Annual Report 2012
The state of the world's human rights

Document - Saudi Arabia: Defying world trends - Saudi Arabia's extensive use of capital punishment

رقم الوثيقة : MDE 23/015/2001

1 نوفمبر/تشرين الثاني2001

السعودية :تحدي الاتجاهات العالمية

الاستخدام الواسع لعقوبة الإعدام في السعودية (1)


في حين وصلت أنباء إعدام تيموثي ماكفيه في الولايات المتحدة الأمريكية إلى كافة أصقاع الأرض، مع تفاصيل دقيقة حول كيفية إزهاق روحه، فإنه بالكاد لاحظ العالم إعدام ما لا يقل عن ثمانية أشخاص في المملكة العربية السعودية خلال الأيام السبعة التي سبقت إعدامه مباشرة وبعده. وبذلك ارتفع عدد الأشخاص الذين أُعدموا في السعودية إلى ما لا يقل عن 78 شخصاً في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، فأصبح المجموع خلال العقد الأخير يقارب الـ 1000.(2) وتطرح هذه الأرقام السؤال التالي : لماذا لدى المملكة العربية السعودية، التي لا يتجاوز عدد سكانها قرابة 19 مليون نسمة، معدل إعدامات يصل إلى 100 سنوياً في الوقت الذي ارتفع فيه عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام قانوناً أو ممارسة إلى 109 في جميع مناطق العالم وأنظمته القانونية. ويستمر تحدي هذا الاتجاه بمزيج من العوامل القانونية والقضائية والسياسية التي تتطلب معالجتها إرادة سياسية قوية لدى حكومة المملكة العربية السعودية مقرونة باهتمام ومساعدة ثابتين من جانب المجتمع الدولي.


ولخص المقرر الخاص، المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بإجراءات مقتضبة أو الإعدام التعسفي، في التقرير الذي رفعه إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العام 2001، المعايير الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة بتطبيق عقوبة الإعدام. وهي تتضمن حظر تطبيق عقوبة الإعدام ضد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً عند ارتكاب الجريمة، والتوصيات المتعلقة بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام في الأشخاص الذين يعانون من تخلف عقلي أو ذوي الأهلية العقلية المحدودة للغاية، وحظر تطبيق عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم التي لم ترتكب مع سبق الإصرار والترصد التي تترتب عليها عواقب مميتة أو خطيرة للغاية، أو على أية جرائم أخرى بخلاف الجرائم الأكثر خطورة. وشددت على أنه "من الضروري أن تتقيد الإجراءات القانونية المتعلقة بجرائم يُعاقب عليها بالإعدام بأعلى معايير الحياد والكفاءة والموضوعية والاستقلالية التي تعتمدها السلطة القضائية، وفق الصكوك القانونية الدولية ذات الصلة. وفي ذلك الإطار، يجب أن يستفيد المتهمون الذين يواجهون عقوبة الإعدام استفادة كاملة من الحق في الحصول على مشورة قانونية كافية في كل مرحلة من مراحل الإجراءاتالقضائية، ويجب أن يُعتبروا أبرياء إلى أن تثبت إدانتهم على نحو لا محل فيه للشك المعقول (لا لبس فيه). وينبغي أن تحترم الإجراءات القانونية في جميع الحالات وتكفل الحق في إعادة النظر في كل من الجوانب الواقعية والقانونية للقضية أمام سلطة أعلى."(3)


1. العوامل القانونية والقضائية

تعزز العوامل القانونية والقضائية بصورة أساسية الاستعمال الواسع لعقوبة الإعدام في المملكة العربية السعودية. وهي تشمل مجموعة واسعة للغاية من الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام، والعمليات القضائية الجنائية التي تتسم بالسرية وبالإجراءات المقتضبة، والممارسات القائمة على التمييز وغير المواتية للعمال الأجانب والنساء.


1.1 مجموعةواسعة من الجرائم يُعاقب عليها بالإعدام

نطاق استخدام عقوبة الإعدام في السعودية واسع للغاية على صعيد كل من الجرائم والمذنبين.


وفيما يتعلق بطبيعة الجرائم، فهي واسعة النطاق جداً لدرجة أنه يصعب تحديد الحد الفاصل بين التصرفات الأخلاقية والتصرفات الإجرامية. ويتم تنظيم هذه الجرائم بمزيج من أحكام الشريعة والقوانين التي تُشرِّعها الحكومة، وهي في معظمها تتسم بالغموض الشديد وبالتالي عرضة لإساءة التطبيق. والأحكام القائمة على الشريعة التي تنص على استخدام عقوبة الإعدام هي القصاص والحدود والتعزير.


وبموجب القصاص، تُفرض عقوبة الإعدام بالنسبة للقتل، لكن أقارب ضحية القتل (القتيل) لديهم الحق في تحديد ما إذا كان يجب إعدام الجاني أو العفو عنه، مقابل تعويض أو بدونه، وفي هذه الحالة تسقط عقوبة الإعدام. لكن تجدر الملاحظة أنه في حين أن جميع المدارس (المذاهب) الفقهية الإسلامية تتفق على عقوبة الإعدام بالنسبة للقتل العمد، إلا أنها تختلف حول ما يشكل فعلاً قتلاً عمداً، وحول ما إذا كان القتل شبه العمد يجب أن يعاقب عليه بالعقوبة ذاتها، أو يُدفع عنه تعويض.(4)


وتُطبق عقوبة الإعدام بموجب الحدود في ثلاث حالات على الأقل : بالنسبة للزاني حيث تُنفذ العقوبة بواسطة الرجم، وبالنسبة للردة وبالنسبة للسطو الذي يرتكب7? قطاع الطرق عندما تؤدي الجريمة إلى إزهاق أرواح، وفقاً لأغلبية فقهاء المسلمين. لكن في السعودية تم إعدام أشخاص اتهموا بارتكاب هذه الجريمة حتى عندما لم تترتب عليها عواقب مميتة.


وتتضمن التشريعات الحكومية ما لا يقل عن قانونين يتسمان بصياغة غامضة، يتعلق أحدهما بجرائم المخدرات ويستند إلى الفتوى الدينية رقم 138 الصادرة عن مجلس كبار العلماء والتي اعتمدتها الحكومة في مارس/آذار 1987 ويتعلق الآخر بالتخريب و"الفساد في الأرض" ويستند إلى الفتوى رقم 148 الصادرة في أغسطس/آب 1988.


وقد جعل قانون مكافحة المخدرات عقوبة الإعدام إلزامية بالنسبة لمهربي المخدرات ومستورديها فضلاً عن موزعيها الذين يكررون ارتكاب جريمة توزيعها.(5) ولا يتضمن أي تعريف "للمخدرات" أو أي حصر لعقوبة الإعدام بمادة معينة.


وينص القانون الخاص بالتخريب والفساد في الأرض على أن عقوبة الإعدام ستُفرض على :

من ثبت شرعاً أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن، بالاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال كأنبيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها، ونحو ذلك"(6)


ويترك استعمال عبارة "الفساد في الأرض"، في غياب أي تعريف واضح الباب مشرَّعاً أمام اللجوء إلى عقوبة الإعدام حتى عندما لا تؤدي الجرائم إلى عواقب مميتة.

ويمكن توسيع نص عقوبة الإعدام أكثر بموجب التعزير. فإذا أفلت فعل ما من مصيدة عقوبة الإعدام بموجب جميع القواعد الواردة أعلاه، يمكن للقاضي أن يلجأ إلى عقوبة الإعدام بموجب التعزير على أساس قسوة الفعل، أو أخلاق المذنب. وتتضمن الأمثلة على ذلك إعدام أشخاص بسبب ممارسة السحر أو الشعوذة. وفي فترة قريبة تعود إلى 28 فبراير/شباط 2000، قُطع رأس حسن بن عوض الزبير، وهو مواطن سوداني، في الرياض عقب إدانته بالسحر والدجل والشعوذة".


وفيما يتعلق بالمذنبين، لا توجد في السعودية ضمانات قاطعة تمنع استخدام عقوبة الإعدام ضد فئات معينة من المجتمع مثل الأطفال والمصابين بالأمراض العقلية. ويجب حماية الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الثامنة عشرة من عقوبة الإعدام، لأن السعودية دولة طرف في اتفاقية حقوق الطفل. وتحظر ضمانات الأمم المتحدة التي تكفل حماية حق الذين يواجهون عقوبة الإعدام تنفيذها في الأشخاص الذين فقدوا عقلهم. كما تحظر هذه الضمانات تنفيذ عقوبة الإعدام في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً عند ارتكابهم الجريمة. ويلاحظ المقرر الخاص المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بإجراءات مقتضبة أو الإعدام التعسفي أن السعودية هي إحدى ست دول ورد أنها أعدمت أشخاصاً تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاماً عند ارتكاب الجريمة.(7) وبعد ذلك التقرير بعثت المقرر الخاص برسائل إلى الحكومات الست، تطلب فيها معلومات حول قوانينها وممارساتها الحالية المتعلقة باستخدام عقوبة الإعدام ضد المذنبين الأحداث. بيد أن السعودية لم ترد على هذا الطلب بحلول موعد إصدار التقرير الجديد للمقرر الخاص.(8) لكن من الناحية العملية، حُكم على عدد من الأطفال بالإعدام بعد أن انضمت السعودية إلى الاتفاقية في العام 1996. وبحسب ما ورد حكم بالإعدام على طفلين يبلغ عمرهما 14 و16. وكما ورد أُدين صبي عمره 16 عاماً بتهمة القتل وحُكم عليه بالإعدام في العام 1996، بعد نفاذ الاتفاقية في المملكة العربية السعودية. وبحسب الأنباء التي أوردتها الصحافة السعودية، لم ينقذه من الإعدام إلا الدية التي دفعتها والدته ومقدارها 500000 ريال سعودي (حوالي 135000 دولار أمريكي) إلى أقارب القتيل. وورد أن فتى عمره 14 عاماً اعتُقل في العام 1997 في الدمام بشأن مقتل امرأة مصرية وابنتها البالغة من العمر 13 عاماً. وذكرت الصحف السعودية أن مصادر الشرطة كشفت أن الفتى ‘اعترف’ بارتكاب الجريمة، وأن الشرطة سجلت اعترافه على شريط فيديو، وأنه من المتوقع أن يواجه عقوبة الإعدام. وطلبت منظمة العفو الدولية توضيحاً من الحكومة حول هاتين القضيتين، لكنها لم تتلق أي رد. وأوصت لجنة حقوق الطفل بأن تتخذ الحكومة السعودية "إجراءات فورية لوقف فرض عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم التي يرتكبها أشخاص هم دون الثامنة عشرة وإلغائها بموجب القانون."(9)


وكما ذكرنا أعلاه، تحظر الضمانة 3 من ضمانات الأمم المتحدة التي تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام تنفيذها ضد الأشخاص الذين أُصيبوا بالجنون. وإضافة إلى ذلك، من المهم الملاحظة أنه بموجب قواعد الشريعة، لا يمكن تحميل المجانين مسؤولية جنائية. لكن خادمة إندونيسية يقال إنها مريضة نفسياً معتقلة حالياً في السعودية بتهمة القتل. وقد احتُجزت ست زينب بنت دوهري روبا، وهي خادمة إندونيسية عمرها 33 عاماً وأم لطفلين، في المدينة المنورة منذ سبتمبر/أيلول 1999 بتهمة قتل مخدومتها. وقُبض عليها في سبتمبر/أيلول 1999 ويبدو أنها اعترفت بطعن مخدومتها 18 طعنة مميتة. وورد أنها مريضة نفسياً وأنها "اعترفت" بارتكاب الجريمة خلال استجوابها من جانب الشرطة. ولم يُسمح لها بمقابلة الممثل الدبلوماسي الإندونيسي أو محام أو تلقي زيارات من أفراد العائلة أو الأصدقاء. وقد طلبت منظمة العفو الدولية توضيحاً حول وضعها القانوني وحالتها الصحية، لكنها لم تتلق أي رد من السلطات السعودية. وإذا جمعنا معاً مجموعة الجرائم والمذنبين المعرضين لعقوبة الإعدام، يصبح نطاق استخدام هذه العقوبة بلا حدود تقريباً.


2.1 العملية القضائية الجنائية التي تتسم بالسرية والإجراءات الموجزة(10)

في تطور مهم وجديد، أصدر مجلس الشورى القانون الأول للإجراءات الجنائية في أكتوبر/تشرين الأول 2001، وفق الإعلانات الرسمية. ولم يكن قد نُشر نصه على الملأ عند كتابة هذا التقرير.


ونُقل عن الأمين العام لمجلسالشورى الدكتور حمود بن عبد العزيز البدر قوله إن مشروع القانون يشمل التوجيهات التي ينبغي على السلطات المكلفة بإقامة العدل اتباعها في جميع مراحل الاعتقال والتحقيق والمحاكمة وتوقيع العقوبات وأن الدولة لن تكون السلطة الوحيدة التي تصرف النظر عن القضية أو تسعى إلى المعاقبة على ارتكاب الجريمة. وأضاف أن الأنظمة المقترحة تضع أيضاً قيوداً معينة على أنشطة موظفي التحقيق وتشدد على الحاجة إلى احترام الشهود وحمايتهم.(11)


وكما ذُكر أعلاه، لم يُنشر القانون على الرأي العام بعد، لكن بحسب المصادر الرسمية، يتمثل هدفه الأساسي في تحسين العملية القضائية الجنائية. وقد طال انتظار أية مبادرة لديها مثل هذه الأهداف كما يتبين من إلقاء نظرة فاحصة على الممارسات الحالية للتوقيف والاعتقال وجلسات المحاكم والأدلة والاستئناف، حيث يتم تجاهل الحقوق الأساسية للمتهمين الذين يواجهون عقوبة الإعدام طوال هذه المراحل الخاصة بعملية القضاء الجنائي.(12)


والتوقيف التعسفي والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي من الممارسات الشائعة في السعودية. ويُحرم المتهم طوال فترة الاستجواب والتحقيق من الاتصال بالعالم الخارجي فضلاً عن المساعدة القانونية. وقد صرحت سفارة المملكة العربية السعودية في لندن قائلة" نحن لا نعتبر وجود المحامين شرطاً مسبقاً لإقامة العدل." (13)


وفي هذه المرحلة يظل المتهم تحت رحمة سلطات الاعتقال إلى أن يتم الحصول منه على اعتراف بأية وسيلة كانت، سواء طواعية أو بالإكراه أو التعذيب أو الخداع. والاستثناء الوحيد المعروف لدى منظمة العفو الدولية هو قضية الممرضتين البريطانيتين دبورا باري ولوسيل ماكلوكلان، اللتين اتُهمتا بارتكاب جريمة قتل في العام 1996 وسُمح لهما بمقابلة محام وهما في حجز الشرطة. بيد أنه حتى في هذه الحالة، لم يُسمح لهما بذلك إلا عقب ضغط دولي مارسته وسائل الإعلام وأوساط الشركات والتدخل الدبلوماسي من جانب وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، وليس استناداً إلى الحقوق الأساسية للمتهمتين. وعلى أية حال لم يُسمح للمتهمتين بمقابلة المحامي إلا بعد أن تم الحصول منهما على "الاعترافات" ويجب أن يصادق القاضي على الاعترافات التي تم الإدلاء بها أمام الشرطة. وحالما يجري الحصول على الاعتراف والمصادقة عليه، يمكن نقل المتهم إلى السجن، لكن كل هذا يجري غالباً من دون تقديم تفسير واضح للمتهم حول حقوقه أو ما ينتظره. وطوال العملية، نادراً ما يُبلَّغ المتهم بحقوقه أو بالإجراءات المعمول بها.(14)


ووفقاً للقانون السعودي، يجب أن تكون جلسات المحكمة علنية،(15) لكن على صعيد الممارسة العملية، فإن العكس هو الصحيح. وكقاعدة يمثل المتهم أمام قاض أو قضاة برفقة فرد أو أفراد من السلطات المسؤولة عن الاعتقال أو النائب العام، ومترجم شفوي في أغلب الأحيان بالنسبة لغير الناطقين باللغة العربية. والاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو أنه في بعض الحالات سُمح للمثلين القنصليين أو لمحاميهم بحضور جلسات المحاكم الدنيا كمراقبين أو مترجمين. ولا يُسمح للأقارب أو أفراد الجمهور أو الصحفيين بحضور الجلسات. وأوضح بيان رسمي صادر عن سفارة المملكة العربية السعودية في المملكة المتحدة بأن :


"... السفارة تود أن يعرف الجميع أن الصحافة لا تغطي المحاكمات التي تجري في المملكة العربية السعودية. وليس هناك سابقة في تاريخنا القضائي سُمح فيها لصحفيين بدخول قاعة المحاكمة، ولا تعتزم الحكومة السعودية تغيير هذه القاعدة في هذه القضية".(16)


وخلف أبواب موصدة يقوم القاضي أو القضاة باستجواب المتهمين-بمن فيهم أولئك الذين نُسبت إليهم جرائم يعاقب عليها بالإعدام-دون حضور محام أو ممثل قانوني. وتركز الأسئلة على فحوى الاعتراف الذي حصلت عليه الشرطة وصادق عليه أحد القضاة قبل بدء المحاكمة. ويمكن أن يكون هو نفسه القاضي الذي يتولى المحاكمة اللاحقة. وقد تستغرق الجلسات من بضع دقائق إلى ساعتين، ويمكن النطق بالحكم في جلسة واحدة أو جلستين. ولا يحاط الذين يُحكم عليهم بالإعدام علماً بالعقوبة الصادرة ضدهم. ويحال ملف قضيتهم تلقائياً إلى محكمة النقض لإعادة النظر فيه، ثم إلى مجلس القضاء الأعلى لاعتماده. ويتولى مجلس القضاء الأعلى، الذي يعين الملك أعضاءه، مسؤولية تفسير الشريعة ومراجعة جميع الأحكام التي تؤدي إلى فرض عقوبة الإعدام وبتر الأطراف والرجم. بيد أن مراجعة محكمة النقض لا تشكل استئنافاً، لأنها لا تراجع القوانين والحقائق، حيث تحال تلك القضايا على "محكمة التمييز لمجرد التأكد من أن القاضي قد أولى اهتماماً كافياً بالنقطة وموضوع الاعتراض "(17) وقد أعرب المقرر الخاص المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والإعدام بإجراءات موجزة والإعدام التعسفي عن قلقه إزاء إجراءات الاستئناف التي لا تراجع إلا الجوانب القانونية وليس الوقائع. وفيما يتعلق بالإجراءات التي تُتخذ في محكمة أمن الدولة في الكويت قال :


"لا يستفيد المتهمون استفادة كاملة من حق الاستئناف الوارد في الصكوك الدولية ذات الصلة، لأنهم يُحرمون من مرحلة الاستئناف التي تجري مراجعة كاملة للقضية، فيما يتعلق بكل من الجوانب الواقعية والقانونية."(18)


ولا يؤدي الأشخاص المدانون أي دور في العملية حالما يتم إصدار الحكم عليهم، حتى أنهم قد لا يعرفون متى ستجري عملية المراجعة، أو بأي شكل. وبالمثل، قد لا يُبلَّغ الذين يُحكم عليهم بالإعدام بالحكم الصادر عليهم إلا في اليوم ذاته الذي يُنفَّذ فيه الحكم.


3.1 الممارسات القائمة على التمييز وغير المواتية للرعايا الأجانب والنساء

بموجب القانون المعمول به في السعودية، تُطبق عقوبة الإعدام على جميع المذنبين بارتكاب جرائم يعاقب عليها بالإع

u1583?ام بدون استثناء. لكن في الممارسة العملية، يكون المستضعفون وضحايا التمييز، مثل العمال الأجانب والنساء، أكثر عرضة لعقوبة الإعدام من غيرهم. وكان أكثر من نصف الذين أُعدموا في السعودية على مدى العقد الأخير من الرعايا الأجانب، الذين يصل تعداد مختلف الجاليات التي ينتمون إليها إلى ستة ملايين من مجموع سكان المملكة العربية السعودية (الذي يناهز الـ 19 مليون نسمة). ومن أصل هذا العدد الإجمالي لعمليات الإعدام المنفذة خلال العقد الماضي، كان بينهم 30 امرأة 17 منهن من الأجنبيات.


ولا يمكن للسعودية أن تستخف بهذا العدد غير المتناسب معتبرة "إياه مجرد انعكاس لمسؤولية هذه القطاعات من المجتمع عن مشكلة ارتفاع معدل الجرائم. فالصلة القائمة بين منـزلة قطاعات المجتمع هذه وتنفيذ عقوبة الإعدام يمكن توضحيها بإلقاء نظرة على تأثير عملية القضاء الجنائي وحالات العفو عن الذين صدرت عليهم عقوبة الإعدام بموجب القصاص. ورغم قسوة الطبيعة السرية والموجزة لعملية القضاء الجنائي على كل من يقع في شباكها، إلا أنها تزداد قسوة بالنسبة للنساء والرعايا الأجانب بسبب التمييز الشديد الذي تتعرض له النساء في المجتمع ولكون الرعايا الأجانب موجودين في أرض غريبة وليس لديهم أقرباء يلجئون إليهم للمساعدة، مقروناً بالتعقيدات اللغوية. وتشير بثبات الشهادات التي حصلت عليها منظمة العفو الدولية من السجناء على مر السنين إلى إجبار غير الناطقين باللغة العربية على التوقيع على اعترافات من دون وجود مرافق ترجمة كافية أو من دون فهم ما يوقعون عليه. وقد أعطى سجين سابق حُكم عليه بـ 240 جلدة في فبراير/شباط 2000 وصفاً نموذجياً إلى منظمة العفو الدولية :


"كوني من جنوب الهند، قُدِّم لي مترجم سري لنكي. وهو لا يفهم لغتي جيداً وإذا قلنا له عشرة أشياء، فلا يقول حتى اثنين منها للقاضي وقد تحدثتُ بلغة عربية ركيكة، وطلب مني المترجم أن ألزم الصمت وهناك عدد كبير من أبناء ولاية كيرلا في الدمام. وفي الواقع نشكل نحن أبناء كيرلا أكبر مجموعة (أكثر من 70%) من الجالية الهندية في السعودية وليس هناك صعوبة في العثور على مترجم من أبناء كيرلا، لكن هذا لا يحدث مطلقاً."


ويتم استجواب المعتقلات على الدوام من جانب محققين ذكور ومحاكمتهن من جانب قضاة ذكور، وبالتالي يتعرضن للترهيب والخوف من الأذى الجنسي.(19)


وفيما يتعلق بحالات العفو بموجب عملية المصالحة التي تتم عند انطباق القصاص، يمكن توضيحها بتحري جنسية المستفيدين من حالات العفو منذ يناير/كانون الثاني 2000. والذين بلغ عددهم 17 شخصاً على الأقل. فقد كان خمسة عشر من هؤلاء السجناء السابقين مواطنين سعوديين. والحالتان المتبقيتان تتعلقان بمواطنين يمنيين أُدينا بجريمة قتل. وجاء العفو في إحدى هاتين الحالتين نتيجة مصالحة عائلية، وفي الحالة الأخرى، عفا والد الضحية عن السجين بينما كان يركع على ما يبدو أمام الجلاد، بانتظار قطع رأسه أمام حشد كبير من الناس في الرياض في يوينو/حزيران 2001. أما بالنسبة للحالات الخمس عشرة المتعلقة بمواطنين سعوديين، فقد تم الحصول على عفو واحد بسبب صداقة قوية قائمة بين عائلة المذنب وعائلة الضحية، بينما جاءت حالات العفو الـ 14 الأخرى نتيجة مصالحة عقب تدخل الملك أو الوزراء أو الوجهاء المحليين وزعماء القبائل. وفي بعض الحالات، تم الحصول على العفو قبل دقائق فقط من موعد تنفيذ عمليات الإعدام. وخلال هذه الفترة ذاتها (يناير/كانون الثاني 2000 أغسطس/آب 2001) تم إعدام ما لا يقل عن 101 مواطن سعودي و91 من الرعايا الأجانب، مما يوضح الفرق الصارخ بين حالات العفو وعمليات الإعدام تبعاًلجنسية الضحية: عفو واحد تقريباً لكل ستة مواطنين سعوديين تم إعدامهم، وعفوان لكل 91 موطناً أجنبياً تم إعدامه. لذا من دون عائلة أو قاعدة قبيلة أو مال، تتضاءل جداً فرص حصول العمال الأجانب على عفو بموجب القصاص بعد الحكم عليهم بالإعدام.


2. العوامل السياسية

تترسخ الحقائق القانونية والقضائية المذكورة أعلاه أكثر فأكثر بسياسة الدولة المتمثلة بالعقوبات القاسية والحظر الصارم للمعارضة السياسية أو الدينية.


1.2 سياسة القسوى في العقاب والسلطة التقديرية للقضاة

تشدد السياسة العقابية للسعودية كثيراً على العقوبات القاسية كحل لمشكلة الجريمة، ومما يسهل تنفيذ هذه السياسة منح صلاحيات تقديرية واسعة للقضاة. وهذا ما يوضح جزئياً النطاق الواسع لاستخدام عقوبة الإعدام.ويشكل القانون الخاص بالتخريب و"الفساد في الأرض" وقانون مكافحة المخدرات مثالاً واضحاً على هذه السياسة.


وبدأ العمل بقانون مكافحة المخدرات في العام 1987، رداً على تفاقم مشاكل المخدرات في البلاد. وأدى منذ ذلك الحين إلى إعدام ما لا يقل عن 341 شخصاً لارتكابهم جرائم تتعلق بالمخدرات، رغم أن الحكومة لم تقدم أية أدلة توحي بأن معدل الجرائم المتعلقة بالمخدرات قد انخفض. وبالمثل بدأ العمل بالقانون الخاص بالتخريب و"الفساد في الأرض" في العام 1988، لمواجهة تصاعد الأنشطة السياسية المعارضة، التي أدت في بعض الحالات إلى أعمال عنف. كذلك لم تُقِم الحكومة الدليل على أنه كان لهذا الإجراء أثر رادع خاص على هذه الأنشطة.


وينبع دور القضاة في تنفيذ هذه السياسة من وضعهم الخاص في نظام القضاء الجنائي. فمن ناحية، يتمتعون بدرجة كبيرة من الحرية في تصنيف الجرائم وتحديد العقوبات، وبخاصة بموجب التعزير. ومن ناحية أخرى، يخضعون للسيطرة والتأثير المباشرين للسلطة التنفيذية. ويقر القانون في السعودية باستقلالية السلطة القضائية والقضاء، لكنه يُخضع القضاء لسيطرة السلطة التنفيذية، وبخاصة لوزير العدل ووزير الداخلية وحكام المناطق، مما يقوض استقلالية السلطة القضائية. فمثلاً، يتمتع وزير العدل بسلطة الإشراف على جميع المحاكم والقضاة، ولا يمكن لقرار محكمة النقض أن يصبح نهائياً إلا عقب اعتماده من جانب وزير العدل الذي يعيد القضية إلى المحكمة لإعادة النظر فيها إذا كان لا يتفق مع قرارها الأولي. ومما يضعف أكثر من استقلالية القضاء الصلاحيات التي يتمتع بها وزير الداخلية المسؤول عن عملية التوقيف والاعتقال برمتها، ويقرر ما إذا كان المعتقل سيُطلق سراحه أو يحال إلى المحاكمة أو يُعتقل إلى أجل غير مسمى من دون محاكمة. ويُجرَّد القضاء من أي دور في الإشراف على هذه العملية.(20)


وتنبع مباشرة سلطة التصرف التي يتمتع بها القضاة على صعيد تصنيف (تحديد فئات) الجرائم والعقوبات من غياب مدونات واضحة التعريف لمثل هذه الجرائم والعقوبات، فضلاً عن طبيعة قواعد الأدلة، وبخاصة فيما يتعلق بالاعترافات. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية لم يستدع القاضي في أية قضية شهود الدفاع (النفي) ولم يتم استجواب شهود الادعاء (الإثبات). وتظل أية أدلة إضافية قد تكون جُمعت في سياق التحقيق في القضية خافية على الدفاع. ويجوز للمحققين أن يستخدموا شتى الوسائل للحصول على اعترافات التعذيب أو الإكراه أو الخداع لإجبار الشخص على الاعتراف، وأحياناً تكون هذه الاعترافات، التي يتم الحصول عليها في ظل نظام الاعتقال السابق للمحاكمة المحاط بالسرية، الدليل الوحيد المقدم إلى المحكمة. وهذا انتهاك واضح للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة، بما فيها الضمانات الضرورية لتقديم دفاع. وخلال استجواب المعتقل عقب القبض عليه، يتم احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي ولا يُزوَّد بمعلومات تذكر حول أسباب التوقيف أو التهم أو الإجراءات التي ستُتبع أو حول حقوقه. ولا يُسمح للمعتقل بمقابلة محام أو أية هيئة قضائية أو سواها يمكن أن تشكل ضماناً ضد استخدام هذه الوسائل. ثم يمثل المعتقل أمام قاضٍ للتوقيع على اعترافه. وحالما يصادق عليه القاضي، يكتسب الاعتراف قوة الدليل الكافي للإدانة في المحاكمة. وفي جميع هذه الحالات التي نُهيت إلى علم منظمة العفو الدولية، لم يحضر الجلسة النهائية للمحاكمة إلا المتهم والقاضي والشرطة وكاتب المحكمة ومترجم شفوي عند الضرورة. وبالنسبة للجرائم الأكثر خطورة، ومن ضمنها تلك التي تنطوي على عقوبة الإعدام، لا يبدو أنه يتم رسمياً إطلاع الشخص المدان على الحكم ولا العقوبة.(21)


وعند تحديد فئات الجرائم وتقرير العقوبات، يسترشد القضاة بصورة رئيسية بالقوانين ذات الصياغة الغامضة والمبادئ العامة للفقه الإسلامي حول الجرائم والعقوبات التي تخضع لتأويلات مختلفة من جانب مختلف الفقهاء المسلمين. فمثلاً، يعود للقاضي تحديد ما يشكل ردة. وقد أدين عبد الكريم مال الله، وهو مسلم شيعي، بالردة وأُعدم في العام 1992. وبحسب ما ورد قال له القاضي "إما أن تتخل عن معتقداتك الرافضية أوأقتلك."


وبموجب القصاص، تفرض عقوبة الإعدام أساساً بالنسبة للقتل العمد، ولكن كيفية إثبات نية ارتكابه تخضع لمختلف أراء الفقهاء المسلمين. وتبين التغطية الإعلامية في السعودية، عندما يصفح أقارب ضحايا القتل عن السجناء القتلة أن الجرائم في بعض هذه الحالات شكلت قتلاً غير عمد وليس قتلاً عمداً.


كذلك للقضاة ملء الحرية في اختيار تطبيق الحد أو التعزير. فمثلاً، يمكن المعاقبة على السرقة التي لها قصاص ثابت بموجب الحد، وهو بتر (اليد اليمنى أو اليد اليمنى والقدم اليسرى، المعروف بالبتر المتصالب، إذا اعتُبرت جريمة قطع طريق)، بالإعدام أيضاً بموجب التعزير، إذا قرر القاضي أن الجريمة تستحق عقوبة أشد قسوة. وصرح وزير الداخلية مستشهداً بحكم صادر عن إحدى المحاكم ومعلناً إعدام شخصين أُدينا بالسطو على أحد البنوك في الرياض بأنه "من الكمال تشديد العقوبة وتغليظها على من اقترف الجرائم التي يعم ضررها". (22)ولم تترتب أية عواقب مميتة على عملية السطو وتم استرداد معظم المسروقات. وعلى العكس من ذلك، أدت قضية تتعلق بعشرة رجال أُدينوا بالسطو المسلح على أحد البنوك والاعتداء إلى إعدام سبعة منهم والحكم على الثلاثة الباقين بالبتر المتقابل. وفي هذه القضية كان حكم الإعدام الصادر على مرتكبي السطو المسلح إقامةً للحد.(23)


وكذلك بموجب التعزير، يتمتع القضاة بالحرية في تحديد نطاق العقوبات. وباستثناء عقوبة الإعدام، يمكن للقضاة أن يفرضوا عدد الجلدات الذي يرونه مناسباً، بينما يقتصر عددها بموجب الحدود على 100 جلدة على الجرائم الجنسية التي يقترفها الأشخاص غير المتزوجين. وعلاوة على ذلك، فإنه بموجب التعزير، يتمتع القضاة بحرية فيما يتعلق بقواعد الأدلة أكبر من تلك التي يمتعون بها بموجب الحدود. وبحسب ما قاله القاضي الدكتور رياض بن عبد اللطيف بن عبد المحسن المحيدب فإن الاعتراف :


" سيد الأدلة وهو الفيصل الحاسم لإنهاءالنـزاع أمام القاضي فمتى أقر المتهم بما نسب إليه ثبتت عليه التهمة ونال ما يستحقه من الجزاء"(24)


وبموجب الحدود، إذا سحب المتهم اعترافاً في أية مرحلة من العملية القضائية، فيلقى ذلك بظلال الشك على الاعتراف ولا يمكن للقاضي أن يقيم عليه الحد. ولا تنطبق هذه القواعد الصارمة في حالة التعزير أو القصاص.(25) وغالباً ما يتم انتـزاع الاعتراف تحت وطأة التعذيب أو الإكراه، ويمكن للمحكمة أن تقبل بالاعترافات التي يتم انتزاعها تحت وطأة التعذيب كدليل، وربما تكون الدليل الوحيد الذي يتم إصدار الإدانة على أساسه. لكن المملكة العربية السعودية دولة طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبالتالي فهي ملزمة بالتمسك بها، وتقتضي المادة 15 منها بأن "تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال."


�608?تترسخ أكثر السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي جراء السرية التي تحاط بها إجراءات المحكمة التي تحمي القضاة من أي طعن قانوني يقدمه محامي الدفاع في القضايا الجنائية. ومن الواضح أن السياسة العقابية للحكومة والسلطات الاستنسابية التي يتمتع بها القضاة تؤديان أدواراً تكميلية في استمرار الاستخدام الواسع لعقوبة الإعدام.


2.2 عقوبة الإعدام ليست موضوعاً للنقاش

يبتهج العديد من الناس في السعودية إذا تم إعدام السجين. وما من شك في أن الأشخاص أنفسهم سيبتهجون أيضاً إذا تم العفو عن السجين وبالمثل تفعل وسائل الإعلام الشيء ذاته، عبر تصوير الشخص الذي أُعدم، أحياناً على الصفحة ذاتها، بأنه شرير والشخص الذي تم العفو عنه بأنه إنسان ارتكب مجرد غلطة، وتصف الذي صفح عنه بأنه المثال الأعلى على الرحمة والرأفة. لكن أياً من هذه الأوصاف لا تسهم في النقاش الجاد حول عقوبة الإعدام بحد ذاتها أو حتى حول العملية التي يتم بموجبها فرض هذه العقوبة في نهاية الأمر.


ولا يمكن أن يُعزى انعدام النقاش الجاد حول عقوبة الإعدام إلى الإسلام أو أحكام الشريعة، لأن أعمال الفقهاء المسلمين تزخر بالمناقشات المثيرة للاهتمام حول الجريمة والعقاب، بما في ذلك عقوبة الإعدام، الأمر الذي ينعكس في تنوع السياسات والممارسات العقابية في مختلف الدول الإسلامية. وفي السعودية، يعود السبب الأساسي لغياب أي نقاش حول عقوبة الإعدام إلى التهديد بفرض عقوبة الإعدام نفسها، بحيث إنه إذا أخذ أي شخص بخلاف الدولة زمام المبادرة بفتح باب النقاش، فإنه يعرض نفسه لتصنيفه بالمرتد أو "المفسد في الأرض". ويعزى ذلك إلى كون الدين والسياسة ملكاً للدولة. ويمكن بسهولة اعتبار المعارضة، دينية كانت أم سياسية، "فساداً في الأرض" أو عملاً مضراً بوحدة الأمة، ويمكن تصنيف كلا هذين الفعلين كجريمتين يُعاقب عليهما بالإعدام. ولهذا السبب لا توجد في المملكة العربية السعودية أحزاب سياسية ولا نقابات عمالية ولا حتى نقابة للمحامين. ونظراً لهذه العوامل، فضلاً عن السياسة العقابية القاسية التي تنتهجها الحكومة، يبدو النقاش حول عقوبة الإعدام في السعودية هدفاً بعيد المنال بسبب ربطها بالدين.


ويختلف الأمر فيما يتعلق بالعملية التي يتم بموجبها توقيع عقوبة الإعدام. وقد بدأت تظهر بوادر مشجعة على الصعيدين الخارجي والداخلي. فعلى الصعيد الخارجي، بدأ المجتمع الدولي يأخذ علماً بالكيفية التعسفية التي يدار فيها القضاء الجنائي في السعودية. وعلى الصعيد الداخلي، شهدت البلاد خلال الاثني عشر شهراً الماضية نقاشاً حول قضايا حقوق الإنسان لم يسبق له مثيل في تاريخها. وقد شمل مواضيع مثل نظام القضاء الجنائي وحقوق المرأة والعمال الأجانب والعلاقات الحكومية مع المنظمات غير الحكومية الدولية لحقوق الإنسان. وبالمثل أعلنت الحكومة في الآونة الأخيرة، إضافة إلى قانون الإجراءات الجنائية، عن سن قانون لتنظيم مهنة المحاماة في المملكة العربية السعودية. وقد ورد أن مجلس الوزراء اعتمد في أكتوبر/تشرين الأول 2001 مشروع القانون هذا المؤلف من 45 مادة. ونُقل عن الأمين العام لمجلس الشورى الدكتور حمود بن عبد العزيز البدر قوله إن مشروع القانون سينظم العلاقة بين الفرد والسلطات المكلفة بإنفاذ القانون وقال :


"للأفراد الحق في ضمان حريتهم وكرامتهم والتمكن من الدفاع عن أنفسهم عند اتهامهم بارتكاب جرم. لكن عليهم أيضاً احترام القوانين والأوامر وتطبيقها."(26)


وإذا كان مضمون هاتين المبادرتين القانونيتين يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة والمعايير الخاصة بدور المحامين، فيشكل أساساً قيَّماً يمكن انطلاقاً منه القيام بتحركات نحو إلغاء عقوبة الإعدام في النهاية. وإذا أدى إلى ضمان حق الدفاع بواسطة محامين متمرسين أثناء جلسات المحكمة، فسيكون لهذا الإجراء وحده دون شك تأثير إيجابي على الأقل من خلال تخفيض عدد عمليات الإعدام. وقد تضمن الدفاع الذي قدمه المحامون الذين ترافعوا عن دبورا باري ولوسيل ماكلوكلين دراسة متمعنة للتناقضات الواردة في الاعترافات التي حصلت عليها الشرطة، وحذر من مغبة إساءة تطبيق العدالة، مشيراً إلى حالات كهذه في التاريخ الإسلامي القديم.(27) وتُحرم المحاكم الجنائية من مثل هذه الطعون القيّمة بالأدلة التي تقدمها الشرطة والادعاء. وكانت مشاركة المحامين في قضية الممرضتين البريطانيتين غير مسبوقة وتظل قضية فريدة من نوعها، لكنها مثال يوضح أنه، في الظروف السياسية الراهنة في السعودية ستكون المناقشات التي تدور حول عقوبة الإعدام في قاعة المحكمة البداية الواعدة جداً لإجراء نقاش أوسع حول الموضوع في البلاد.


3. ما يجب فعله؟

في الأعوام الأخيرة، انضمت السعودية إلى اتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (وإن يكن بتحفظ شديد على كلا المعاهدتين بألا تتعارض أحكامهما مع الشريعة الإسلامية) واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأخيراً انضمت في العام الماضي إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وأبلغ أحد مستشاري الدكتور غازي القصيبي، سفير المملكة العربية السعودية في لندن، منظمة العفو الدولية في سبتمبر/أيلول 1999 بأن السعودية تخطط أيضاً للمصادقة على معاهدات إضافية مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وترحب منظمة العفو الدولية بانضمام السعودية إلى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان باعتبارها خطوة مهمة إلى الأمام. ويتمثل الآن التحدي الذي تواجهه السلطات في المملكة العربية السعودية في إجراء التغييرات واسعة النطاق في القوانين والممارسات التي تترجم الحقوق الواردة في هذه المعاهدات إلى حقيقة واقعة وتكفل اطلاع جميع السلطات في البلاد على هذه القواني6? والإجراءات وتطبيقها، وإطلاع كل من يعيش في البلاد على حقوقه وتمكينه من طلب إنصافه من أي انتهاك لها.


بيد أنه من الواضح أن الطريقة التي تُطبَّق بها عقوبة الإعدام في السعودية غير مقبولة بموجب أي معايير أخلاقية أو قانونية. وتترسخ بسياسة عقابية عملت على توسيع نطاق هذه العقوبة في تحدٍ للقيود التدريجية التي دعا المجتمع الدولي إلى فرضها في هذا المجال(28) إلى درجة أصبح معها الحد الفاصل بين السلوك الأخلاقي والإجرامي الذي تستخدم عقوبة الإعدام بسببه رفيعاً للغاية. وتترسخ أيضاً بالسرية التي يرتكز عليها نظام القضاء الجنائي مع تجاهل تام لأبسط الحقوق الأساسية في المحاكمات العادلة، فضلاً عن ضمانات الأمم المتحدة التي تكفل حماية حقوق الأشخاص الذين يواجهون عقوبة الإعدام.(29) وهذان العاملان هما مفتاح الإنصاف، ويشكل وضع قانون للإجراءات الجنائية وقانون لتنظيم المهنة القانونية بداية تحظى بالترحيب في هذا الصدد، لكنها لن تكون كافية لوحدها. ويجب أن تعلن السعودية وقفاً لعمليات الإعدام دعت إليه الأمم المتحدة.(30) وكما ذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فمن شأن ذلك "الإسهام في تعزيز كرامة الإنسان والتطوير التدريجي لحقوق الإنسان."(31)


وينبغي على المملكة العربية السعودية اتخاذ الخطوات التالية دون إبطاء:

1. العمل على التنفيذ الفوري لضمانات الأمم المتحدة التي تكفل حماية حقوق الأشخاص الذين يواجهون عقوبة الإعدام، والتي تكفل إتاحة فرصة كافية للدفاع والاستئناف وتحظر فرض عقوبة الإعدام عندما يكون هناك مجال لتفسير بديل للأدلة. (قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1984/50 تاريخ 25 مايو/أيار 1984)؛

2. إعادة النظر في القوانين الغامضة المتعلقة بالجرائم والعقوبات بهدف تقييد حرية تصرف القضاة في استخدام عقوبة الإعدام وضمان عدم توقيع هذه العقوبة على المخالفات غير المقرونة بالعنف، على أن يؤخذ بعين الاعتبار القرار 2001/68 الذي اعتمدته لجنة حقوق الإنسان في 25 إبريل/نيسان 2001 وضمانات الأمم المتحدة التي تكفل حماية حقوق أولئك الذين يواجهون عقوبة الإعدام؛

3. مراجعة حالات جميع السجناء المحكوم عليهم الآن بالإعدام بغية تخفيف أحكام الإعدام أو عرض إعادة محاكمتهم في ضوء النقطتين (1) و(2) أعلاه؛

4. سن قوانين حازمة تُحظِّر استخدام عقوبة الإعدام ضد الأطفال والمصابين بأمراض عقلية وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل والملاحظات الختامية للجنة حقوق الطفل حول السعودية وضمانات الأمم المتحدة التي تكفل حماية حقوق أولئك الذين يواجهون عقوبة الإعدام، فضلاً عن قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 1989/64 الذي اعتُمد في 24 مايو/أيار 1989، والذي يوصي بإلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة للمصابين بمرض عقلي؛

5. دعوة المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بإجراءات موجزة أو الإعدام التعسفي لزيارة المملكة العربية السعودية؛

6. تشكيل لجنة لدراسة الممارسات القائمة على التمييز التي يلقاها الرعاية الأجانب والنساء ممن يواجهون عقوبة الإعدام بهدف الإقلاع عن هذه الممارسات؛


وتقع على عاتق الحكومة السعودية مسؤولية إجراء هذه التغييرات. كذلك من واجب المجتمع الدولي ضمان وفاء السعودية بالالتزامات الدولية المرتبة عليها في مجال حقوق الإنسان فيما يتعلق بعقوبة الإعدام.

هوامش

1. تستند إلى ورقة أعدتها منظمة العفو الدولية للمؤتمر العالمي الأول لمناهضة عقوبة الإعدام، 21-23 يونيو/حزيران 2001 ستراسبورغ.

2. عمليات الإعدام المنفذة في السعودية التي سجلتها منظمة العفو الدولية بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2001.

3. تقرير المقرر الخاص السيدة أسماء جهانغير، المقدم بناء على قرار لجنة حقوق الإنسان رقم 2000/31، UNDoc.E/CN.4/2001/9، الفقرات 76-78 و82 و83 و86 و88.

4. انظر جيه.أن.دي أندرسون "القتل في القانون الإسلامي"، نشرة كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، لندن 1951.

5. انظر صحيفة الجزيرة التي تصدر باللغة العربية، عدد 11 مارس/آذار 1987.

6. للاطلاع على النص الكامل للفتوى انظر مثلاً صحيفة الجزيرة التي تصدر باللغة العربية، عدد 30 أغسطس/آب 1988.

7. تقرير المقرر الخاص السيدة أسماء جهانغير، المقدم بناء على قرار لجنة حقوق الإنسان رقم 1999/35، UNDoc.E/CN.4/2000/9، الفقرة 8.

8. يتخذ المقرر الخاص إجراءات في حالات عقوبة الإعدام التي لا يوجد فيها سبب للاعتقاد بأن القيود الدولية (المفروضة على عقوبة الإعدام) لا تحترم." E/CN.4/2001/9، الفقرة 77، انظر أيضاً E/CN.4/2000/9الفقرة 81.

9. الملاحظات الختامية للجنة حقوق الطفل : المملكة العربية السعودية (26/01/2001) UNDoc CRC/C/15/Add.148، الفقرة 27.

10. للاطلاع على المزيد من المناقشات حول سرية النظام القضائي في السعودية وكيفية انتهاكه للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، انظر تقرير "السعودية نظام عدالة بدون عدل" رقم الوثيقة : MDE 23/02/00، 10 مايو/أيار 2000.

11. عين اليقين، 4 مايو/أيار 2001.

12. انظر "السعودية نظام عدالة بدون عدل" رقم الوثيقة : MDE 23/02/00، 10 مايو/أيار 2000 و"السعودية- دولة للمعاناة في السر" رقم الوثيقة : MDE 23/01/00، 28 مارس/آذار 2000.

13. انظر كتيب غير مؤرخ صادر عن سفارة المملكة العربية السعودية في لندن تحت عنوان "المملكة العربية السعودية: مسائل حقوق الإنسان"، الصفحة 6.

14. للاطلاع على مزيد من التفاصيل انظر تقرير منظمة العفو الدولية وعنوانه السعودية : نظام عدالة بدون عدل، رقم الوثيقة : MDE 23/02/00، 10 مايو/أيار 2000، الصفحات 3-5.

15. انظر المادة 33 من القانون الأساسي للسلطة القضائية الصادر في 22 يوليو/تموز 1975.

16. انظر البيان الذين أصدرته سفارة المملكة العربية السعودية في لندن بشأن محاكمة الممرضتين البريطانيتين، بتاريخ 13 يونيو/حزيران 1997، ص 1.

17. انظر صلاح الحجيلان، "التطورات القانونية في المملكة العربية السعودية"، في الكتاب السنوي للقانون الإسلامي والشرق أوسطي 1997 1998، المجلد 4، الصفحة 340، كلوير لو إنترناشونال، لندن 1998.

18. تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام بإجراءات موجزة أو الإعدام التعسفي، 7 ديسمبر/كانون الأول 1993، E/CN.4/1994/7، الفقرتان 113 و404.

19. للمزيد من التفاصيل حول التمييز الممارس ضد النساء والمساوئ القضائية، انظر تقرير منظمة العفو الدولية الذي يحمل عنوان "انتهاكات صارخة للحقوق الإنسانية للمرأة"، رقم الوثيقة : MDE 23/57/00، سبتمبر/أيلول 2000.

20. للمزيد من التفاصيل، انظر تقرير منظمة العفو الدولية تحت عنوان "السعودية : نظام عدالة بدون عدل"، رقم الوثيقة : MDE 23/02/00، 10 مايو/أيار 2000، الصفحة 3.

21. للمزيد من التفاصيل، انظر تقرير منظمة العفو الدولية تحت عنوان "السعودية : نظام عدالة بدون عدل"، رقم الوثيقة : MDE 23/02/00، 10 مايو/أيار 2000.

22. انظر صحيفة الشرق الأوسط التي تصدر باللغة العربية، عدد 10 أغسطس/آب 1985.

23. انظر النبأ الذي أوردته وكالة الصحافة السعودية، 13 مايو/أيار 2000.

24. انظر "وسائل الأدلة بالنسبة للقضية الجنائية في الشريعة، بقلم القاضي الدكتور رياض بن عبد اللطيف بن عبد المحسن المحيدب، 1 سبتمبر/أيلول 1997، مدينة الجبيل الصناعية، المملكة العربية السعودية، ص. 7.

25. المصدر ذاته، ص. 9.

26. عين اليقين، 27 إبريل/نيسان 2001.

27. انظر "السعودية : مذكرة الدفاع التي قدمها صلاح إبراهيم الحجيلان في قضية لوسيل ماكلوكلين ودبورا كيم باري"، الكتاب السنوي للقانون الإسلامي والشرق أوسطي 1996، المجلد 3، كلوير لو إنترناشونال، لندن 1996.

28. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 32/61 وتاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 1977 وقرار لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رقم 1999/61.

29. الضمانات التي تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام، قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 1984/50 وتاريخ 25 مايو/أيار 1984.

30. قضية عقوبة الإعدام، قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 20 إبريل/نيسان 2001، E/CN.4/RES/2001/L.93المعتمد في 20 إبريل/نيسان 2001.

31. القرار رقم 2001/68، 25 إبريل/نيسان 2001.

Page 7 of 7

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE