Document - Lebanon/Israel mission final updates - 4
تحديثات أخيرة – 4 من بعثتي لبنان/إسرائيل
تحديث 4 من بعثة لبنان
الاثنين 7أغسطس/آب
أمضينا اللية في صيدا، وهي مدينة تضم ما يربو على 100,000نسمة، بينما زاد عدد سكانها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية بمعدل النصف، حيث تستضيف حالياً نحو 50,000شخص ممن هُجروا قسرياً من ديارهم نتيجة لعمليات القصف الإسرائيلية المستمرة في مختلف أرجاء الجنوب اللبناني.
وفي واقع الحال، تتواصل عمليات القصف هذه، حيث تتعرض الجسور والطرق والأسواق التجارية ومحطات الوقود والمنازل بصورة روتينية لقصف الطائرات الحربية الإسرائيلية. وفي حوالي الثامنة صباحاً، كنا نستعد للقائنا الأول عندما سمعنا الأصوات المدوية لعدة انفجارات – علماً بأن المكان يخلو من صفارات الإنذار أو الملاجئ. فقد قصفت المقاتلات النفاثة الإسرائيلية للتو ثلاثة مبان في الغازية، وهي قرية على أطراف صيدا، ما أدى إلى دفن عدة نساء وأطفال تحت ركام بيوتهم.
وبعد الظهر، قمنا بزيارة أماكن القصف في وسط الغازية داخل مناطق تعج بالمباني السكنية. وشاهدنا ما لا يقل عن ثلاثة مبان يتكون كل منها من ثلاثة طوابق وقد دمرت تماماً، بينما أصيبت المباني المجاورة لها بأضرار بالغة.
وفي الموقع الأول زرنا جمهرة من عدة عشرات من الأشخاص كانوا يحاولون المساعدة على رفع الأنقاض وتقديم المساعدة لأجهزة الطوارئ. وكانت بعض معدات رفع الأنقاض الثقيلة تزيح قطعاً كبيرة من الإسمنت المسلح الذي تساقط، بيما استخدمت آليات خاصة بقطع الأنابيب لإزاحة الأنقاض.
وفي نهاية يوم عمل كامل، بدا أن عمال الإنقاذ مقتنعين بأن شخصاً واحداً على الأقل ربما يكون حياً تحت الإسمنت المسلح المتساقط، فراحوا يطلقون الصرخة تلو الصرخة بين الأنقاض آملين في أن يسمعوا ما يشير إلى وجود أشخاص أحياء تحت الردم. وأُحضرت سيارة إسعاف إلى الموقع، بينما راح عاملون طبيون تابعون للصليب الأحمر اللبناني ينتظرون مرتدين سترات الصليب الأحمر اللبناني البرتقالية ومنتظرين أن يكون هناك ناجون يمكن مساعدتهم. وأثناء ذلك كان عدة مصورين وفرق تصوير تلفزيونية يتقافزرون من مكان إلى آخر بحثاً عن أفضل زاوية للتصوير، وعلى ما يبدو، كانوا يأملون في أن يشهدوا شخصاً ما يخرج حياً من بين أنقاض الإسمنت التي يتصاعد منها الدخان.
وحتى مع استخدام الآليات الثقيلة، كانت العملية بطيئة. وكانوا قد بدأوا بعد وقت قصير من هجمات الصباح، وبحلول الرابعة مساء، بدا أنه ما زال أمامهم عمل كثير يقومون بها لرفع ما تبقى من الأنقاض.
وعلى مسافة ليست بالبعيدة عن المكان، رأينا نصف دزينة من السيارات المسحوقة والمحروقة تحت ضربات قنابل أخرى. كما سُويَّت مبان تتألف من عدة طوابق بالأرض، بينما فقدت العائلات في المباني المجاورة الجدران الخارجية لغرفالمعيشة في منازلهم.
كان هذا الموقع أكبر من الأول. وانشغلت آليتان بإزاحة التراب وجرافة بإزاحة قطع إسمنتية كبيرة وقضبان معدنية ملتوية، بينما راح عشرات الرجال يزيحون التراب بأيديهم.
وأبلغنا الحضور بأن البيت الذي يحاولون إزاحة الأنقاض عن أساساته كان لمُزينة شعر كانت تعيش فيه مع والديها وأطفالها الصغار. وانشغل عشرات الأشخاص هنا أيضاً بالمساعدة على إزاحة التراب، ولكن بإلحاح أقل من الموقع الأول. فجثتا الامرأتين وجثث الأطفال كانت قد سحبت من تحت الركام، ولم يبد أن هناك من يؤمل في إنقاذه. فغابت آلات التصوير عن المكان.
في نهاية الأمر، ظهرت بطانية زرقاء من تحت الأنقاض فخيم الصمت على المحتشدين. واقترب رجل كبير السن من مكان البطانية ورفع أحد أطرافها، فظهرت قدم امرأة. وأزيحت قطع أخرى من الركام إلى أن أصبح بالإمكان انتشالها. بدا وجهها فتياً. فجرى لف جسدها بترفق بملاءة ووضع على نقالة.
وتواصل الحفر بحثاً عن أجساد الأطفال الآخرين الذين كانوا على ما يبدو يرقدون إلى جانبها عندما شنت الطائرات الإسرائيلية غارتها. ووفقاً لما ذكر، فإن ما لا يقل عن خمسة أشخاص آخرين كانوا قد قتلوا في الغارة.
عندما عدنا إلى بيروت في وقت مبكر من المساء، دوَّت أصوات عدة انفجارات أخرى عندما قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف الضاحية الجنوبية مجدداً بعد أن تعرضت للقصف على نحو متكرر منذ اليوم الأول لاندلاع النـزاع قبل 26يوماً. وفي هذا الجزء من العاصمة، كان مشهد الدمار الذي خلفته الغارات الجوية الإسرائيلية لا يوصف: فعشرات المباني المكونة من 10طوابق أو أكثر قد سوي8? بالأرض، بينما أصيبت عشرات المباني الأخرى بأضرار لا يمكن إصلاحها. وفي هذه المنطقة من العاصمة وحدها، غدا عشرات الآلاف من الأشخاص بلا مأوى.
وعندما أدرنا مفتاح جهاز التلفزيون لمشاهدة أخبار المساء، لم نستطع العثور على أي تقارير عن هذه الهجمات في النشرات الإخبارية للقنوات التلفزيونية الدولية الرئيسية. وخطر لنا كيف أنه كثيراً ما كان يوجه إلينا السؤال بشأن الأسباب الكامنة وراء ما يبديه المجتمع الدولي من عدم اكتراث لقيمة حياة المدنيين اللبنانيين.
الثلاثاء 8أغسطس/آب
زرنا اليوم ضاحية الشياح في جنوب بيروت، التي كانت هدفاً لعدة غارات جوية إسرائيلية في المساء الذي سبق. وكانت هذه هي أول مرة يقصف فيها الجيش الإسرائيلي الضاحية، بعد أن ساد اعتقاد لدى قاطنيها بأنها منطقة آمنة.
كان الأهالي منشغلين بشؤونهم المسائية المعتادة عندما سقطت القنابل. كان الأطفال يلعبون في الشوارع، وكان الناس يتسوقون، أو عائدين إلى بيوتهم من العمل، وما إلى ذلك. لم يكن يعرف عن الضاحية أنها من معاقل حزب الله الرئيسية، واعتقد قاطنوها أنها مستثناة من قائمة الأهداف الإسرائيلية المعينة للقصف. وضربت قنبلتان أطلقتهما المقاتلات النفاثة الإسرائيلية في حوالي السادسة مساء مبنى من ستة طوابق شققية،وفي طابقه الأول مقهى للإنترنت.
ذكر أحد الشبان أن بعض العائلات التي في المبنى كانت قد قدِمت من أحياء أخرى تعرضت للقصف، معتقدة أن المنطقة كانت آمنة. وكانت الطائرات الإسرائيلية قد أسقطت مناشير في الأسبوع الماضي فوق بيروت تبلغهم فيها أن ثمة أربعة أحياء محددة ستخضع للقصف. ولم تكن ضاحية الشياح ضمن هذه المناطق الأربع.
أبلغنا رجل آخر في الثلاثينيات من العمر أنه كان يشتري الخبز على مسافة شارعين عن المكان عندما جرى القصف. وقبل ذلك بدقائق قليلة، كان أخوه قد ذهب إلى المسجد المجاور للمكان الذي سقطت فيه القنبلتان. وركض الرجل للبحث عنه فوجده مرعوباً غير أنه لم يصب بأذى. وقال إن فريق سيارة إسعاف كان قريباً من المكان بالصدفة فهرع لتقديم الإسعافات الأولية لبعض الضحايا. وكانت قطع من الإسمنت المسلح والزجاح المشظى تنتشر على مسافة مئات الأمتار من مكان الانفجارين. وعندما وصلنا بعد الظهر، لم يكن العدد الإجمالي للقتلى قد عرف بعد نظراً لأن أعمال الإنقاذ كانت لا تزال مستمرة. وحددت معظم التقديرات عدد القتلى بأكثر من 20 شخصاً، بينما قًدِّر عدد الجرحى بأكثر من 30، ولكن لم يكن هناك من يستطيع أن يقدر بصورة مؤكدة عدد الجثث التي كانت لا تزال تحت الأنقاض.
وحاول الجيش اللبناني بلا طائل إقامة حاجز حول المبنى المسوّى بالأرض، بينما جلست فرق سيارات الإسعاف منهكة وظهرها إلى أحد الجدران وحل آخرون محلهم في نبش الأنقاض. وكانت هناك آليتان لرفع الأنقاض في الموقع، غير أن العمل كان بطيئاً في إزاحة جبل الإسمنت المهشم. بينما تجمع العشرات من أقارب الضحايا لإلقاء نظرة على المكان، مدركين أنه ليس ثمة أمل في أن يكون هناك من هو على قيد الحياة.
وانتظر العاملون في الصليب الأحمر على مقربة من المكان مجهزين نقالاتهم البرتقالية لنقل الجثث، بينما تسابقت فرق التصوير لتجد مكاناً لها تقتطف منه أفضل الصور. وبين الحين والآخر، كان عمال الطوارئ يحذرون الصحفيين بالرجوع إلى الخلف، وخاصة عندما كانت ترفع قطعة كبيرة من الإسمنت المسلح من بين الأنقاض.
وبدت الأعلام البرازيلية والإيطالية الممزقة تتدلى من الجدران المحيطة بالمكان تذكاراً لكأس العالم. وكانت المشهد شبيهاً بتلك المشاهد التي رأيناها في اليوم السابق في الغازية، ولكن على نطاق أوسع. فمساحة المنطقة المنكوبة هنا كانت أكبر، كما إن عدد المدنيين الذين قتلوا كان أكبر.
بعض أفراد الجمهور أسمعونا بعض الكلمات الغاضبة: "لم لا تخبرون الغرب بحقيقة ما يحدث هنا؟" وكذلك:"تأكدوا من أن تعرضوا الصور الحقيقية لما حدث هنا".
إن من الصعب مغادرة أماكن القصف هذه، فلعل في مغادرة المكان قبل انتشال الجثث إظهار لعدم الاحترام لأولئك الذين يرقدون تحت الركام. إلا أننا غادرنا ونحن نعلم أننا لا نستطيع المساعدة في شيء بالنسبة لأولئك الذين كانوا يفتشون عن أجساد الضحايا وسط الركام.
واليوم، تم دفن المرأة التي رأينا جسدها يُخرج من بين أنقاض بيتها في الغازية بعد ظهر أمس. وقد قتلت هي وأطفالها عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية بيتها صباح أمس.
إن مقتل 20مدنياً لبنانياً في حادثة واحدة على أيدي القوات الإسرائيلية في الأسبوع الماضي قد اجتذب اهتمام وسائل الإعلام. ولكن الأمر مختلف، على ما يبدو، هذا الأسبوع، فقد أصبح القتل روتينياً على ما يبدو ولا تحتل عناوينه الرئيسية واجهات الصفحات الأولى. إن نحو 800 مدني قد قتلوا على أيدي القوات الإسرائيلية منذ اندلاع الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله في 12يوليو/تموز. وفي الفترة نفسها، قتل نحو 40مدنياً إسرائيلياً نتيجة لصوايخ حزب الله.
الخميس / الجمعة 10 – 11أغسطس/آب
تابعنا قصف سلاح الجو الإسرائيلي لمبنى سكني في ضاحية الشياحمن بيروت في 7أغسطس/آب. وكانت جثث سكان المبنى الذين قتلوا ما زالت تنتشل من تحت الأنقاض. وبحلول مساء الثلاثاء، كان عدد القتلى قد وصل إلى أكثر من 50شخصاً.
كما واصلنا التحدث إلى أهالي أشخاص قتلوا في قرى جنوب لبنان في الأسبوع السابق، والذين ما زالت جثثهم تحت الأنقاض نظراً لأن الغارات الجوية المستمرة كانت تحول دون اقتراب الصليب الأحمر أو أي عمال إنقاذ آخرين من القرى لاستخراجها. وكان ابن موسى عبد الله وه
u1576?ه، البالغ من العمر 85عاماً، وابنة أخ رجل مسن آخر، هو القاضي محمود عقيل حمودي، اللذين قتلا كلاهما في منـزليهما في قرية عيناتا في 21يوليو/تموز نتيجة هجوم إسرائيلي وظلا تحت الردم، يسعيان بلا كلل إلى الحصول على المساعدة من أجل انتشال جثتيهما. بيد أنه ومع استمرار عمليات القصف الجوي الإسرائيلي، لم يكن ممكناً لأحد أن يهب لمساعدتهما.
وفي وقت مبكر من بعد ظهر الخميس، وبينما كنا نتحدث إلى مدافعة محلية عن حقوق الإنسان في مكتبها في وسط بيروت، رأينا السماء تمتلئ بقصاصات ورقية أسقطتها الطائرات الإسرائيلية. وعندما غادرنا المكتب، التقطنا بعض هذه النشرات التي كانت تغطي الشوارع. وكانت المنشورات تدعو سكان بيروت إلى مغادرة أحياء حي السلم وبرج البراجنة والشياح، نظراً لأن هذه الأحياء معرضة لقصف سلاح الجو الإسرائيلي. وكانت ضاحية الشياح قد تعرضت للقصف قبل ذلك بثلاثة أيام من دون سابق إنذار.
وكان رد الفعل لدى معظم الأشخاص الذين التقطوا المنشورات يدل في معظمه على الشعور بالفزع. فمن ناحية، كانت هذه أحياء اعتبرت حتى ذلك الحين "آمنة"، ومن الناحية الثانية، لم يكن ببساطة من الممكن لأكثر من 100,000من ساكني هذه الأحياء الثلاثة مغادرة بيوتهم – فليس ثمة مكان يذهبون إليه. إذ كان ربع سكان لبنان قد هُجِّروا من بيوتهم بالفعل، وليس هناك من قدرة على استيعاب المزيد في المدارس والمتنـزهات العامة وما شابهها من الأماكن كيما تستقبل أعداداً كبيرة جديدة من الأشخاص المهجرين. وفضلاً عن ذلك، كان هناك شعور متزايد عند الأهالي بأنه ما دامت القوات الإسرائيلية تقصف أحياء لم تعلن عن نيتها قصفها مسبقاً، فمن غير الممكن معرفة أي الأماكن سوف يكون آمناً.
يوم الخميس، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيراً أيضاً بأنه سوف يقصف أي شاحنات تسير فوق الطريقين المؤديين إلى سوريا في الشمال اللبناني. وكان من المقرر أن نغادر في الصباح التالي عبر سوريا – وهي المعبر الوحيد للخروج من لبنان- وكان علينا أن نراجع خططنا. وفي الصباح التالي، انتشرت أخبار بأن سلاح الجو الإسرائيلي قد قصف كلا الطريقين بالفعل. وكان الطريق الأقصر، عبر نقطة المصنع الحدودية، الذي قصف عدة مرات في الأسابيع المنصرمة والذي كان يعمل بصورة جزئية فقط، قد أصبح غير سالك تماماً، بينما لحقت أضرار كبيرة بالطريق الأطول، عبرنقطة عبودية، نتيجة قصف أحد الجسور الرئيسية التي يمر بها وتدميره تدميراً كاملاً في الليلة الماضية. وكان علينا أن نقوم بانعطافة إضافية زادت من زمن رحلتنا الطويلة أصلاً للخروج من لبنان ساعة أخرى.
تحديث 4من بعثة إسرائيل
صباح الإثنين، 7أغسطس/آب
حيفا
كنا قد اتفقنا على اجتماعات طيلة الصباح مع مسؤولين في بلدية حيفا وفي الشرطة ومع منظمات غير حكومية في منطقة حيفا. ولم نكن واثقين من أنهم سيكونون قادرين على الالتقاء بنا أم لا بعد حوادث الليلة السابقة. ومع أن بعض الاجتماعات بدأت متأخرة، تمكنا من أن نعقد جميع الاجتماعات التي كانت مقررة. وعلمنا أيضاً أن اثنين ممن لاقوا حتفهم، وهما من المسيحيين العرب وفي الستينيات من العمر، قتلا بكرتين معدنيتين من تلك التي كانت تحملها الصواريخ. وكان الشخص الثالث الذي قتل إسرائيلياً يهودياً أصيب في منطقة الميناء وهو يركض نحو الملجأ.
وحيفا هي ثالث أكبر المدن في إسرائيل، حيث يبلغ عدد سكانها 270,000نسمة، وهي الأكبر في الشمال. وأبلغنا مسؤولو البلدية الذين التقيناهم أنه وبحسب عدد الصواريخ التي تم إحصاؤها في الليلة الماضية، فقد ضرب 29صاروخاً حيفا بصورة مباشرة حتى ذلك الحين، بينما بلغ إجمالي الصواريخ التي ضربت المدينة 49صاروخاً. وقتل في المدينة 13شخصاً، بينما أصيب بجروح 251غيرهم. وقدَّرت البلدية أن 30%من سكان المدينة كانوا قد فروا من المدينة قبل قصف الليلة الماضية، بينهم قرابة 15,000من الأطفال.
وخلال الأيام الأولى من القتال، تلقت حيفا عدداً من الصواريخ، بما فيها صاروخ ضرب محطة القطاراتوأدى إلى مقتل ثمانية موظفين. ووفقاً لدائرة شرطة حيفا، كان الصاروخ الذي ضرب محطة السكة الحديد في حيفا في 16 يوليو/تموز هو الأول الذي احتوى كرات معدنية، بحسب علمهم. ويقدرون أن الصاروخ، وهو من عيار 220 مم، كان يحمل نحو 40كيلوغراماً من الكرات، أو نحو 40,000منها. وأدى ذلك إلى مقتل أو إصابة كل من سقطت بقربه إصابة بالغة. ومع أن الكرات المعدنية في كل مكان، كان عليهم أن يطلبوا السماح لهم بذلك عندما طلبنا منهم إعطاءنا بعضها. وفي نهاية الأمر، حصلوا على إذن بإعطائنا خمساً من الكرات المعدنية التي كانوا يحتفظون بها بصورة تدل على الحرص الشديد.
وللمفارقة، فإن سكان حيفا، التي لم تقصف لمدة أسبوع ونصف الأسبوع، كانوا قد بدأوا يعودون إلى المدينة بينما بدأت المصالح التجارية بالعودة إلى فتح أبوابها بعد إغلاق دام نحو أسبوعين. وكلما كنا نتحدث إلى الأشخاص، كلما علمنا أكثر عن الطريقة التي أثرت بها الصواريخ على الحياة المدنية، وبطرق لم نكن نتوقعها. فعلى سبيل المثل، تبلغ نسبة من تزيد أعمارهم في المدينة عن 75 عاماً نحو 10%، ولدى العديد من هؤلاء شغّالات في البيوت، بدوام جزئي على الأقل، لمساعدتهم. غير أن معظم الشغالات المنـزليات الصحيات فررن من المدينة تاركات للبلدية أمر محاولة تقديم المساعدة لمئات المسنين الذين بقوا في المدينة.
وكانت إحدى المشكلات الأخرى التي واجهتها البلدية حقيقة أن نحو 18%من سكان المدينة يعيشون تحت خط الفقر. واعتمد معظم من فروا من الشمال على مواردهم الذاتية في ذلك. فذهب البعض ليعيشوا مع أقارب لهم، بينما ذهب من لديهم موارد أفضل إلى الفنادق، ناهيك عن ا4?ذي غادروا البلاد من الميسورين. غير أن العديد من ذوي الدخل المتدني في حيفا، وفي غيرها، لم يجدوا أمامهم أي خيار آخر سوى البقاء. ومع ذلك، أعرب مسؤولو البلدية عن اعتقادهم بعد الضربات الصاروخية في الليلة التي سبقت بأن المزيد من سكان المدينة سوف يغادرون المدينة ويتجهون جنوباً.
شرطة حيفا
أبلغنا رئيس دائرة شرطة حيفا أن "المشكلة التي بين أيدينا هي عندما تنطلق صفارات الإنذار ولا يحدث شيء، حيث يغدو الناس أقل حذراً ولا يذهبون إلى الملاجئ. فعقول الناس تعمل بناء على الاحتمالات. وعندما تسمع العديد من صفارات الإنذار دون أن يحدث شيء، يتولد لديك اعتقاد بأنك ستكون دوماً على ما يرام".
وقال كذلك: "الوقت قصير للغاية بحيث أننا نحاول تعليم الجمهور بأن لا يركضوا إلى الملاجئ العامة، وإنما إلى أقرب مكان آمن، وحتى أن ينبطحوا على الأرض".
وبينما كنا نحاول تتبع المعلومات الإجصائية التفصيلية المتعلقة بالأسباب العيانية للوفيات والإصابات، أصبح من الواضح لنا نتيجة اجتماعاتنا بشرطة حيفا أن الصواريخ التي تحمل الكرات المعدنية مميتة بصورة في غاية الخطورة. وأبلغنا بأنه إضافة إلىالصواريخ من عيار 220مم، فإن العديد من الصواريخ الأصغر حجماً من عيار 122مم قد تم تطويرها كذلك كي تحمل 4 كغم أو 4,000من الكرات المعدنية. وأبلغتنا الشرطة بأن أحد الأشخاص قتل أثناء قيادته سيارته منحدراً من أحد التلال على مدخل المدينة عندما انفجر صاروح قريباً من سيارته واخترق العديد من الكرات هيكل السيارة.
ومع مغادرة العديد من سكان المدينة، كان على الشرطة تعبئة قوة كبيرة لمنع أعمال السلب. كما شاركت الشرطة في جهود الإغاثة بالنسبة لمن بقوا من السكان. وحتى عندما تنقلنا مع الشرطة في أرجاء المدينة المختلفة، كان واضحاً أن المزيد من سكانها قد غادروها قياساً باليوم السابق على ذلك.
وقال مسؤول الشرطة الذي كان يرافقنا: "لقد بدأت افتقد الاختناقات المرورية"، مضيفاً أنه "من الصعب رؤية مدينة كحيفا بلا حياة".
ثم انتقل رئيس الشرطة بنا إلى وحدة "فريق القنابل" في حيفا التي تتولى تحليل بقايا الصواريخ التي يتم جمعها. وأرونا شظايا من صواريخ الكاتيوشا 122 مماً و240مماً كانت ملقاة على أرضية الغرفة .. وأعطونا كيساً من الكرات المعدنية لنأخذها معنا.
لقاءات مع المنظمات النسائية غير الحكومية
بعد الظهر، التقينا بممثلات عن منظمتين نسائيتين غير حكوميتين في المدينة. وأبلغننا أن النساء، وكما هو الحال في النـزاعات المسلحة في كل مكان، يعانين بصورة غير متناسبة من الآثار المترتبة على النـزاع. وأبلغتنا إحدى المجموعتين، التي تعمل من أجل مساعدة النساء على إيجاد عمل، أنه نظراً لأن العديد من النساء ذوات الدخل المتدني يعملن في أعمال التنظيف وفي أعمال أخرى يتقاضين أجرهن عنها مياومة، فقد أصبحت هؤلاء على حافة الإفلاس. كما تم إغلاق مراكز العناية النهارية والحضانات وغيرها من المرافق الأخرى، ولذا فقد غدا من الصعب تماماً على هؤلاء النساء الذهاب إلى العمل نتيجة عدم وجود مكان يضعن فيه أطفالهن. ونصف النساء اللاتي يعشن تحت خط الفقر هن من الأمهات العازبات.
وأُبلغنا أن "إحدى المشكلات التي تواجهها هؤلاء النسوة هي أن دخل العديد منهن متدن إلى حد أنهن لا يستطعن إجراء مكالمات هاتفية، وإنما تلقيها فقط. ولذا بدأنا بالاتصال بجميع النساء المسجلات في قوائمنا للسؤال عن أحوالهن. ولم تكن العديد منهن تعرف أي الخدمات متوافر أو أين يذهبن من أجل المساعدة. فبعضهن ذهبن إلى المكاتب الحكومية للحصول على المعونة ووجدن أنها مغلقة أو لا تستطيع تقديم المساعدة لهن".
وأبلغننا أيضاً ما يلي: "تبين لنا أنه كان للتوتر الذي تسببه الصواريخ في بعض الحالات والاضطرار إلى البقاء داخل البيوت أو الدخول إلى الملجأ والخروج منه آثار خاصة على النساء من ضحايا العنف العائلي. فعندما كنا نقوم بالاتصال بنساء نجحن بصعوبة كبيرة في هجر من يضربوهن للتأكد من أنهن بخير وأنهن لا يحتجن شيئاً، كان هؤلاء يردون علينا من الجانب الآخر".
مغادرة حيفا
ذاك المساء، التقت البعثة مع أعضاء الفرع الإسرائيلي ممن كانوا يشاركون في حفل لإيقاد الشموع من أجل وقف فوري لإطلاق النار. وكان ناشطو منظمة العفو في مدن شتى في مختلف أنحاء العالم يعقدون احتشادات لإيقاد الشموع ذاك المساء. وتم التجمع لإيقاد الشموع أمام بيت أصابه أحد الصواريخ. ولمرتين، انطلقت صفارات الإنذار أثناء لقاء إيقاد الشموع، واضطررنا إلى الجري نحو الملجأ في مبنى قريب.
بعد حلول الظلام، اتجهنا إلى تل أبيب. وكانت المدينة مهجورة أكثر مما شهدناه لدى وصولنا. فلم نر أحداً يسير في الشوارع أو يقود سيارته. ومع أن المسافة تستغرق في العادة ساعة بالسيارة، إلا أننا شعرنا بأن تل أبيب مدينة مختلفة عندما دخلناها. فجميع المخازن والمطاعم كانت مفتوحة. وكانت مقاهي الرصيف تعج بالأشخاص. بينما كانت حركة السير كثيفة. حتى أننا مررنا بمدينة للألعاب تقدم عرضاً صغيراً للألعاب النارية. وهذا أمر لا تستطيع بالتأكيد القيام به في الشمال دون أن تثير الرعب القاتل في نفوس السكان.
لم يستغرق الأمر مدة طويلة لرؤية آثار الحرب حتى هنا. فصالة الاستقبال التابعة للفندق الذي كنا فيه كانت تعج بالأشخاص الذين جاءوا على نحو بادٍ من الأماكن التي أخليت في الشمال. وكان من الواضح أن هؤلاء لم يكونوا من المصطافين الذين يقضون إجازاتهم. وكنا قد سمعنا أنباء من أشخاص تحدثنا إليهم أو ظهروا في وسائل الإعلام ممن قالوا إن العديد من الإسرائيليين الذين كانوا يقيمون في الفنادق قد أنفقوا كل ما يملكون من نقود وإنه قد طلب منهم المغادرة. وفي إيلات، رفض الأشخاص الذين طلبت الفنا3?ق منهم المغادرة الاستجابة لذلك، وكان لا بد من استدعاء الشرطة. وذكرت وسائل الإعلام أن الحكومة أحضرت حافلات لإعادة هؤلاء إلى الشمال، إلا أنها بدأت في وقت لاحق إخلاء منظماً للمدن الأكثر تعرضاً للخطر، مثل كريات شمونه.
وتحدث آخرون ممن تحدثنا إليهم عن أن العائلات التي استقبلت أصدقاء أو أقارب من الشمال بدأت تشعر بالضغوط كذلك. وقال المسؤولون الصحيون الذين تحدثنا إليهم إن العديد من العائلات المضيفة "تشعر بالانسحاق" الآن تحت ضغط عبء إسكان وإطعام ضيوفهم والعناية بهم مع عدم وجود ضوء في نهاية النفق. ونتيجة لذلك، فقد اضطر بعض الأشخاص إلى الارتحال خمس أو ست مرات.
الثلاثاء 8 أغسطس/آب
صباح الثلاثاء عقدنا مزيداً من الاجتماعات مع مسؤولين حكوميين في وزارة الخارجية في القدس. وكان معظم الحديث يدور حول أفعال جيش الدفاع اسرائيلي في جنوب لبنان.
وفي وقت مبكر من بعد الظهر، أجرى أحد مندوبينا مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي. ودُهش المذيع من أن منظمة العفو الدولية قد أرسلت بعثة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب ضد الإسرائيليين في حين دأبت على إعداد التقارير عما يرتكبونه من انتهاكات. وكان ردنا هو أن هذا بالضبط هو مربط الفرس. فمنظمة العفو الدولية تصدر أحكامها على جميع الأطراف، سواء أكانت حكومات أم جماعات مسلحة، مستخدمة في ذلك مقياساً واحداً هو معايير القانون الإنسان الدولي. فاستهداف المدنيين عن عمد أو إطلاق الصواريخ بطريقة عشوائية يشكلان جريمة حرب، بغض النظر عمن يقوم بهما.
وفي وقت لاحق من بعد الظهر، ذهبنا لزيارة ما يحتمل أن يكون أكثر مخيم في العالم للأشخاص المهجرين داخلياً رفاهية. ففي الأيام الأولى من القتال، قرر رجل أعمال ثري بالتصرف على عاتقه بعد أن رأى أن الحكومة لا تقوم بالإجراءات بالسرعة الكافية لإسكان من هُجروا داخلياً. حيث بنى فوق الشاطئ في عسقلان مدينة من الخيم تتسع لنحو 6,200شخص، يخدمها 800موظف مدفوعي الأجر. وحصل المحظوظون ممن تم إخلاءهم ووصلوا إلى المخيم قبل أن يطفح على مكان للنوم وعلى وجبات كاملة وعلى إطلالة جميلة على البحر.
وأبلغنا أحد سكان المخيم ممن تحدثنا إليهم أن عائلته على استعداد لأن يدفعوا نفقات إقامتهم لو كانت الإقامة هنا بغرض قضاء الإجازة، غير أنهم مع ذلك يرغبون في العودة إلى بيوتهم. فالخصوصية الشخصية شبه غائبة، وهم قلقون على العائلات والأصدقاء الذين ما زالوا في الشمال. بيد أنهم مع ذلك جاهزون. رأينا حقائبهم وفيها ملابس الأطفال المرتبة جيداً. وقالوا إنهم يأملون فيالعودة إلى منازلهم سريعاً، ولذا فعليهم أن يكونوا جاهزين. بيد أن العائلة قلقة حيال المستقبل أيضاً. فهم يملكون مشغلاًصغيراً للأثاث، غير أن معظم الطلبيات التي قدمت إليهم سابقاً قد ألغيت.
فزبائنهم قد اضطروا إلى إنفاق كل ما لديهم من نقود على الفنادق وعلى غير ذلك من المستلزمات. إذ ذهبوا ابتداء إلى أحد الفنادق، ومن ثم للإقامة في بيت أحد الأقارب. وعندما سمعوا عن المخيم، جاءوا إلى هنا، حيث قضوا ثلاثة أسابيع ويومين.
وحتى في هذا النعيم المقيم، كانت الحرب حاضرة. إذ كان على إدارة المخيم إبلاغ اثنين من المقيمين في المخيم بأن الصواريخ قد أودت بحياة بعض أقربائهم اللصيقين. فإحدى النساء، وهي أم لاثني عشر طفلاً، قد فقدت زوجها الذي بقي في الشمال. أما الأخرى فكانت أماً لأحد الأشخاص الذين قتلوا في عكا في اليوم السابق على وصولنا.
الأربعاء 9أغسطس/آب
في الصباح، انقسم الوفد في محاولة للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات في يومنا الأخير. فذهب نصف المجموعة للالتقاء بـ "قيادة الجبهة الداخلية". حيث حصلنا على مزيد من المعلومات الإحصائية عما حصلنا عليه من قبل. وأبلغتنا سلطات الحرس الوطني بأن 39 مدنياً إسرائيلياً قد قتلواحتى تاريخه، بينما بلغ عدد الجرحى 1,300 جريجاً. وكانت 29 من الإصابات خطيرة، بينما كانت 57منها متوسطة، والباقي أقل خطورة. كما أُبلغنا بأن ما يربو على 50%من السكان في الشمال قد فروا منه. وهذا رقم يصعب التحقق منه بسبب ما يطرأ عليه من تغير سريع، مع أنه يتناسب مع ما نسمعه من مصادر أخرى.
وأبلغنا كذلك بأنه قد جرى تقسيم الشمال إلى ثلاث مناطق لأغراض التعليمات المقدمة إلى المدنيين بشأن كيفية حماية أنفسهم. ففي المدن والبلدات والقرى البعيدة إلى الشمال، بما فيها نهاريا وكريات شمونه، أُبلغ السكان بالبقاء في الملاجئ طيلة اليوم. ففي هذه المنطقة، ليس لدى السكان الوقت الكافي للوصول إلى الملاجئ إذا تمت مشاهدة الصواريخ. وفي المنطقة الثانية، التي تضم حيفا وطبريا، أبلغ السكان بأن يبقوا في الأماكن المحمية من غرف منازلهم الداخلية التي تقل فيها الفتحات والنوافذ والجدران الخارجية قدر الإمكان. ففترة الإنذار في حيفا قصيرة للغاية. والوقت ما بين مشاهدة الصواريخ وإطلاق صفارة الإنذار وسقوط الصاروخ هو 25 – 30ثانية. وفي المنطقة الثالثة، أبلغ السكان بأن يظلوا في بيوتهم حتى يكونوا قريبين من المناطق الآمنة داخل بيوتهم ومن الملاجئ في مبانيهم.
والتقى نصف البعثة الآخر مع مسؤول سابق في جيش الدفاع الإسرائيلي زودهم بمزيد من المعلومات حول الصواريخ التي تطلق على إسرائيل. وقال إنه قد أطلق على إسرائيل حتى تاريخه، وبحسب معلوماته، 3,343صاروخاً، بلغت حمولتها الإجمالية من المواد المتفجرة 72,379 كيلوغراماً. وأضاف أن هذه كانت معبئة بالكرات المعدنية.
في الطريق إلى المطار، توقفنا عند عرض لأسلحة ادعى جيش الدفاع الإسرائيلي أنه قد استولى عليها من حزب الله في مخابئ للأسلحة وفي البيوت. وبدا أن هذا موجه بالدرجة الأولى إلى الصحافة الإسرائيلية، نظراً لأن قلة من الإشارات كانت باللغة الإنجل0?زية. وكان معظم الأسلحة المعروضة بنادق من طراز كلاشنيكوف.
غادرنا في وقت لاحق من المساء للعودة إلى لندن. وعندما وصلنا، كان أول ما قمنا به هو الاطلاع على الأخبار على الإنترنت. عرفنا أن طفلاً في الخامسة من العمر ووالدته البالغة من العمر 26عاماً قد قتلا نتيجة سقوط صاروخ في قرية دير أسد العربية. وأصيب أخ الطفل، البالغ من العمر ثلاثة أعوام وعشرة أشخاص آخرين بجروح.
Page