحاولان سرقة سيارة وبأن مُبدئ الحركة قد أُعطب. ولم يكن بحوزة القاصرين أية أوراق ثبوتية واقتيدا إلى مقر الشرطة للتعرف على هويتهما. ووفقاً لتقرير أعدته المفتشية العامة للأجهزة، قاوم ياسين محاولات تكبيل يديه. وخلال العراك الذي نجم تصرف ياسين بعنف وركل أفراد الشرطة. واحتج ياسين على ذلك بالقول إنه كان من الصعب ركل أفراد الشرطة لأنهم أمسكوه من كلا يديه وقدميه وكان عنقه مطوقاً بمرفق أحد أفراد الشرطة، بينما كان آخر يصرخ في أذنه. وقال إنه سمع قهقهات من حوله. ولم يُسمح له بإجراء مكالمة هاتفية مع والدته.


وبعد تكبيل يديه، ورد أن ياسين أهان أفراد الشرطة. وأُمر أفراد الشرطة بنقله إلى زنزانة لإزالة السموم (تأثير الكحول؟). وعوضاً عن ذلك اقتادوه إلى رواق بجانب زنازين إزالة السموم، حيث زُعم أنه تعرض للكم والركل والضرب بالركب على خصيتيه. ووفقاً لرواية الشرطة للقضية، أتلف ياسين خصيته بالسقوط على نافورة غاز مزودة بصنبور. ونظراً لخطورة إصابته، نُقل ياسين فيما بعد إلى مستشفى بوجون دو كليشي، حيث أجريت عملية له وأزيلت إحدى خصيتيه. ثم نُقل إلى مستشفى سانت – آن للأمراض النفسية، لأن رد فعله كان عنيفاً عندما أفاق من المخدر. وسُمح له فيما بعد بالذهاب إلى بيته.


وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إزاء هذه القضية بسبب الضرب المبرح المزعوم الذي تعرض له فتى قاصر عمره 16 عاماً، وبسبب التجاوزات المزعومة الأخرى في الإجراءات بينما كان محتجزاً في مركز الشرطة. ولم تُبلَّغ السيدة د. على الفور باعتقال ابنها ولا يُسمح قانونياً بتكبيل القصَّر بالأصفاد. وأشار تقرير طبي أُعد في المستشفى إلى وجود كدمة في العين اليمنى ورضوض متعددة في الوجه والعنق وعلامات حمراء متعددة في فروة الرأس، فضلاً عن كدمة في المعصم الأيمن والظهر. وكشفت صورة بأشعة أكس عن وجود كسر في الخصية اليمنى التي اقتضى إزالتها.


وفي فبراير/شباط 2002 أبلغ النائب العام في نانتير منظمة العفو الدولية أنه طلب من قاضي التحقيق فتح تحقيق في القضية كما طلب معلومات من المفتشية العامة للأجهزة. وفُتح تحقيق قضائي في 20 يوليو/تموز 2001. وفي 29 يناير/كانون الثاني 2002 استجوب قاضي التحقيق شرطيين اثنين من أفراد الشرطة الثلاثة الذين أُخضعوا للتحقيق. وانضمت عائلة دراج للإجراءات كطرف مدني. وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2004 مثل شرطيان أمام محكمة نانتير الإصلاحية بتهمة ارتكاب أعمال عنف متعمدة كأفراد شرطة. وفي الجلسة طلبت النيابة تبرئة ساحة أفراد الشرطة بسبب عدم كفاية الأدلة اللازمة لتأييد التهمة. وبحسب ما ورد لم يعرب وكيل النيابة عن أي قلق إزاء انتهاك الإجراءات خلال حجز لدى الشرطة. وكما ورد زعمت مستشارة الدفاع عن أفراد الشرطة أن ياسين "وجه ركلات عنيفة جامحة" وتحدثت عن "كراهية الشبان لذوي الملابس الزرقاء" (الشرطة). وبحسب ما ورد طُردت والدة ياسين من المحكمة بعدما ضحكت عندما قالت المحامية أن رواية أفراد الشرطة للأحداث هي "الحقيقة الصارخة".


وفي 14 ديسمبر/كانون الأول 2004، أدانت الشعبة الثامنة عشرة لمحكمة نانتير الإصلاحية (هو – دو – سين) الشرطيين بارتكاب "أفعال عنف متعمدة" وحكمت عليهما على التوالي بعقوبتين رمزيتين تبلغ إحداهما ثمانية أشهر بالسجن مع وقف التنفيذ والأخرى أربعة أشهر مع وقف التنفيذ. ووفقاً للمحكمة فإن العنف المستخدم "فاق بمراحل الاستخدام المعقول للقوة". وقدم الشرطيان استئنافاً ضد الإدانتين.


5.5 كريم لطيفي

في 22 فبراير/شباط 2002، ورد أن مشادة حصلت بين مستشار تقانة معلومات فرنسي يدعى كريم لطيفي، وبين أفراد الشرطة في باريس، اعتدى عليه أفراد الشرطة خلالها بشدة ووجهوا إليه شتائم عنصرية. ووفقاً للشكوى التي قدمها إلى المفتشية العامة للأجهزة، خرج كريم لطيفي من سيارته بعدما وجد أن عدة سيارات للشرطة قد سدت الطريق. واقترب من بعض أفراد الشرطة الذين كانوا يستجوبون مجموعة من الشبان، تعرف على اثنين منهم وسأل عما يجري. وطُلب منه إبراز بطاقته وزعم كريم لطيفي أن أحد أفراد الشرطة دفعه نحو درج. وفي معرض وصفه لما حدث قال : "شعرت بفقدان توازني؛ وأخرج الشرطي هراوته وضربني على رأسي، ثم انقض علي وضربني على وجهي، برجله هذه المرة. وشعرت بالهلع، وشعرت بأن الأرض تميد برأسي وكتفي. وصرخت طالباً المساعدة؟ وجرجرت خطاي بعيداً عنهم. وألقى اثنا عشر شرطياً بأنفسهم علي. ووُجه إليّ سيل من الضربات والركلات والإهانات – ’أيها العربي القذر‘ ’يا ابن العاهرة‘".29وبدأ رأسه يتورم وكُسر أنفه. وزعم أنه أُجبر على "لعق الجدار". وخلال الرحلة بالسيارة إلى مركز الشرطة ورد أنه تعرض لسيل من الشتائم العنصرية. واحتُجز في مركز الشرطة لمدة 15 دقيقة، أبلغه بعدها ملازم أول في الشرطة لا علاقة له بالحادثة، بأنه لن يتم توجيه تهم إليه وأُخلي سبيله.


وبعدما اطلعت منظمة العفو الدولية على الشكوى القضائية والتقارير الطبية لفتت انتباه وزير الداخلية إلى القضية وطلبت منه إجراء تحقيقات شرطية وقضائية سريعة وشاملة وحيادية. فأجاب الوزير بأن ملف القضية أُغلق من جانب النائب العام في 10 يوليو/تموز 2002. وفي رسالة بعث بها إلى منظمة العفو الدولية مؤرخة في 24 يوليو/تموز 2003، صرَّح وكيل النيابة الملحق بمحكمة باريس أن المفتشية العامة للأجهزة أجرت تحقيقاً في القضية، قرر سلفه بناء عليه إغلاق القضية. ولم يوضح لماذا، لكنه ذكر أنه أنَّب ثلاثة من رجال الشرطة عبر المفتشية العامة للأجهزة على انتهاكات (غير محددة) للأنظمة القانونية في سياق التحقيق.


وبعدما وُضعت شكواه في الأرشيف، أعرب كريم لطيفي عن عزمه على استخدام إجراء الادعاء المباشر، لكن عندما أبلغ وكيل النيابة منظمة العفو الدولية أنه لا علم له باللجوء إلى أي إجراء من هذا القبيل، بعث لطيفي برسالة في سبتمبر/أيلول 2003 إلى رئيس نقابة محامي باريس للفت نظره إلى القضية. وعند كتابة هذا التقرير كان التحقيق ما زال جارياً.


6.5 حياة خمال

توضح القضية التالية الطريقة التي يمكن فيها لعمليات التدقيق في الهوية أن تتفاقم بسرعة بسبب السلوك غير المهني للشرطي. والقضية التي عرفت باسم قضية "ري – أورانجي"، أصبحت معروفة جيداً بسبب اللقطات التلفزيونية للحادثة. كما تبين القضية كيف أن إساءة استعمال تهمة "إهانة شخص يتمتع بسلطة عامة" غالباً ما يوجهها الشرطي نفسه الذي أسيء إليه بينما كان هو يسيء للآخرين.


وفي 26 مارس/آذار 2000، وعند قرابة الساعة الرابعة صباحاً، كانت حياة خمال، وهي امرأة فرنسية حامل من أصل مغربي عمرها 27 عاماً، تقود سيارتها عائدة من حفلة زفاف إلى منـزلها مع والدتها وثلاث نساء أخريات أوقفتها في ري – أورانجي (إيسون) دورية للشرطة من أجل إجراء عملية تدقيق في الهوية بعدما تقاعست كما زعم عن إفساح الطريق لسيارة الشرطة وأومأت إيماءة بذيئة للشرطة. وحياة خمال التي نفت أن تكون فعلت ذلك، وقالت إنها على العكس كان يُقصد بها كإشارة شكر على السماح لها بالمرور، لم تكن تحمل رخصة تسجيل السيارة ووثائق التأمين التي قالت إنها كانت بحوزة والدها، لكنها سلمت رخصة قيادتها. بيد أن رئيس الدورية لم يقتنع بذلك. وبدأت عملية التدقيق في الهوية تتفاقم. وقالت حياة خمال إنه وفقاً للقانون، يُمنح الناس 48 ساعة لتسليم البطاقة الرمادية (رخصة التسجيل) واستعملت جهاز هاتفها الجوال للاتصال بوالدها. عندئذ ورد أن الشرطي قال لها إنه هو أيضاً سيستدعي تعزيزات. ثم زُعم أنه وصفها "بالعربية القذرة والعاهرة القذرة" فردت عليه قائلة إنه عنصري قذر" من جملة أشياء. لكن الشرطي أصر على أنه هو فقط الذي أُهين.


وبصفة نادرة، جرى تصوير جزء من عملية التدقيق بالهوية في فيلم وفيما بعد عرضه بعض الشبان الذين كانوا ينظرون من النافذة العليا لعمارة سكنية قريبة. وحاول الشرطي تكبيل حياة خمال من أحد معصميها. وحاول إجبار النساء الأخريات على الوقوف أمام السيارة بينما حاول زملاؤه تقييدهن. ولم تتحرك النساء. وأمسك الشرطي بحياة خمال التي كانت حاملاً من عنقها، ثم زُعم أنه ضربها عدة مرات على صدرها بالأصفاد التي كانت ما زالت بيده. ونفى الشرطي فيما بعد أنه استخدم العنف لكنه اعترف أنه ضغط على قفصها الصدري عدة مرات بيده اليمنى. (ولاحظت المحكمة فيما بعد أن حياة خمال قد دُفعت "بوحشية" على السيارة، بينما أمسك الشرطي بالأصفاد باليد نفسها، على نحو يمكن فيه القول إنه ضربها بها). وبدأت المرأة تصرخ. وأشار أحدهم إلى أن حياة خمال حامل. ووصلت التعزيزات وخرج أفراد الشرطة من السيارة حاملين هراواتهم. وكما ورد علق أحد القضاة الذي شاهد الفيلم قائلاً : "يعتقد المرء أنه مشهد صُوِّر في الولايات المتحدة. إن الجو مريع".30


واقتاد أفراد الشرطة حياة خمال مكبلة بالأصفاد إلى مركز شرطة إفري، حيث اتهمت بمقاومة الاعتقال بعنف وبإهانة شرطي بالكلمات والإيماءات على السواء. وفي 27 مارس/آذار قدمت حياة خمال شكوى ضد الشرطي مرفقة بتقرير طبي، متهمة إياه بتوجيه ضربات عنيفة لها وإصابتها بجروح وبتوجيه ملاحظات عنصرية. وأشارت الشهادة الطبية إلى أنها أُصيبت بصدمة وعجزت عن العمل كلياً لمدة ثمانية أيام. وفي أعقاب تحقيق أجرته الشرطة، واجه الشرطي أيضاً تهمة من جانب وكيل النيابة ارتكاب شخص يتمتع بسلطة أفعالاً عنيفة.


وأُحيلت القضية إلى المحكمة الابتدائية الكبرى في إفري في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2000. ولم يشهد شهود الشرطة بأن حياة خمال أومأت إيماءة بذيئة. (قال أحدهم إنها "ابتسمت ... ابتسامة كان فيها قليل من السخرية لكن دون تكشير". وقال سائق سيارة الدورية إنها "لوحت بأصابعها المقفلة كما يفعل المرء لطفل"). وانتقد وكيل النيابة افتقار الشرطي إلى الروح المهنية وافتقاده الهدوء واستخدامه "فعل غير قانوني من أفعال العنف" ودعا إلى إصدار حكم عليه بصيغة عقوبة مع وقف التنفيذ. كذلك دعا إلى تبرئة ساحة حياة خمال. وبُرئت من تهمة توجيه إهانة بالإيماءات والمقاومة، لكن حكم عليها بدفع غرامة 3000 فرنك مع وقف التنفيذ لتوجيه إهانة بالكلام. وأُدين الشرطي بارتكاب أفعال عنف متعمدة ومُنع من حمل سلاح ناري لمدة عامين. (وفيما بعد عرَّف الحكم الصادر عن المحكمة "العنف" بأنه "توجيه ضربات أو اعتداء أو أية إيماءة أو موقف يهدف إلى إخضاع شخص عاقل"31) ولم يقتنع بتوجيه ملاحظات عنصرية لأن الشهود كانوا منقسمين ولأن شريط الفيديو الذي صوَّر جزءاً من الحادثة فقط لم يلتقط هذه الملاحظات. بيد أن المحكمة لاحظت أن شريط الفيديو أظهر الشرطي بحالة هياج وتوتر وعدوانية. ووفقاً للحكم الصادر عن المحكمة، بدا واضحاً أنه لم يكن ممسكاً بزمام الموقف، رغم كونه رئيس الدورية، وموقفه لم يعد "موقف شرطي يحرص على النظام العام". (أشار الحكم إلى تقييم أجرته الشرطة في العام 1999 وصف الشرطي بأنه شخص تجرفه الحماسة خلال الحادث ويمكن أن يفقد صلته بالواقع و"يصور المواقف التي تواجهها الشرطة بأنها عدوان على شخصه" وليس على وظيفته كشرطي.)


7.5 عمر بهاء

في 23 ديسمبر/كانون الأول 2002، كان عمر بهاء، وهو مثل فرنسي من أصل جزائري عمره 34 عاماً، شاهداً على إساءة معاملة سيباستيان دو فريتاس على أيدي مجموعة من أفراد الشرطة الذين استخدموا الغاز المسيل للدموع لتفريق حشد كبير اصطف خارج محطة شاتو دو التابعة لمترو الأنفاق في جادة ستراسبورغ في باريس. وكما ورد كان سيباستيان دو فريتاس يتسوق لعيد الميلاد مع أقربائه، بمن فيهم شقيقه البالغ من العمر أربع سنوات. وقد استاء سيباستيان من تأثير الغاز على الصبي الصغير الذي كان يشعر بالألم، فوجه إهانات كما ورد إلى أفراد الشرطة الذين طلبوا رؤية بطاقته الشخصية وطرحوه أرضاً وانهالوا عليه بالضرب. فاقترب عمر بهاء من أفراد الشرطة وأعلن عن نيته التنديد بأفعالهم أمام وزير الداخلية. وذكَّرهم بتصريح أدلى به الوزير مؤخراً وقال فيه إنه لن يسمح بأية انتهاكات أو تجاوزات من جانب الشرطة.32


وبينما كان عمر بهاء يهم بالتوجه إلى محطة مترو الأنفاق ورد أن الشرطي الذي استخدم الغاز المسيل للدموع اقترب منه وضربه بقوة على وجهه بطرف علبة الغاز. ثم تعرض لمزيد من الضرب على أيدي عدد من أفراد الشرطة. وبحسب ما ورد أيد شهود عيان مختلفون هذه الرواية. وقد ورد أن الحشد صاحوا بالشرطة كي تكف عن ضربه. واقتيد عمر بهاء إلى مركز الشرطة في شارع دون نانسي. واتُهم بإهانة أفراد الشرطة ومقاومة الاعتقال و"التحريض على الشغب"، وهي تهمة مختلقة (انظر أدناه). وتبين لطبيب مناوب أن أنفه كُسر لكن لم يُسمح له بتلقي المعالجة في المستشفى كما أوصى الطبيب أثناء وجود بهاء في حجز الشرطة. (وقال الطبيب إن بهاء يحتاج إلى فحص آخر من جانب اختصاصي في مستشفى لاريسبواسيير).


وظل عمر بهاء في حجز الشرطة حتى 25 ديسمبر/كانون الأول. وفي 24 ديسمبر/كانون الأول(؟) نُقل إلى حجز المحكمة وفي يوم عيد الميلاد أُخلي سبيله مؤقتاً إلى حين انعقاد جلسة قضائية في 7 فبراير/شباط في المحكمة الإصلاحية في باريس. وتقدم بشكوى حول إٍساءة معاملته وطلب وكيل النيابة من المفتشية العامة للأجهزة النظر في شكواه. وفي 17 يناير/كانون الثاني 2003 أعلن وزير الداخلية عن فتح تحقيقين قضائيين، واحد في التهم الموجهة ضد عمر بهاء والثاني في شكوى عمر بهاء. وأُوقف شرطيان متهمان بالتورط في إساءة معاملة عمر بهاء عن الخدمة مؤقتاً.

وفي الجلسة التي عُقدت في 7 فبراير/شباط 2003، وحضرها مندوبون عن منظمة العفو الدولية، رفضت المحكمة جميع التهم الموجهة ضد عمر بهاء. وأبدى وكيل النيابة تعاطفه مع أفراد الشرطة، مشيراً إلى أن تهمة "التحريض على الشغب" كانت خطأ خالصاً. بيد أن المحكمة أيدت الحجة التي ساقها أساساً محامي الدفاع عن عمر بهاء. وهي أن التهمة التي وجهها أفراد الشرطة كسبب لتمديد الحجز لدى الشرطة – التحريض على الشغب - لا وجود لها في قانون العقوبات الفرنسي. كذلك قال محامي الدفاع أيضاً أن تمديد حجز معتقل لدى الشرطة، علماً أنه مصاب بجروح ويحتاج إلى علاج طبي، لكنه في النهاية لم يحصل على علاج سريع أو شامل، هذا التمديد لا يتوافق مع السلوك الصحيح للشرطي.


ورغم أن المحكمة أسقطت التهم التي وجهها أفراد الشرطة ضد عمر بهاء في العام 2003، فإنه لم يتم بعد عقد جلسة البت في التهم التي وجهها عمر بهاء ضد أفراد الشرطة. ويساور منظمة العفو الدولية القلق بشكل خاص إزاء نظام القضاء "ذي السرعتين" الذي توضحه هذه القضية. كذلك شعرت بالقلق من أن وكيل النيابة لم يتوخ اليقظة الواجبة عندما تغاضى عن وضع عمر بهاء بينما كان في حجز الشرطة.


8.5 إساءة معاملة أبناء منطقة القبائل

في ليلة 31 ديسمبر/كانون الأول 2003 – 1 يناير/كانون الثاني 2004 (سانت – سيلفستر)، كانت مجموعة من أبناء منطقة القبائل (أقلية عرقية) تحتفل بالتئام شمل العائلة في مطعم في باريس يملكه محمد أميار. وعقب حدوث مشادة خارج المطعم، تدخل شرطيان وخرج إليهما صاحب المطعم. وأعقب ذلك جدال زُعم فيه أن الشرطيان أوقعا صاحب المطعم على الأرض وضرباه بهراوة. ثم خرج صديق لمحمد أميار كان يحمل طفله الصغير مع زوجته. واستمر الجدال وكان الطفل من ضمن الذين رُشوا عندها بالغاز المسيل للدموع. واستدعيت تعزيزات ووصل عدد من أفراد الشرطة يصل إلى 30 شرطياً ينتمون إلى ألوية مكافحة الجريمة إلى باب المطعم. وورد أن امرأة وطفلها رُشا مرة أخرى بالغاز. وانتشر الغاز المسيل للدموع داخل غرفة صغيرة كان يقام فيها الاحتفال. واشتكى عدة شهود بعد ذلك من الشعور بالاختناق قبل أن يتمكنوا من إخلاء المطعم. وشوهد أحد الضيوف، وهو مواطن سويدي اسمه غوستا كلايسون، وهو يترنح في مشيته في طريقه إلى البيت عند حوالي الساعة 3,30 صباحاً. وعُثر على جثته في بيت الدرج العائد لبيته في فترة لاحقة من صباح ذلك اليوم. وفي هذه الأثناء، احتُجز محمد أميار وشقيقه زهير لمدة 48 ساعة لدى الشرطة بتهمة توجيه شتائم ومقاومة الاعتقال وأُمر بالمثول أمام المحكمة الإصلاحية الثالثة والعشرين في 2 يناير/كانون الثاني 2002 بصفة فورية (صفة المثول الفوري). وحُكم عليهما بالسجن لمدة شهرين مع وقف التنفيذ.


وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي تقرير خاص، وجه بيـير تروش رئيس اللجنة الوطنية للآداب في الأمن انتقادات لاذعة "للعدوان العنصري المنحرف" الذي اتسمت به عملية اقتحام مطعم أبناء منطقة القبائل. ووفقاً للجنة المذكورة، أوضحت القضية عدة نقاط تتعلق بالإفلات الفعلي للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من العقاب. ووفقاً لتقرير اللجنة لم يحل الضابط المسؤول القضية فوراً على النائب العام، كما هو ملزم قانونياً. ولم تُرسل الشرطة في طلب أية مساعدة طبية إلى أولئك الذين ربما كانوا يعانون من تأثير الغاز المسيل للدموع. ولم تُكشف هوية الشرطي الذي أطلق القنبلة المسيلة للدموع ولم تبذل المفتشية العامة للأجهزة كما يبدو جهداً لمعرفة هوية الشرطي المعني. ولم يربط بيـير تروش بصورة مباشرة بين وفاة غوستا كلايسون واستخدام الغاز المسيل للدموع، لكنه ذكر بأن : "العنف الذي ذهب غوستا ضحيته لا يمكن إلا أن يزيد من خطر الموت الذي تعرض له".33 وقد تلقت منظمة العفو الدولية أنباء تفيد أن فحصاً مستقلاً أظهر أنه ... قُتل بسبب رشه بالغاز المسيل للدموع ... المقاضاة؟؟؟


9.5 سوخويندر سينغ

في إبريل/نيسان 2004 ورد أن طالب لجوء يدعى

u1587?وخويندر سينغ تعرض للضرب الوحشي من جانب شرطي في المقاطعة الثامنة عشرة أو منطقة غروت دور في باريس، في أعقاب جدال. وكانت امرأة تصحب طفلاً شاهداً على ما حدث، وقد ورد أنها طُرحت أرضاً من جانب الشرطة عندما حاولت التدخل ونُقلت إلى المستشفى وهي مصابة بجرح في ركبتها. وبحسب ما ورد خُبط رأس سوخويندر سينغ ثلاث مرات بطرف غطاء محرك سيارة بيجو حمراء انبعج نتيجة لذلك. ثم كُبلت يداه واقتيد إلى مركز الشرطة، حيث ورد أنه وُجهت إليه لكمات على وجهه وأعلى وأسفل بطنه وكبده. ثم أمر بالمغادرة. وحالما خرج انهار على الرصيف وبادر صيدلي إلى استدعاء المسعفين الطبيين الذين نقلوه إلى مستشفى بيشات. وأجريت له فحوص وأُعطي شهادة طبية.


ووفقاً للأنباء، سبق لسوخويندر أن تعرض لسوء المعاملة على يد الشرطي نفسه الذي كان كما زُعم يطلب مالاً من بعض طالبي اللجوء الذين كانوا يعملون كباعة متجولين في الشوارع بدون ترخيص. ولم يتمكنوا دائماً من إعطائه النقود، أو رفضوا أن يفعلوا ذلك. وتقدم سوخويندر سينغ بشكوى حول إساءة معاملته إلى المفتشية العامة للأجهزة في إبريل/نيسان. وفي يناير/كانون الثاني 2005 أبلغت محامية سوخويندر سينغ منظمة العفو الدولية أنها طلبت نسخة من تقرير المفتشية العامة للأجهزة في سبتمبر/أيلول 2004، لكنها لم تتلقاها بعد. واشتكت المحامية لدى النائب العام الذي أمر المفتشية العامة للأجهزة بإعطائها نسخة من التقرير. ومازالت القضية مستمرة.


10.5 إساءة المعاملة خلال محاولات الإبعاد القسري

في تقرير نُشر في مارس/آذار 2003 أشارت الجمعية الوطنية للمساعدة على الحدود إلى "الضغوط النفسية والتخويف والإهانات والوحشية وأفعال العنف" التي يرتكبها أفراد الشرطة ضد الرعايا الأجانب في أماكن الاحتجاز في مطار رواسي – شارك ديغول. وأشارت المنظمة غير الحكومية أطباء العالم في العام 2003 إلى أنها تلقت في العام السابق 15 زعماً حول استخدام العنف مؤيدة بالتقارير الطبية التي تؤكد بأن الجروح تتطابق مع المزاعم. كذلك تلقت المنظمة غير الحكومية 45 زعماً آخر حول استخدام العنف.


ووفقاً لكلا التقريرين، فإن عنف الشرطة – سواء ارتكبته شرطة الحدود أو الفرق السيَّارة لمكافحة الشغب مثل السرايا الجمهورية للأمن – جرى في مختلف الأماكن المهمة : عند النـزول من الطائرة؛ وخلال عمليات التدقيق التي تجريها الشرطة في المطارات عند تقديم طلبات اللجوء؛ وخلال النقل إلى أماكن الاحتجاز أو في مراكز الشرطة. واتخذت إساءة المعاملة شكل ضربات ولكمات وركلات على الساقين أو البطن والضرب على الأذنين أو إحكام شد الأصفاد أكثر من اللازم. وأشارت الجمعية الوطنية للمساعدة على الحدود إلى عدد من الحالات الفردية التي وثّقتها على مدى عدة سنوات. ونشأت إحدى تلك الحالات، التي وُصفت في التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2002، عندما لاحظ موظف رسمي في وزارة الخارجية امرأة مستلقية على أرض منطقة الاحتجاز والدماء تغطي ساقيها. وزعمت المرأة واسمها بلاندين تونديدي مالوزا وهي من جمهورية الكونغو الديمقراطية أن هذه الجروح ناجمة عن ركلها من جانب شرطي سحبها إلى الخلف وجرجرها على الأرض من شعرها عندما قاومت محاولات وضعها على طائرة لإعادتها إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقبلت السلطات الفرنسية فيما بعد طلب اللجوء الذي قدمته.


بيد أن مزاعم سوء المعاملة نادراً ما تُواجه بأية إجراءات. ولاحظ ممثلو المنظمة غير الحكومية الذين زاروا أماكن الاحتجاز افتقار التقارير الطبية إلى الشمولية : "فالشهادة الطبية لمنطقة الاحتجاز 3 هي عبارة عن استمارة مطبوعة سلفاً تُعدد الإصابات، لكنها لا تشير إلى أقوال الضحايا. ولا يتم وضع علامة إلا في المربع المعلم بعبارة "اعتداء". ولا يشار أبداً بالدقة الضرورية إلى تفاصيل الملابسات التي أدت إلى صدور المزاعم. وتضمنت بعض التقارير الطبية مجرد عبارة ’في مطار سي دي جي‘".34


ورغم أن بعض طالبي اللجوء تمكنوا من تقديم شكاوى، لكن غالباً ما يتضح أنها عديمة الفائدة في غياب أية تفاصيل دقيقة حول الشهادات الطبية.

6. الخلاصات

تؤدي قوات الشرطة دوراً مهماً في حماية الناس من الجريمة والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان وتقديم الجناة إلى العدالة. وتدرك منظمة العفو الدولية أن أفراد الشرطة في فرنسا، كما في سواها، يعملون غالباً في أوضاع صعبة ومشوبة بالتوتر ومحفوفة بالخطر ويواجهون أحياناً مجرمين عنيفين.


بيد أن أفراد الشرطة بوصفهم مؤتمنين على تطبيق القانون، عليهم أن يتأكدوا من أنهم يعملون في ظل سيادة القانون. ويتعين على الدول أن تكفل تدريب أفراد الشرطة وتوجيههم وتزويدهم بما يلزم للتمسك بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها تلك التي تُحظر التمييز؛ وتلك التي تقيد استعمال القوة، وبخاصة الأسلحة النارية، بحيث تكون الملجأ الأخير، وتلك التي تحظر ممارسة التعذيب وسوء المعاملة. وعند الاشتباه بارتكاب أفراد الشرطة انتهاكات لحقوق الإنسان، يجب إجراء تحقيقات سريعة وحيادية ومستقلة وشاملة في القضية. وينبغي تقديم المتهمين بارتكاب هذه الانتهاكات إلى العدالة، بينما يجب توفير حماية صارمة لحقوقهم كمشتبه بهم ومتهمين رسمياً، كما تنص على ذلك المعايير الدولية، إلا أنه يجب أن يخضعوا للمساءلة الكاملة عن أية أفعال غير قانونية اقترفوها على أن تتم مساءلتهم بما يتماشى مع خطورة الجرم. وينبغي على النيابة العامة والقضاء أن يعاملا أفراد الشرطة المتهمين بارتكاب انتهاك القانون كما يعاملان أي شخص آخر متهم بانتهاك القانون. ولا يجوز أن تكون هناك "عدالة بسرعتين". ويساور منظمة العفو الدولية القلق من عدم حصول ذلك في فرنسا.


وقد حاول هذا التقرير إظهار بعض العوامل المختلفة التي تتضافر لخلق ظاهرة الإفلات الفعلي من العقاب في حالات وحشية الشرطة في فرنسا. وكون فرنسا ليست بأي حال من الأحوال الوحيدة في هذا المجال لا يقلل من الطبيعة الملحة لإعادة ال ?ظر في الأساليب التي تتم فيها معاملة الشكاوى المقدمة ضد الشرطة ولتغيير الموقف المتساهل عموماً للمحاكم وأعضاء النيابة العامة إزاء انتهاكات الشرطة في وقت يشهد فيه عدد شكاوى الاستخدام المفرط وغير الضروري للقوة ولسوء المعاملة ارتفاعاً واضحاً.


ويزداد قلق منظمة العفو الدولية بكون الأغلبية الساحقة من هذه الحالات تتعلق برعايا أجانب أو مواطنين فرنسيين من أصل أجنبي – وهي حقيقة تشير إلى التقاعس المستمر في التدريب والتعليم المتعلقين بالتمييز العنصري، وبمفهوم حقوق الإنسان، بما في ذلك "القيم الجمهورية" التقليدية الفرنسية، مما يعني تطبيق هذه الحقوق والقيم بالتساوي على الجميع بصرف النظر على الأصل العرقي أو القومي.


وقد وثَّق التقرير نمطاً يمكن فيه لعناصر ظاهرة الإفلات من العقاب أن تشوب الحالة منذ بداية الاعتقال، ويجوز أن تتجلى بشكل متواصل بمختلف الطرق طوال العملية. وتظهر بعض الحالات المبينة كيف أن التدقيق الاستفزازي في الهوية والذي يعكس السلوك غير المهني من جانب الشرطة، يمكن أن يتحول إلى أعمال عنف ويؤدي إلى توجيه تهم بإساءة المعاملة من جانب وتهم مقابلة بإهانة موظف رسمي أو مقاومته من ناحية أخرى. وقد تتواصل العملية مصحوبة بتقاعس عن التقيد بلوائح الحجز لدى الشرطة مثل إهمال الرعاية الطبية؛ والتقاعس عن السماح بالاتصال بالأقرباء أو الأصدقاء المقربين أو أرباب العمل؛ والإغفال أو انعدام الدقة في محاضر الحجز؛ ومشاكل التعرف على هوية أفراد الشرطة المعنيين والتضامن بين أفراد الشرطة في رفض كشف هوية أفراد الشرطة المذنبين أو التعامل مع الشكاوى المقدمة ضد الزملاء وما إلى ذلك. وقد تقترن مع تقاعس المؤسسات الرسمية عن السماح للمعتقلين بالاستعانة بمستشار قانوني منذ بداية حجز الشرطة في عدد متزايد من الحالات أو عن تسجيل استجواب الشرطة للراشدين بالصوت والصورة.


وقد أشار هذا التقرير إلى أنه إضافة إلى هذه المشاكل هناك مشاكل مثل البحث عن وسائل فعالة أخرى لتقديم شكاوى. ويتفاقم تقاعس الشرطة عن إجراء تحقيقات داخلية سريعة وحيادية ومستقلة وشاملة في ممارسة سوء السلوك أو الانتهاكات من جانب الشرطة، جراء منع الضحايا من تقديم شكاوى أو عرقلة تقديمها. وهناك عمليات تأخير وافتقار إلى الشمولية في الإجراءات القضائية. ويتمتع أعضاء النيابة العامة بصلاحيات استنسابية مفرطة، وهناك افتقار إلى الشفافية في توضيح القرارات المتخذة بإقفال ملفات القضايا، أو في إطلاع العائلات أو الأصدقاء المقربين تلقائياً وتباعاً بالنسبة للتحقيقات التي تجري في حالات وفاة اختلفت بشأنها الآراء، كما تقتضي المعايير الدولية. ويمكن أن نضيف إلى هذه المشاكل التحيز في الحالات التي يتصرف فيها أعضاء النيابة فعلياً كممثلين للدفاع في الحالات الخطيرة لانتهاكات الشرطة؛ والاستخدام الخلافي، الذي يصل إلى حد الاستغلال، للحجة الدفاعية المتمثلة "بالدفاع عن النفس" أو "دفاع الضرورة". وعلاوة على ذلك، تتم في مرات عديد تبرئة ساحة أفراد الشرطة أو تصدر عليهم أحكام رمزية في حالات إساءة استخدام الأسلحة أو في الحالات الخطيرة لسوء المعاملة. وتظل المحاكم تشعر بالقلق الشديد إزاء مضاعفات إصدار عقوبات اتعاظية ضد أفراد الشرطة، ويعود ذلك بدون شك في جزء منه على الأقل إلى الخوف من احتجاجات نقابات الشرطة.


ويجب أن تُضاف إلى هذه القضايا بواعث القلق إزاء طريقة استخدام أساليب التقييد خلال عمليات الاعتقال الصعبة أو الإبعاد القسري، بما فيها وسائل التقييد التي يمكن أن تؤدي إلى اختناق وضعي.


شبان يلوشبان يلوحون بلافتات ويقومون بمسيرة صامتة احتجاجاً على مقتل عبد القادر بوزين، 16 عاماً، على يد الشرطة في ملون، فرنسا، ديسمبر/كانون الأول 1997.


7. التوصيات

توصي منظمة العفو الدولية :

أ) بشأن الحق في الحياة

بأنه ينبغي على الحكومة الفرنسية :

1. أن تكفل بألا ينحاز تفسير السلطات لمبدأي "الدفاع المشروع" و"حالة الضرورة" بشأن استخدام القوة لمصلحة الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين وبما يتماشى مع القانون والمعايير الدولية؛

2. أن تلغي أو تعدل المرسوم الصادر في مايو/أيار 1903 وتعديلاته بموجب مرسوم وقانون العام 1943 حول استخدام الأسلحة النارية من جانب الدرك الوطني وفقاً للمعايير الدولية بشأن استخدام الأسلحة النارية من أجل جعله منسجماً مع الصلاحيات الممنوحة للشرطة.


ب) بشأن الحظر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة

ينبغي على وزارة العدل أن :

3. تدرج تعريفاً كاملاً للتعذيب في قانون العقوبات يتماشى مع التعريف الكامل للتعذيب المحدد في اتفاقية مناهضة التعذيب؛

4. تضع ضمانات ضد انتهاكات حقوق الإنسان في حجز الشرطة، بما في ذلك:

أ. ضمان السماح لجميع المعتقلين بمقابلة محامين منذ بداية حجزهم لدى الشرطة؛

ب. استخدام أجهزة تسجيل تلفزيونية لعمليات استجواب الشرطة للأشخاص الراشدين في جميع مراكز الشرطة وفي الأروقة وغيرها من الأماكن؛

ج. ضمان تنفيذ حق المعتقلين في إجراء فحص طبي لهم على يد طبيب من اختيارهم؛

د. ضمان تنفيذ حق المعتقلين في المقابلة السريعة للأقرباء من دون أي تأخير؛


وينبغي على وزارتي الداخلية والدفاع أن :

5. تصدرا تعليمات إلى كبار ضباط الشرطة والدرك بإرسال رسالة واضحة إلى مرؤوسيهم بأن التعذيب وسوء المعاملة أو أي ضرب آخر من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية ضد الأشخاص المحرومين من حريتهم أو التهديد بممارسة هذه المعاملة، ممنوع منعاً باتاً وغير مقبول إطلاقاً وسيعرض من يمارسه إلى عقوبات جنائية وتأديبية قاسية؛


6. تصدرا تعليمات إلى كبار ضباط الشرطة والدرك لكي يصدروا �576?دورهم تعميمات داخلية بصورة منتظمة ودورية لإبلاغ مرؤوسيهم بأن التقصير في احترام المعايير التي تنظم الحجز لدى الشرطة سيستتبع عقوبات تأديبية وربما جنائية.


ج. بشأن العنصرية

ينبغي على الحكومة الفرنسية:

7. التوقيع والتصديق على البروتوكول رقم 12 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي يتضمن حظراً عاماً على التمييز، بما فيه التمييز من جانب أية سلطة عامة؛

8. التوقيع والتصديق على اتفاقية الإطار الخاصة بحماية الأقليات الوطنية؛


وينبغي على وزارتي العدل والداخلية :

9. إنفاذ التشريعات الحالية التي تحظر الانتهاكات العنصرية ومراقبة تنفيذها؛


وينبغي على أعضاء النيابة والمحاكم :

10. ضمان التطبيق الصحيح للنصوص الخاصة بالدافع العنصري كظرف مشدد في جرائم محددة؛


وينبغي على وزارتي الداخلية والدفاع :

11. مراجعة الإجراءات والإرشادات وتنفيذها فيما يتعلق بعمليات التدقيق في الهوية للتأكد من أنها لا تجري بطريقة قائمة على التمييز.


د. بشأن الشكاوى

ينبغي على الحكومة الفرنسية :

12. ضمان تزويد اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة بموارد كافية وبقدرة مؤسسية على تلقي الشكاوى التي يقدمها أي فرد مباشرة وتسجيلها والتحقيق فيها؛


13. ضمان تمتع اللجنة الوطنية للآداب في الشرطة بالصلاحيات الضرورية للتحقيق في الشكاوى، إذا لم يقتنع مقدم الشكوى بنتيجة التحقيقات؛


وينبغي على وزارتي الداخلية والدفاع :

14. وضع آليات فعالة تكفل بألا يتم بأي شكل منع مقدمي شكاوى انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون، من تقديم شكوى في مركز للشرطة؛


15. ضمان عرض التعليمات حول إجراءات وتقديم الشكاوى، في مجموعة متنوعة من اللغات، بشكل بارز في جميع مراكز الشرطة والدرك؛


وينبغي على وزارة العدل :

16. إصدار وتنفيذ تدابير فعالة لضمان حماية الأشخاص الذين يقدمون شكاوى انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون من أي تخويف. ويجب أن تتضمن هذه التدابير التدقيق المتأني من جانب النيابة العامة في التهم التي توجهها الشرطة حول مقاومة المعتقلين لسلطة الدولة (مثلاً تهم إهانة موظف رسمي أو مقاومته)، وبخاصة تلك التي لا تقدم إلا بعد تقديم شكاوى حول سوء المعاملة؛


17. عند تقديم شكويين متزامنتين من جانب المعتقل الذي يزعم أن أفراد الشرطة ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان، ومن جانب أفراد الشرطة الذين يزعمون مقاومته لسلطة الدولة، التأكد من أن أياً من الشكويين لا يُستخدم لتقويض التحقيق في الأخرى.


هـ) بشأن التحقيق في مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين


ينبغي على الحكومة الفرنسية :

18. إنشاء هيئة مستقلة تتمتع بموارد كاملة للتحقيق في جميع مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، بما فيها الوفيات في الحجز وعمليات القتل (ومن ضمنها إطلاق النار المميت) والتعذيب وسوء المعاملة والعنصرية وغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، على أن تتمتع بسلطة إصدار أمر باتخاذ إجراءات تأديبية ضد الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين وبسلطة إحالة القضية مباشرة إلى وكيل النيابة للنظر في ما إذا كان سيتخذ إجراءات جنائية. ويجب أن تحل هذه الهيئة في النهاية محل وظائف التحقيق التي تقوم بها المفتشية العامة للشرطة الوطنية أو المفتشية العامة للأجهزة أو مفتشية الدرك الوطني في حالات الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان؛


19. التوقيع والتصديق على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب ووضع آلية محلية فعالة للقيام بجولة تفتيشية على جميع الأماكن التي يحرم فيها أشخاص من حريتهم في فرنسا؛


وينبغي على وزارتي العدل والداخلية :

20. ضمان إجراء تحقيقات سريعة وشاملة ومستقلة وحيادية في جميع مزاعم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، بما فيها الوفيات في الحجز وعمليات القتل (بما فيها عمليات القتل المميتة) والتعذيب وسوء المعاملة والعنصرية وغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، أو المهينة، وفقاً للمعايير الدولية؛


21. المباشرة فوراً بإجراءات جنائية وتأديبية ضد أي شرطي، بصرف النظر عن رتبته، يُشتبه بصورة معقولة بأنه ارتكب انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان؛


وينبغي على نقابات الشرطة أن :

22. تشجع أعضاء نقابات الشرطة على التعاون التام مع كل من التحقيقات المستقلة والداخلية التي تُجرى في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان؛


وينبغي على وزارتي الداخلية والدفاع أن :

23. توقفا عن الخدمة الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الذين يخضعون للتحقيق بتهمة ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان بانتظار نتيجة الإجراءات التأديبية والقضائية المتخذة ضدهم.


و) بشأن المقاضاة على مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين


ينبغي على وزارة العدل والنائب العام :

24. إلغاء نظام "مدى ملائمة المقاضاة" لضمان مقاضاة المتهمين بارتكاب الانتهاكات الخطيرة المزعومة لحقوق الإنسان بصورة منهجية في جميع الحالات التي توجد فيها أسباب  ?عقولة للاعتقاد بأنه تم ارتكاب عمل غير قانوني؛


25. ضمان قيام النيابة العامة نفسها بإجراء مقابلة مع الضحية والجناة المتهمين وأي شهود آخرين، وبحسب مقتضى الحال، دراسة كافة الأدلة الأخرى ذات الصلة؛


26. ضمان اتخاذ النيابة العامة خطوات لتقصير فترة التحقيقات الجنائية في مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والتي يطول أمدها بصورة غير معقولة؛


27. ضمان عدم أداء أعضاء النيابة العامة لدور "مستشار الدفاع" عن أفراد الشرطة المتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال المرافعات أمام المحكمة؛


28. ضمان حصول الضحايا أو أقربائهم بالكامل على المعلومات التي يحتاجونها لرفع دعوى قضائية وإطلاعهم أولاً بأول على سير التحقيقات، سواء انضموا للإجراءات كطرف مدني أم لا؛


29. ضمان الإعلان عن نتيجة جميع الإجراءات الجنائية والتأديبية والإدارية المتخذة بشأن مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان، أمام الملأ ودون إبطاء عقب إنهاء التحقيق. وحيث يتقرر عدم متابعة الدعوى، ينبغي على وكيل النيابة أن يحيط مقدم الشكوى علماً بصورة مباشرة ويعطي أسباباً واضحة وتفصيلية للقرار، حتى يتسنى لمقدم الشكوى أن يتابع القضية إذا رغب في ذلك؛


30. ضمان مقاضاة جميع الأشخاص الذين يشتبه بصورة معقولة بأنهم ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في إجراءات تستوفي المعايير الدولية للعدالة.


ز) بشأن إصدار أحكام على الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الذين يرتكبون انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان


ينبغي على وزارة العدل والنائب العام :

31. ضمان توافق الأحكام مع خطورة الجريمة.


ح) بشأن التعويض

ينبغي على الحكومة الفرنسية أن :

32. تكفل حصول ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أو عائلاتهم على حقوقهم و/أو تعويض عادل وكاف، وحيث يقتضي، على وسيلة للتأهيل الكامل قدر المستطاع.


ط) بشأن الإحصائيات حول الشكاوى المتعلقة بسوء سلوك الشرطة


ينبغي على الحكومة الفرنسية :

33. جمع ونشر إحصائيات منتظمة ومتسقة وشاملة حول الشكاوى المتعلقة بسوء السلوك الذي يمارسه أفراد الدرك والشرطة، بما فيه سوء المعاملة. ويجب أن تتضمن هذه الأرقام : معلومات حول عدد شكاوى سوء المعاملة المقدمة ضد أفراد الشرطة خلال فترة زمنية محددة، والخطوات المتخذة للرد على كل شكوى ونتيجة أية تحقيقات جنائية وتأديبية أُجريت في سوء المعاملة المزعومة على يد الشرطة، وإحصائيات حول مزاعم الانتهاكات العنصرية، وإحصائيات حول الأصل القومي والعرقي لمقدمي الشكاوى.


ي) بشأن التدريب وتعليم حقوق الإنسان

ينبغي على وزارتي الداخلية والدفاع التأكد من أن :

34. تعليم حقوق الإنسان يشكل جزءاً لا يتجزأ من التدريب الأساسي والمنتظم لجميع الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون. وبما أن تدريب أفراد الشرطة، وبخاصة ذوو الرتب المتوسطة، يُنظَّم داخلياً ضمن الشرطة، فيجب إشراك خبراء ومدربين مختصين في حقوق الإنسان من خارج الشرطة لأغراض تدريب أفراد الشرطة في مجال حقوق الإنسان. كذلك يجب إشراك ممثلي المؤسسات الاجتماعية والخيرية في التدريب، بينما ينبغي قيام تعامل مباشر بين أفراد الشرطة وممثلي الأقليات، فضلاً عن اللاجئين وطالبي اللجوء ومنظمات حقوق الإنسان خلال التدريب؛


35. يشكل التدريب على معايير حقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من جميع مجالات التدريب على إنفاذ القانون، مثلاً عمليات الشرطة والسياسة والعلم الجنائي والقانون؛


36. كذلك يشدد التدريب القانوني للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون على أهمية المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والواجبات التي تُرتبها على فرنسا، بما فيها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وقانون القضايا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛


37. إن التدريب على التطبيق العملي للمعايير الدولية مثل مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين والمبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، فضلاً عن مدونة قواعد سلوك الشرطة، وبخاصة خلال عمليات التوقيف الصعبة، يشكل جزءاً أساسياً من تدريب جميع الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، بدءاً من التجنيد فصاعداً؛


38. يشمل تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين التدريب على المعايير القانونية الوطنية والدولية الخاصة بالاستخدام القانوني والمتناسب للقوة؛


39. إجراء مراجعة لدورات التدريب من أجل رفع مستوى الكفاءة المهنية لأفراد الشرطة في استخدام الأسلحة النارية، والأسلحة الأخرى "غير المميتة"؛


40. يتم تدريب جميع أفراد الشرطة على أساليب التقييد المعمول بها مع التشديد على الخطر الذي تشكله بعض تلك الأساليب على الحياة بطبيعتها؛


إدراج إجراءات وآليات للشكوى خاصة بأفراد الشرطة لكي يلفتوا نظر رؤسائهم إلى السلوك المنافي للمعايير المقبولة للحفاظ على الأمن، كمواضيع محورية في تدريب الشرطة. ولا يجوز أن تؤدي الشكاوى التي يتقدم بها أفراد الشرطة ضد زملائهم الذين ينتهكون القوانين الوطنية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان إلى توقيع عقوبات أو

هوامش :

1. في العام 1994 أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً بعنوان، فرنسا عمليات إطلاق النار والقتل وسوء المعاملة المزعومة من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (رقم الوثيقة : EUR 21/02/94) تناول مختلف عمليات إطلاق النار والقتل وحالات إساءة المعاملة أو إساءة المعاملة المزعومة للمعتقلين على أيدي الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. وتبعته في العام 1998 مذكرة قُدِّمت إلى لجنة مناهضة التعذيب، نُشرت فيما بعد. وخلصت هذه المذكرة التي حملت عنوان، فرنسا : القوة المفرطة : ملخص لبواعث قلق منظمة العفو الدولية إزاء عمليات إطلاق النار وسوء المعاملة (رقم الوثيقة : EUR 21/05/98)، إلى أن بواعث القلق ظلت أساساً على ما كانت عليه في العام 1994. ومنذ ذلك الحين استمرت منظمة العفو الدولية في التحقيق في هذه القضايا وإصدار تقارير حولها والقيام بحملات بشأنها.

2. لوموند "فرنسا الحماقات"، 18 إبريل/نيسان 2000.

3. لا تتوافر معطيات إحصائية وطنية مركزية حول عدد الشكاوى المقدمة، مع تقسيم لعدد الشكاوى التي قدمها أشخاص ليسوا من أصل فرنسي أو ينتمون إلى أقليات عرقية.

4. انظر مثلاً، قضية أحمد سلموني، تحت الفقرة 5-2.

5. قاضي الإشراف على الاعتقال الذي أُنشئ منصبه بموجب القانون رقم 2000-516 الصادر في 15 يونيو/حزيران 2000 تولى المسؤوليات التقليدية لقاضي التحقيق في إصدار قرارات حول الاعتقال الاحتياطي، وتمديد الاعتقال الإداري وتمديد الحجز لدى الشرطة في مجالات معينة مثل الاتجار بالمخدرات.

6. قضية سليماني ضد فرنسا (الطلب رقم 57671/100)، الحكم الصادر في 27 يوليو/تموز 2004 (انظر تحت الفقرة 4 من هذا التقرير).

7. استشهد بها في صحيفة لوموند، 9 سبتمبر/أيلول 2004.

8. الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان : فرنسا، UNDoc.CCPR/C/79/Add.80(التي يشار إليها فيما يلي بالملاحظات الختامية (ل.ح.إ)، 4 أغسطس/آب 1997، الفقرة 16.

9. قانون 2000-464 الصادر في يونيو/حزيران 2000.

10. تجدر الملاحظة بأنه في تقريرها الثالث حول فرنسا، الصادر في فبراير/شباط 2005، فإن اللجنة الأوروبية المناهضة للعنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا "شجعت" بشدة على "توسيع صلاحيات اللجنة الوطنية لأخلاق الأمن العام وتسهيل اتصال الجمهور بأفرادها. وتدعو هذه السلطة إلى إيلاء اهتمام شديد بأية عناصر للعنصرية أو التمييز العنصري يمكن أن ترد في بعض الحالات التي تُقدَّم إليها."

11. المبدأ الرابع من المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (المبادئ الأساسية للأمم المتحدة) التي اعتمدها المؤتمر الثامن للأمم المتحدة حول منع الجريمة ومعاملة المذنبين المنعقد في هافانا بكوبا، بين 27 أغسطس/آب و7 سبتمبر/أيلول 1990.

12. مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين التي اعتُمدت في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/169 الصادر في 17 ديسمبر/كانون الأول، المادة 3، التعليق.

13. أوصى بها قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1989/165 الصادر في 24 مايو/أيار 1989.

14. كان أفراد الشرطة أعضاء في المديرية المركزية لمراقبة الهجرة ومكافحة العمالة السرية. وقد شُكلت في مناخ التوتر المتزايد في فرنسا فيما يتعلق "بالإرهاب" والهجرة غير القانونية.

15. انظر مثلاً الحكمين الصادرين عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية دلكورت ضد بلجيكا، السلسلة أ، رقم 11 (1970)، وقضية براندزتتر ضد النمسا، السلسلة أ، رقم 211 (1991).

16. انضم جمال بوشارب إلى الإجراءات القضائية كطرف مدني وقدم شكوى ضد الشرطة بتهمة محاولة قتله وارتكاب أعمال عنف غير قانونية. ووفقاً للتقرير الطبي المؤرخ في 6 يناير/كانون الثاني 1998، أُدخل إلى المستشفى، حيث مكث فيه من 18 إلى 22 ديسمبر/كانون الأول 1997 لإجراء سلسلة من الفحوص. وأعطيت له شهادة تعفيه من العمل لمدة خمسة أيام بسبب الجروح التي أُصيب بها. وفُتحت إجراءات قضائية، لكن أُعلن بأنها غير مقبولة. وقُدَّم استئناف لدى هيئة الاتهام في محكمة استئناف باريس. بيد أن القضية اعتُبرت غير مقبولة على أساس أن القوة التي استخدمها الشرطي لم تكن مفرطة.

17. "Pourtant, dès cet instant, le Brigadier H. B. …- l’arme toujours à la main a commis une étonnante succession d’imprudences, de maladresses et de fautes professionnelles."

18. مارتين أوبري، نُقل عنه قوله في صحيفة لوموند، 10 يوليو/تموز 2002.

19. … comme la Cour l’a précédemment souligné, dans tous les cas où un détenu décède dans des conditions suspectes, l’article 2 met à la charge des autorités l’obligation de conduire d’office, dès que l’affaire est portée à leur attention, une "enquête officielle et effective" de nature à permettre d’établir les causes de la mort et d’identifier les éventuels responsables de celle-ci et d’aboutir à leur punition: les autorités ne sauraient laisser aux proches du défunt l’initiative de déposer une plainte formelle ou d’assumer la responsabilité d’une procédure d’enquête. Or à cela il faut ajouter qu’une telle enquête ne saurait être qualifiée d’"effective" que si, notamment, les proches de la victime sont impliqués dans la procedure de manière propre à permettre la sauvegarde de leurs intérêts légitimes … Selon la Cour, exiger que les proches du défunt déposent une plainte avec constitution de partie civile pour pouvoir être impliqués dans la procédure d’enquête contredirait ces principes. Elle estime que, dès lors qu’elles ont connaissance d’un décès intervenu dans des conditions suspectes, les autorités doivent, d’office, mener une enquête à laquelle les proches du défunt doivent, d’office également, être associés. Case ofSlimani c. France،قضية سليماني ضد فرنسا (الطلب رقم 57671/00، الحكم الصادر في 27 يوليو/تموز 2004، الفقرة47. لا يتوفر إلا بالفرنسية).

20. أثارت وفاة عيسى الاضطرابات التي وقعت في مانت – لا – جولي (إيفلين) وأُردي فيها يوسف خايف بالرصاص في قفا العنق على يد شرطي ليلة 8-9 يونيو/حزيران 1991. وفي 28 سبتمبر/أيلول 2001 – بعد 10 سنوات على مقتله – برأت المحكمة الجنائية الابتدائية في إيفلين الشرطي المسؤول. وزعم خبير نفساني أن الحالة العاطفية التي كان فيها الشرطي لا يمكن فصلها عن حادثة سابقة لا صلة لها بيوسف خايف والتي صدمت فيها سيارة مسروقة رجل شرطة وأصابته بجروح مميتة، وأن الشرطي الذي أردى يوسف خايف كان في "حالة استنفار" عندما فعل ذلك. وطلب وكيل النيابة إصدار حكم بالسجن مع وقف التنفيذ (وحُكم على سائق السيارة التي قتلت رجل الشرطة بالسجن لمدة 10 سنوات.)

21. "... فتوافق مع حالة ناجمة عن صدمة مباشرة أو ضغط على الجذع".

22. اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة، التقرير العام الثالث عشر حول أنشطتها التي تغطي الفترة بين 1 يناير/كانون الثاني 2002 و31 يوليو/تموز 2003، ستراسبورغ، 10 سبتمبر/أيلول 2003، http://www.cpt.coe/int/en/annual/rep-13.htm.

23. انظر المصدر آنف الذكر، الفقرات 33 و34 و36 و39 على التوالي.

24. بموجب قانون العقوبات الفرنسي الصادر في 1 مارس/آذار 1994 أصبحت أفعال التعذيب جرائم منفصلة عوضاً عن ظروف مشددة. ووفقاً للمادة 222-1 "يُعاقب على فعل تعريض شخص للتعذيب أو الأفعال البربرية بالسجن لمدة 15 عاماً". وبموجب 5?لمادة 222- 7.3، يمكن معاقبة موظف رسمي، مثلاً شرطي، يرتكب هذه الأفعال بالسجن مدة تصل إلى 20 عاماً.

25. النظر في التقرير الدوري الثالث للحكومة الفرنسية حول تنفيذها للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

26. سلموني ضد فرنسا، الحكم الصادر في 28 يوليو/تموز 1999، التقارير 1999-في. تنص على هذه الحقوق المادتان 3 و1.6 على التوالي من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

27. "Les policiers se sont livrés à des violences organisées et particulièrement graves … Ces faits … sont de ceux qui heurtent profondément l’ordre public et contreviennent aux princiles constitutifs d’un Etat de droit … Face aux déclarations des victimes, les fonctionnaires de police n’ont opposé que silence et dénégations sans donner la moindre explication de leurs agissements."

28. تم الامتناع عن عدم ذكر الاسم الكامل في هذه القضية.

29. "Je suis déséquilibré; il sort sa matraque et me frappe à la tête, puis se rue sur moi, me tape au visage, cette-fois-ci avec sa jambe. Je suis terrifié, je sens presque le sol vibrer entre ma tête et mon épaule. Je crie au secours. Je me traîne plus loin. Une dizaine de policiers se ruent sur moi. C’est un déluge de coups de poing, de pied, de matraque et d’insultes, ‘sale Arabe’, ‘fils de pute’ (استشهدت به صحيفة ليبراسيون، 9-10 مارس/آذار 2002. وقد حصل مندوبو منظمة العفو الدولية الذين زاروا فرنسا على المعلومات ذاتها).

30. "On croirait une scène tournée aux Etats-Unis. L’atmosphère est terrible". (ليبراسيون، 30 مارس/آذار 2000).

31. "les violences pouvaient consister en des coups ou des voies de fait, en tout geste ou attitude de nature à impressionner une personne raisonnable".(الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية الكبرى في إفري، الشعبة السابعة ج، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2000).

32. أعلن نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية في حينه، في خطاب ألقاه أمام مديري الشرطة الوطنية في 26 يونيو/حزيران 2002 أنه بينما يعد بمنح الشرطة مزيداً من الصلاحيات ودعماً أكبر في مكافحة الجريمة، إلا أنه لن يتسامح إزاء أي إخلال باللوائح الجمهورية أو أي تساهل إزاء وحشية الشرطة.

33. "… la violence dont il a été victime n’a pu qu’aggraver le risque mortel auquel il était exposé"(استشهدت به صحيفة لوموند في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2004).

34. "Le certificat médical de la ZAPI 3 est un formulaire pré-imprimé, énumérant les blessures mais ne rapportant pas les propos des victimes. Seule la case ‘agression’ est cochée. Les circonstances dans lesquelles ces allégations sont intervenues ne sont donc jamais détaillées avec la précision qui s’impose. Sur certain certificats médicaux, il est juste précisé ‘à l’aéroport CDG’."

Page 31 of 31

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE