Annual Report 2012
The state of the world's human rights

Document - Lebanon: Samir Gea'gea' and Jirjis al-Khouri: Torture and unfair trial

لبــنان: سمـير جعجع وجـرجس الخـوري-

تعـذيب ومحـاكمة جائرة




مقدمة


قائد "القوات اللبنانية" المحظورة، سمير جعجع، وعضو "القوات اللبنانية"، جرجس الخوري، محتجزان في مركز اعتقال وزارة الدفاع في بيروت منذ 1994. وكلاهما يقضيان فترة ح2كم بالسجن مدى الحياة لتورطهما المزعوم في أعمال قتل بدوافع سياسية، ويحتجزان في ظروف قاسية ولاإنسانية ومهينة، بناء على محاكمتين جائرتين. وسمير جعجع وجرجس الخوري هما السجينان السياسيان الوحيدان المحتجزان في مركز اعتقال وزارة الدفاع بعد المحاكمة.


في هذا التقرير، توثِّق منظمة العفو الدولية انتهاكات حقوق الإنسان التي عانى منها سمير جعجع وجرجس خوري أثناء احتجازهما بمعزل عن العالم الخارجي في فترة الاستجواب السابقة على المحاكمة، وأثناء استجوابهما، ومحاكمتهما أمام المجلس العدلي، وسجنهما اللاحق في مركز اعتقال وزارة الدفاع. وتتلخص بواعث القلق بشأن حقوقهما الإنسانية في ما يلي:


  1. لم يسمح لجرجس الخوري بالاتصال بمحامين طوال عملية استجوابه أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي في الفترة السابقة على المحاكمة، كما إنه لم يعرض بلا تأخير على قاض للبت في مشروعية اعتقاله؛

  2. وأثناء فترة احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي السابقة على المحاكمة، دُفع جرجس الخوري إلى الاعتقاد بأنه مجرد شاهد، ولم يبلَّغ، كما يقتضي القانون، بالتهم الموجهة إليه؛

  3. وأثناء فترة احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي السابقة على المحاكمة، تعرض جرجس الخوري، بحسب ما ذُكر، للتعذيب والمعاملة السيئة، وقُبلت "الاعترافات" التي ادعى أنها انتزعت منه تحت التعذيب كدليل رئيسي ضده لاحقاً في محاكمته؛

  4. حوكم سمير جعجع وجرجس الخوري على نحو جائر أمام المجلس العدلي، وهو محكمة خاصة لا تقبل قراراتها الطعن أو الاستئناف، ولم تقم حتى الآن ، بحسب ما ذُكر، بالتحقيق في ادعاءات التعذيب وغيره من ضروب الانتهاكات التي ارتكبت أثناء فترة احتجازهما السابقة على المحاكمة؛

  5. ومضى على حبس سمير جعجع وجرجس الخوري ما يربو على عشر سنوات في الحبس الانفرادي في ظروف قاسية ولاإنسانية ومهينة، وبطريقة مؤذية لصحتهما البدنية والعقلية.


وربما كان سمير جعجع وجرجس الخوري، مثلهما مثل عشرات من أعضاء القوات اللبنانية الآخرين، ضحايا لانتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبت في مناخ من القمع السياسي والترهيب. ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أنه ليس ثمة آفاق بادية لإعادة محاكمة هذين السجينين السياسيين، اللذين يقضيان مدة حكم مطولة أصدرها بحقهما المجلس العدلي. ولذا، فإن المنظمة تدعو إلى الإفراج عن سمير جعجع وجرجس الخوري أو إعادة محاكمتهما أمام محكمة جزاء نظامية مستقلة، وضمن إجراءات قضائية تتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، كما تدعو إلى فتح تحقيق في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة. إن السلطات اللبنانية قد تجاهلت على مدار السنوات العشر المنصرمة دعوات منظمة العفو الدولية وسواها من منظمات حقوق الإنسان لتصحيح الظلم الذي وقع على الرجلين، بما في ذلك محاكمتهما على نحو جائر، وعدم توفير الضمانات السابقة على المحاكمة لهما، ومزاعم التعذيب في الحجز بمعزل عن العالم الخارجي.


خلفية سياقية


في 27فبراير/شباط 1994، انفجرت قنبلة في كنيسة "سيدة النجاة" في ذوق مكايل في جونيه، القريبة من بيروت، ما أدى إلى قتل 10أشخاص وإصابة آخرين بجروح. وفي مارس/آذار وأبريل/نيسان 1994، قُبض على عشرات من أعضاء ومؤيدي "القوات اللبنانية"، وهي المليشيا المسيحية الرئيسية في فترة الحرب الأهلية اللبنانية، بمن فيهم قائدها سمير جعجع. وتم احتجاز هؤلاء لفترات متفاوتة بالعلاقة مع عملية التفجير. وإثر هذه الاعتقالات، حظرت السلطات "القوات اللبنانية" مدّعية أنها كانت مسؤولة عن تفجير الكنيسة، مع أن التحقيق في حادثة التفجير لم يتوصل إلى نتيجة قاطعة. وتلا ذلك فرض قيود إضافية على حق المنتسبين للقوات اللبنانية ومن يشتبه بتأييدهم لها في حرية التعبير والتجمع، إضافة إلى جماعات معارِضة أخرى. وأدت هذه التدابير إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة.


وأثناء استجواب أعضاء القوات اللبنانية المحتجزين بالعلاقة مع تفجير الكنيسة، أعلن قاضي التحقيق أنه قد اكتشف أدلة تشير إلى أن القوات اللبنانية – بقيادة سمير جعجع – قد اقترفت عملية اغتيال قائد حزب الوطنيين الأحرار ، داني شمعون، وأفراد عائلته في أكت08?بر/تشرين الأول 1990. وبناء على ذلك، وُجِّهت إلى سمير جعجع ومسؤولين آخرين في القوات اللبنانية تهمة ارتكاب أعمال القتل هذه؛ بينما وجهت التهم نفسها إلى آخرين غيابياً. ثم حُوِّل هؤلاء إلى المجلس العدلي، وهو أعلى محكمة جنائية في لبنان، بالعلاقة مع تفجير الكنيسة وقتل داني شمعون وعائلته. وبناء على ذلك، باشر المجلس العدلي حاكمة متزامنة لسمير جعجع ومسؤولي القوات اللبنانية الآخرين المتهمين في كلتا القضيتين. وفي يونيو/حزيران 1995، أصدر المجلس العدلي كماً بالإدانة فيما يتعلق بقضية داني شمعون، حيث حكم على سمير جعجع بالإعدام، وخُفف الحكم فوراً إلى السجن مدى الحياة.


وحاجج محامو الدفاع عن سمير جعجع في قضية تورطه في قتل داني شمعون بدوافع سياسية بأن الجريمة قد وقعت إبان الحرب الأهلية، ولذا فهي مشمولة بقانون العفو العام لعام 1991(القانون رقم 84/91). بيد أن المجلس العدلي رفض هذا العذر، قائلاً إن عملية القتل، وعلى الرغم من وقوعها خلال هذه الفترة، تقع ضمن فئة الجرائم المستثناة من قانون العفو، وأن متابعتها تقع ضمن الولاية القضائية للمجلس.


وغطى قانون العفو العام الجرائم التي ارتكبت قبل 28 مارس/آذار 1991. وأصدرته الحكومة اللبنانية في 26أغسطس/آب 1991ليشمل الجرائم التي ارتكبت على أيدي جميع المليشيات والجماعات المسلحة إبان حقبة الحرب الأهلية. وقُصد بقانون العفو التشجيع على "قلب صفحة جديدة" في التاريخ السياسي للبنان. بيد أنه أجاز فعلاً استثناء جرائم بعينها أهمها مدرج في المادة 3 من القانون، التي تنص على أن العفو لا يغطي "جرائم اغتيال أو محاولة اغتيال رجال و علماء الدين والقادة السياسيين والدبلوماسيين العرب أو الأجانب".


وعلى ما يبدو، فإن الجمهور اللبناني منقسم على نفسه بالنسبة لقانون العفو: فبينما يحاجج البعض، مثلما تفعل الحكومة، بأن القانون ييسِّر التوصل إلى السلم والمصالحة، يعتقد آخرون أنه يمنح الحصانة من العقاب لأولئك الأشخاص المسؤولين عن انتهاكات لحقوق الإنسان في الماضي، ويحول دون ظهور الحقيقة. وقد أعربت منظمة العفو الدولية في غير مناسبة عن بواعث قلقها بشأن قانون العفو اللبناني لعام 1991. وفي تقريرها المعنون: لبنان: تطورات وانتهاكات حقوق الإنسان (رقم الوثيقة: MDE 18/1997)، قالت منظمة العفو الدولية:


"على وجه العموم، تعتقد منظمة العفو الدولية أنه ينبغي فتح تحقيقات شاملة في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان. وينبغي أن يكون هدف مثل هذه التحقيقات تحديد المسؤولية الفردية والجماعية وتقديم تقرير واف بالحقيقة إلى الضحايا وأقاربهم، وإلى المجتمع. ويتعين أن تُجرى التحقيقات من قبل مؤسسات غير متحيزة، ويجب أن تخوًّل السلطة الضرورية وتقدم لها الموارد الكافية لإنجاز مهمتها. وينبغي نشر نتائج هذه التحقيقات على الرأي العام. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن التوصل إلى مستقبل جديد يقوم على الحقيقة والسلم الدائم وحماية حقوق الإنسان في لبنان، رهن بتصالح البلد مع ماضيه عبر عملية تهدف إلى تقصي الحقيقة بشأن فترة الحرب وما يتعلق بها من انتهاكات، والكشف عن هذه الحقيقة".


وبصرف النظر عن باعث القلق العام بأن العفو يمنح الحصانة لمن ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان، فإن الاستثناءات التي تضمنها قانون العفو قد خلقت، في واقع الحال، بيئة تسمح بالانتقائية والتمييز. فحقيقة كون جرائم بعينها، من قبيل قتل القادة الدينيين والشخصيات السياسية، غير مشمولة بقانون العفو قد أدى إلى التمييز بين ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان إبان الحرب على أساس وضعهم – حيث يتوجب ملاحقة مرتكبي تلك الانتهاكات التي اقترفت ضد القادة السياسيين والدينيين فقط دون غيرهم. وبالمثل، ينص قانون العفو على أن العفو لا يغطي الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ارتكبت في وقت لاحق لموعد إصداره، وهم بالتالي عرضة للمقاضاة، وعرضة لأن يحاكموا على ما ارتكبوه من جرائم أثناء الحرب. ويفتقر هذا النهج في مقاربة الأمر، كما يبدو، إلى العدالة، كما يعرقل محاولات التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان متعددة الجوانب التي ارتكبت أثناء الحرب، أو تقديم جميع مرتكبي هذه الانتهاكات إلى العدالة على قدم المساواة وبصورة لا تعوزها النـزاهة.


إن محاكمات سمير جعجع وأنصار االقوات اللبنانية أمثلة على الانتقائية البادية للعيان لهذا النهج. فعلى سبيل المثال، بينما يفرض المجلس العدلي ولايته القضائية على جرائم من قبيل اغتيال القادة السياسيين والدينيين، لم يسع المجلس بفعالية إلى ملاحقة مثل هذه القضايا، إلا في ما يخص تلك الجرائم المزعومة التي ارتكبت من قبل سمير جعجع. ويثير هذا بواعث قلق بشأن حيْدة المحكمة ونزاهتها في التعامل مع عمليات الاغتيال ذات الدوافع السياسية إبان الحرب. وقد يعود هذا إلى حقيقة أن المجلس العدلي لا يستطيع التصرف إلا إذا أُحيلت إليه هذه القضايا من مجلس الوزراء، وعند ذلك فقط، وهو جهة قد لاتخلو قراراتها في هذا الصدد من الدوافع السياسية. ومع أن قضية مقتل داني شمعون قد أحيلت في الأصل إلى المجلس العدلي في 30أكتوبر/تشرين الأول 1990، أي بعد فترة قصيرة من عملية القتل، إلا أن المجلس لم يباشر بأي تحقيق فيها أو يلاحق سمير جعجع جرّاء هذه الجريمة حتى عام 1994، عندما جرى اعتقال العشرات من أعضاء القوات اللبنانية بالعلاقة مع تفجير الكنيسة، وفي وقت كانت علاقات القوات اللبنانية فيه مع الحكومة قد انهارتمن بين القضايا التي اشتملت على عمليات قتل لشخصيات سياسية ودينية، وحُوِّل بعضها إلى المجلس العدلي، قضايا قتل الرئيسين بشير الجميل ورينيه معوَّض؛ وكمال جنبلاط، زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي؛ والمفتي حسن خالد؛ والصحفي والناشر سليم اللوزي.

. ولم يتضح بعد سبب عدم مباشرة المجلس العدلي بإجراءات قضائية في ال�602?ضايا المرفوعة إليه من الحكومة، حتى بعد أن كان الوضع الأمني والسياسي قد استقر على نحو تدريجي بحلول عام 1992.


اعتقال سمير جعجع وجرجس الخوري


اعتقل سمير جعجع في 21أبريل/نيسان 1994مع عشرات من أعضاء القوات اللبنانية الآخرين، الذين قبض عليهم في اعتقالات جماعية في مارس/آذار وأبريل/نيسان في أعقاب تفجير كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل، بجونيه، في فبراير/ شباط 1994، الذي أدى إلى مقتل 10أشخاص وإصابة آخرين بجروح. وسلَّم جرجس الخوري نفسه إلى السلطات في 15مارس/آذار 1994، بعد أسبوع من اقتحام ضباط في الاستخبارات العسكرية منـزل عائلته واعتقال جميع أفراد العائلة، بمن فيهم أخته البالغة من العمر 10سنوات. غير أن أفراد عائلته تعرضوا بعد الإفراج عنهم للترهيب والمضايقة على امتداد الفترة ما بين 1994و2002. وخلال تلك الفترة، تعرض منـزلهم للإغارة عليه مراراً وتكراراً من قبل أفراد في الاستخبارات العسكرية وسواها من الدوائر الأمنية، كما صودرت ممتلكاتهم الشخصية، بما فيها المقتنيات الثمينة والكتب، بحسب ما ذُكر. وعند اعتقاله، كُبِّلت يدا جرجس الخوري وعصبت عيناه ونُقل إلى مركز الاعتقال التابع لوزراة الدفاع، حيث تم احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي لحوالي ستة اسابيع.


ولد سمير جعجع، وهو طبيب لم يمارس الطب، في عين الرمانة ببيروت في 1992. وفي 1986، أصبح قائداً للقوات اللبنانية، المليشيا المسيحية الرئيسية أثناء الحرب الأهلية. أما جرجس الخوري فهو فني كمبيوتر ولد في صور بجنوب لبنان في 1968. ومن غير الواضح طبيعة المنصب الذي كان يشغله في القوات اللبنانية في وقت القبض عليه، إلا أنه كان، بحسب ما زعم، عضواً في الدائرة الأمنية للقوات اللبنانية. وكان قبل ذلك عضواً في المكتب الطلابي لحزب الكتائب.


الاحتجاز السابق على المحاكمة والتعذيب في مركز اعتقال وزارة الدفاع


شابت فترة احتجاز سمير جعجع وجرجس الخوري السابقة على المحاكمة في مزكز اعتقال وزارة الدفاع انتهاكات ومخالفات خطيرة. إذ قبض على المعتقليْن بلا مذكرة إحضار من النائب العام واحتجزا بمعزل عن العالم الخارجي دونما فرصة للاتصال بمحامين أو بعائلاتهم. ولم يعرضا دونما إبطاء على قاض للبت في مشروعية احتجازهما. ولم يبلغ مسامع منظمة العفو أن الضمانات الملازمة لأمر إحضار الموقوفين قد توفرت لهما أثناء احتجازهما غير القانوني.

وقد حُرم كلا المتهمين من الاتصال بمحامين أثناء استجوابهما في مركز اعتقال وزارة الدفاع. وفي المرحلة اللاحقة، لم يسمح للمحامين برؤيتهما إلا لفترات قصيرة من الوقت، وعلى فترات من شأنها أن لا تتيح لهما أداء مهام الدفاع بصورة مناسبة. ولم يتح للمتهميْن الاطلاع غير المقيَّد على أوراقهما القانونية، بينما لم يسمح لمحامي الدفاع الاتصال بهما أثناء الإجراءات القضائية الأولية للمحاكمة. وفي حالة جرجس الخوري، أدت هذه المخالفات إلى مطالبة محامي الدفاع بعدم الاعتداد بأي من الأقوال التي تم الحصول عليها منه في فترة الاستجواب الأولية واعتبارها لاغية وباطلة، نظراً لأن عمليات الاستجواب لم تتم بواسطة مسؤولين قضائيين مخولين، الأمر الذي يشكل مخالفة لقانون أصول المحاكمات الجزائية.


وبعد احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي، وعلى مدار عام كامل تقريباً، لم يسمح لجرجس الخوري برؤية محاميه سوى ثلاث مرات، ولقترات قصيرة، وفي ظروف شديدة التقييد. ولم يبلَّغ أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي بالتهم التي وجهت إليه، ولم يعلم بها إلا عندما صدرت لائحة الاتهام المتعلقة به. وأثناء استجوابه وهو محتجز بمعزل عن العالم الخارجي، دفع إلى الاعتقاد بأنه مجرد شاهد وليس متهماً، ولم يبلَّغ كما هو مطلوب بمقتضى القانون بحقوقه التي ينبغي أن يتمتع بها أثناء الاحتجاز السابق على المحاكمة، ولا بالتهم التي يجري التحقيق معه بناء عليها.


وأبلغ جرجس الخوري المحكمة بأنه قد تعرض للتعذيب أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي في الفترة السابقة على المحاكمة، وقال إن "الاعترافات" - التي تراجع عنها لاحقاً - قد انتزعت منه تحت التعذيب. وقال إنه قد تعرض للتعذيب على أيدي أعضاء في الاستخبارات العسكرية، الذين استخدموا ضده وسائل تعذيب عديدة شملت: الشبْح (التعليق من معصميه المكبلين خلف ظهره)؛ والصعق بالكهرباء؛ وسحق الأظافر؛ ونزع الشعر؛ والحرمان المتكرر من الطعام والنوم لفترات زادت على 40يوماً؛ وإجباره على شرب الماء القذر، وإسماعه تهديدات بقتل أفراد عائلته. وكنتيجة للتعذيب، قال إنه لم يكن قادراً على الوقوف على قدميه لمدة تقرب من الشهر، بينما كان ينـزف من أماكن مختلفة من جسمه، بما في ذلك فمه، وعانى من الهلوسة إلى حد أنه نسي اسمه. وقال إنه كان يضرب بحضور القضاة والنائب العام. وأُبلغ بأن أمامه واحداً من خيارين: إما الاعتراف بأنه هو نفسه الذي فجَّر الكنيسة، أو أنه شارك في عملية التفجير. وأخبر المحكمة بأنه وقَّع في النهاية على أوراق قدمت إليه لأنه لم يعد يحتمل آثار التعذيب، التي كان يضاعف منها ألم في الظهر ناجم عن عملية أجريت له في عام 1987.


تلقت منظمة العفو الدولية العديد من التقارير المتعلقة بالتعذيب في مركز اعتقال وزارة الدفاع. فقد توفي فوزي الراسي، الذي كان بين من احتجزوا بالعلاقة مع تفجير الكنيسة، في الحجز نتيجة للتعذيب، على ما يبدو. وكان مركز اعتقال وزارة الدفاع في وقت اعتقال سمير جعجع وجرجس الخوري واحتجازهما اللاحق بمعزل عن العالم الخارجي مكان اعتقال غير قانوني يعمل بصورة مخالفة للقانون اللبناني والمعايير الدولية. ولا يزال يعمل خارج نطاق نظام السجون العادي للدولة بالرغم من إضفاء الصفة القانونية عليه كمركز للاعتقال في يناير/كانون الثاني 1995.


h ومركز اعتقال وزارة الدفاع هو واحد من حوالي ثمانية مراكز احتجاز "خاصة" في البلاد أجيزت من قبل الحكومة في النصف الأول من التسعينيات بمرسوم صدر عن مجلس الوزراء. وتخضع هذه لولاية وزير الدفاع، ومن الواضح أنها تدار من قبل الاستخبارات العسكرية وغيرها من الأجهزة الأمنية. وقد استخدم مركز اعتقال وزارة الدفاع، وهو سجن ذو إجراءات أمنية قصوى، كمركز اعتقال انتقالي عبر السنين يحتجز فيه المعتقلون لأسابيع أو شهور قبل نقلهم في الغالب إلى سجون عادية. وفي بعض الحالات الخاصة، يمكن أن يعاد السجناء السياسيون إلى مركز اعتقال وزارة الدفاع، حيث يمكن أن يتعرضوا للإساءة مجدداً. وما زال مركز اعتقال وزارة الدفاع خارج نطاق زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وعلى ما يظهر خارج نطاق أنظمة تفتيش السجون التي تديرها وزارة الداخلية.


وبلغت سمعة مركز اعتقال وزارة الدفاع درجة من السوء جعلت أحد المعتقلين يشعر "بهلع شديد ويدعو اللهبأن( يميته) قبل (وصوله) هناك حتى لا يستطيعوا المس (به)" عندما أُبلغ في عام 2000بأنه بصدد أن ينقل إلى المركزأنظر لبنان: تعذيب ومحاكمة جائرة لمعتقلي الظنية، منظمة العفو الدولية، رقم الوثيقة: MDE 18/005/2003، مايو/أيار 2003، ص 12.

. وأبلغ معتقل سابق في مركز اعتقال وزارة الدفاع من أعضاء القوات اللبنانية ممن احتجزوا لسنوات من دون محاكمة، منظمة العفو الدولية في 2002ما يلي:


"كان هناك الصعق بالصدمات الكهربائية والشبْح وانتزاع "الاعترافات" بالإكراه. أما الزنازين فكانت بلا نوافذ ولا يدخلها ضوء الشمس. كانت مثل قبر: حيث يجري حصرك في مكان واحد لفترات طويلة وإخضاعك للمعاملة السيئة، ولا يسمح لك بالذهاب إلى المرحاض إلا مرة واحدة أثناء النهار (يعطى المحتجزون عبوات فارغة أثناء الليل ليستعملوها كبديل للخروج)، وذلك بعد أن تُعصب عينا المعتقل وتكبل يداه. وفي بعض الأحيان، تصبح الزنازين مزدحمة إلى حد ترك الأشخاص مكبلي الأيدي ومعصوبي العينين في الممرات. ونتيجة للحبس الانفرادي لفترات طويلة تحت الأرض، كان المعتقلون يعانون بدنياً ونفسياً. وكانوا ضعفاء من الناحية الجسدية ويعانون من ألم في مفاصلهم".


وتشمل بعض أساليب التعذيب التي جرى توثيقها في السنوات الأخيرة من جانب منظمة العفو الدولية استناداً إلى شهادات أدلى بها معتقلون سابقون في مركز اعتقال وزارة الدفاع ما يلي:


  1. الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي في زنازين تحت الأرض يبلغ طولها نحو ثلاثة أمتار وعرضها مترين ولا يدخلها الهواء الطبيعي أو ضوء الشمس؛

  2. تجريد المعتقل من ملابسه بالكامل؛

  3. عصب العينين وتكبيل اليدين بالقيود وربط اليدين خلف الظهر؛

  4. الاستجواب المطوَّل لساعات، وغالباً أثناء الليل؛

  5. الضرب على أجزاء مختلفة من الجسم؛

  6. سحق أصابع القدمين؛

  7. نزع الشعر؛

  8. تعريض المعتقل لصرخات المعتقلين الآخرين أثناء تعذيبهم؛

  9. التهديد بالاعتداء على القريبات الإناث واغتصابهن؛

  10. إجبار المعتقل على البقاء لفترات طويلة في أوضاع ثابتة؛

  11. الصعق بالصدمات الكهربائية؛

  12. الشبْح (التعليق من المعصمين بعد تكبيلهما خلف الظهر)؛

  13. الإساءة إلى المعتقدات الدينية للمعتقل؛

  14. المنع من الصلاة أو الاتصال برجال الدين المسيحيين؛

  15. التثبيت المطوَّل في أوضاع ملتوية أثناء الضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء المجدولة على باطن القدمين؛

  16. الحرمان من النوم والطعام والشراب لفترات طويلة؛

  17. الحرمان من الذهاب إلى المرحاض إلا مرة واحدة في النهار، وإجبار المحتجز على استخدام العبوات أثناء الليل.

المحاكمات أمام المجلس العدلي


في 13يونيو/حزيران 1994، وجِّهت إلى 22 شخصاً بينهم سمير جعجع وجرجس الخوري تهم تتصل بتفجير الكنيسة، إلا أن التهم الموجهة إلى معظمهم أسقطت في وقت لاحق من قبل قاضي التحقيق. وشملت التهم التي وجهت ضد كلا المتهميْن، طبقاً لأحكام قانون العقوبات وقانون [الإرهاب] رقم 11/1/1958، جرائم "القيام بأعمال تستهدف تغيير دستور البلاد بطرق غير مشروعة"، وارتكاب عمليات قتل، والعمل على إسقاط "الدور الشرعي المتمثل بالجيش". وأُحيل ثمانية من الأشخاص الاثنين والعشرين، بمن فيهم سمير جعجع وجرجس الخوري، إلى المحاكمة (حوكم خمسة منهم غيابياً) أمام المجلس العدلي. وفي يوليو/تموز 1996، برأت المحكمة سمير جعجع من تهمة تفجير الكنيسة، لكنها حكمت عليه بالسجن عشر سنوات للاحتفاظ بميليشيا تحت ستار حزب سياسي، وللمتاجرة بالأسلحة العسكرية والمتفجرات؛ بينما حكم على جرجس الخوري بالسجن مدى الحياة مع الأشغال الشاقة.



وفي ما بين 1995و1999، صدرت بحق سمير جعجع أحكام متعددة بالإعدام من جانب المجلس العدلي خففت إلى السجن مدى الحياة بالعلاقة مع قتل داني شمعون وعائلته في أكتوبر/تشرين الأول 1990، واغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي أثناء الحرب الأهلية في 1987، ومحاولة اغتيال الوزير اللبناني السابق ميشيل المر في 1991. وحكمت محكمة جنائية عليه أيضاً بالسجن مدى الحياة لاغتيال الكادر السابق في القوات اللبنانية إلياس الزايك في 1990.


والمجلس العدلي محكمة خاصة تحال إليها القضايا بناء على تقديرات مجلس الوزراء، وبمقتضى تزكية من وزير العدل، وليس كنتيجة لإجراءات قضائي7? عادية. وللمجلس القضائي ولاية على القضايا التي تشمل، بين جملة أشياء، عمليات أو محاولات اغتيال كبار السياسيين والدبلوماسيين والشخصيات الدينية، وقضايا العنف السياسي و"الإرهاب". ولا تقبل الأحكام التي يصدرها المجلس العدلي، بما في ذلك أحكام الإعدام، المراجعة القضائية. وقد أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها بشأن إجراءات المجلس العدلي، التي لا تتماشى مع معايير المحاكمات العادلة بحسب ما أرسته المادة 14من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهي الهيئة التي

تراقب تنفيذ الدول لأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على أن "القرارات الصادرة عن المجلس

القضائي لا تخضع للاستئناف ... خلافاً لما تقضي به الفقرة 5من المادة 14من العهد"الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان، لبنان، UN Doc. CCPR/C/79/Add.78 (1997)، الفقرة 9.

. ويساور منظمة العفو الدولية

القلق أيضاً من أن المتهمين الذين يحاكمون أمام هذه المحكمة يقضون على نحو روتيني فترات اعتقال مطوَّلة قبل المحاكمة تصل إلى سنوات أحياناً.


وتعتبر منظمة العفو الدولية أن المحاكمات التي تُجرى أمام المجلس العدلي شكل خرقاً للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة بسبب كون قراراتها قطعية وغير قابلة للاستئناف. وتتسم الطريقة التي تحال بها القضايا على هذه المحكمة بالانتقائية، وربما تقوم الطريقة التي تُنظر فيها هذه القضايا على اعتبارات سياسية وليس بحسب أهليتها القانونية. إن المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على ما يلي: "الناس جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته. وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب". ويؤكد المبدأ 5من المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية على الحق في المحاكمة أما محكمة عادية: "لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم العادية أو الهيئات القضائية التي تطبق الإجراءات القانونية المقررة. ولا يجوز إنشاء هيئات قضائية، لا تطبق الإجراءات القانونية المقررة حسب الأصول والخاصة بالتدابير القضائية، لتنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية أو الهيئات القضائية".



وقد كان معظم المتهمين الذين صدرت بحقهم أحكام من قبل هذه المحكمة على مدار السنوات العشر الماضية من المنتمين إلى الجماعات السياسية المعارضة للحكومة. واتسمت محاكماتهم بالتحامل الخطير نتيجة لحملات التشهير ذات الدوافع السياسية التي تلت القبض عليهم. وفي القضيتين موضوع هذا التقرير، والقضايا التي عرضت على المحكمة لاحقاً، لاحظت منظمة العفو الدولية أن الحق في افتراض البراءة قد انتهك على نحو ثابت.


وأحد أوجه الخلل الرئيسية في عمل المجلس العدلي و عدم تمتعه بالولاية القضائية الكاملة على العملية القانونية للحالات المعروضة عليه، ولا سيما الولاية على إجراءات ما قبل المحاكمة. ويخالف هذا المبدأ 3من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، الذي ينص على أن "تكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي كما تنفرد بسلطة البت فيها إذا كانت أية مسألة معروضة عليها للفصل فيها تدخل في نطاق اختصاصها حسب التعريف الوارد في القانون".


وبحسب معرفة منظمة العفو الدولية، فإن المجلس العدلي فشل في إجراء التحقيق في العديد من ادعاءات المتهمين بأنهم قد تعرضوا للتعذيب وإساءة المعاملة أثناء فترة الاحتجاز السابقة على المحاكمة. وفي حالة جرجس الخوري، لم يحقق المجلس العدلي في المزاعم الخطيرة بالتعرض للتعذيب وبانتزاع "اعترافات" منه تحت التعذيب وجراء سوء المعاملة على الرغم من اتهام جرجس الخوري النائب العام آنذاك بأنه كان حاضراً بينما كان هو يتعرض للضرب أثناء استجوابه في الحجز بمعزل عن العالم الخارجي.


الحبس الانفرادي لفترات ممتدة في مركز اعتقال وزارة الدفاع


بعد ما يربو على عشر سنوات من اعتقالهما، ظل سمير جعجع وجرجس الخوري محتجزيْن في الحبس الانفرادي داخل زنزانتين منفصلتين تحت الأرض في مركز اعتقال وزارة الدفاع. ولا يسمح لهما بالاتصال مع المحتجزين الآخرين حتى عندما يكونان خارج زنزانتيهما، وهما محرومان من الاطلاع على الصحف أو الاستماع إلى الراديو أو مشاهدة التلفزيون أو قراءة أي أدبيات ذات طبيعة سياسية. بيد أن المعتقليْن، كليهما، يتلقيان زيارات من أفراد عائلتيهما في أيام معينة من الأسبوع. وهذه الزيارات مقيَّدة وتخضع للموافقة المسبقة من قبل النائب العام، وتتم من وراء حاجز زجاجي وفي حضور ضباط من الاستخبارات العسكرية.


ومن الواضح أن السجينين السياسيين، المعزولين عن العالم الخارجي، قد عانيا جسدياً ونفسياً. فقد خضع سمير جعجع للفحص على أيدي فريق من الأطباء أعلن نتائج ما قام به من فحوصات على الملأ في مؤتمر صحفي عقد في نقابة الأطباء ببيروت في 16سبتمبر/أيلول 2004. وكشف الفحص عن أن سمير جعجع يعاني من تميع العظام، وهو مرض يصيب العظام غير شائع لدى الأشخاص ممن هم في أوائل الخمسينيات من العمر كما هو الحال بالنسبة لسمير جعجع، ويمكن أن يؤدي إلى تكسر العظام بصورة تلقائية. وعلى الرغم من الفحوص الطبية الإضافية، إلا أنه لم تتضح أسباب إصابته بهذا المرض، ما أدى إلى اعتقاد لجنة الأطباء بأن ذلك يعود إلى نقص في التعرض لأشعة الشمس بصورة منتظمة وكافي

u1577? على مدار السنين. وأظهر التقرير أيضاً أنه يعاني من تسارع دقات القلب، الذي يمكن أن يكون قد نجم عن التعرض لظروف جسدية ونفسية شديدة التوتر. وشددت اللجنة على ضرورة توفير الرعاية الطبية المناسبة له وفقاً للمعايير الدولية، وخلصت إلى أن الصحة العامة لسمير جعجع تبدو جيدة، غير أن هنالك علامات على اعتلال الصحة بالنظر إلى حالة قلبه وعظامه. وكان جعجع قد عانى في سنوات سابقة من شلل في أحد أصابعه وألم مزمن في كتفه الأيمن. وبعد عشرة أيام من إصدار التقرير الطبي المتعلق بسمير جعجع، أعلنت السلطات أنه قد تم نقله إلى زنزانة جديدة ذُكر أنها ذات أوضاع أفضل.


أما الوضع الصحي لجرجس الخوري فغير معروف على وجه الدقة نظراً لعدم السماح له بأن يعرض على عناية طبية مستقلة، بيد أنه يعاني، بحسب ما ذُكر، من آلام في العمود الفقري والعنق وإحدى ساقيه ومعدته. وينام، بحسب ما ورد، على فرشة على أرض الزنزانة. وبحسب معلومات حصلت عليها منظمة العفو الدولية، فقد رفضت السلطات طلباً تقدمت به عائلته لعرضه على فحص طبي مستقل. ويسمح له باستقبال عائلته كل ثلاثاء وخميس، باستثناء أيام العطل الرسمية، غير أن طلب عائلته بأن يسمح له بالالتقاء برجال دين وبتلقي الرعاية الطبية ووجبات طعام من أسرته ووجه بالرفض.

إن منظمة العفو الدولية تعتبر الحبس الانفرادي لفترات الممتد معاملة قاسية وضارة بصحة السجين الجسدية والعقلية. ويصدق هذا بشكل خاص على حالة سمير جعجع وجرجس الخوري، اللذين احتجزا لأكثر من عشر سنوات في زنازين انفرادية معزولة وفي مكان لا يعتبر مؤسسة للسَجْن، ولا يخضع لقواعد السجن العادية، وليس مفتوحاً لزيارات الصليب الأحمر الدولي أو مفتشين آخرين. إن المبدأ 7من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن معاملة السجناء ينص على أن "يُُضطلَع بجهود لإلغاء عقوبة الحبس الانفرادي أو للحد من استخدامها وتُشجَّع تلك الجهود". وقد أعلنت لجنة حقوق الإنسان أن "الحبس الإنفرادي لفترة طويلة ... ربما يرقى إلى مرتبة الأفعال التي تحظرها المادة 7" (من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة)(4).


التزامات لبنان بمقتضى قانون حقوق الإنسان


في هاتين القضيتين، كانت الضمانات التي يجب أن تمنح للمحتجزين في فترة ما قبل المحاكمة غائبة، ما أدى إلى مزاعم بالتعرض للتعذيب والترهيب لانتزاع "الاعترافات". وأحد هذه الضمانات هو حق المعتقل في أن يعرض دون تأخير على قاض أو سلطة مؤهلة أخرى. فبحسب المادة 9(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان كدولة طرف منذ 1976، "يُقدَّم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعاً، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانوناً مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه". وتنص مجموعة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن على أن:

"يحضر الشخص المحتجز بتهمة جنائية أمام سلطة قضائية أو سلطة أخرى، ينص عليها القانون، وذلك على وجه السرعة عقب القبض عليه، وتبت هذه السلطة دون تأخير في قانونية وضرورة الاحتجاز، ولا يجوز إبقاء أي شخص محتجزاً على ذمة التحقيق أو المحاكمة إلا بناء على أمر مكتوب من هذه السلطة. ويكون للشخص المحتجز الحق، عند مثوله أم هذه السلطة، في الإدلاء بأقوال بشأن المعاملة التي لقيها أثناء احتجازه".


والسلطات اللبنانية ملزمة أيضاً بفتح تحقيق بمزاعم التعرض للتعذيب. وقد رفضت السلطات في قضية جرجس الخوري إجراء تحقيق مستقل في ادعاءات التعذيب، واعتبرت تقريراً طبياً أصدرته هي نفسها برهاناً قاطعاً على أنه لم يخضع للتعذيب. وقد أورد المقرر الخاص (للأمم المتحدة) المعني بالتعذيب أنه "ينبغي أن لا يتعامل المدعون العامون والقضاة مع غياب علامات التعذيب، التي من شأنها أن ترافق ادعاءات التعرض للتعذيب، عن الجسم، على أن ذلك بالضرورة برهان على أن مثل هذه الادعاءات لا أساس لها"، ودعا إلى "لفت أنظار السلطة القضائية إلى الأشكال الأخرى للتعذيب، كالترهيب وغيره من ضروب التهديد"UN Doc. E/CN.4/1998/38/Add.2، تقرير بشأن زيارة المكسيك، 14 يناير/كانون الثاني 1998، الفقرة 88(i).

. وقالت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الأنسانإن"الترهيب والإكراه، كما تصفهما المادة 1من الاتفاقية [مناهضة التعذيب] ...، بما في ذلك التهديدات الخطيرة والمعقولة (وكذلك التهديدات

بالقتل) للسلامة البدنية للضحية أو لشخص ثالث، يمكن أن ترقى إلى مرتبة المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو إلى مرتبة التعذيب"قرار لجنة حقوق الإنسان رقم 2003/32، 23أبريل/نيسان 2003، الفقرة 6.



ولدى منظمة العفو الدولية بواعث قلق من أنه على الرغم من التراجع الكامل من جانب جرجس الخوري عن أقواله التي أدلى بها أثناء احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي في مركز اعتقال وزارة الدفاع، حيث أكد أنه قد أدلى بها تحت وطأة التعذيب، إلا أن المجلس العدلي بلها وأخذ بها كدليل رئيسي ضده وضد المتهمين الآخرين. ويشكل هذا مخالفة للمادة 15من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تنص على أنه يجب أن "تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال"بينما لم يكن لبنان دولة طرفاً في هذه الاتفاقية في حينه، فإن هذا المبدأ مكرس في إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1975، المادة 12.


وفي هذا الصدد، قال المقرر الخاص المعني بالتعذيب إنه "ينبغي أن لا يكون لأي أقوال أو اعتراف يدلي بهما شخص محروم من حريته، سوى تلك التي يدلى بها أم قاض أو محام، أية قيمة ثبوتية في المحكمة، إلا كدليل ضد من يتهمون بالحصول على الاعتراف بوسائل غير قانونيةUN Doc. E/CN.4/2002/76، 27 ديسمبر/كانون الأول 2001، الملحق 1.. وأوصى المقرر الخاص المعني بالتعذيب بأنه "ينبغي على المدعين العامين والقضاة عدم اشتراط وجود برهان قاطع على وقوع التعذيب الجسدي أو المعاملة السيئة (وبدرجة أقل بكثير لإدانة شخص متهم بارتكاب التعذيب) قبل أن يقررا عدم الاعتماد على الاعترافات أو المعلومات التي يزعم أنه قد تم الحصول عليها من المتهم بواسطة مثل هذه المعاملة؛ وفي حقيقة الأمر، ينبغي أن يقع عبء الإثبات على الدولة في تبيان عدم حدوث الإكراه"UN Doc. E/CN4./1999/61/Add.1، تقرير عن زيارة إلى تركيا (1988)، الفقرة 113(هـ)..وتنص المادة 15من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن "تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأيةأقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال". وقد أوصت لجنة مناهضة التعذيب "بالمنع الصارم لجميع الأدلة التي يتم الحصول عليها عن طريق التعذيب، على نحو مباشر أو غير مباشر، من أن تصل إلى اعتراف القضاة أصحاب القرار بها في جميع الإجراءات القضائية"UN Doc. A/53/44 (1998)، الملاحظات الختامية المتعلقة بألمانيا، الفقرة 193.


أما في مركز اعتقال وزارة الدفاع وغيره من السجون "الخاصة" التي تديرها الاستخبارات العسكرية وسواها من الأجهزة الأمنية، فإن المعتقلين السياسيين، الذين يتم توقيفهم من دون مذكرة إحضار عادة، يحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي بصورة روتينية لأشهر دون أن يعلم بهم أقاربهم أو محاموهم. وتسهِّل هذه الممارسة، التي استمرت لسنوات الآن، ارتكاب انتهاكات أخرى للحقوق الإنسانية للمحتجزين، بما في ذلك التعذيب وإساءة المعاملة، التي ناهيك عن كونها هي بحد ذاتها انتهاكاً لحقوق الإنسان تؤدي إلى اعتلال صحتهم الجسدية والعقلية، وربما الموت في الحجز.


وهذه انتهاكات للقانون اللبناني كما هي انتهاكات للمعايير والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي انضم إليها لبنان كدولة طرف، بما فيها اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وتقول المادة 10من إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري إنه "يجب أن يكون كل شخص محروم من حريته موجوداً في مكان احتجاز معترف به رسمياً"التعليق العام على المادة 7، المصدر نفسه، الفقرة 11.

. وتقول لجنة حقوق الإنسان إنه ينبغي احتجاز المعتقلين "في أماكن معترف به رسمياً كأماكن للاحتجاز". وزيادة على ذلك، فقد قال المقرر الخاص المعني بالتعذيب إن "الاحتفاظ بأماكن سرية للاعتقال ينبغي أن يتم إلغاؤه بمقتضى القانون. وينبغي أن يكون احتجاز شخص في مكان سري و/أو غير رسمي من جانب أي مسؤول جريمة يعاقب عليها القانون. كما ينبغي عدم السماح بالاستشهاد في المحكمة بأي دليل يتم الحصول عليه من الشخص المحتجز في مكان غير رسمي للاحتجاز، ما لم يتم التأكيد عليه من جانب الشخص المحتجز أثناء استجوابه في أماكن رسمية"UN Doc. E/CN.4/2002/76، 27 ديسمبر/كانون الأول 2001، الملحق 1..


وعلى الرغم من الدعوات إلى تحسين ظروف مراكز الاحتجاز "الخاصة" لتتطابق مع ما تنص عليه الأنظمة المعتمدة للسجون اللبنانية والمعايير الدولية، بما في ذلك من قبل أعضاء في البرلمان، إلا أن أنباء الانتهاكات ضد المحتجزين في مركز اعتقال وزارة الدفاع ما زالت تتالى، ولا يبدو أنه يتم التحقيق فيها. ويتعارض عدم السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة مركز اعتقال وزارة الدفاع مع المرسوم رقم 8800، الذي أصدره الرئيس إميل لحود في 4أكتوبر/ تشرين الأول 2002. وينص المرسوم على أن" "يُسمح لمندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة المسجونين الذين يختارونهم، وبالتحدث إليهم من دون رقيب أو تقييد لوقت الزيارة في المكان الذي يختاره المندبون لهذه الغاية ضمن السجن. وكما يسمح لهم بتسجيل هوية المسجونين الذين يقابلونهم". ويخول المرسوم المندوبين الطبيين للجنة الدولية للصليب الأحمر صلاحية الاجتماع بجميع السجناء الذين يختارونهم ومقابلتهم بلا رقابة. بيد أنه، وعلى الرغم من هذا المرسوم، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا تزال ممنوعة من زيارة مركز اعتقال وزارة الدفاع، ومن الواضح أن سبب ذلك يعود إلى رفض الاستخبارات العسكرية التقيد بالمرسوم.



خلاصات وتوصيات


تعتبر منظمة العفو الدولية محاكمة سمير جعجع وجرجس الخوري خرقاً للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وظروف احتجازهما قاسية ولاإنسانية وحاطة بالكرامة. ويساور القلق المنظمة بالقدر نفسه جراء أنباء التعذيب وإساءة المعاملة التي أخضع لها جرجس الخوري وعشرات من المحتجزين الآخرين ممن يحتجزون في مركز اعتقال وزارة الدفاع. وتأسف المنظمة لعدم تجاوب السلطات اللبنانية مع نداءاتها المتكررة من أجل تقديم هذين السجينين لمحاكمة نزيهة، ومباشرة تحقيق مستقل في جميع مزاعم التعذيب وإساءة المعاملة وانتزاع "الاعترافات" تحت التعذيب والمعاملة السيئة في مركز اعتقال وزارة الدفاع أثناء احتجازهما ?معزل عن العالم الخارجي. وتعتقد منظمة العفو الدولية أنه ينبغي استبعاد أي


أقوال تم الإدلاء بها بصورة غير طوعية أو انتزعت تحت التعذيب والمعاملة السيئة كأدلة في أية إجراءات قضائية أو سواها من الإجراءات، إلا حيث تستخدم ضد شخص متهم بممارسة التعذيب. وتدعو منظمة العفو الدولية السلطات اللبنانية إلى أن تنفذ دون إبطاء التوصيات التالية:


  1. ينبغي الإفراج عن سمير جعجع وجرجس الخوري، أو إعادة محاكمتهما على وجه السرعة أما محكمة جزاء عادية ومستقلة، تطبق الأحكام النظامية للقانون الجنائي، وضمن إجراءات قانونية تتقيد بالمعايير الدولية للمحاكمة النـزيهة، بما في ذلك حق المتهمين في ما يلي:


  1. الحصول على الوقت والتسهيلات الكافيين لإعداد دفاعهم والاتصال بمحام من اختيارهم هم أنفسهم، وفي ظروف تضمن الخصوصية وبلا عوائق؛

  2. مباشرة محاكمتهم بلا تأخير غير مبرر؛

  3. تفحص شهود الادعاء أو إخضاعهم للتدقيق، وإتاحة الفرصة لشهود الدفاع للحضور وتفحصهم في ظروف مماثلة للظروف التي تعطى لشهود الادعاء؛

  4. عدم إجبارهم على الشهادة ضد أنفسهم أو "الاعتراف" بذنبهم؛

  5. عدم السماح بالاستشهاد بأي أقوال تم الحصول عليها من خلال التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في أية إجراءات أمام المحكمة؛

  6. استئناف قرار المحكمة ومراجعته من قبل محكمة أعلى تكون بالمثل مستقلة عن الحكومة؛


  1. إجراء تحقيق مستقل وشامل ونزيه في محاكمتيهما وفي مزاعم التعرض للتعذيب وسوء المعاملة، وفي إبقائهما في الحجز الانفرادي لفترة طويلة للغاية في ظروف قاسية ولاإنسانية ومهينة؛

  2. إصلاح النظام القضائي، بما في ذلك إلغاء نظام المحاكم الذي لا يخضع للمراجعة القضائية وعقوبة الإعدام. وضمان محاكمة جميع المحتجزين أمام محكمة ذات أهلية ونزيهة تُنشأ على أساس القانون ومن دون أي تدخل ذي طبيعة سياسية أو غير ذلك، وبحيث تضم هيئتها قضاة يملكون السلطة الحصرية للبت في الأمور ذات الطبيعة القضائية؛

  3. تنفيذ جميع المعاهدات والمعايير الدولية ذات الصلة، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومجموعة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء؛

  4. تطبيق المرسوم رقم 8800 وضمان السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول غير المقيّد إلى جميع السجون اللبنانية، بما فيها تلك التي يديرها مركز اعتقال وزارة الدفاع وجميع مراكز الاحتجاز "الخاصة" الأخرى. ويجب أن يخضع مركز اعتقال وزارة الدفاع وجميع السجون الأخرى للتفتيش المستقل من قبل هيئات مستقلة عن سلطات إدارة السجون؛

  5. تحسين ظروف الاحتجاز في مركز اعتقال وزارة الدفاع، بما في ذلك عن طريق ضمان مراعاتها للمعايير الدولية. ويجب أن يخضع مركز اعتقال وزارة الدفاع وجميع السجون "الخاصة" الأخرى لأنظمة السجون العادية التي تحكم نظام السجون في لبنان، وبما يتسق مع المعايير الدولية المعترف بها لمعاملة المحتجزين؛

  6. وعلى وجه الخصوص، اتخاذ خطوات فورية لضمان أن يعامل المحتجزون معاملة حسنة وأن لا يعرضوا لأي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ويتعين على السلطات وقف احتجاز المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي، وحبس المعتقلين في زنازين مظلمة أو إخضاعهم لأي معاملة أو عقوبة غير قانونية أخرى من شأنها أن تلحق الأذى بصحتهم العقلية أو البدنية.

Page 7 of 7

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE