Document - Syria: Government bombs rain on civilians

Frequent use of internationally banned cluster bombs in residential neighbourhoods

image1.jpg image2.jpg تقرير موجز� لمنظمة العفو الدولية

رقم الوثيقة: MDE 24/009/2013

14 مارس 2013

سورية: قنابل النظام تنهمر على المدنيين دون تمييز

مقدمة

ما انفك المدنيون يقومون بدور المتلقي مع تكرار الاعتداءات العشوائية التي ترتكبها بحقهم قوات الحكومة السورية على نحو متزايد. إذ تفتك الأسلحة غير دقيقة التصويب المصممة للاستخدام في أرض المعركة بأعداد متزايدة من المدنيين قتلاً وتشويهاً ونزوحاً – ويشكل الأطفال غالبية أولئك المدنيين المتضررين. وتتعرض المناطق السكنية المدنية والبلدات والقرى للقصف الجوي والمدفعي بقنابل تفتقر إلى التوجيه، إضافة إلى الصواريخ العادية والبالستية بعيدة المدى (ذاتية الدفع) التي لا يمكن توجيهها بحيث تصيب أهدافاً محددة بعينها، ولا تميّز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ناهيك عن استخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً، والتي تُقصف بها تلك المناطق بشكل يومي ينمّ عن تجاهل أهم المبادئ الأساسية الواردة في القانون الإنساني الدولي.

كما تستمر قوات النظام في ارتكاب انتهاكات خطيرة أخرى، وخصوصاً جرائم الحرب؛ إذ تلجأ تلك القوات إلى احتجاز الرجال والصبية تعسفاً، وتعذيبهم وتعريضهم للاختفاء القسري، وإعدامهم خارج نطاق القضاء، وذلك لمجرد الاشتباه بتأييدهم لجماعات المعارضة المسلحة التي تقاتل ضد الدولة، أو لاتهامهم بمعارضة نظام الرئيس بشار الأسد سياسياً.

وفي معرض تحقيق أُجري مؤخراً على مدار أسبوعين في شمال سورية، زارت منظمة العفو الدولية 17 بلدة وقرية في مناطق إدلب وجبل الزاوية وجسر الشغور، ومدينة حلب، وأجرت تحقيقات ميدانية حول الهجمات العشوائية التي تسببت بمقتل أكثر من 310 مدنيين (بينهم أكثر من 157 طفلاً و52 امرأة)، وجرح مئات آخرين. وتظهر النتائج التي توصلت المنظمة إليها حصول زيادة مطردة في الأشهر الأخيرة في تكرار تلك الهجمات وحجمها – وهي تشكل جرائم حرب بالمناسبة – الأمر الذي عاد بتبعات كارثية على السكان المدنيين.

ولقد تمت تلك الهجمات في جميع الحالات تقريباً إما بشكل مباشر على المدنيين، أو بشكل عشوائي لا على التعيين؛ وتشير جميع المعلومات المتوفرة بهذا الشأن إلى عدم وجود أية أهداف عسكرية واضحة للعيان، ناهيك عن عدم وجود أية عمليات أو مواجهات عسكرية في مواقع الهجمات أو على مقربة منها وقت وقوعها. ولقد كانت الهجمات عشوائية الطابع جراء نوع الأسلحة والذخائر المستخدمة فيها، والتي تفتقر إلى دقة إصابة الهدف بحكم تصميمها. وحتى مع التماس أي عذر لقوات النظام، وعلى افتراض أنها كانت تعتقد بوجود أهداف عسكرية في المناطق لحظة شن الهجمات، يوحي الاستخدام المنتظم والمتكرر لأسلحة غير مناسبة ومصممة لأرض المعركة في مناطق سكنية، بالإضافة إلى الأسلحة العشوائية التوجيه، أن الكثير من المدنيين قد قُتلوا أو جرحوا بشكل غير مشروع، وأنه جرى تدمير الأعيان المدنية أو إلحاق أضرار جسيمة بها دون وجه حق. وتظهر مثل هذه الهجمات وغيرها من الحوادث التي جرى توثيقها في الشهور الأخيرة نمطاً تقوم قوات الحكومة من خلاله باستهداف البلدات والقرى الخاضعة لسيطرة جماعات المعارضة المسلحة، مما يتسبب بمقتل وجرح المدنيين لا على التعيين. وفي العديد من مثل هذه الحالات، نفذت قوات الحكومة هجمات استهدفت المدنيين والأعيان المدنية مباشرة – وهو ما يشكل أحد أخطر أشكال الانتهاكات والخروقات للقانون الإنساني الدولي.

وفي الأشهر القليلة الماضية، فلقد ارتفع بشكل كبير جداً عدد المدنيين الذين نزحوا جراء النزاع، حيث اضطُر آلاف السوريين وغيرهم من المقيمين داخل سورية للفرار إلى الدول المجاورة بشكل يومي؛ كما يُضطر آخرون وبأعداد أكبر إلى التنقل من مكان لآخر داخل سورية طلباً لملاذ آمن. وبما أن تركيا كانت أكثر دول الجوار التي فرضت قيوداً على دخول اللاجئين السوريين إلى أراضيها في الشهور القليلة الماضية، فلقد تقطعت السبل بعشرات الآلاف منهم في ظل ظروف إنسانية وصحية بائسة في مخيمات أُقيمت بشكل غير رسمي على عجل على الجانب السوري من الحدود مع تركيا.

من إطلاق النار على المتظاهرين السلميين إلى عمليات قصف المدنيين جواً وبالصواريخ البالستية بعيدة المدى

دأبت الحكومة السورية على استهداف المدنيين منذ بداية حركة الاحتجاجات التي انطلقت قبل عاميْن من اليوم. وبالطبع فلقد كانت مثل هذه الهجمات تقبع في صميم سياسة النظام فيما يتعلق بالتعامل مع الاحتجاجات التي بدأت كاحتجاجات سلمية. وفي بادئ الأمر، عمدت قوات الأمن والميليشيات المسلحة التابعة للنظام، والمعروفة باسم "الشبيحة"، إلى إطلاق رشقات من الرصاص بشكل عشوائي على جموع المحتجين السلميين، مما تسبب بمقتل وجرح المتظاهرين والمارة على حد سواء.�

كما تعرض المحتجون ومؤيدوهم للمطاردة، وقُتل البعض منهم فيما اعتُقل الآخرون، قبل أن تبتلعهم الثقوب السوداء الموجودة في سجون ومراكز احتجاز تديرها الدولة، وينتشر فيها التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. ولم يُكتب للمئات منهم الخروج من تلك الثقوب السوداء على قيد الحياة.�

ومع توالي الأسابيع والشهور، تشكلت جماعات المعارضة المسلحة كي تتصدى لقمع النظام، وتطور الأمر تدريجياً ليتخذ شكل تزاع داخلي مسلح سرعان ما عمّ معظم أنحاء سورية. ومع ذلك، فلم يكن المحتجون السلميون والمتمردون المسلحون هم الهدف الوحيد أو حتى الهدف الرئيس للقصف. بل لقد شرعت السلطات في وقت مبكر من الأزمة في تنفيذ سياسة تعتمد الهجمات الوحشية التي ترقى إلى مصاف العقاب الجماعي، والتي يظهر أنها تهدف إلى ترويع الآخرين كي يقوموا بتسليم المحتجين السلميين وعناصر جماعات المعارضة المسلحة، والمحيطين بهم – بما في ذلك كل من لديه صلات مع الانتفاضة والنزاع الذي أعقبها، وحتى لو كانت تلك الصلات عفوية وظرفية كما يحصل مع سكان المناطق التي أصبحت فيما بعد خاضعة لسيطرة قوات المعارضة.

ومع انتشار النزاع المسلح، قامت القوات المسلحة السورية، والميليشيات التابعة للنظام بتوغلات مدمرة في البلدات والقرى، وقاموا بإعدام مقاتلي المعارضة خارج نطاق القضاء بعد أسرهم، وأسر أقاربهم وغيرهم من المدنيين من سكان المنطقة، وحرقوا المنازل والمصالح التجارية وقاموا بتخريبها.�

ولقد شهد العام 2012 بشكل رئيس تصعيد قوات النظام للأخذ بخيار قصف المناطق المدنية السكنية التي وقعت تحت سيطرة قوات المعارضة؛ إذ تعرضت تلك المناطق للقصف بقذائف الدبابات والهاون والمدفعية. ومع بسط جماعات المعارضة المسلحة لسيطرتها على المزيد من الأراضي، واستطاعتها دحر قوات الحكومة من المزيد من البلدات والقرى، بدأت قوات النظام في أغسطس من عام 2012 اللجوء إلى القصف الجوي. ولقد تصاعدت وتيرة تلك الهجمات منذ ذلك الحين، واستمرت قوات النظام بتوجيهها على نحو منظم ضد البلدات والقرى الواقعة تحت سيطرة جماعات المعارضة المسلحة. ونادراً ما كانت تلك الضربات الجوية تستهدف مواقع قوات المعارضة في تلك المناطق، بل غالباً ما أصابت الأحياء السكنية، لتُمعن بالمدنيين تقتيلاً وتشويهاً، مع أنهم لم يكونوا ضالعين في النزاع المسلح. ومع تصاعد وتيرة تكرار تلك الهجمات في الربع الأخير من عام 2012، شهدت سورية ارتفاعاً كبيراً في أعداد القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، بالإضافة إلى نزوح مئات الألوف من الناس.�

ولقد كان الخيار المتعلق بنوع الذخيرة المستعمل، ووسيلة إيصال القذائف التي قُصفت البلدات والقرى بها، من بين العوامل الرئيسة التي تسببت بجعل هذه الهجمات هجمات عشوائية الطابع. وتتصف القذائف المستخدمة بكونها غير صالحة للتصويب الدقيق – أو بعبارة أخرى لا يمكن توجيهها بدقة كي تصيب أهدافاً بعينها؛ وتشمل تلك القنابل قنابل سوفييتية الصنع ذات الاستخدامات المتعددة، والقنابل المصنعة محلياً والمعروفة باسم "البراميل" (وهي عبارة عن براميل محشوة بالمتفجرات والشظايا بغية زيادة قدرتها الفتاكة على القتل)، بالإضافة إلى القنابل العنقودية المحرمة دولياً التي بدأ استخدامها في أكتوبر 2012. وعليه، فلم يكن الأمر بالمفاجئ أن نرى المدنيين يتحملون عبء وطأة مثل تلك الهجمات. ومنذ ديسمبر 2012، وعلاوة على استخدام القنابل العنقودية المنقولة جواً، لجأت قوات الحكومة إلى استخدام الصواريخ متوسطة المدى المعروفة باسم "صقر"، وهي صواريخ سيئة السمعة من حيث انعدام دقة التوجيه فيها، كما إنها تحتوي على ذخائر فرعية عنقودية (كما يرد وصفها أدناه).

وأما أحدث الأسلحة وأكثرها قتلاً والتي استُخدمت مؤخراً فهي الصواريخ البالستية (ذاتية الدفع) من طراز أرض-أرض؛ إذ بدأت تظهر على الساحة اعتباراً من فبراير 2013 في هجمات على المناطق السكنية في مدينة حلب، ونجم عنها آثار كارثية – سواء من حيث العدد الكبير في الإصابات والقتلى، أو من حيث حجم الدمار الذي تخلّفه.

ولقد وردت أول التقارير التي تتحدث عن استخدام هذا النوع من الصواريخ في دبسمبر 2012، بيد أن معظمها قد سقط بعيداً عن المناطق السكنية.� ولم تتمكن منظمة العفو الدولية من أن تقطع يقيناً بتحديد نوع الصواريخ التي استُخدمت في تلك الهجمات وغيرها من الاعتداءات، بيد أن جميع المعلومات المتوافرة تشير إلى استخدام صواريخ بالستية بالفعل. وقال جميع الناجين وغيرهم من سكان المناطق الذين التقت بهم منظمة العفو الدولية أنهم لم يروا أية طائرات أو يسمعوا صوت هديرها قبل وقوع الهجمات؛ إن حجم الدمار الذي خلفته الهجمات الثلاث التي جرى توثيقها حتى الساعة هو أكبر بكثير مما يمكن أن تحدثه أية ضربة جوية باستخدام الطائرات في سورية. وأورد ناشطون سوريون عاملون في مدينة يبرود (على بعد حوالي 80 كلم شمال دمشق) أنهم قد رأوا صواريخ بالستية بعيدة المدى وقد أُطلقت من المنطقة قبيل فترة وجيزة من وقوع ضربة مزدوجة في منطقتي طارق الباب وأرض الحمرا في السادسة من مساء يوم 22 فبراير.� وعلى الرغم من إنكار السلطات السورية لاستخدامها الصواريخ البالستية، فلقد تم بالفعل توثيق استخدام هذا النوع من الأسلحة.�

يمكن للهجمات بالصواريخ البالستية أن تدمر أحياء وعائلات بأكملها في غضون ثوانٍ معدودة

قُتل ما لايقل عن 160 من سكان ثلاثة مناطق تقع شرق حلب، وجُرح مئات آخرون، فيما دُمرت عشرات المنازل جراء ثلاث ضربات بصواريخ بالستية يومي 18 و22 فبراير 2013. وعلى الرغم من أنها لم تكن الأولى من نوعها، فلقد كانت هذه الهجمات الثلاث أكثر الضربات قتلاً ودماراً حتى تاريخه.

صباح معري هي أم لخمسة أطفال، وتبلغ من العمر 31 عاماً. ولقد نجت صباح من مذبحة الضربة المزدوجة التي قتلت ما لايقل عن 117 من سكان منطقتي أرض الحمرا وطارق الباب المجاورتين في الساعات المبكرة من مساء يوم 22 فبراير 2013. وتصف صباح لمنظمة العفو الدولية تفاصيل الفاجعة التي ألمّت بها قائلةً: "كنا في منزلنا، أعني أنا وأسرتي ووالدتي وشقيقتي. ولم أسمع أي هدير للطائرات. وفجأة اختفت الأرض من تحت قدماي. لقد قُتل أطفالي، بناتي إسراء وأماني وآية (4، و6، 11 عاماُ على التوالي) وزوجي ووالدتي وشقيقتي نور (14 عاماً) وأطفال شقيقتي الأخرى أحمد وعبد الله ومحمد (تبلغ أعمارهم 18 شهراً، و3، و4 سنوات على التواي). لقد قُتلوا جميعاً، فما الذي تبقى لي في هذه الحياة؟ ولم ينجُ سوى ابني فقط، وهو كل ما تبقى لي. كان الله في عوننا!".

وقال أحد السكان لمنظمة العفو الدولية أنه قد فقد شقيقه حسين خلف، وزوجة شقيقه فاطمة، وأطفالهما الخمسة – التوأمان نور وريم (5 سنوات)، وأسماء (3 سنوات) وإيمان (10 سنوات)، ومحمود (13 سنة) – وشقيق فاطمة الذي كان قد تزوج منذ وقت قريب؛ ويضيف شقيق حسين خلف قائلاً: "ماذا عساي أقول؟ ما من كلمات لدي أصف بها ما جرى؛ لقد كانت مذبحة. فلقد ذُبحت عائلات بأكملها في منازلها. كيف سُمح لكل هذا أن يحدث؟".

وبعد مضي قرابة الشهر الآن، لم يتم العثور على جثث بعض الذين قُتلوا في الضربة الصاروخية. وكان من بين المفقودين معظم أفراد عائلة الحسين (طرزان). وقال أحد أفراد العائلة لمنظمة العفو الدولية: "قُتلت ابنة عمي زينب العالو (30 عاماً) زوجة جاسم الحسين (طرزان) وأطفالها الخمسة وشقيقة زوجها ريم زوجة محمد الحسين (طرزان) وأربعة من أطفاله – قُتلوا جميعاً. كانت في الثالثة والثلاثين من عمرها، وكانت حامل. وأما نسرين (11 عاماً)، ابنة زينب، فكانت أكبر الأطفال التسعة عمراً فيما كان أصغرهم هو ابن ريم واسمه لؤي الذي لم يكمل عامه الأول بعد. ولم يُعثر على جثث بعض الأطفال بعد، فلقد سُحق منزلهم سحقاً كونه يقع في النقطة التي سقط الصاروخ فيها. ولقد عُثر على جثة أحد الأطفال في شارع آخر على مقربة من المكان بعد أن قذف به إلى هناك جراء قوة الانفجار. ولا أدري فيما إذا تم التأكد من أنها جثة أكبر أبناء زينب، واسمه إبراهيم (7 أعوام)، أم لا. ولم يتسنّ التعرف على بعض الجثث الأخرى إذ أنها كانت عبارة عن أشلاء".

وفي الثاني من مارس 2013، وفي واحدة من الزيارات الميدانية التي قامت منظمة العفو الدولية بها إلى المنطقة، كان أقارب بعض الذين قضوا في ذلك الهجوم منهمكين في البحث عن ذويهم المفقودين، باحثين بين أنقاض جبال الركام الضخمة بأدوات بسيطة مثل المعاول فقط؛ ولقد تصادف قدومنا يومها مع عثورهم على ذراع أحد الأطفال. وقال أحدهم لمنظمة العفو الدولية" لقد نسي العالم أمرنا؛ يُذبح أطفالنا يومياً دون أن يحرك العالم ساكناً. لقد فقدنا هنا عائلاتنا ومنازلنا وكل ما نملك، بيد أننا لم نحصل على أية مساعدة البتة".

وأما حمودة الحسين (40 عاماً)، الذي فقد زوجته وخمسة من أطفالهما السبعة (أربعة بنات وابن واحد) في الهجوم الذي تركه يعاني من جروح هو نفسه أيضاً، فقد قال لمنظمة العفو الدولية ما يلي: "لقد سمعت ابنتي أماني تنادي شقيقها الأصغر، ومن ثم لم أعد أتذكر أي شيء. ولا أعلم المدة التي أمضيتها بين الأنقاض قبل أن يقوموا بانتشالي من تحتها. ولم يُعثر على جثث زوجتي وابنتي أماني إلا بعد مضي ستة أيام. لقد فقدت زوجتي وخمسة من أطفالي. ولكن الله أبقى لي اثنين من منهم، ولا أعلم أنّى لنا أن نعاود بناء حياتنا مجدداً، وأنا لا أملك ما أقدمه لطفليّ".

وعلى مقربة من ذلك المكان، أي في حي طارق الباب، قُتل حوالي 14 شخصاً في إطار هجوم مماثل وقع قبل دقائق فقط من الضربة التي حلت بمنطقة أرض الحمرا، وأشار أحد سكان المنطقة إلى مكان ما بين الأنقاض قال أن سبعة أفراد من عائلة قُتلوا فيه.

أخبر أحد سكان المنطقة، ويُدعى أيهم الحمود، منظمة العفو الدولية ما يلي: "قُتلت طفلتي الرضيعة غزال وهي بالكاد أتمت شهرها الثامن، فيما جُرح طفلي ذي الأعوام الأربعة رفقة والدتي. وأما شقيقي فلقد فقد زوجته سهام التي تركت وراءها ستة أطفال، أصغرهم طفل رضيع. وأما ابن عمي إبراهيم فلقد قُتل هو الآخر وبالكاد أتم عامه العاشر".

وفي منطقة جبل بدرو في حلب حيث وقعت أولى الضربات الثلاث مساء يوم 18 فبراير 2013، أطلع الفتى حسين الصغير (15 عاماً) منظمة العفو الدولية على بقعة في كوم الركام كانت تمثل منزله فيما مضى، وأضاف الفتى قائلاً: "قُتل خمسة من أشقائي، وهم حسن (12 عاماً)، وعبد القادر (15 عاماً)، والتوأمان محمود وربيعة (19 عاماً)، وعباس (20 عاماً) وزوجته، فيما نجا أطفالهما الثلاثة، وأحمد (25 عاماً) وزوجته حميدة، وأطفالهما الثلاثة الصغار، وكان عمر أصغرهم لا يتجاوز ثلاثة أيام فقط، وقُتل رفقة شقيقتيه وردة (18 شهراً)، وفتحية (3 سنوات). وأما شقيقي محمود فلقد انتُشل من بين الأنقاض، ونجا على النقيض من زوجته أمينة (20 عاماً)، وطفليهما قاسم (12 شهراً)، ووردة (سنتان) الذين لقوا حتفهم. ولقد أُصيبت والدتي إصابة بالغة، وهي ترقد الآن على سرير الشفاء في أحد المستشفيات التركية. ولا تعلم والدتي أن ابناءها قد قُتلوا. فلقد عاش جميع أفراد أسرتنا الممتدة هنا، إذ كانت تمتلك 10 منازل في المنطقة. وأما خالي محمد علي، فلقد فقد 27 فرداً من أسرته. ولقد جُن جنونه جراء ذلك، ولم يعد يعقل أي شيء الآن. ولقد توجه الآن إلى الريف، إذ ذهب جميع الناجين للإقامة مع أقاربهم أو أصدقائهم في مختلف الأماكن، فكل ما بقي هنا هو الركام وحسب".

ومن الصعوبة بمكان تحديد حجم الخسائر المادية الناجمة عن هذه الضربات الثلاث على وجه الدقة، إذ لما يجرِ بعد حصر جميع الأضرار المادية نظراً لأن اهتمام الناجين الآن ينصب على العثور على ذويهم المفقودين، والعناية بالجرحى والأيتام، ومحاولة البقاء على قيد الحياة بعدما فقدوا كل شيء. ومع ذلك فما من شك حيال عِظم حجم الدمار الهائل مع تدمير عشرات المنازل تدميراً كاملاً، أو تضررها بشكل لا يمكن معه إصلاحها. ولقد أُبيدت المنازل القريبة من نقطة سقوط الصواريخ عن بكرة أبيها – إذ تحولت الجدران ومواد البناء إلى غبار – الأمر الذي يصعب معه أن يقر المرء بأن المنطقة كانت موقعاً لمنازل في الماضي. وأما المنازل التي تبعد بما يزيد على مائة متر عن موقع ارتطام الصاروخ، فلقد لحق بمبانيها وأساساتها أضرار هائلة إلى درجة يصعب معها إصلاح أو ترميم البعض منها، مما اضطُر العديد من الناجين إلى العيش الآن في منازل متضررة بشكل كبير وغير آمنة.

تكرار استخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً في قصف الأحياء السكنية

وأثناء انهماكه بمحاولة العثور على مصير أفراد آخرين من أقاربه، بما في ذلك أربعة أطفال جُرحوا ونُقل بعضهم على عجل إلى المستشفيات على الجانب التركي من الحدود، قال أحد الأشخاص لمنظمة العفو الدولية متسائلاً: "إيناس عمرها سنتان، وهبة 8 سنوات، وراما 5 سنوات، ونزار 6 سنوات، وطه 11 شهراً، ومحمد 18 شهراً، هؤلاء قُتلوا جميعاً؛ لماذا؟ لماذا يُقصف الأطفال؟".

كما قُتل ما يزيد على عشرة أشخاص آخرين، وجُرح العشرات في إحدى الهجمات استُخدمت القنابل العنقودية خلالها في قصف مجمع مساكن مكتظ بقاطنيه في حي مساكن هنانو بحلب في الحادية عشرة والنصف من صباح الأول من مارس 2013. وكان من بين القتلى محمود العسل وابنه إياد البالغ من العمر 16 عاماً، والطفلة نورا إبراهيم (10 سنوات)، وعدنان كامل (60 عاماً). وقال أفراد الطواقم الطبية العاملة في المستشفيات الميدانية أن ثلاثة من الجثث التي استلموها كانت عبارة عن أشلاء، ولمّا يتم التعرف على هوية أصحابها بعد.

وعندما قامت إحدى أعضاء وفد منظمة العفو الدولية بزيارة الموقع بعد ساعتين من وقوع الهجوم، وجدت تسعة قتابل روسية الصنع من طراز (آر بي كي) – ملقاة على بعد متر واحد من عتبة أحد المنازل في المساكن، ووجدت ثلاث أخريات في حديقة صغيرة بين المباني، وأخرى على سطح إحدى البنايات، واثنتين في منطقة فارغة بين بنايتين، وواحدة أخرى في أحد الأزقة. كما وجدت العشرات من القنيبلات (الذخائر الفرعية) غير المنفجرة من طراز PTAB من عيار 2.5 ملم التي تُوجد في القنابل العنقودية، منتشرةً على الرصيف وفي الأزقة والحدائق الواقعة بين المباني، وعلى أسطحها. كما اخترقت بعض القنيبلات المميتة جدران بعض المباني، وانفجرت داخل المنازل، فيما ملأت الثقوب الناجمة عن الشظايا المنفجرة جدران الكثير من المباني الأخرى.

كما وُجد على الأرصفة والأزقة المنتشرة بين المباني برك من الدماء وأشلاء بشرية تعود لسكان المنطقة الذي لقوا حتفهم أو جُرحوا في القصف. ولقد هم البعض بالفرار من المنطقة خوفاً وفَرَقاً من وقوع هجمات أخرى.

ودلّت فتاة تبلغ من العمر 10 سنوات منظمة العفو الدولية على النقطة التي كان شقيقها إبراهيم (3 سنوات) يقف فيها لحظة إصابته في رأسه بشظية معدنية ناجمة عن انفجار العشرات من القنيبلات التي تحتويها القنبلة العنقودية التي قُصفت بها منطقة مجمع المساكن.

ولقد وجدنا اليافع محمود (18 عاماً) في إحدى شقق تلك المساكن مستلقياً على الأرض وقد ملآت الجروح القطعية وجهه وساقيه وذراعيه جراء الشظايا التي أُصيب بها. وكان الدم يرشح من الضمادات الموضوعة على جروحه، وخاطبنا محمود وهو يرتعش على إثر الصدمة البادية عليه قائلاً: "كنت جالساً أمام منزلي رفقة بعض الأصدقاء، فيما كان الصغار يلعبون حولنا. ومن ثم وقعت انفجارات، وبدأ الأطفال بالصراخ، ولا أذكر أي شيء مما حصل بعد ذلك". وقال أقارب الفتى أنهم وجدوه غارقاً في بركة من الدماء قبل أن يقوموا بنقله إلى المستشفى حيث على حصل على العلاج الأساسي وسُمح له بالمغادرة. ولا يتوفر في المستشفيات الميدانية الكوادر البشرية والموارد والتجهيزات اللازمة، مما يُضطر القائمون عليها إلى سرعة السماح بمغادرة المرضى خشية من وقوع هجمات على تلك المستشفيات، إذ أنها كانت من بين الأهداف التي استُهدفت بالقصف طوال السنة الماضية.

ولقد دونت منظمة العفو الدولية أسماء 60 شخصاً، نصفهم من الأطفال، تلقوا العلاج في المستشفيات الميدانية بمدينة حلب. وتتضمن مجموعة الأطفال هذه الصبي عبدو الديك (7 سنوات) الذي أُصيب بجروح غائرة في بطنه وساقيه. وأما شقيقه نزار ابن الثلاثة أعوام، فلقد قُتل في الهجوم فيما لا يزال شقيقهم الآخر (6 سنوات) كان لا يزال فف عداد المفقودين حتى بعد مضي ساعات على وقوع الهجوم. وأما مصطفى علي (6 سنوات) الذي أُصيب بشظايا في رأسه وعنقه وكتفيه، فلم يعرف ما حل بأقاربه الذي كان يزورهم ساعة وقوع الهجوم. وأُصيبت نورا (20 عاماً) بكسر مضاعف في ساقها اليسرى جراء انفجار بعض القنابل الفرعية الموجودة في القنبلة العنقودية داخل شقتها الواقعة في الطابق الأرضي.

وبعد مضي ستة أيام، وفي صبيحة السابع من مارس، وقعت ضربة مزدوجة باستخدام القنابل العنقودية في بلدة سرمين الصغيرة في محافظة إدلب، وتسببت بمقتل فتاة تبلغ من العمر 10 سنوات، وتُدعى أماني الشيخ أحمد، ورانيا كشتو (25 عاماً) التي تركت وراءها طفلين، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 10 مدنيين بينهم بضعة أطفال. وقال سكان المنطقة لمنظمة العفو الدولية أن الضربة الجوية المزدوجة قد وقعت في حوالي الساعة العاشرة صباحاً.

وقال أحد سكان المنطقة لمنظمة العفو الدولية ما يلي: "جُرح الكثيرون، وكانت جروح بعضهم غائرة، فيما فقد آخرون بعضاً من أعضائهم. وكان الأطفال يصرخون من شدة الألم؛ لقد كان مشهداً يفطر القلب، ولم يعلم المسعفون في المستشفى الميداني أي الحالات التي ينبغي أن تحظى بأولوية العلاج". وتظهر لقطات مصورة للآثار التي خلفتها الضربة الجوية وجود عدد من القنيبلات� المتشظية غير المنفجرة من طراز AO-1 SCH، وهو النوع الآخر من الذخائر العنقودية الفرعية التي تحملها القنابل العنقودية من طراز RBK بداخلها والتي تُسقطها الطائرات السورية على أهدافها في العادة.

وفي قرية صغيرة تُدعى الناجية على مقربة من بلدة جسر الشغور، قُتل وأُصيب عدد من سكان المنطقة جراء قصف المنطقة بقنابل عنقودية في الشهور الأخيرة. وقُتلت الفتاة نور مصظفى القيس (13 عاماً)، فيما جُرحت شقيقاتها الثلاث، وشقيقها الرضيع ووالدتها عندما قُصفت القرية بالقنابل العنقودية بتاريخ 15 يناير 2013. وتصف والدة نور الأمر لمنظمة العفو الدولية قائلةً: "كنت عائدة إلى المنزل بصحبة أطفالي بعد زيارة لبعض الأقارب القاطنين على بعد عدة شوارع هنا في القرية. وكانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف بعد الظهر، ولدى مرورنا وسط القرية سمعنا هدير طائرة تحوم فوقنا، وقامت بقصف المنطقة لكن ليس فوقنا مباشرة، إلا أن القنابل سقطت باتجاهنا في الشارع الصغير الواقع بين المنازل. وامتلأ المكان بالدخان الكثيف، ولم أعد قادرة على رؤية أي شيء، ولا حتى أطفالي. وعندما عثرت على نور، كانت ملقاة على وجهها وسط بركة من الدماء". ولا زالت والدة نور وشقيقاتها يعانين من إصابات متعددة بشظايا معدنية في وجوههن وأجسادهن، كما أُصيب حوالي 10 من القرويين في الهجوم، كانت إصابات البعض منهم خطيرة.

وفي نفس القرية، قُتلت الأرملة الطاعنة في السن، فاطمة بكور، أثناء نومها، وذلك عندما سقطت إحدى القنيبلات العنقودية عبر سقف منزلها، وانفجرت داخل المنزل عصر يوم 9 فبراير 2013. وأما أحد المتطوعين الذين حاولوا مساعدتها، فلقد قال لمنظمة العفو الدولية: "اخترقت إحدى القنابل سقف منزل فاطمة فوق سريرها تماماً. ولقد حاولنا أن ننقذها بيد أن القنبلة قد تسببت بإصابتها بجرح كبير في خصرها وبطنها، وسرعان ما لفظت أنفاسها ونحن بصدد إخلائها من منزلها".

وفي بلدة سلقين الواقعة غرب محافظة إدلب، قُتل 18 شخصاً وجُرح العشرات، كان معظمهم من الأطفال، وذلك على إثر هجوم في 18 يناير 2013 بالقنابل العنقودية استهدف وسط البلدة. وكان من بين الضحايا الذين سقطوا في الهجوم تلميذين في العاشرة من عمرهما، وهما روان ياسر داروخ، وعبد الرحمن عاسوس. وقُتلت روان فيما أُصيبت شقيقاتها وبنات عمها لدى انفجار إحدى القنيبلات العنقودية أثناء لعبهن أمام محل البقالة الذي تمتلكه الأسرة. وقال والدا عبد الرحمن لمنظمة العفو الدولية أن ابنهما كان منهمكاً في اللعب في الشارع أسفل الدرج الذي يقود إلى منزلهم لحظة وقوع الانفجار: "قام الجيران بإنقاذه، وحملوه إلى الأعلى بيد أنه وصل ميتاً، فلقد أُصيب بجروح غائرة في رأسه". ولقد وقعت الهجمات عقب نهاية صلاة الجمعة مباشرة، حيث انفجرت القنيبلات العنقودية على طول أحد الشوارع التي تنتشر محال البقالة فيها. ولقد أحصت منظمة العفو الدولية أكثر من 20 موقعاً شهدت انفجار قنيبلات عنقودية فيها، وأجرت مقابلات مع دستة أشخاص جُرحوا في الهجوم، كان معظمهم من الأطفال. وفي حديثه مع منظمة العفو الدولية، وصف أحد باعة الفواكه الذي أُصيب في الهجوم ما جرى قائلاً: "كنت أنا وجاري سعد راشد أكتع عائديْن عقب أداء صلاة الجمعة، وكنا على وشك الوصول إلى الكشك الذي أبيع الفواكه فيه عندما وقع الانفجار. ولقد قُتل سعد تراكاً وراءه خمسة أطفال أصبحوا الآن يتامى، فيما أُصبتُ أنا بشظية في ساقيّ".

ولقد وقعت أول حالة موثقة استخدمت قوات الحكومة السورية فيها القنابل العنقودية بتاريخ 10 يوليو 2012 في منطقة جبل شعشبون بمحافظة حماه.� ومنذ أكتوبر 2012، تصاعدت وتيرة تكرار استخدام القنابل العنقودية في مختلف أنحاء البلاد. ويُذكر أن القنابل العنقودية والصواريخ التي تستخدمها قوات الحكومة السورية هي ذخائر غير موجهة، أي أنها تفتقر إلى إمكانية تصويبها نحو أهداف بعينها؛ فهي ذخائر تنشر عددا كبيراً من القنيبلات (الذخائر الفرعية العنقودية) على مساحة واسعة – وبقطر دائرة يصل إلى مئات الأمتار. ولا ينفجر عدد كبير من تلك القنابل لدى ارتطامها بالأرض أو الهدف، وتترك وراءها آثاراً مميتة معرضة للانفجار في أي لحظة إذا التقطها أو لمسها أحدهم بطريق الصدفة – وعليه فإنها تتحول بالتالي إلى ما يشبه الألغام المضادة للأفراد. وهذه المواصفات بالذات هي التي جعلت من القنابل العنقودية قنابل محرمة دولياً.�

القنابل العنقودية غير المنفجرة – إرث قاتل

لقي الطالب الذي يدرس تخصص الزراعة شفيق حاتم شيخ ياسين (18 عاماً) حتفه في فناء منزله لدى التقاطه لإحدى القنيبلات العنقودية غير المنفجرة عند الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم 24 فبراير 2013 في معراند، وهي قرية صغيرة في ريف جسر الشغور. وقالت والدته لمنظمة العفو الدولية: "كنا جميعاً في فناء المنزل عندما سقطت القنبلة العنقودية، ولم نعرف ما هي وأنها يمكن أن تنفجر. فغادرنا الفناء بيد أن شفيق ظل هناك وقام بالتقاطها (تعني القنيبلة) فانفجرت وقتلته. لماذا يرمون مثل هذه القنابل ليقتلوا بها الأبرياء وهم في منازلهم؟".

وعرضت إحدى الجارات على منظمة العفو الدولية ثلاثة ذخائر فرعية غير منفجرة من طراز PTAB-2 من عيار 2.5 ملم موجودة في كوخ في فناء منزلها بوضعية خطيرة وغير مستقرة وسط الحطب الذي تحتفظ به هناك. وقالت الجارة أن أطفالها قد جمعوا هذه القنيبلات بعد أن وجدوها منتشرة على مقربة من إحدى القنابل العنقودية التي أُسقطت على القرية، وجلبوها معهم إلى المنزل غير مدركين لمدى خطورتها. وعقب مقتل جارهم شفيق بنفس نوع القنيبلات، أدركت الأسرة أن الخطر يقبع في عقر دارها، وأرادت التخلص من تلك القنيبلات.

وقُتل الطالب في الصف العاشر موسى رمضان حسون (16 عاماً) في قرية دركوش الصغيرة الواقعة بين جسر الشغور والحدود التركية بتاريخ 20 فبراير 2013 عندما قام بالتقاط إحدى القنيبلات غير المنفجرة التي سقطت على أطراف القرية. وقال ابن عمه الذي كان برفقته ساعة انفجار القنيبلة التي تسبب بإصابته هو أيضاً: "كنت أنا وموسى وابن عمنا البالغ من العمر 12 عاماً نرعى الأغنام في منتصف الطريق الذي يقود إلى أعلى التل عندما عثرنا على تلك الأجسام –كانت اسطوانية الشكل وبحجم أكبر قليلاً من حجم فنجان القهوة وقد تدلى من كل واحدة منها شريط أبيض. وكان هناك الكثير منها، فالتقطنا إحداها بيد أنني وابن عمي الصغير وضعناها أرضاً ثانيةً وتركناها هناك. وأما موسى فقد وضع إحداها في جيب سترته الأيمن. وما أن مشى مسافة 200-300 متر تقريباً حتى انفجرت في جيبه. وبُتر ذراعه الأيمن، وشُقت بطنه. لقد توفي على الفور. وأما أنا فأُصيبت ساقاي جراء الانفجار، بيد أن ابن عمنا الصغير لم يُصب بأذى كونه كان يمشي بعيداً عنا نوعاً ما".

وتختلف القنيبلات العنقودية التي تسببت بمقتل موسى رمضان حسون وجرح ابن عمه عن تلك التي استُخدمت في الهجمات الأخرى الواردة في التقرير الحالي. فهي أصغر حجماً وذات لون داكن ومزودة بشريط أبيض اللون وتنتمي إلى مجموعة الذخائر التقليدية مزدوجة الأغراض (DPICM). وتصل هذه الذخائر إلى أهدافها عبر إطلاقها بصواريخ من عيار 122 ملم تُطلق من راجمات الصواريخ من طراز BM-21، والتي عادة ما تُنصب على ظهر الشاحنات، وتشتهر بافتقارها لدقة التوجيه. ولقد عثرت منظمة العفو الدولية التي عاينت تلك الصواريخ على علامة مصنع "الصقر" (وهو إحدى الشركات التابعة للمؤسسة العربية للتصنيع المملوكة للدولة في مصر). وبحسب قائمة المواصفات، فتستطيع تلك الصواريخ أن تحمل ما بين 72، و98 قنيبلات عنقودية فرعية يمكن إطلاقها من منصات إطلاق أو راجمات أُحادية أو رباعية أو متعددة الأنابيب، بما في ذلك راجمات الصواريخ التقليدية من طراز BM-21.� ولقد بدأ الجيش السوري باستخدام هذه الصواريخ اعتباراً من ديسمبر 2012. وفي فبراير 2013، بدأت قوات الحكومة بنشر واستخدام نوع آخر من القنابل العنقودية، يتصف بكونه أكبر حجماً ويحتوي على عد أكبر من الذخائر العنقودية الفرعية.�

في 26 فبراير 2013، أبرز سكان دركوش لمنظمة العفو الدولية بقايا صواريخ صقر من عيار 122 ملم التي ضربت محيط القرية في الأيام والأسابيع الماضية، ولتملأ المنطقة بالذخائر العنقودية الفرعية. وقالوا أن مقاتلين ومتطوعين من القرية قد قاموا بتنظيف القرية من عشرات القنيبلات غير المنفجرة، بيد أنهم لم يخفوا خشيتهم من وجودها بكثرة في الحقول المجاورة التي يصعب تمشيطها بحثاً عن تلك الذخائر كونها تتوارى عن الأنظار بين ثنايا العشب الطويل، وتهدد بالتالي سلامة الرعاة والمزارعين في المنطقة.

القصف الجوي العشوائي – حدثٌ يتكرر يومياً

وقال أحد سكان قرية كفر رومة في حنوب محافظة إدلب، والذي لجأ الآن إلى أحد مخيمات إيواء النازحين المنتشرة على طول الحدود مع تركيا: "عندما كانت القرية تتعرض للقصف في الصيف الماضي، كنا نحاول البقاء في إحدى الغرف الداخلية في الطابق الأرضي من المنزل كونها أكثر أماناً. ومن ثم بدأ القصف الجوي، ولم يكن في وسعنا أن نقوم بأي شيء فعلاً لحماية الأطفال. ولذا فقد غادرنا وقدمنا إلى هنا، بيد أن الوضع سيء جداً بحيث لم أعد أدري أيهما أسوأ – أنبقى هنا في ظل هذا الظروف السيئة، أم نعود أدراجنا وتلقى حتفنا في منازلنا".

وأضاف أحد سكان قرية حاس في جبل الزاوية قائلاً: "توجهنا في باديء الأمر للاختباء في الكهوف القديمة الموجودة من العصور الرومانية في الريف، ومن ثم عمدنا إلى حفر كهوف بأيدينا إلى جانب منازلنا في القرية، بيد أن القصف كان شديداً بحيث سوى المنازل بالأرض، حتى متينة البناء منها، ولم تعد الكهوف توفر الكثيرمن الحماية. ولا يمكننا أن نترك الأطفال في الكهوف على الدوام، وغالباً ما لايمكن سماع صوت الطائرات قبيل وقوع القصف، مما لايتيح لنا ما يكفي من وقت للفرار. وإنني أتساءل: ما الذي عساي أن أفعله كي أبقي الأطفال سالمين؟"

وفي بلدة سلقين غربي محافظة إدلب، قُتل أكثر من 20 من سكان البلدة جراء ضربة جوية أتت على أربعة منازل صغيرة، وعدد من الشقق على جانبي أحد الشوارع الضيقة في منطقة البازار بتاريخ الأول من أكتوبر 2012. وسقط من بين القتلي كل من غسان دروبي (14 عاماً)، ومحمد حسن رمضان (13 عاماً)، ومحمد كيالي (15 عاماً)، وأبو إبراهيم سنو وولده مصطفى (15 عاماً)، وسهام ندو (في أوسط الخميسنيات من عمرها) وابنها (14 عاماً)، وحفيدتاها مشاعل وفاطمة (8، و4 سنوات على التوالي)، وحفيداها عبد الله ومحمد (10، و6 سنوات على التوالي)، وإحدى قريباتها فاطمة خليلو التي تركت ورائها أطفالها السبعة.

كما قُتل كل من حسن محمود الضعيف (سنتان) وشقيقته آية (4 أعوام) أثناء لعبهما أمام منزلهما في قرية حاس بجبل الزاوية بتاريخ 14 فبراير 2013. وقالت خالتهما لمنظمة العفو الدولية ما يلي: "لا تتوافر السلامة في أي مكان. وعلى وقت الغداء، كان الطفلان يلعبان في الخارج بين المنزلين لحظة إسقاط إحدى الطائرات لصاروخين أصابا منازل أقاربنا على الجانب المقابل من الشارع. ولقد جُرحت ابنتي وابنة أختي، وكذلك ابنة عمي".

وبعد مضي أسبوع، أي في 21 فبراير وفي نفس التوقيت تقريباً، قُتلت بتول عبد الحميد الفرحات في ضربة جوية أخرى على منطقة لا بتعد كثيراً عن المنطقة الأولى، وهو ما تسبب بإصابة والدة الطفلة أيضاً، وشقيقتها البالغة من العمر سبعة أعوام وأشقاءها الثلاثة الذين ترواحت أعمارهم بين 18 شهراً، وتسع سنين.

وقُتل 20 مدنياً آخر معظمهم من الأطفال في عملية قصف جوي لمعرة النعمان يوم 6 نوفمبر 2012، وشملت قائمة الضحايا الرضيع أحمد إبراهيم طويش وشقيقاته الأربع، سارة (6 سنوات، وأميرة (9 سنوات)، والتوأمان راما وريم (12 سنة). وقال والد الأطفال لمنظمة العفو الدولية: "كانت الساعة ما بين الثالثة والنصف والرابعة إلا ربعاً عصراً، وكنت حينها في الشارع على مقربة من المنزل لحظة وقوع القنبلة. لقد بدا الأمر وكأن العالم قد بدأ ينهار من حولي. قُتل أطفالي الخمسة، وأُصيبت زوجتي إصابة بالغة، فيما قُتل جيراننا، وكان معظم القتلى من النساء والأطفال وبينهم طفلة حديثة الولادة، وجدتها المقعدة التي لم تكن تقوى على المشي. لقد كانت مذبحة وتمزقت أجساد الضحايا إلى أشلاء. ولم يُعثر على ثلاث من الجثث بعد".

ومن المستحيل أن ينخذ المدنيون أية تدابير توفر لهم الحماية، ولا يقدرون على مغادرة البلاد جراء الطبيعة العشوائية للضربات الجوية التي تُشن يومياً على البلدات والقرى.

عدم مراعاة أحكام القانون الإنساني الدولي (قانون الحرب)

دأبت الحكومة السورية على تكرار إنكارها لقيام قواتها بشن هجمات عشوائية أو استهداف المناطق السكنية المدنية، وغالباً ما صرحت أن قواتها لا تستهدف سوى المتمردين المسلحين. بيد أن واقع الأمور على الأرض يناقض هذه التأكيدات بشكل صارخ. وما القضايا والحالات التي يضمها التقرير الحالي بين ثناياه، وغيرها من مئات القضايا التي حققت منظمة العفو الدولية فيها خلال الشهور الأخيرة، والهجمات التي كان وفد المنظمة شاهداً عليها، إلا مجموعة من الأدلة التي تثبت انتشار الهجمات العشوائية، ونظيرتها التي تستهدف المدنيين والأعيان المدنية بشكل مباشر، وعلى نحو منتظم استمر في الزيادة طوال السنة الماضية.�

وكلما وقعت صدامات مسلحة في المناطق الآهلة بالسكان، فيتعين على الأطراف المتحاربة أن تتخذ جميع الاحتياطات الممكنة بغية تقليص حجم الأذى الذي قد يلحق بالمدنيين. كما يتعين على تلك الأطراف أن تأخذ جميع الاحتياطات الممكنة من أجل حماية المدنيين والأعيان المدنية الواقعة تحت سيطرتها، وذلك في سبيل تجنيبهم أية تبعات سلبية تنجم عن نصب أهداف عسكرية ضمن حدود المناطق السكنية أو على مقربة منها. كما يحظر القانون الإنساني الدولي صراحةً اللجوء إلى ممارسات من قبيل الاحتماء "بالدروع البشرية" للحيلولة دون وقوع هجمات على أهداف عسكرية. ومع ذلك، فإن تقاعس أحد طرفي النزاع عن فصل مقاتليه عن المدنيين والأعيان المدنية لا يعفي الخصم الآخر من الالتزام المترتب عليه طبقاً لأحكام القانون الإنساني الدولي، والقاضي بتوجيه هجماته نحو المقاتلين والأعيان العسكرية فقط، واتخاذ جميع التدابير الاحتياطية الضرورية أثناء الهجوم، وذلك في سبيل عدم إصابة المدنيين والأعيان المدنية.

وتنتشر قوات الحكومة وجماعات المعارضة المسلحة في جميع أنحاء سورية، وغالباً ما تنشط في المناطق المدنية الآهلة بالسكان. وينطوي القانون الإنساني الدولي على مبدأ أساسي يقتضي إلزامية حرص طرفي النزاع على التمييز بين المدنيين (والأعيان المدنية)، والمقاتلين (والأعيان العسكرية)، وهو ما ينطبق هنا على قوات الحكومة السورية، ومقاتلي المعارضة (أي عناصر الجيش السوري الحر، وغيره من جماعات المعارضة المسلحة، بغض النظر عن ارتباطها بالجيش الحر من عدمه). وينبغي أن يقتصر توجيه الهجمات على المقاتلين والأعيان العسكرية. وفي حالة بروز شكوك يصعب معها الجزم بهوية الأعيان أو الأشخاص بين مدني وعسكري، فينبغي افتراض الصبغة المدنية للأفراد والأعيان (وحصانتهم بالتالي من استهدافهم بالهجمات).

كما يحظر القانون الدولي استهداف المدنيين غير الضالعين في الأعمال العدائية، ويعتبر ذلك من قبيل جرائم الحرب، وهو ما ينسحب أيضاً على شن الهجمات العشوائية (التي لا تميز بين الأهداف المدنية والعسكرية)، والهجوم غير المتناسب (الذي يُتوقع منه أن يلحق أضراراً عرضية بالمدنيين، وبشكل يكون غير متناسب مع الأفضلية الملموسة والعسكرية التي يُتوخى تحقيقها جراء الهجوم). كما تنطبق هذه القواعد على جميع أطراف النزاع المسلح (سواء أكانت من قوات الحكومة، أو من الجماعات المسلحة غير المنضوية تحت لواء الدولة).

وعندما يقتتل طرفا النزاع على مقربة من مكان تواجد المدنيين، فيتعين عليهما انتقاء الأساليب والوسائل الملائمة للهجوم. وبموجب هذا الشرط، فينبغي استبعاد استخدام الوسائل والأساليب القتالية التي لا يمكن توجيهها نحو هدف عسكري محدد، والتي قد تقود إلى وقوع الهجمات العشوائية التي يحظرها القانون الدولي. إن انتشار استخدام قوات النظام للأسلحة المصممة لأرض المعركة، والتي تتميز باتساع قطر دائرة الدمار الذي تتسبب به، وتنطوي على هامش خطأ كبير، أو تلك التي لا يمكن توجيهها نحو أهداف بعينها، وكذلك استخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً، وذلك في المناطق الآهلة بالسكان، قد أدى في مجمله إلى وقوع خسائر كبيرة في الأرواح بين صفوف المدنيين. وأما الهجمات – كتلك التي يوثقها التقرير الحالي – والتي تشنها قوات الحكومة مع علمها مسبقاً أنها سوف توقع خسائر فادحة في صفوف المدنيين، وتلحق دماراً واسعاً بالأعيان المدنية، فتشكل انتهاكاً صارخاً للحظر المفروض على اللجوء إلى الهجمات العشوائية، وتمثل إحدى جرائم الحرب. كما يشكل القصف الجوي والمدفعي للمناطق السكنية الخالية من مقاتلي المعارضة جرائم حرب بوصفها هجمات تستهدف المدنيين بشكل مباشر.

كما إن مقاتلي المعارضة الذي دأبوا في أغلب الأحيان على القتال باستخدام أسلحة خفيفة وقصيرة المدى، قد استخدموا أحياناً قذائف الهاون غير دقيقة التوجيه، أو الصواريخ العشوائية في قصف المناطق الآهلة بالسكان، مما يعرض المدنيين إلى خطر عظيم، وبشكل يخالف الحظر المفروض على اللجوء إلى الهجمات العشوائية.

وفي حال ثبوت حرص أحد طرفي النزاع المسلح على انتهاك أحكام القانون الإنساني الدولي على نحو منتظم، فلا ينبغي أن يُعتبر ذلك الأمر مسوغاً لأطراف النزاع الأخرى أن ترتكب انتهاكات مشابهة. وعلى هذا الصعيد، تكرر منظمة العفو الدولية تحذيرها الموجه لجماعات المعارضة السورية المسلحة وقياداتها، وتذكرهم أنه، وفي معرض سعيهم وراء الحصول على أسلحة بعيد المدى أو تصنيعها، ينبغي أن يدركوا تمام الإدراك أن الحظر المفروض على الهجمات العشوائية ينطبق عليهم أيضاً. إن أي استخدام للمدفعية وقذائف الهاون والصواريخ غير الموجهة في المناطق السكنية يشكّل خرقاً لذلك الحظر، وقد يرقى إلى مصاف ارتكاب جريمة حرب لن يكون بوسعهم الإفلات من العقوبة على ارتكابها.

استمرار الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء – نهر الموت في حلب

ما انفك شباب وفتيان حلب يتعرضون للاختفاء القسري عقب احتجازهم على أيدي قوات الحكومة. ولقد مضى على تاريخ اختفاء العديد منهم عدة أشهر، ولا تتوافر أية أنباء عن مصير بعضهم، أو أماكن تواجدهم، فيما تمكنت عائلات آخرين من الحصول على بعض المعلومات بطريقة غير رسمية – وذلك من خلال دفع رشوة للفاسدين من موظفي الأجهزة الأمنية، أو بفضل بعض الصلات والمعارف العاملين مع قوات الأمن.

وأصبح من الشائع العثور بشكل منتظم على جثث الذين اختفوا وهم في عهدة مختلف أجهزة الأمن السورية ملقاة في أماكن عامة، وأيادي أصحابها مقيدة خلف ظهورهم، وقد ظهرت عليها آثار التعذيب، وثمة ما يشير إلى تعرضها لطلق ناري في منطقة الرأس أحياناً. وفي معرض زيارة سابقة إلى حلب قامت بها العفو الدولية إلى هناك في أغسطس 2012، وثقت المنظمة عدة حالات شملت اعتقال شباب وفتيان أثناء تواجدهم في الشوارع أو في منازلهم، قبل أن يُعدموا خارج نطاق القضاء، وتُلقى جثثهم في أماكن عامة، على مقربة من مقر المخابرات الجوية سيئة السمعة، وهو الجهاز الذي له سوابق مثبتة في اللجوء إلى هذا النوع من الممارسات.�

خلال الشهرين الماضيين، بدأ نمط جديد ومثير للقلق يبرز على السطح: إذ بدأت جثث الرجال والفتية الذين اختفوا في الأيام أو الأسابيع الماضية في الظهور طافية على سطح مياه نهر كويك في حلب، وقد قُيدت أيدي معظمهم وراء ظهورهم، وتعرضوا لطلق ناري في الرأس من مسافة قريبة على ما يظهر. كما بدت على بعض الجثث آثار تشي باحتمال تعرض أصحابها إلى التعذيب قبيل مقتلهم.

ولقد وقعت الحادثة الأولى من هذا النوع بتاريخ 29 يناير 2013، وذلك عندما تم العثور على 82 جثة في أحد مقاطع النهر لدى جريانه في منطقة بستان القصر الواقعة تحت سيطرة جماعات المعارضة المسلحة، ويظهر أن تلك الجثث قد طفت على سطح مياه النهر قادمة من المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الحكومة على بعد مئات الأمتار في أعلى مجرى النهر.

ومنذ ذلك الحين، فلقد تم انتشال أكثر من 90 جثة من ذات البقعة في النهر – إذ كانت تلك الجثث تظل تطفو قادمة من مناطق قوات الحكومة أعلى مجرى النهر إلى أن تصل إلى المكان الذي عُثر فيه عليها أسفل مجرى النهر. ولقد بدأت تلك الجثث تظهر على سطح الماء بأعداد قليلة اعتباراً من 10 مارس، أي عندما عُثر على 23 جثة، ومن ثم 10 جثث أخرى في اليوم التالي.

وبتاريخ 3 مارس، قامت إحدى أعضاء وفد منظمة العفو الدولية بمعاينة إحدى الجثث التي كانت قد انتُشلت للتو من مياه النهر. ولقد كتب على وجه تلك الجثة بحبر ازرق بعض الكلمات التي أوشك بعضها على الزوال جراء المياه والطين (إذ كانت الجثة تطفو على وجهها ساعة العثور عليها)؛ ولقد كُتب على جبهة الرأس كلمة "الأسد"، وعلى الخد الأيسر كلمة "سورية" فيما لم يتسنّ قراءة ما كُتب على الخد الأيمن والذقن.

وأتضح أن الجثة تعود لأحمد علي صلاح حموي؛ إذ تم التعرف على هويته بعد يومين من العثور على الجثة رفقة جثة ابنه حسن البالغ من العمر 12 عاماً، والتي عُثر عليها أيضاً في النهر في اليوم التالي بالإضافة إلى ثلاث جثث أخرى.

وتُوارى معظم الجثث الثرى على أنها جثث تعود لمجهولين، إذ لا تتوفر مشرحة في المنطقة، ولاتوجد كهرباء في المنطقة على أية حال من أجل تشغيل ثلاجة الموتى في المشرحة. ويقوم متطوعون محليون بالاحتفاظ في مكتب صغير في المنطقة بصور التقطوها للجثث التي عثروا عليها في النهر، حيث يمكن لذوي المفقودين التوجه إلى ذلك المكتب وإلقاء نظرة على تلك الصور.

وكانت جثتيّ الفتى عبد المجيد ريم بطش (15 عاماً)، وخاله ماجد النونو (38 عاماً) من بين الجثث التي عُثر عليها يوم 29 يناير 2013. وقال أحد أقاربهما لمنظمة العفو الدولية: "كان عبد المجيد يقطن مع جدته حيث يعمل والداه في ليبيا، ولقد توجه يوم الأحد (27 يناير) رفقة خاله ماجد (نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة) لتسجيل المولود الجديد الذي رُزق به خاله؛ ولكنهما لم يعودا إلى البيت أبداً، وعُثر على جثتيهما في النهر يوم الثلاثاء (29 يناير). ولقد بدت على وجه الفتى آثار التعذيب، وقُتل برصاصة في القلب، فيما تلقّى خاله رصاصة في رأسه ."

ولقد عُثر على جثة طفل آخر يُعتقد أنها تعود للصبي محمود عبد الباري (9 سنوات) في النهر بترايخ 10 مارس 2013، إضافة إلى 22 جثة أخرى – وهو أكبر عدد من الجثث يتم العثور عليها في يوم واحد منذ 29 يناير الماضي.

ومن بين الجثث التي عُثر عليها في النهر يوم 29 يناير أيضاً، جثة تعود لعامل سكة الحديد محمد شعبان مصطفى (47 عاماً)؛ وكان محمد قد غادر منزله الكائن في بستان القصر صبيحة يوم 13 فبراير، وتوجه إلى عمله كالمعتاد في محطة بغداد (الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية)، بيد أنه لم يرجع إلى المنزل أبداً، ولقد ألقت مياه النهر جثته صباح اليوم التالي، وقد ظهرت آثار جرح كبير في رأسه ناجم عن إصابته بطلق ناري

وتنطوي محاولة انتشال الجثث من النهر عند النقطة الأولى التي تظهر فيها على مخاطرة عظيمة – إذ إنها قريبة جداً من المنطقة الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية، وتقع في مرمى نيران قناصتها. وعليه، فيُضطر المتطوعون المحليون إلى الانتظار إلى أن تطفو الجثث مسافة 300 مترا أخرى أو نحو ذلك قبل أن يتمكنوا من انتشالها بأمان.

وقامت ممثلة عن منظمة العفو الدولية بزيارة المنطقة لحظة انتشال الجثث، وقامت بمعاينتها والاطلاع على المواقع التي شوهدت الجثث فيها أول مرة، والبقعة التي انتُشلت منها. ولقد حصلت المنظمة على أسماء أكثر من 60 رجلاً وصبياً انتُشلت جثثهم من النهر، وتحدت مع أقارب عدد من الضحايا. ولا يرغب معظمهم بالإدلاء بشهادتهم علناً، أو حتى ذكر أسماء أقاربهم المتوفين خوفاً من تبعات ذلك عليهم وعلى ذويهم الذين يعملون أو يقطنون في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية.

والعديد من الضحايا الذين تم التعرف عليهم هم من سكان المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، أو أنهم كانت لهم صلات وطيدة بتلك المناطق، وقد اختفوا لدى دخولهم إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. وقال لي أفراد العديد من العائلات الذين التقيت بهم أن أقاربهم لم يكونوا منخرطين في أية أنشطة سياسية – وعليه فلقد كانت جريمتهم الوحيدة هي أنهم يقطنون في المناطق التي تسيطر المعارضة عليها، أو أنهم قد أمضوا بعض الوقت فيها، وهو ما قد تكون قوات الحكومة فسّرته على أنه دعم وتأييد من الضحايا لجماعا المعارضة المسلحة التي تسيطر على أجزاء من المدينة، أو أنهم افترضوا أن ذهابهم إلى تلك المناطق يثبت انتسابهم لتلك الجماعات.

الخلاصة والتوصيات

دأبت منظمة العفو الدولية بشكل متكرر، هي وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى المعنية بحقوق الإنسان، وآليات الأمم المتحدة، على توثيق الجرائم التي تُرتكب ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وغيرها من الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي على أيدي قوات الحكومة السورية. وكانت الغالبية العظمى من الضحايا هي من المدنيين، بالإضافة إلى عناصر في المعارضة المسلحة.

ويوفر هذا البيان الموجز أدلة حديثة العهد على انتشار الجرائم التي تخالف القانون الإنساني الدولي على نحو منتظم، والتي ما انفكت تُتركب بوتيرة متصاعدة كجزء من سياسات الدولة. ويظهر أن تلك الجرائم تُتركب بهدف ترهيب المجتمعات المحلية في المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعات المعارضة المسلحة، ومعاقبتها عقاباً جماعياً – نظراً للاشتباه بمساندتها للمعارضة المسلحة لا لشيء قامت به سوى لمجرد أن أفرادها ظلوا قاطنين في تلك المناطق حتى بعد استيلاء جماعات المعارضة المسلحة الناشطة داخل البلاد عليها.

توصيات موجهة إلى السلطات السورية

ناشدت منظمة العفو الدولية السلطات السورية مراراً وتكراراً كي تقوم بما يلي:

وقف شن الهجمات العشوائية على المناطق المدنية؛ إذ إن الزيادة في نطاق وحجم الهجمات العشوائية والمباشرة التي تشنها قوات الحكومة على المدنيين خلال الشهور الماضية تمثل دليلاً آخراً على ازدراء الحكومة السورية بأحكام القانون الدولي، وتبرهن على مدى الطبيعة الملحة لتحرك المجتمع الدولي كي يكبح جماح تصاعد وتيرة الانتهاكات التي تُرتكب بشكل يومي مع إفلات الجناة من العقاب بشكل كامل؛

ووقف اللجوء إلى الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والإعدامات خارج نطاق القضاء، والحرص على إفهام جميع عناصر قوات النظام والميليشيات التابعة له أنه لا يمكن التساهل مع مثل تلك الانتهاكات؛

والتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة والسماح لها بدخول البلاد دون عائق كي تتمكن من التحقيق في الجرائم المزعومة والمرتكبة بما يخالف أحكام القانون الدولي، والانتهاكات وأشكال الإساءة التي تخالف أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان؛

والسماح لمراقبي حقوق الإنسان الدوليين ووكالات المساعدات الإنسانية بدخول سورية في أسرع وقت ممكن ودنما عائق.

توصيات موجهة إلى مجلس الأمن

تدعو منظمة العفو الدولية مجلس الأمن إلى القيام بما يلي كخطوة أولى وملحة:

إحالة ملف الأوضاع في سورية إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية. ومن شأن مثل هذه الخطوة متى ما تمت أن توضح لجميع الأطراف الذين ينفذون أو يأمرون بتنفيذ جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، سوف يُحاسبون على ما يرتكبونه من أفعال؛

وفرض حظر فوري على توريد السلاح إلى سورية بهدف وقف تدفق الأسلحة إلى الحكومة السورية، وإنشاء آلية فعالة لمراقبة الامتثال لبنود الحظر؛

والمطالبة بضمان بدخول أعضاء لجنة التحقيق الأممية المستقلة إلى سورية فوراً ودون عائق، وكذلك ممثلي المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان، والصحفيين الدوليين؛

والقيام بتجميد أصول الرئيس بشار الأسد، وكبار معاونيه الذين يُحتمل أن يكونوا ضالعين في ارتكاب أو إصدار الأوامر بارتكاب جرائم تخالف أحكام القانون الدولي.

توصيات إلى حكومات الدول كافة

تناشد منظمة العفو الدولية حكومات الدول كافة القيام بما يلي:

القبول بالمسؤولية المشتركة عن التحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية والتحقيق فيها وفي غيرها من الجرائم التي تخالف أحكام القانون الدولي المرتكبة في سورية وفي أي مكان آخر في العالم. والسعي على وجه الخصوص إلى إنفاذ مقتضيات بند الاختصاص العام أو العالمي فيما يتعلق بتلك الجرائم، والنظر فيها أمام المحاكم الوطنية ضمن إطار محاكمات عادلة ودون اللجوء إلى فرض عقوبة الإعدام؛

وكجزء من تلك المسؤولية المشتركة، إنشاء فرق دولية مشتركة للتحقيق والمقاضاة في الجرائم التي تخالف أحكام القانون الدولي، والمرتكبة في سورية، وذلك في سبيل تحسين فعالية التحقيقات، وتعزيز فرص إلقاء القبض على الجناة، وتنسيق عمليات المقاضاة.

الهوامش

� راجع على سبيل المثال التقريرين التاليين من بين جملة تقارير أخرى صدرت عن منظمة العفو الدولية: �HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/news/syria-all-out-repression-armed-conflict-aleppo-2012-08-01"�http://www.amnesty.org/en/news/syria-all-out-repression-armed-conflict-aleppo-2012-08-01� و �HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/news-and-updates/report/climate-fear-syrias-hospitals-patients-and-medics-targeted-2011-10-25"�http://www.amnesty.org/en/news-and-updates/report/climate-fear-syrias-hospitals-patients-and-medics-targeted-2011-10-25�

� لقد حصرت منظمة العفو الدولية أسماء ما يزيد على 980 شخصاً زُعم أنهم توفوا في الحجز منذ اندلاع الانتفاضة في مارس 2011. ولمزيد من المعلومات حول انتشار التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في السجون ومراكز الاحتجاز السورية، راجع تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 11 أغسطس 2011 بعنوان "الاحتجاز المميت: الوفيات في الحجز في ظل الاحتجاجات الشعبية في سورية" (رقم الوثيقة: MDE 24/03/2011، والمتوفر عبر الرابط الإلكتروني التالي: �HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE24/035/2011/en"�http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE24/035/2011/en� ؛ وتقرير "لقد أردت الموت: الناجون من ضحايا التعذيب في سورية يتحدثون عن محنتهم" (رقم الوثيقة MDE 24/016/2012) والصادر في مارس 2012، والمتوفر عبر الرابط الإلكتروني التالي: http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE24/016/2012/en.

� انظر على سبيل المثال: �HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/news/syria-fresh-evidence-armed-forces-ongoing-crimes-against-humanity-2012-06-13"�http://www.amnesty.org/en/news/syria-fresh-evidence-armed-forces-ongoing-crimes-against-humanity-2012-06-13� .

� انظر على سبيل المثال: �HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/news/syria-civilians-bear-brunt-battle-aleppo-rages-2012-08-23"�http://www.amnesty.org/en/news/syria-civilians-bear-brunt-battle-aleppo-rages-2012-08-23� و �HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/news/syria-new-evidence-high-civilian-death-toll-campaign-indiscriminate-attacks-2012-09-19"�http://www.amnesty.org/en/news/syria-new-evidence-high-civilian-death-toll-campaign-indiscriminate-attacks-2012-09-19�

� في 12 ديسمبر 2012، نُقل عن مسؤولين أمريكيين وفي حلف النيتو قولهم أن قوات الحكومة السورية قد استخدمت صواريخ أرض-أرض من طراز سكود (راجع على سبيل المثال: �HYPERLINK "http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-20705519"�http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-20705519� , �HYPERLINK "http://www.reuters.com/article/2012/12/12/us-syria-crisis-idUSBRE8AJ1FK20121212"�http://www.reuters.com/article/2012/12/12/us-syria-crisis-idUSBRE8AJ1FK20121212� , �HYPERLINK "http://www.nytimes.com/2012/12/13/world/middleeast/syria-war-developments-assad.html?hp&_r=1&"�http://www.nytimes.com/2012/12/13/world/middleeast/syria-war-developments-assad.html?hp&_r=1&� )

� نشرت تنسيقية يبرود المحلية على صفحتها على موقع فيسبوك في الساعة 5:27 من مساء يوم 22 فبراير 2013 تقول فيها أن "قد تم إطلاق ثلاثة صواريخ سكود باتجاه الشمال". انظر: �HYPERLINK "https://www.facebook.com/Yabroud.Revolution/posts/546049868749112"�https://www.facebook.com/Yabroud.Revolution/posts/546049868749112� .

� انظر على سبيل المثال، مجموعة مقاطع الفيديو الخاصة إيليوت هيغينز (المسؤول عن مدونة براون موزيس)، والتي تظهر استخدام هذا النوع من الصواريخ على الرابطين التاليين: �HYPERLINK "http://www.youtube.com/playlist?list=PLPC0Udeof3T7n60nL2ptkGgfjEztggeT9"�http://www.youtube.com/playlist?list=PLPC0Udeof3T7n60nL2ptkGgfjEztggeT9� ،�HYPERLINK "http://brown-moses.blogspot.co.uk/2013/01/video-and-picture-evidence-of-scud-type.html"�http://brown-moses.blogspot.co.uk/2013/01/video-and-picture-evidence-of-scud-type.html� .

� �HYPERLINK "http://www.youtube.com/watch?v=9vhHKZ1T2Uk&feature=youtu.be"�http://www.youtube.com/watch?v=9vhHKZ1T2Uk&feature=youtu.be�

� زارت منظمة العفو الدولية المنطقة وعاينت الذخائر الفرعية غير المنفجرة في أوائل شهر سبتمبر 2012

� جرى تنبّي الاتفاقية الخاصة بمكافحة القنابل العنقودية (http://www.clusterconvention.org ) في عام 2008، ودخلت حيز النفاذ في عام 2010. وتحظر الاتفاقية جميع أشكال استخدام الذخائر العنقودية وانتاجها ونقلها وتخزينها.

� �HYPERLINK "http://www.aoi.com.eg/aoieng/military/mil_pro.html"�http://www.aoi.com.eg/aoieng/military/mil_pro.html�

� �HYPERLINK "http://brown-moses.blogspot.co.uk/2013/03/evidence-of-new-larger-cluster-bombs.html"�http://brown-moses.blogspot.co.uk/2013/03/evidence-of-new-larger-cluster-bombs.html�

� لمزيد من التوضيح المفصل لكيفية تطبيق أحكام القانون الدولي على أطراف النزاع المسلح غير الدولي في سورية، يُرجى مراجعة التقرير الصادر بعنوان "سورية: عمليات انتقام مميتة: عمليات القتل العمد وغيرها من الانتهاكات التي ترتكبها القوات المسلحة السورية" ص. 51-66، والمتوفر عبر الرابط الإلكتروني التالي: http://www.amnesty.org/en/library/asset/MDE24/041/2012/en/30416985-883b-4e67-b386-0df14a79f694/mde240412012en.pdf.

� أنظر ،�HYPERLINK "http://www.amnesty.org/en/news/syria-civilians-bear-brunt-battle-aleppo-rages-2012-08-23"�http://www.amnesty.org/en/news/syria-civilians-bear-brunt-battle-aleppo-rages-2012-08-23� و http://www.amnesty.org/en/library/asset/MDE24/073/2012/en/e39a6aa0-f700-4c4c-84c5-fb73edd3abac/mde240732012en.pdf .

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE