Annual Report 2012
The state of the world's human rights

Document - Algeria: Truth and justice obscured by the shadow of impunity

رقم الوثيقة : MDE 28/011/2000(وثيقة عامة)

8 نوفمبر/تشرين الثاني 2000



الجزائر:الإفلات من العقاب جدارٌ يحجب الحقيقة والعدالة



المحتوى

مقدمة 1

الإجراءات القانونية الرامية لإحلال السلام والمصالحة الوطنية 4

"قانون الوئام المدني" والعفو الرئاسي 4

استسلام أعضاء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" والعفو عنهم 5

استسلام أعضاء "الجماعة الإسلامية المسلحة" وغيرها من الجماعات المسلحة 7

بواعث القلق المتعلقة بتطبيق "قانون الوئام المدني" والعفو الرئاسي 8

المرسوم الرئاسي لتخفيض عقوبات السجناء 10

بواعث القلق القائمة بخصوص حالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز السري 11

القانون الجزائري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان فيما يخص "التوقيف للنظر" 13

الحاجة إلى إجراء تحقيقات 15

المذابح وحالات الاغتيال وغيرها من أعمال القتل 16

الإعدام خارج نطاق القضاء 20

التعذيب 21

حالات "الاختفاء" 23

التعويض 28

الميليشيات التي تسلحها الدولة 29

القيود المفروضة على حق الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان في حرية التعبير وتكوين الجمعيات 31

الخاتمة والتوصيات 33

مقدمة

لا يمكن التهوين من اتساع وعمق المأساة التي تمر بها الجزائر منذ ما يقرب من عقد من الزمان. فقد سقط عشرات الألوف من الضحايا منذ بدء الصراع الحالي عام 1992، و"اختفى" آلاف بعد أن اقتادتهم قوات الأمن إلى مصير مجهول، وأُصيب عشرات الألوف في أعمال العنف أو عانوا المحن والآلام الناجمة عن فقد أحد أفراد الأسرة. ولم يسلم أي قطاع من المجتمع الجزائري من آثار الأزمة التي ارتُكبت خلالها أكثر انتهاكات حقوق الإنسان وحشيةً على أيدي قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة والجماعات المسلحة.

وقد صرَّحت السلطات الجزائرية باعتزامها طي هذه الصفحة السوداء، لكنها لم تتخذ أي إجراءات محددة وفعالة للتصدي لمشكلة الإفلات من العقاب التي تتخذ أبعاداً ضخمة في البلاد. ولم تُجر، على الرغم من الحاجة الملحة لذلك، أية تحقيقات مستقلة ونزيهة في الألوف من حالات القتل والمذابح، و"الاختفاء" والاختطاف وحوادث التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والقتل العمد والتعسفي للمدنيين، والتي وقعت في غضون السنوات الأخيرة والتي ما زال يقع مثلها على نطاق أضيق.

وما زال نظام العدالة الجزائري يفتقر إلى الشفافية. ففي 1999/2000 اتخذت السلطات الجزائرية عدة إجراءات كان الهدف منها، على حد قولها، هو إحلال السلام والمصالحة الوطنية. وفي إطار تلك الإجراءات أُعفي آلاف من أعضاء الجماعات المسلحة من الملاحقة القضائية. ومع ذلك فلا يعرف الرأي العام الجزائري شيئاً عن كيفية تطبيق هذه الإجراءات، بل وتبدو السلطات عاجزة أو غير راغبة في الإفصاح عن المعلومات الأساسية والأرقام المتعلقة بها. وتخشى منظمة العفو الدولية أن تكون نتيجة ذلك هي توسيع نطاق الإفلات من العقاب، الذي تمتع به في كل الحالات تقريباً وما زال يتمتع به أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة، ليشمل أعضاء الجماعات المسلحة الذين قد يكونون مسؤولين عن حالات قتل وتعذيب وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان.

وتشارك منظمة العفو الدولية الضحايا وأسر الضحايا في الجزائر قلقهم من عدم الاستجابة لنداءاتهم من أجل إقرار الحقيقة والعدالة. ولما كان العقد المنصرم قد شهد وقوع انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان مع إفلات مرتكبيها بشكلٍ كاملٍ من العقاب، فإن المنظمة ترى أن ثمة حاجةً ملحةً لأن تبادر الحكومة على وجه السرعة بإجراء تحقيقاتٍ مستقلةٍ وواسعة النطاق في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي والتي تقع حالياً، وإعلان ما تتمخض عنه تلك التحقيقات من نتائج، وتقديم المشتبه في مسؤوليتهم عن ارتكابها إلى ساحة العدالة، وذلك بما يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. وترى منظمة العفو الدولية أن التصدي لبواعث القلق هذه هو خطوة حاسمة لضمان إقرار العدالة، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، وترسيخ الوعي بحقوق الإنسان واحترامها، وكلها عناصر جوهرية في تحقيق المصالحة الوطنية وإحلال السلام الدائم في الجزائر.

وقد رحبت منظمة العفو الدولية علناً ببعض التطورات الإيجابية التي شهدتها الجزائر على مدى العامين الأخيرين. فقد انخفض إلى حد بعيد مستوى العنف في البلاد، بما في ذلك حالات القتل، كما قلَّت بصورةٍ ملحوظةٍ الأنباء الواردة عن وقوع حالات الاعتقا ? التعسفي والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لفترات مطوَّلة، والتعذيب و"الاختفاء" والمحاكمات الجائرة. وفي السنة الماضية أُفرج عن آلاف السجناء الذين حُكم عليهم بالسجن في محاكمات جائرة، وذلك بعد إعادة محاكمتهم أو بعد صدور عفوٍ عنهم. غير أن العنف ما زال مستمراً بمعدلاتٍ مرتفعة للغاية. وما زال عشرات من المدنيين يُقتلون كل شهر في هجمات مباشرة أو هجمات تُشن دون تمييز وتُلقى المسؤولية عنها أساساً على عاتق جماعات مسلحة تطلق على نفسها اسم "الجماعات الإسلامية"، كما لا يزال عشرات من أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة والجماعات المسلحة يُقتلون في هجمات وأكمنة ومواجهات مسلحة. وما زالت ترد أيضاً أنباء عن وقوع حالات التعذيب والمعاملة السيئة والاحتجاز لفتراتٍ طويلة بمعزل عن العالم الخارجي، و"الاختفاء".

وقد تمكنت منظمة العفو الدولية من زيارة الجزائر في مايو/أيار 2000 بعد أن ظلت السلطات الجزائرية أربع سنوات ترفض السماح لها بالزيارة. والتقى مندوبو المنظمة مع بعض المسؤولين، وممثلي منظمات حقوق الإنسان، وبعض الضحايا وأسر الضحايا، والمحامين المعنيين بحقوق الإنسان، ودعاة حقوق الإنسان، ومع ممثلي جمعياتٍ ومنظماتٍ تعمل في مجالات متنوعة، منها حقوق المرأة، وإعادة تأهيل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. وخلال الزيارة استمع المندوبون بصورة مباشرة لبواعث القلق التي عبر عنها مئات من الضحايا وأسرهم والتي لم تُقابَل في كثير من الأحيان سوى بآذان صماء داخل وخارج البلاد. وقد استخدمت في إعداد هذا التقرير بعض المواد التي جُمعت خلال تلك الزيارة في مايو/أيار 2000، إلا إن جانباً كبيراً من مادة هذا التقرير هو ثمرة العمل البحثي المستمر للمنظمة بخصوص الجزائر على مدى العقد الأخير.

وعلى مدى فترة الأعوام الثمانية ونصف العام الأخيرة وثقت منظمة العفو الدولية شتى انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب في الجزائر منذ عام 1992 على أيدي قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة والجماعات المسلحة، كما تصدت لهذه الانتهاكات، وإن كان معدل تواترها قد تراجع في الآونة الأخيرة. وتعرضت وثائق سابقة لمنظمة العفو الدولية(1)، منها "الجزائر: تدهور أوضاع حقوق الإنسان في ظل حالة الطوارئ" (رقم الوثيقة: MDE 28/04/93) الصادرة في مارس/آذار 1993، لهذه الانتهاكات تفصيلياً وتضمنت حالات للتدليل عليها. وتتناول هذه الوثيقة الوضع العام لحقوق الإنسان في الجزائر الآن، إلا إنها في المقام الأول تحليل لظاهرة عدم التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، والحصانة التي ينعم بها من يُشتبه في مسؤوليتهم عنها، والافتقار إلى الشفافية في نظام العدالة. والهدف الأساسي من عرض بعض الحالات في هذه الوثيقة هو تقديم أمثلة على جوانب معينة لهذه الأنماط.

الإجراءات القانونية الرامية لإحلال السلام والمصالحة الوطنية

في أعقاب انتخابه في إبريل/نيسان 1999، أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أنه سيتخذ إجراءات لإحلال السلام والمصالحة الوطنية. وفي الشهور التي أعقبت ذلك اتُخذت عدة إجراءات قانونية فيما يخص الصراع. فخُففت الأحكام المفروضة على آلاف من السجناء السياسيين، وصدر "قانون الوئام المدني"، ومُنح العفو لزعماء وأعضاء بعض الجماعات المسلحة.

"قانون الوئام المدني" والعفو الرئاسي

صدر "قانون الوئام المدني" (القانون رقم 99-08) ودخل حيز التنفيذ يوم 13 يوليو/تموز 1999 بعد أن أقرته الحكومة، ثم "المجلس الشعبي الوطني" (البرلمان)، ومجلس الأمة. وبعد شهرين طُرح القانون أيضاً في استفتاء عام يوم 16 سبتمبر/أيلول 1999، حيث لاقى، وفقاً لجميع التقديرات الرسمية وغير الرسمية، تأييداً شعبياً واسع النطاق.كان السؤال المطروح في الاستفتاء والذي يمكن للناخبين الإجابة عنه بنعم أو لا هو: "هل أنتم مع مسعى رئيس الجمهورية المتعلق باسترجاع السلم والوئام المدني؟"وقد أثار القانون جدلاً عاماً محتدماً في جميع دوائر المجتمع المدني الجزائري، وتزايدت إلى مستوى لم يسبق له مثيل الآمال في أن يكون السلام قد بات أخيراً في متناول اليد. وليس موضوع هذه الوثيقة تقييم أو تحليل الاعتبارات السياسية التي أدت إلى صدور "قانون الوئام المدني" وآثاره السياسية، إذ يخرج ذلك عن نطاق عمل وصلاحيات منظمة العفو الدولية. وتنصرف بواعث القلق الخاصة بالمنظمة، فيما يتعلق ببعض مواد هذا القانون وكيفية تطبيقها، إلى أثرها على أوضاع حقوق الإنسان على وجه الحصر.

وبمقتضى هذا القانون يتمتع أعضاء الجماعات المسلحة الذين سلموا أنفسهم للسلطات خلال ستة أشهر (بدءاً من 13 يوليو/تموز 1999)، ولم يرتكب أي منهم أو يشارك في "أية جريمة أدت إلى قتل شخص أو سببت له عجزاً دائماً أو اغتصاباً أو لم يستعمل متفجرات في أماكن عمومية أو أماكن يتردد عليها الجمهور" بالإعفاء من المتابعة القضائية"، أما من ارتكبوا مثل تلك الجرائم أو شاركوا في ارتكابها فتُخفف الأحكام الصادرة عليهم،في هذا الصدد تماثل مواد "قانون الوئام المدني" إلى حد بعيد مواد "قانون الرحمة" الصادر في 25 فبراير/ شباط 1995 (القانون رقم 12-95)، والذي أُلغي بصدور "قانون الوئام المدني". ومن أوجه الاختلاف الأساسية بين القانونين الحد الزمني الذي يبلغ ستة أشهر "لقانون الوئام المدني" الذي بدأ سريانه في 13 يوليو/تموز 1999 وانقضي أجله يوم 13 يناير/كانون الثاني 2000.

وتُخفف بصورة أكبر لمن يستسلمون خلال ثلاثة أشهر. كما استبعد القانون عقوبة الإعدام أو السجن

مدى الحياة لأعضاء الجماعات المسلحة الذين سلموا أنفسهم خلال مهلة الأشهر الستة بغض النظر عن الجرائم التي ارتكبوها. ولما كان هذا القانون محدوداً زمنياً بمدة ثلاثة أشهر، فلا يمكن لأعضاء الجماعات المسلحة الذين يسلمون أنفسهم بعد انقضاء العمل به في 13 يناير كانون/الثاني 2000 الاستفادة من تخفيف العقوبات أو الإعفاء من المتابعة القضائية، ومن ثم يُعاملون بموجب المواد العادية في القوانين الدائمة.

وينص القانون على أن بوسع الراغبين في تسليم أنفسهم بموجب "قانون الوئام المدني" الحضور أمام السلطات المختصة سواء العسكرية، أم المدنية، أم الإدارية، أم القضائية التي تقرر ما إذا كان الشخص سيُعفى من المتابعة القضائية أم سيُقدم للمحاكمة. وبالإضافة إلى ذلك، يشتمل القانون على مواد خاصة "بالوضع رهن الإرجاء" الذي يُطبق بصورة اختيارية ويعني "التأجيل المؤقت للمتابعات خلال فترة معينة بغرض التأكد من الاستقامة الكاملة للشخص الخاضع لها". ولهذا الغرض تؤسس في النطاق الإقليمي لكل ولاية لجنة إرجاء يرأسها النائب العام المختص إقليمياً وتضم ممثلاً عن وزير الدفاع الوطني، وممثلاً عن وزير الداخلية، وقائد مجموعة الدرك الوطني للولاية، ورئيس الأمن الولائي، ونقيب المحامين أو ممثله المؤهل.

ومن المواد المهمة في "قانون الوئام المدني" المادة 41 التي مثلت الأساس للعفو الذي أصدره الرئيس بوتفليقة عن أعضاء بعض الجماعات المسلحة في يناير/كانون الثاني 2000، أي قبل ثلاثة أيام من انقضاء أجل "قانون الوئام المدني".تنص المادة 41 من "قانون الوئام المدني" على أن أحكام القانون "لا تُطبق.. إلا عند الاقتضاء على الأشخاص المنتمين إلى المنظمات التي قررت بصفة تلقائية وإرادية محضة إنهاء أعمال العنف ووضعت نفسها تحت تصرف الدولة كلياً."وإذا كان "قانون الوئام المدني" يقصر الإعفاء من المتابعة القضائية على من لم يرتكب أو يشارك في ارتكاب "أية جريمة أدت إلى قتل شخص أو سببت له عجزاً دائماً أو اغتصاباً أو لم يستعمل متفجرات في أماكن عمومية أو أماكن يتردد عليها الجمهور"، فإن المرسوم الرئاسي رقم 2000-03 الصادر في 10 يناير/كانون الثاني 2000 لم يتضمن أي استثناء عندما منح الإعفاء من المتابعة القضائية "للأشخاص المنتمين إلى المنظمات التي قررت بصفة تلقائية وإرادية محضة إنهاء أعمال العنف ووضعت نفسها تحت تصرف الدولة كلياً والملحقة أسماؤها بأصل هذا المرسوم". غير أنه لم يحدث قط أن نُشر ملحق لهذا المرسوم يحتوي على أسماء المستفيدين من هذا العفو سواء في الجريدة الرسمية الصادرة في 12 يناير/كانون الثاني والتي نشرت المرسوم، أو في أي مكان آخر، ولم تُعلن قط أسماء وعدد الذين استفادوا من هذا العفو.

استسلام أعضاء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" والعفو عنهم

لم تعلن السلطات الجزائرية رسمياً أي أعداد محددة لأعضاء الجماعات المسلحة الذين استفادوا من العفو الرئاسي والذين سلموا أنفسهم بموجب "قانون الوئام المدني".

وتفيد المعلومات المعلنة المتاحة حالياً، والتي قدمتها أو أكدتها مصادر حكومية رسمية لوسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، أن قرابة 5500 من أعضاء الجماعات المسلحة سلموا أنفسهم في الفترة من يوليو/تموز 1999 إلى يناير/كانون الثاني 2000. ولا يضم هؤلاء سوى ما يزيد قليلاً على ألفٍ من أعضاء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" الذين استفادوا من العفو الرئاسي، أما الباقون فهم من "أعضاء الجماعة الإسلامية المسلحة" وغيرها من الجماعات المسلحة الذين عوملت حالاتهم بموجب مواد "قانون الوئام المدني".

وكان "الجيش الإسلامي للإنقاذ" قد أنشئ عام 1993، وكان يُعرف عموماً بأنه الجناح المسلح "للجبهة الإسلامية للإنقاذ" رغم أن موقف الجبهة اتسم بالغموض فيما يتعلق بصلاتها به، فتارة تنفي وجود هذه الصلات، وتارة أخرى تقر بيانات وأفعال "الجيش الإسلامي للإنقاذ" وتكون بمثابة قناة الاتصال له.يحتوي موقع "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" على شبكة الإنترنت على بيانات "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، وكانت شخصيات قيادية بالجبهة داخل وخارج البلاد هي التي نظمت أو عرضت تنظيم اتصالات بين صحفيين أجانب وزعماء وأعضاء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" في الجزائر.

أما "الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" فهي جماعة أصغر كثيراً وتتألف، حسب تصريحات علنية أدلى بها زعيمها لوسائل الإعلام الجزائرية والأجنبية، من أعضاء سابقين في "الجماعة الإسلامية المسلحة" انشقوا عنها عام 1995 لرفضهم الهجمات التي تشنها على المدنيين. وتردد أن صراعاً مسلحاً بدأ عام 1995 بين مجموعات "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" من ناحية وبين مجموعات "الجماعة الإسلامية المسلحة" وجماعات مسلحة أخرى من ناحية ثانية. وكانت المجموعات التابعة "للجيش الإسلامي للإنقاذ" وتلك التابعة "للجماعة الإسلامية المسلحة" في أنحاء البلاد المختلفة تتعاون بدرجات متفاوتة حتى عام 1994 بل ومن المحتمل حتى عام 1995.

وقد أعلن "الجيش الإسلامي للإنقاذ" وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد في أول أكتوبر/تشرين الأول 1997 في أعقاب اتفاق سري تفاوض عليه زعماؤه مع الجيش الجزائري في الشهور السابقة. ونفت السلطات الجزائرية في بادئ الأمر وجود هذا الاتفاق لكنها اعترفت به في نهاية الأمر في يونيو/حزيران 1999 بعد انتخابات الرئاسة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1999، أكد وزير الداخلية آنذاك أن "قانون الوئام المدني" لا ينطبق على أعضاء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" الذين قال إن السلطات ستعالج حالاتهم في إطار منفصل لم يحدده وتبين فيما بعد أنه مرسوم العفو الرئاسي الصادر في 10 يناير/كانون الثاني 2000. غير أن بنود الاتفاق لم تُعلن. والمعلومات المتاحة أقل فيما يخص الوقت الذي جرت فيه المفاوضات بين الجيش الجزائري و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" وموعد بدء وقف إطلاق النار من جانب الرابطة. وتفيد تصريحات زعيم "الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" لوسائل الإعلام أن الرابطة لم تجر مفاوضات مباشرة مع الجيش، وإنما انضمت إلى الاتفاق بينه وبين "الجيش الإسلامي للإنقاذ" من خلال الاتصالات مع هذا الأخير، وأعلنت وقف إطلاق النار يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 1997.

وفي الفترة بين بدء وقف إطلاق النار الذي أعلنه "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" في أكتوبر/تشرين الأول 1997 وصدور العفو الرئاسي في يناير/كانون الثاني 2000 احتفظت الجماعتان بأسلحتهما وكانتا تسيطران فيما يبدو على بعض القرى والمناطق الريفية في أنحاء مختلفة من البلاد حيث تتمركز مجموعات07?ما. وخلال نفس الفترة تعاونت مجموعات "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، حسبما تردد، مع الجيش وقوات الأمن في عمليات عسكرية ضد مجموعات "الجماعة الإسلامية المسلحة" وغيرها من الجماعات المسلحة التي رفضت الاستسلام. وطوال تلك السنوات ظلت الملصقات التي تحمل صور زعماء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الجماعة الإسلامية المسلحة" معلقة على الجدران في شتى أنحاء البلاد، وتعرض مكافأة قدرها أربعة ونصف مليون دينار جزائري (60 ألف دولار أمريكي) ـ أو ما يعادل 80 ضعف الحد الأدنى للأجور الشهرية ـ للقبض عليهم أو قتلهم، . وفي أواسط عام 1999، بدأت السلطات الجزائرية تسمح للصحفيين الجزائريين بالذهاب إلى المناطق التي تتمركز فيها مجموعات "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" لمقابلة أفرادها، وهو أمر كان مستحيلاً من قبل. وليس لدى منظمة العفو الدولية علم بأن أي صحفيين جزائريين تمكنوا قبل ذلك من مقابلة مجموعات مسلحة، ولم يتمكن سوى صحفيين أجنبيين من الإفلات من مراقبة قوات الأمن الجزائرية للذهاب لمقابلة مجموعات تابعة "للجيش الإسلامي للإنقاذ"، أحدهما في أواخر عام 1994 والآخر في أواسط عام 1997. ومُنع الصحفي الأول، الذي أعد عام 1994 فيلماً وثائقياً يتضمن تغطية لمجموعات مسلحة تابعة "للجيش الإسلامي للإنقاذ"، من دخول الجزائر منذ ذلك الحين، أما الصحفي الآخر الذي التقى بإحدى مجموعات "الجيش الإسلامي للإنقاذ" عام 1997 فطُرد من الجزائر فور عودته إلى فندقه عقب اللقاء."الحرب الخفية" في نوفمبر/تشرين الثاني 1994. أما مارك دينيس فنشر تفاصيل لقائه مع مجموعة من "الجيش الإسلامي للإنقاذ" في مجلة "نيوزويك" الأسبوعية الأمريكية في 30 يونيو/حزيران 1997.

استسلام أعضاء "الجماعة الإسلامية المسلحة" وغيرها من الجماعات المسلحة

في أواخر عام 1999 ذكرت الأنباء أن "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" تجري اتصالات مع السلطات بغرض التفاوض على الاستسلام. وتتألف هذه الجماعة، حسبما ورد، من أعضاء سابقين في "الجماعة الإسلامية المسلحة" انشقوا عنها حوالي عام 1996 وتردد أنها تستهدف أساساً أفراد قوات الأمن. غير أن استسلام تلك الجماعة لم يتحقق على الرغم من أن بعض أعضائها سلموا أنفسهم بصورة فردية بموجب "قانون الوئام المدني" بعد انقضاء أجل العمل به، حسبما تردد .

وعلى الرغم من أن بعض وسائل الإعلام الجزائرية والأجنبية أوحت في بعض الأحيان باحتمال وجود اتصالات بين الجيش وبعض مجموعات "الجماعة الإسلامية المسلحة" بغرض التفاوض على استسلام تلك المجموعات بموجب اتفاق مماثل لذلك الذي أبرمه الجيش مع "الجيش الإسلامي للإنقاذ" و"الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد"، فليس لدى منظمة العفو الدولية علم بالتوصل إلى مثل هذا الاتفاق. والملاحظ أن مثل هذا الاتفاق الجماعي لم يكن ممكناً في أي وقت من الأوقات في نظر معظم المراقبين والمحللين المطلعين على الأزمة الجزائرية، وذلك بسبب طبيعة هياكل مجموعات "الجماعة الإسلامية المسلحة" التي ما زال الغموض يحيط إلى حد بعيد بقيادتها وتركيبها. وتشير كل المعلومات المتاحة إلى أن ما يُشار إليه عادة باسم "الجماعة الإسلامية المسلحة" هو تكوين فضفاض يتألف من مجموعات من النشطين الإسلاميين المتشددين الذين يسعون لفرض رؤيتهم الخاصة للصورة التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع "الإسلامي"، ومجموعات مستقلة من المجرمين الجنائيين العاديين لا توجه أفعالهم أية غايات سياسية أو دينية، ومجموعات تعمل في إطار نشاط الجريمة المنظمة على نمط المافيا.

وكما سبقت الإشارة آنفاً، فقد ذكرت الأنباء أن زهاء 4500 من أعضاء "الجماعة الإسلامية المسلحة" وجماعات أخرى أصغر حجماً وأقل شهرة سلموا أنفسهم بموجب "قانون الوئام المدني" قبل انقضاء أجل العمل به في 13 يناير/ كانون الثاني 2000. ومنذ ذلك الحين سلَّم مئات آخرون أنفسهم فيما تردد، غير أنه ليس من الواضح ما إذا كانوا كلهم أو بعضهم قد تمكنوا رغم ذلك من الاستفادة من كل مواد قانون الوئام المدني أو بعضها. وقد ترددت قبل 13 يناير/كانون الثاني تكهنات على نطاق واسع عن تأجيل انقضاء العمل بالقانون، لكن لم يُعلن رسمياً مثل هذا التمديد للمهلة. ونظراً لإلغاء "قانون الرحمة" لعام 1995 بصدور "قانون الوئام المدني"، لم تعد هناك، منذ 13 يناير/ كانون الثاني 2000، أية بنود في القانون الجزائري لتخفيف العقوبات عن أعضاء الجماعات المسلحة الذين يسلمون أنفسهميقضي قانون "أعمال الإرهاب والتخريب" الجزائري بجواز فرض عقوبة الإعدام على كل من أسس، أو نظم، أو تزعم، أو انتمى إلى مجموعة مسلحة أو قدم لها أي شكل من أشكال المساندة. غير أن وقف تنفيذ أحكام الإعدام الذي أعلنته السلطات في بداية عام 1994 ما زال سارياً. .إلا إنه بعد 13 يناير/كانون الثاني 2000 قالت بعض السلطات الحكومية الجزائرية بمن في ذلك الرئيس بوتفليقة نفسه، سواء علناً أم بصورة غير رسمية، إن الباب ما زال مفتوحاً لمن يريدون التخلي عن الصراع المسلح والعودة لصفوف المجتمع المدني ـ موحية بذلك بأن أعضاء الجماعات المسلحة الذين يستسلمون طواعية سيستفيدون رغم انقضاء أجل القانون من بعض إجراءات الرأفة التي لم تحددها. وتشير الأنباء المتواترة عن السماح لأفراد أو مجموعات من الأفراد الذين سلموا أنفسهم بعد 13 يناير/كانون الثاني 2000 بالعودة إلى منازلهم على الفور أو بعد قليل من تسليمهم أنفسهم إلى أن مواد "قانون الوئام المدني" طُبقت بعد انقضاء أجل العمل بالقانون، بل وكان تطبيقها سارياً وقت كتابة هذا التقرير.

بواعث القلق المتعلقة بتطبيق "قانون الوئام المدني" والعفو الرئاسي

تثير مواد مرسوم العفو الرئاسي وكذلك التطبيق العملي "لقانون الوئام المدني" عدداً من بواعث القلق. والجدير بالذكر أن منظمة العفو الدولية لا تتخذ أي موقف فيما يتعلق بمنح العفو بعد أن تُعرف الحقيقة وتكتمل العملية القضائية.لا تتخذ منظمة العفو الدولية أي موقف بخصوص الأحكام التي يجب أن تصدر (شريطة ألا تُفرض عقوبة الإعدام أو غيرها من ضروب العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة) ما لم يكن هناك نمط من العق

u1608?بات التي لا تتناسب مع خطورة الجريمة.

إلا إن المنظمة تعارض قوانين العفو وغيرها من الآليات التي تمنع ظهور الحقيقة والمحاسبة أمام القانون للأفراد الذين قد يكونون مسؤولين عن انتهاكات لحقوق الإنسان. فمثل هذه الإجراءات تقوض إقرار العدالة، وقد تحول دون إماطة اللثام عن الحقيقة فيما يخص الانتهاكات، وتحرم الضحايا في نهاية الأمر من حقهم في التماس الإنصاف. وفضلاً عن ذلك فإن مثل هذه الإجراءات تعزز أيضاً الإفلات من العقاب، وقد تساهم بذلك في التشجيع على ارتكاب المزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان.

وقد أعربت منظمة العفو الدولية مراراً عن قلقها من عدم المحاسبة والإفلات من العقاب اللذين تمتع بهما على نطاق واسع أفراد قوات الأمن والميليشيات شبه العسكرية التي تسلحها الدولة في الجزائر، ودعت السلطات باستمرار إلى اتخاذ إجراءات محددة لوضع نهاية للإفلات من العقاب، وضمان محاسبة أفراد قوات الأمن والميليشيات شبه العسكرية. وتشعر المنظمة الآن بالقلق أيضاً من منح العفو لأفراد ينتمون إلى جماعات مسلحة معروف أنها ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك قتل المدنيين، وهو الأمر الذي يترتب عليه إعفائهم من الملاحقة القضائية بغض النظر عن أية أدلة يُحتمل أنها كانت موجودة وقت منحهم العفو أو قد تظهر في المستقبل على مسؤوليتهم عن مثل هذه الانتهاكات.

وفيما يتعلق بتطبيق "قانون الوئام المدني"، فقد أبلغ مسؤولون حكوميون جزائريون منظمة العفو الدولية في مايو/أيار 2000 أن الإجراءات القضائية بدأت ضد زهاء 350 ممن سلموا أنفسهم بموجب هذا القانون (والذين يبلغ عددهم وفقاً للمصادر نفسها زهاء 4500 شخص). إلا إن السلطات لم تقدم حتى اليوم أية أعداد محددة بدقة للذين استسلموا بموجب هذا القانون، والذين قُدموا منهم إلى ساحة العدالة، والذين بُرئوا من بين من قُدموا إلى ساحة العدالة أو أدينوا وبأي جرائم. ولما كان أجل العمل "بقانون الوئام المدني" قد انقضى في 13 يناير/كانون الثاني 2000، فلم يكن من الصعب على وزارة العدل أن تجمع في الفترة التي انقضت منذ ذلك الحين تلك الأعداد من لجان الإرجاء وغيرها من السلطات المختصة المسؤولة عن تطبيق هذا القانون في شتى أنحاء البلاد.

وقد أبلغت أسر بعض الأشخاص الذين خطفتهم الجماعات المسلحة وقتلتهم منظمة العفو الدولية ووسائل الإعلام أن المسؤولين عن قتل أقاربهم إما صدر عفو عنهم، وإما أُعفوا من المتابعة القضائية بموجب "قانون الوئام المدني". وأعربت معظم روابط أسر ضحايا الجماعات المسلحة عن بواعث القلق نفسها. وترى منظمة العفو الدولية أن من واجب السلطات الجزائرية أن تكفل على وجه السرعة إجراء تحقيقات وافية، ومستقلة، ونزيهة في هذه المزاعم، وإعلان ما تتمخض عنه تلك التحقيقات من نتائج، سواء لضمان إقرار العدالة على الوجه الأكمل أو للتصدي لبواعث القلق التي عبرت عنها أسر الضحايا.

ومن الصعب، مع غياب المعلومات المتعلقة بالمستفيدين من العفو الرئاسي أو من الإعفاء من المتابعة القضائية بموجب "قانون الوئام المدني"، تحديد مدى اتساع نطاق هذه الظاهرة. غير أن السرعة التي صدرت بها شهادات الإعفاء من المتابعة القضائية لأشخاص سلموا أنفسهم بموجب "قانون الوئام المدني" بعد أن قضوا أعواماً أو شهوراً مع الجماعات المسلحة، والتي وصلت في بعض الأحيان لصدور الشهادات خلال أيام، تشير إلى استحالة أن تكون هناك تحقيقات وافية ودقيقة قد أُجريت لتحديد الجرائم التي ارتكبوها أو لم يرتكبوها خلال الفترة التي قضوها مع الجماعات المسلحة.

ففي بعض الحالات سلَّم أشخاص أنفسهم بموجب "قانون الوئام المدني" وحصلوا على شهادات إعفاء من المتابعة القضائية، ثم أُلقي القبض عليهم بعد ذلك واتُهموا بجرائم كانوا قد بُرئوا منها قبل وقت قصير. وتشير مثل تلك الممارسات أيضاً إلى أن القرارات الخاصة بالإعفاء من المتابعة القضائية ربما تكون قد اتُخذت دون إجراء التحقيقات المتعمقة اللازمة قبل اتخاذ القرار.

وترى منظمة العفو الدولية أن حماية حقوق الإنسان والنهوض بها يجب أن يكونا عنصرين أساسيين في أية عملية للمصالحة الوطنية. كما تقر المنظمة إقراراً كاملاً بأهمية سعي الشعب الجزائري لإحلال السلام والمصالحة الوطنية. إلا إنها تشعر بالقلق من أن قضية حقوق الإنسان لا تحتل مكانة محورية في سياق الجهود التي تبذلها السلطات، وهو ما تعتبره المنظمة أمراً ضرورياً لضمان استمرار عملية تحقيق المصالحة الوطنية والسلام الدائم في البلاد. فالإجراءات التي تقوم بها السلطات تقوض حماية حقوق الإنسان بالموافقة الرسمية على ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في العقد المنصرم علي أيدي أفراد قوات الأمن والميليشيات شبه العسكرية، وكذلك بأيدي أعضاء الجماعات المسلحة من خلال إصدار "قانون الوئام المدني" والعفو الرئاسي.

فلا يمكن في نهاية المطاف إعادة الثقة في نظام العدالة وإزاحة ستار الإفلات من العقاب إلا بإقرار الحقيقة فيما يخص كل ما وقع في العقد الأخير من انتهاكات وإساءات، وذلك من خلال إجراء تحقيقات وافية ومستقلة ونزيهة، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي والتي تقع في الحاضر للمحاسبة. وسيساهم هذا بدوره في ضمان ألا تُرتكب مثل هذه الانتهاكات في المستقبل دون إنصاف الضحايا ودون تقديم مرتكبيها إلى ساحة العدالة، كما سيكون خطوة حاسمة في تعزيز حماية حقوق الإنسان وترسيخ الوعي بحقوق الإنسان واحترامها، ولكليهما أهمية جوهرية في إحلال السلام الدائم في الجزائر.

المرسوم الرئاسي لتخفيض عقوبات السجناء

بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لاستقلال الجزائر يوم 5 يوليو/تموز 1999، صدر مرسوم رئاسي (المرسوم رقم 99-133) يخفض عقوبات السجناء المدانين بموجب قانون "أعمال الإرهاب والتخريب".صدر هذا القانون كمرسوم بموجب حالة الطوارئ في سبتمبر/أيلول 1992. وعلى الرغم من أن هذا المرسوم أُلغي رسمياً في بداية عام 1995 فقد أُدمج بأكمله تقريباً في قانون العقوبات وقانون الإج5?اءات الجزائية.

وبموجب هذا المرسوم أُفرج عن "الأشخاص المحبوسين الذين يساوي باقي عقوباتهم خمس سنوات أو يقل عنها"، وخُفضت عقوبات الباقين عدا "الأشخاص المحكوم عليهم بسبب ارتكابهم جرائم أدت إلى وفاة شخص أو أشخاص"، و"الأشخاص المحكوم عليهم بسبب ارتكابهم جناية هتك العرض"، و"الأشخاص المحكوم عليهم بسبب ارتكابهم جرائم الاعتداء بالمتفجرات في الأماكن العمومية أو الأماكن التي يتردد عليها الجمهور"، و"الأشخاص الذين حكمت عليهم المحاكم العسكرية". ولا يُعرف على وجه الدقة عدد السجناء الذين استفادوا من هذا العفو والذين أُفرج عنهم أو خُفضت عقوباتهم، إذ لم تعلن السلطات أي أرقام في هذا الصدد، غير أن هذه الإجراءات شملت زهاء خمسة آلاف سجين، حسب ما صرح به بعض المسؤولين الحكوميين.

وقد رحبت منظمة العفو الدولية بهذه الخطوة لأنها تعتبر أن هؤلاء السجناء لم يحصلوا على حقهم في اتباع إجراءات قانونية عادلة، وكانت تدعو إلى إعادة محاكمتهم بما يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

إلا إن المنظمة ما زالت تشعر بالقلق لأن هناك سجناء آخرين، أُدينوا أيضاً في محاكمات جائرة منذ عام 1992، ما زالوا رهن الاحتجاز حيث يقضون عقوبات تصل في بعض الحالات إلى السجن مدى الحياة. كما إن أغلبية السجناء الذين استُثنوا من هذا المرسوم، لأنهم أدينوا بموجب بعض مواد قانون العقوبات، إنما أُدينوا في محاكمات جائرة في وقت كانت فيه مثل هذه المواد في قانون العقوبات تُطبق في كثير من الأحيان بشكل جماعي وخصوصاً من جانب "المجالس القضائية الخاصة" حتى عام 1995 أُنشئت "المجالس القضائية الخاصة" في أكتوبر/تشرين الأول عام 1992 وأُلغيت في نهاية الأمر في فبراير/شباط 1995.

وكذلك من جانب المحاكم العادية في السنوات اللاحقة.

وفي الوقت الراهن يسود وضع ينطوي على مفارقة، إذ يواصل بعض الأشخاص قضاء عقوبات السجن التي حُكم بها عليهم في محاكمات جائرة بعد أن قضوا بالفعل في السجن فترات تصل في بعض الحالات إلى ثماني سنوات، بينما حصل آخرون، ممن ظلوا سنوات من الزعماء أو النشطاء في جماعات مسلحة، على العفو أو أُعفوا من المتابعة القضائية خلال أيام من تسليمهم أنفسهم.

بواعث القلق القائمة بخصوص حالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز السري

على مدى العامين الأخيرين، لاحظت منظمة العفو الدولية أن عدد الأشخاص الذين يُوضعون رهن الاحتجاز السري لفترات مطولة قد قلَّ بصورة ملحوظة، ورحبت بهذا التطور الإيجابي. كما لاحظت المنظمة باهتمام إعلان السلطات الجزائرية، في أغسطس/آب 2000، أن بعض الخطوات قد اتُخذت على مستوى وزارات العدل والداخلية والدفاع الوطني بهدف تعزيز إشراف القضاء على عمل الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون. وسيتم هذا من خلال جعل الفحص الطبي للمعتقلين في نهاية فترة التوقيف للنظر إلزامياً (إلا في حالة رفض المحتجز)، وتحديد الأماكن التي تحتجز فيها قوات الأمن المختلفة المعتقلين قبل عرضهم على السلطات القضائية. ولم يتسن في وقت كتابة هذا التقرير الحصول على أية معلومات أخرى من السلطات عن هذه الإجراءات التي من شأن تطبيقها أن يساهم في تحسين الضمانات لمن تعتقلهم قوات الأمن وتحتجزهم رهن التوقيف للنظر.

وعلى الرغم من تناقص عدد حالات الاحتجاز السري المطول بعد الاعتقال، فقد استمر وقوع مثل تلك الحالات في العام المنصرم، مما يمثل انتهاكاً للقانون الجزائري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان على السواء. وعلى الرغم من أن القانون الجزائري (انظر التفاصيل أعلاه) لا يتضمن مواد تقضي باحتجاز المعتقلين قيد التوقيف للنظر بمعزل عن العالم الخارجي، فقد جرت العادة على احتجاز المعتقلين ما داموا في حوزة قوات الأمن لا بمعزل عن العالم الخارجي فحسب، بل وفي أماكن احتجاز سرية غير معترف بها. وطوال السنوات التسع الماضية، وحتى الوقت الحاضر، ذهبت أدراج الرياح جميع الجهود التي بذلتها منظمة العفو الدولية، وكذلك أسر المعتقلين ومحاموهم، للحصول على معلومات وإيضاحات من الحكومة الجزائرية والسلطات القضائية عن مكان المحتجزين لدى قوات الأمن رهن التوقيف للنظر، إذ دأبت السلطات على إنكار أي علمٍ لها بالحالات المعنية إلى أن يُحال المحتجزون إلى السلطات القضائية أو يُفرج عنهم.

فعلى سبيل المثال، اُلقي القبض على كل من مالك مجنونيوم 28 سبتمبر/أيلول 1999 وسمير حمدي باشايوم 12 ديسمبر/كانون الأول 1999، واعتُقلا رهن الاحتجاز السري حتى بداية مايو/أيار 2000، أي لسبعة أشهر للأول وأربعة أشهر للثاني. وفي حالة أحدث أُلقي القبض، يوم 25 مايو/أيار 2000، على علي مبروكين، وهو محام ومحاضر في "المدرسة الوطنية للإدارة" وكان يعمل في مكتب الرئيس السابق الأمين زروال الذي تولى الرئاسة من عام 1994 إلى عام 1999، وذلك لدى وصوله إلى مطار الجزائر بعد زيارة لوالدته في باريس. واعتُقل في معتقلٍ سري لمدة تزيد على شهر، ولم يُسمح له بتلقي أول زيارة من محاميه إلا في 28 يونيو/حزيران 2000، ثم من أسرته بعد ذلك بعدة أيام.

وخلال مدة الاحتجاز السري للمعتقلين بأكملها لم ترد السلطات التي اتصل بها أهالي المعتقلين ومحاموهم وكذلك منظمة العفو الدولية، أو كانت تنفي أي علمٍ لها بحالاتهم. ومنذ "عودتهم للظهور" في سجن تيزي وزو بالنسبة لمالك مجنون، وسجن البليدة العسكري بالنسبة لسمير حمدي باشا وعلي مبروكين، لم يتسن الحصول على معلومات من السلطات الجزائرية عن نتائج أي تحقيقات من تلك التي قالت إنها ستُجرى لإيضاح سبب وضع هؤلاء المعتقلين رهن الاحتجاز السري لفترة طويلة بعد القبض عليهم.

ولم يُعرف بعد مكان أشخاص آخرين اعتُقلوا في وقت سابق هذا العام. فعلى سبيل المثال، اعتُقل الحاج مليك، وهو أب لثمانية أبناء ويبلغ من العمر 73 عاماً، من منزله بوسط مدينة الجزائر يوم 14 إبريل/نيسان 2000 الساعة الثامنة مساء، في وضح النهار وأمام أسرته وجيرانه. وفي اليوم السابق لاعتقاله، أي يوم 13 إبريل/ نيسان توجه ضباط من الدرك إلى منزله، واستجوبوه هو وأسر8?ه بخصوص اثنين من أبنائه أحدهما يعيش في الخارج منذ عام 1991، والآخر ترك البيت في 1993 ويُعتقد أنه ما زال على قيد الحياة وأنه من النشطين في إحدى الجماعات المسلحة. وأبلغت الأسرة ضباط الدرك أنها ليست على اتصالٍ بهذا الابن. وفي اليوم التالي جاءت مجموعة من أفراد قوات الأمن في ثياب مدنية إلى البيت في نحو الساعة الثامنة مساء، واقتادوا الحجاج مليك في وضح النهار وأمام أسرته وجيرانه بعد أن أكدوا للأسرة أنهم سيعيدونه بعد قليل، لكنهم لم يفعلوا. وبعد ذلك بيومين، أي يوم 16 إبريل/نيسان، عاد ضباط الدرك إلى المنزل في نحو الخامسة مساء، وفتشوا البيت، ووعدوا الأسرة بإعادة الحاج مليك إلى بيته بعد قليل، وسلموا الأسرة ورقة تشهد بأن البيت فُتش ولم يُعثر فيه على شيء. إلا إن الحاج مليك ما زال حتى الآن "مختفياً" وذهبت جميع الاستفسارات التي قُدمت للسلطات الجزائرية أدراج الرياح، إذ واصلت السلطات إنكار معرفتها باعتقاله واحتجازه السري. وتردد أن رجلاً كان محتجزاً في مركز بن عكنون الأمني في العاصمة حتى 20 إبريل/نيسان 2000 على وجه التقريب، رأى الحاج مليك هناك في الأيام التي أعقبت القبض عليه؛ وكانت هذه آخر معلومة متاحة عنه، وثمة دواع خطيرة للقلق من احتمال أن يكون قد تُوفي في الحجز، وذلك بالنظر إلى ضعف صحته على وجه الخصوص.

وتشير المعلومات المتوفرة عن حالة الحاج مليك إلى أنه اعتُقل لممارسة ضغوط على ابنه حتى يسلم نفسه. فقد تلقت منظمة العفو الدولية معلومات عن عدد من الحالات الأخرى التي اعتُقل فيها أقارب أشخاص يُعرف أو يُعتقد أنهم ما زالوا نشطين مع جماعات مسلحة داخل الجزائر، وأقارب إسلاميين جزائريين يقيمون في الخارج سواء كلاجئين أو إقامة عادية ويُعتقد أنهم يؤيدون أو أيدوا جماعات مسلحة في الجزائر، في الفترة السابقة على انقضاء "قانون الوئام المدني" في 13 يناير/كانون الثاني 2000 أو الفترة اللاحقة له، وذلك كوسيلةٍ للضغط على أقاربهم ليسلموا أنفسهم. كما زار أفراد من قوات الأمن أشخاصاً آخرين في بيوتهم ومُورست عليهم ضغوط ليتدخلوا لدى أقاربهم لإقناعهم بتسليم أنفسهم أو بالعودة إلى الجزائر بموجب "قانون الوئام المدني".

فعلى سبيل المثال، اعتُقلت نسيمة فضيلمن بيتها في مدينة الجزائر، في أكتوبر/تشرين الأول 1999، على أيدي قوات الأمن التي كانت تبحث عن زوجها الذي تردد أن له صلات بإحدى الجماعات المسلحة. وقالت نسيمة إنها استُجوبت بخصوص الأماكن التي يُحتمل وجوده فيها، وعذُبت بالحرق بلفافات التبغ المشتعلة، كما تعرضت للضرب، وأُجبرت على تجرّع كمية كبيرة من المياه القذرة والمواد الكيماوية وهي مقيدة إلى مقعدٍ خشبي طويل (فيما يعرف بأسلوب "الشيفون"). وفي نهاية الأمر أُفرج عنها دون أن تُوجه إليها أي تهمة بعد أن ظلت رهن الاحتجاز السري عشرة أيام. وقد تقدمت بشكوى من التعذيب إلى السلطات القضائية، لكن منظمة العفو الدولية لا تعرف بإجراء أي تحقيق في الشكوى.

ويُذكر أن مثل هذه الممارسات كانت شائعةً على نطاقٍ واسعٍ في السنوات السابقة، عندما كان أقارب المطلوبين لدى السلطات يُعتقلون ويُحتجزون رهائن خارج أي إطار قانوني، وكان ذلك يتم دون مداراة لممارسة ضغوط على أقاربهم ليسلموا أنفسهم.

القانون الجزائري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان بخصوص التوقيف للنظر

يُعد إقدام أجهزة الأمن على حبس المعتقلين رهن الاحتجاز السري بعد القبض عليهم، ولفترات مطولة في كثير من الأحيان، بمثابة انتهاكٍ القانون الجزائري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان على السواء. فالمادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري تحدد فترة التوقيف للنظر لدى قوات الأمن بحد أقصى 12 يوماً، وتنص على إتاحة جميع الوسائل التي تسمح خلال تلك الفترة للأشخاص الذين تحتجزهم قوات الأمن رهن التوقيف للنظر بالاتصال على الفور وبصورة مباشرة بأسرهم وتلقي زياراتها. ورغم أن بنود المادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية تنتهك المعايير الدولية المتعلقة بحق المحتجزين في الاتصال على الفور بمحاميهمومن ذلك على سبيل المثال المبدأ 7 من "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية الخاصة بدور المحامين"، والمبدأ 17 من "مجموعة المبادئ الخاصة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن".

والمثول على وجه السرعة أمام أحد القضاة، فلا شك أنه لو طُبقت هذه البنود عملياً لما احتُجز معتقلون رهن الاحتجاز السري، ولأمكنهم على الأقل الاتصال بأسرهم، ولسمح ذلك بدوره بالحد من خطر وقوع حالات "اختفاء" والتعرض للتعذيب أو المعاملة السيئة.

وتنص المادة 6 من "الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" على ضرورة إحالة جميع المحتجزين على وجه السرعة إلى أحد القضاة وإبلاغهم بالتهم المنسوبة إليهم. وبالمثل تنص القاعدة 92 من "القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء" الصادرة عن الأمم المتحدة على:

"يُرخص للمتهم بأن يقوم بإبلاغ أسرته نبأ احتجازه، ويُعطى كل التسهيلات المعقولة للاتصال بأسرته وأصدقائه واستقبالهم..."

ويتعين في جميع الأحوال أن يخضع احتجاز أي شخص، من جانب أي جهاز أمنى وتحت أي ظروف، للتدقيق القضائي. وتنص المادة 9 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على أنه:

"1. [...] لا يجوز حرمان أحدٍ من حريته إلا على أساس من القانون وطبقاً للإجراءات المقررة فيه.

2. يجب إبلاغ كل من يُقبض عليه بأسباب ذلك عند حدوثه كما يجب إبلاغه فوراً بأية تهمة تُوجه إليه.

3. يجب تقديم المقبوض عليه أو الموقوف بتهمة جزائية فوراً أمام القاضي أو أي موظف آخر مخول قانوناً بممارسة صلاحيات قضائية ويكون من حق المقبوض عليه أو الموقوف أن يُقدم إلى المحاكمة خلال زمن معقول أو أن يُفرج عنه.[...]"

وتقضي المادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري أيضاً بأن يخضع الموظفون المكلفون بنفبذ القانون الذين ينتهكون مواد القانون المنظمة للاحتجاز رهن التوقيف للنظر للمحاكمة بتهمة الاحتجاز التعسفي. إلا إن منظمة ال

u1593?فو الدولية ليس لديها علم بإجراء أية تحقيقات في أيٍ من حالات الاحتجاز السري والمطول المعروفة لها، أو بتقديم المسؤولين عن هذه الانتهاكات إلى ساحة العدالة. وفي أغسطس/آب 1998 أعربت "لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان" عن قلقها من مثل هذه الممارسات وطلبت من الحكومة الجزائرية اتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي لبواعث القلق هذه.بحثت اللجنة التقرير الدوري الثاني المقدم من الجزائر وثيقة الأمم المتحدة رقم: CCPR/C/101/Add.1) في اجتماعاتها رقم 1681 و1682 و1683 و1684 التي عُقدت يومي 20 و21 يوليو/تموز 1998 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CCPR/C/SR.1681-1684). وفي ملاحظاتها الختامية التي أقرتها في الاجتماع رقم 1696 الذي عُقد يوم 29 يوليو/تموز 1998 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CCPR/C/SR.1696) طلبت اللجنة من السلطات الجزائرية أن تضمن "قيام هيئة نزيهة بالتحقيق في جميع المزاعم المحددة ونشر النتائج التي تتمخض عنها مثل تلك التحقيقات".

وتشير المعلومات، التي حصلت عليها منظمة العفو الدولية من السلطات الحكومية والقضائية المختلفة في الجزائر بخصوص إجراءات القبض والاحتجاز رهن التوقيف للنظر، إلى أن التدقيق والإشراف اللذين يمارسهما القضاء على أجهزة الأمن المختلفة، وهي الشرطة والدرك والأمن العسكري، ما زالا محدودين للغاية من حيث الدرجة والفعالية، كما تشير من ناحية أخرى إلى الافتقار للتوثيق المركزي للمعلومات المتعلقة بحالات الاعتقال التي تنفذها هذه الأجهزة الأمنية المختلفة وما يعقبها من عمليات احتجاز. وهذه العوامل هي فيما يبدو الأسباب الأساسية للصعوبات التي تكتنف تحديد مكان المقبوض عليهم الذين تعتقلهم قوات الأمن المختلفة رهن الاحتجاز السري. ولا تخطر قوات الأمن السلطات القضائية عادة بحالات الاعتقال التي نفذتها وباحتجاز من يُلقى القبض عليهم. وعندما تفرج أجهزة الأمن عن أولئك المعتقلين دون أن توجه إليهم أي تهمة بعد أن يقضوا فترات رهن الاحتجاز السري يمكن أن تمتد من بضعة أيام إلى عدة أشهر، لا تكون السلطات القضائية في كثير من الأحيان قد أُبلغت أصلاً بحالات الاعتقال والاحتجاز، ومن ثم لا يوجد سجل رسمي لتلك الحالات. وفي جميع الحالات تقريباً التي أثارتها منظمة العفو الدولية في السنوات السابقة وحتى الوقت الراهن تعذر الحصول على أي معلومات من السلطات عن المحتجزين إلى أن يُقدموا إلى المحاكم أو يُفرج عنهم. كما واجهت أسر المحتجزين ومحاموهم نفس المشكلة.

وبالإضافة إلى ذلك، ففي الحالات المذكورة أعلاه، كما في حالات أخرى كثيرة، كان أفراد أجهزة الأمن الذين نفذوا عمليات الاعتقال يرتدون ثياباً مدنية، ويستخدمون سيارات غير رسمية، ولم يبرزوا أي إذن بالقبض أو وثيقة تثبت شخصياتهم كأفرادٍ في قوات الأمن. وتساهم مثل هذه الممارسات، وخاصة في الأوضاع الجزائرية، في زيادة التشوش القائم بالفعل بخصوص الأشخاص أو الجهات المسؤولة عن الانتهاكات والانتهاكات المحددة التي ارتكبها كل منهم. وفضلاً عن ذلك، فقد أبلغت السلطات وأجهزة الأمن بعض أسر المحتجزين في بعض الأحيان أن أقاربهم خُطفوا على أيدي جماعات مسلحة، على الرغم من أنه في بعض تلك الحالات تمكنت الأسر من الحصول على معلومات سرية، بما في ذلك معلومات من مسؤولين تحدوا بصفة غير رسمية، بأن أقاربهم اعتُقلوا فعلاً على أيدي قوات الأمن.

ونظراً لأن الاحتجاز السري على أيدي قوات الأمن التي تمارس عملها دون الإشراف القضائي اللازم ما زال من بواعث القلق المهمة، فإن الإجراءات التي أعلنت عنها السلطات الجزائرية أخيراً بهدف زيادة الإشراف القضائي على قوات الأمن قد تساعد، في حالة تنفيذها، على زيادة الضمانات للمحتجزين، وتقليل وقوع انتهاكات مثل التعذيب و"الاختفاء". غير أن العدد الكبير من الحالات التي تابعتها منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات ووثقتها، يمثل دليلاً على وجود نمط راسخ وخطير من اللجوء بشكل دؤوب للاحتجاز السري، وهو الأمر الذي يتطلب من السلطات أن تتخذ إجراءات محددة وفعالة تتجاوز مجرد إصدار قوانين جديدة إلى ضمان التزام جميع قوات الأمن بالقانون عملياً ومحاسبتها عندما تخرج عن ذلك الالتزام.

الحاجة لإجراء تحقيقات

في الفترة الممتدة من عام 1992 حتى الآن قُتل ما يربو على 100 ألف جزائري، وعانى آلاف من التعذيب، و"اختفى" آلاف آخرون. ولم تسلم طبقة أو فئة ذات أعمار معينة أو قطاع من قطاعات المجتمع من آثار الموجة المتصلة من أعمال القتل وغيره من الانتهاكات التي عصفت بالجزائر على مدى ما يقرب من عقد. ولم ينج حتى أكثر أفراد المجتمع ضعفاً مثل المسنين والمرضى والرُضَّع والحوامل، فسقط منهم ضحايا للعنف الذي لا يكل. ورُوِّع السكان المدنيين من جراء هجمات بالقنابل وقذائف الهاون على الأسواق والمقاهي والقطارات والحافلات وغيرها من الأماكن العامة، وصاروا يخشون السفر على الطرق بسبب الحواجز التي يقتل عندها المسلحون راكبي العربات المارة بصورة انتقائية. وفي حوادث القتل الفردي والجماعي على أيدي الجماعات المسلحة التي تطلق على نفسها اسم "الجماعات الإسلامية" قُتل رجال ونساء وأطفال ورُضَّع بالرصاص أو بجز الأعناق، وتعرضوا للتشويه أو الموت حرقاً، أو تحولوا إلى أشلاء متطايرة في انفجارات بالقنابل. وتعرضت نساء خطفتهن الجماعات المسلحة للاغتصاب. وقُتل مدنيون عزل بالرصاص على أيدي قوات الأمن أو الميليشيات شبه العسكرية، وكان ذلك أحياناً في بيوتهم ووسط أسرهم. كما لقي آخرون حتفهم من جراء التعذيب. وعرضت قوات الأمن وكشفت في أماكن عامة جثث أفراد قالت إنها قتلتهم في مواجهات مسلحة. وكانت تلك الجثث في بعض الأحيان مشوهة أو ممزقة الأوصال.

ومع ذلك، ففي الغالبية العظمى من مثل تلك الحالات، وبغض النظر عما إذا كان مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان من قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة أو الجماعات المسلحة، لم يتم استجلاء حقيقة ما حدث ولم يُبذل جهد يُذكر لمحاسبة المسؤولين عنها. وعلى الرغم من الالتزامات التي يتعين علي الجزائر الوفاء بها بموجب القانون المحلي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، فقد تقاعست الحكومات المتعاقبة عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان إجراء تحقيقات دقيقة ومستقلة ونزيهة في الانتهاكات التي وقعت في الماضي وتلك التي تقع في الوقت الحالي، وتقديم المسؤولين عنها إلى ساحة العدالة. وكان من شأن ستار الإفلات من العقاب أن يتيح لكثير من المسؤولين عن ارتكاب أفظع الجرائم الإفلات من قبضة العدالة، وأن يحرم الضحايا وأسرهم من فرصة طلب الإنصاف.

وقد بات واضحاً أن ثمة أبعاداً مروعة للأزمة التي عاشتها الجزائر على مدى فترة الأعوام الثمانية ونصف العام المنصرمة. ولا شك أن العدد الهائل للضحايا وتعقد الوضع مثَّلا عقبتين أمام إجراء تحقيقات فيما يمكن اعتباره في الأحوال العادية إطاراً زمنياً معقولاً. ولعل من المفهوم أنه بات متعذراً في الوقت الراهن تقديم إجابات عن جميع الأسئلة، وأنه لم تعد كل المعلومات اللازمة متاحة لإقرار الحقائق التي تحيط بكل حادث قتل أو تحديد المسؤولين عن كل حالة على حدة من حالات القتل والانتهاكات. إلا إنه في أغلب حالات القتل والمذابح لم يُقدم المتهمون بارتكابها إلى المحاكمة بل واستفاد كثيرون منهم بالعفو. وهذه الحقيقة هي مؤشر سافر على غياب سيادة القانون، ولا سيما إذا اقترنت بزعم السلطات من ناحية أخرى، دون تقديم تفاصيل أو إيضاحات، أن كثيراً من مرتكبي المذابح والهجمات قد قُتلوا على أيدي قوات الأمن.

ورغم تراجع عدد حالات القتل وانتهاكات حقوق الإنسان إلى حدٍ بعيدٍ على مدى العامين الأخيرين فما زال معدل تواترها مرتفعاً بشدة. ومنذ أوائل عام 1999 قُتل قرابة 200 شخص كل شهر. وكان مئاتٌ من هؤلاء مدنيين قد قُتلوا في هجمات شنتها جماعات مسلحة تطلق على نفسها اسم"الجماعات الإسلامية". وقد استُهدف بعضهم عمداً، وكان من سوء حظ آخرين أن يقعوا ضحايا هجمات تُشن بلا تمييز بالقنابل أو قذائف الهاون. وكان آخرون أعضاء في قوات الأمن والميليشيات شبه العسكرية والجماعات المسلحة وقُتلوا في هجماتٍ وأكمنةٍ ومواجهاتٍ مسلحة.

المذابح وحالات الاغتيال وغيرها من أعمال القتل

في الفترة التي انقضت منذ عام 1992، قُتل في الجزائر ما يزيد على 100 ألف شخص، كثيرون منهم مدنيون، ومع ذلك لم يبد المجتمع الدولي ووسائل الإعلام مبالاة تُذكر بالغالبية العظمى من الضحايا. ولم يظهر العالم الخارجي اهتماماً بأزمة حقوق الإنسان الجزائرية إلا بين الحين والآخر، واقتصر ذلك الاهتمام على حالات قتل الشخصيات الجزائرية البارزة والأجانب والمذابح الواسعة النطاق التي وقعت في عام 1997 وأوائل عام 1998 وشهدت مقتل مئات الأشخاص في ليلة واحدة، وهي حوادث كان من الصعب تجاهلها. وفي الجزائر نفسها لم تبد السلطات أيضاً في معظم الأحوال الاهتمام الواجب بالضحايا وأسرهم. وطوال السنوات التي شهدت ذروة الصراع، أي حتى أواسط عام 1999، دأبت السلطات الجزائرية على فرض رقابة على المعلومات المتعلقة بالعدد الحقيقي للضحايا، فقدمت أرقاماً منخفضة بشكل مصطنع تقل عن نصف الأعداد الحقيقية، واتهمت من يقدمون أرقاماً دقيقة بالمبالغة المتعمدة في تصوير خطورة الوضع. وكان هذا في نظر أسر الضحايا بمثابة إنكارٍ تام لمصابها وأحزانها.

وبدءاً من أواسط عام 1999 غيرت السلطات خطابها عن المأساة التي تعصف بالبلاد تغييراً جذرياً، فاعترفت باتساع نطاقها، وتعهدت بالتصدي لبواعث القلق القائمة الناجمة عنها. وكان المرجو بعد مرور عام ونيف على تقديم هذه الوعود، وما يزيد عن ثماني سنوات على بدء سقوط القتلى، أن تكون بعض الخطوات المحددة قد اتُخذت للبدء في التصدي لحالات القتل الكثيرة التي لم يتم الفصل فيها.

إلا إن السلطات الجزائرية لم تتخذ حتى الآن الإجراءات اللازمة لإقناع الضحايا وأسرهم بأن جهوداً حثيثة تُبذل لإقرار الحقيقة في أكبر عدد ممكن من الحالات، ولتحديد المسؤولين عن ارتكاب الجرائم وتقديمهم إلى ساحة العدالة. وليس لدى منظمة العفو الدولية علم بأي تحقيق دقيق أجرته السلطات الجزائرية لاستجلاء الوقائع وإماطة اللثام عن الحقيقة فيما يخص حالات الألوف من المدنيين الذين قُتلوا في الجزائر. ولم تُقدم أية إجاباتٍ للأسئلة الخطيرة التي أثيرت حول تقاعس الدولة عن حماية السكان المدنيين، وخصوصاً إبان وقوع المذابح واسعة النطاق في 1997 و1998. ولم يكن من شأن اتهام الألوف من الأشخاص بتهم تتصل "بالإرهاب" وتتسم بالغموض والعمومية، وإدانتهم بتلك التهم في محاكمات بيِّنة الجور على مدى السنوات الماضية، وخصوصاً حتى أوائل عام 1998، أن يساعد على تعزيز التطبيق النزيه للعدالة. ولا تمثل نتائج مثل هذه المحاكمات بيانات يمكن الاعتماد عليها في إقرار الحقيقة فيما يخص الانتهاكات. ففي كثير من الأحيان كانت الاعترافات المنتزعة من المتهمين أو من آخرين تحت وطأة التعذيب، تُعتمد كأساسٍ وحيدٍ لإدانة المتهمين، سواء المحتجزين منهم أو الذين يُحاكمون غيابياً.

وفي الحالات التي تزعم فيها السلطات أنها أجرت تحقيقات، لم يؤدِ ذلك إلى تهدئة بواعث قلق مئات الألوف من الأشخاص بخصوص نظام العدالة والتقاعس عن الملاحقة القضائية للمسؤولين عن موت أحبائهم، وذلك بسبب غياب الشفافية في الإفصاح عن الإجراءات المتبعة، وعدم الاستعداد لإطلاع أسر الضحايا على تفاصيل التحقيقات وإعلان نتائجها.

ولم يتم الفصل حتى الآن حتى في الحالات المشهورة التي حظيت باهتمام كبير، والتي أذاعت أنباءها السلطات نفسها في كثير من الأحيان. ولم يُقدم أحد إلى ساحة العدالة ليُحاكم عن تلك الجرائم، إذ لم يتم تحديد هوية الجناة قط، أو قالت السلطات رسمياً إنهم قُتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن. ولا تقدم السلطات معلومات عن الكيفية التي تم بها تحديد هؤلاء الأشخاص على أنهم المسؤولون عن حالة القتل المعينة أو عن أسباب قتلهم بدأب وعدم تقديمهم للمحاكمة.

لقد مر ما يزيد على عامين على اغتيال مغني البربر الشعبي معطوب الوناس، وإصابة زوجته وشقيقتيها بجروح خطيرة، يوم 25 يونيو/حزيران 1998، قرب قريته تاوريرت موسى في منطقة القبائل. وكان المغني، الذي قضى الجانب الأكبر من السنوات الأخيرة في فرنسا، شديد الانتقاد للإسلاميين وللحكومة على السواء، وكان من أشد المدافعين عن قضايا البربر. وما زالت أسرته تنتظر إجراء تحقيق دقيق ونزيه في مقتله. وقد اجتذبت حالته اهتماماً إعلامياً كبيراً بسبب شهرته كمغنٍ والنضال الذي لا يكل "لمؤسسة معطوب الوناس" التي ترأسها أخته مليكة. وقد خرج المئات إلى شوارع الجزائر، وتعرضوا في بعض الحالات للضرب والمعاملة السيئة على أيدي قوات الأمن، لإحياء الذكرى السنوية الثانية لمقتل معطوب الوناس هذا العام والمطالبة بإجراء تحقيق في اغتياله.

وعقب الاغتيال مباشرة صرحت زوجة معطوب الوناس علناً بأن "الجماعة الإسلامية المسلحة" هي التي قتلت زوجها. إلا إنها أوضحت فيما بعد أنها أدلت بذلك التصريح آنذاك استجابة لضغوط من السلطات، بينما هي في واقع الأمر لم تكن تعرف ولا تزال تجهل هوية منْ قتلوه. وقد كان تقاعس السلطات عن الوفاء بمتطلبات التحقيق الأساسية، مثل فحوص الطب الشرعي والحفاظ على الأدلة واستجواب الشهود، ملفتاً للنظر حتى في مثل هذه الحالة التي تحظى باهتمام كبير. وأعلنت المؤسسة أيضاً أنها ترى أن الرجل الذي تحتجزه السلطات حالياً وتتهمه باغتيال معطوب الوناس لا صلة له بالقضية.

وفي حالة أخرى شهدت اغتيال شخصية كبيرة، وهي حالة اغتيال عبد الحق بن حمودةزعيم "الاتحاد العام للعمال الجزائريين"، يوم 28 يناير/كانون الثاني 1997، لم يكن أسلوب معالجة التحقيق أقل مدعاة للقلق. فيوم 12 فبراير/شباط، أي بعد أسبوعين من مقتل عبد الحق بن حمودة بالرصاص أمام مقر "الاتحاد العام للعمال الجزائريين" في وسط مدينة الجزائر، اقتحمت قوات الأمن عمارة سكنية قريبة، وقتلت ثمانية أشخاص منهم امرأتان وطفلان صغيران. وأعلنت السلطات على وجه السرعة أن القتلى هم الذين نفذوا اغتيال عبد الحق بن حمودة. واعتُقل الرجل الذي قدمته السلطات على أنه زعيم هذه المجموعة، ويُدعى رشيد مجاهد، بعد ذلك بثلاثة أيام، أي يوم 15 فبراير/شباط، ووُضع رهن الاحتجاز في معتقلٍ سريٍ، ودون إقرار باحتجازه، إلى أن ظهر في التلفزيون الرسمي يوم 23 فبراير/شباط ليعترف بأنه دبر اغتيال عبد الحق بن حمودة وأن الذين قتلتهم قوات الأمن يوم 12 فبراير/شباط هم الذين نفذوا الاغتيال فعلاً. إلا إن رشيد مجاهد لم يُقدم قط للمحاكمة، إذ توفي وهو في أيدي قوات الأمن رهن الاحتجاز السري. وتنص شهادة الوفاة على أنه توفي متأثراً بإصابته بأعيرة نارية. كما لاحظت أسرته وجود ما يزيد على عشرة جروح ناجمة عن الإصابة بأعيرة نارية في جسده، منها جروح في بطنه وظهره ورقبته. وقد أثار إعدام رشيد مجاهد خارج نطاق القضاء أثناء احتجازه السري مزيداً من الأسئلة حول مقتل عبد الحق بن حمودة، وما زالت تلك الأسئلة بلا إجابة، إذ لم يُجر أي تحقيق في أي من الحالتين.

ويتبدى غياب الشفافية في نظام العدل بصورة أكثر وضوحاً في الحالات المتعلقة بمواطنين عاديين. فهناك آلاف من الأسر التي مُنيت بخطف أحد أفرادها على أيدي جماعات مسلحة، وأبلغتها السلطات، بعد شهور أو سنوات في كثير من الأحيان، أنه قُتل، وتلقت في بعض الحالات شهادة وفاة، لكنها لم تتسلم جثمان الضحية أو رفاته، ولا أُبلغت بمكان دفنه، أو الملابسات المحددة التي قُتل فيها، أو كيف تم تحديد شخصيته. ولما كان من المفترض أن تحديد الشخصية أمرٌ لا بد منه للإقرار بوفاة شخص ما، فلا يبدو أن هناك سبباً لعدم تقديم هذه التفصيلات للأسر.

كما عانت آلاف من الأسر الأخرى من قتل أحد أفرادها على يدي جماعة مسلحة، سواء بصورة فردية أو في إطار مذبحة، وكانت شخصيات مرتكبي الجريمة معروفةً لأسر الضحايا في بعض الأحيان، لكنها لم تتمكن من الحصول على أية معلومات تتعلق بالتحقيقات التي قد تكون أُجريت. وفي بعض الحالات أعلنت السلطات، سواء للأسر مباشرة أم من خلال بيانات علنية تظهر في وسائل الإعلام الوطنية، أن الجناة المسؤولين عن حالات القتل قد قُتلوا على أيدي قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة، لكنها لم تنقل إلى الأسر أي معلومات عن التحقيقات التي مكنتها من تحديد شخصياتهم. وفي بعض الأحيان كانت تُعرض على الأسرة صورة فوتوغرافية، وتُبلغ بهوية الشخص أو الأشخاص الذين تزعم السلطات أنهم مسؤولون عن حالة القتل، لكن لم يتسن للأسر في مثل تلك الحالات الحصول على أية معلومات أخرى عن الكيفية التي تم بها الوصول إلى هذه النتائج.

وعلى مدى العامين الأخيرين عثرت قوات الأمن على قرابة عشرة قبور جماعية يحتوي كلٌ منها على عشرات من الجثث. وتفيد المعلومات التي أعلنتها السلطات المختلفة أن الأشخاص المدفونين في القبور الجماعية رجالاً ونساء هم ممن اختطفتهم جماعات مسلحة وقتلتهم. إلا إن السلطات المحلية تقول على وجه العموم إنه تعذر تحديد شخصيات أصحاب غالبية الجثث التي عُثر عليها، أو كلها، وهو الأمر الذي حدا بأسر الضحايا والجمعيات التي تمثلها إلى التشكيك في الكيفية التي توصلت بها السلطات إلى مثل هذا الاستنتاج. وتشير مصادر أخرى، بمن في ذلك أشخاص شاركوا في إخراج الجثث من بعض القبور الجماعية، إلى أنه عُثر أيضاً على رفات أعضاء في جماعات مسلحة.

وكانت المعلومات المتعلقة بعدد الجثث التي عُثر عليها في القبور الجماعية متناقضة في بعض الأحيان. ففي حالة القبر الجماعي الذي عُثر عليه في قرية حوش حفيظ أبلغت السلطات القضائية المحلية وفد منظمة العفو الدولية الذي زار الموقع في مايو/أيار هذا العام أنه تم استخراج 52 جثة، وأن أسرة أحد الضحايا تعرفت على إحداها، إذ بعد أن سمع أفرادها عن أعمال الحفر قدموا أنفسهم إلى السلطات وأخذتهم إلى المستشفي الذي كان يُحتفظ فيه آنذاك بالرفات. وقد عُثر على القبر الجماعي في قرية حوش حفيظ داخل بئر عمقها 20 متراً يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1998، وجاء ذلك، كما زُعم نتيجة معلومات قدمها عضو في جماعة مسلحة سلم نفسه للسلطات في إطار قانون الرحمة الصادر في 25 فبراير/شباط 1995. وعُثر على 64 جثة حسب تقرير "المرصد الوطني لحقوق الإنسان"."المرصد الوطني لحقوق الإنسان" هو الهيئة الرسمية الجزائرية لحقوق الإنسان التي تتبع ال85?ئاسة مباشرة، وقد أُنشئ عام 1992 وحل محل وزارة حقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن تكليف "المرصد الوطني لحقوق الإنسان" يقتضي منه تحديداً أن "يؤدي كل عمل عندما يلاحظ إخلالات ما بحقوق الإنسان أو يُخطر بذلك"، فقد صرحت قيادته علناً في السنوات الأخيرة بأنه ليس مصرحاً له بإجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان. واقتصر دور المرصد، عند تلقي شكاوى تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان، على إحالة الحالات لقوات الأمن للتعليق عليها دون أن يقدم استفسارات إلى مصادر أخرى أو يتأكد من صحة المعلومات التي تقدمها قوات الأمن في ردودها.

وليس من شأن التناقض بين الرقمين اللذين قدمتهما جهتان رسميتان مختلفتان سوى أن يزيد التشوش والألم الذي تعانيه أسر الضحايا في انتظار أنباءٍ عما إذا كانت رفات أحبائها قد عُثر عليها.

وتفيد المعلومات التي تلقتها منظمة العفو الدولية من أسر ضحايا الجماعات المسلحة والجمعيات التي تمثلها أن السلطات لم تطلب على وجه العموم من أسر الضحايا، التي تقيم في المناطق التي عُثر فيها على جميع القبور الجماعية، المساعدة في التعرف على الجثث. وفي حالة القبر الجماعي في قرية حوش حفيظ، الواقعة على بعد 20 كيلومتراً تقريباً جنوبي مدينة الجزائر، افترضت السلطات المحلية أن معظم الجثث التي عُثر عليها تخص أشخاصاً كانوا يعيشون في المناطق المجاورة، واختطفتهم المجموعات المسلحة العاملة في المنطقة وقتلتهم، ومع ذلك فلم تبذل أي جهد للاتصال بالمئات من الأسر التي قدمت شكاوى بخصوص خطف أبناء لها في هذه المناطق لتقدم المساعدة في التعرف على الضحايا.

وبعد أن عرفت بعض الأسر بوجود القبور الجماعية اتصلت بالسلطات للحصول على معلومات قد تسمح لها بمعرفة المثوى الأخير لأبنائها، لكنها لم تتمكن من الحصول على أي تفاصيل. وتمكن آخرون من الحصول على معلومات من مصادر غير رسمية ـ مثل أعضاء سابقين في الجماعات المسلحة سلموا أنفسهم للسلطات ـ عن أماكن دفن أقاربهم الذين اختطفتهم جماعات مسلحة وقتلتهم، لكنهم لم يتمكنوا من إقناع السلطات بالتحقيق في المزاعم أو بدء الحفر في المواقع، على الرغم من الجهود المتكررة التي بُذلت في هذا الصدد.

الإعدام خارج نطاق القضاء

تفشت حالات الإعدام خارج نطاق القضاء في الجزائر بدءاً من عام 1994 بعد أن أوقفت السلطات تنفيذ أحكام الإعدام القضائية. غير أنه لم يحدث في أي حالة من مئات الحالات التي نمت إلى علم منظمة العفو الدولية أن قُدم الجناة إلى محكمة وحُوكموا. وقد تناقصت إلى حد بعيد على مدى العامين الأخيرين الأنباء الواردة عن وقوع حالات جديدة، ومع ذلك ورد أن عشرات من الأشخاص الذين يُشتبه في أنهم من أعضاء جماعات مسلحة، أو على صلة بتلك الجماعات، قد أُعدموا خارج نطاق القضاء خلال الأشهر الأخيرة. وليس لدى المنظمة علم بإجراء أي تحقيق في تلك الحالات، فضلاً عن اتخاذ إجراءات الملاحقة القضائية ضد المتهمين بالمسؤولية عنها.

وفي بعض الحالات كان بعض الأشخاص، ممن يُشتبه في أنهم من أعضاء الجماعات المسلحة أو على صلة بتلك الجماعات، هدفاً للإعدام خارج نطاق القضاء، على ما يبدو. فقد قتلوا بالرصاص في بيوتهم أو في الشوارع على أيدي أفراد من قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة ، وجاء قتلهم في بعض الأحيان بعد اقتيادهم من منازلهم في مداهمات لحي معين أو قرية بعينها. وفي حالات أخرى كان يُلقى القبض عليهم ويُعدمون خارج نطاق القضاء في الحجز، وجاء موتهم في كثير من الأحيان بعد التعرض للتعذيب الذي قد يكون السبب المباشر للوفاة. وفي حالات أخرى قُتل أشخاص دون وجه حق على أيدي أفراد من قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة كانوا ينتقمون بصورة تعسفية من أسر أو مجتمعات محلية أو يطلقون النار على حشود من المدنيين.

ولعل حالة حمزةواليمثالٌ واضح على عدم إجراء تحقيقات في حالات الإعدام خارج نطاق القضاء والحصانة من العقاب التي يتمتع بها مرتكبوها. فقد قُتل حمزة والي، الذي كان طالباً في المدرسة الثانوية، بالرصاص خلال مظاهرة يوم 28 يونيو/حزيران 1998، على بعد نحو 150 متراً من مقر السلطات المحلية في تزمالت، وهي قرية في ولاية بجاية إلى الشرق من العاصمة الجزائر. ويزعم شهود العيان أن الذي أطلق النار على الصبي رئيس "المجلس الشعبي البلدي"، وهو زعيم معروف لمجموعة محلية من الميليشيات التي تسلحها الدولة، وكان ذلك في حضور أفراد الدرك المحلي، ومع ذلك لم يتم إلقاء القبض على أحد سواء وقت وقوع الحادث أو في أي تاريخ لاحق. وقدمت أسرة حمزة والي شكوى إلى السلطات من قتل ابنها، لكن قاضي التحقيق رفض الشكوى ولم يُجر حتى اليوم أي تحقيق دقيق في الحادث.

وقد عانت مئات الأسر من مقتل أحد أفرادها بعد أن ألقت قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة القبض عليه، وأُبلغت، بعد أشهر أو سنوات في كثير من الأحيان، أن ابنها قُتل، بل وتلقت شهادة وفاة في بعض الأحيان، لكنها لم تتسلم جثة الضحية أو رفاته، ولا أُبلغت بمكان الدفن ولا الملابسات المحددة التي قُتل فيها ابنها، ولا كيف تم تحديد شخصيته. وأُبلغت بعض الأسر بأن ابنها قتل بالرصاص أثناء محاولته الهرب، بينما أُبلغت أسر أخرى بأن ابنها فرَّ من الحجز لينضم إلى جماعة مسلحة، وقُتل في وقت لاحق في مواجهة مسلحة. ولما كان من الضروري، كما يُفترض، أن يكون قد تم تحديد شخصية القتيل، فلا يبدو أن هناك سبباً لعدم تمكن السلطات من إبلاغ الأسر بالتفاصيل، وهو ما كان من شأنه أن يسمح لها بأن تبدأ تجاوز آلام فقد أبنائها.

التعذيب

على الرغم من ضخامة المشكلة، فلم يحدث طوال سنوات الصراع أن أُجري تحقيق في حالة واحدة من الآلاف من حالات التعذيب أو المعاملة السيئة التي نمت إلى علم منظمة العفو الدولية، والتي ارتكبتها قوات الأمن أو الجماعات المسلحة، فضلاً عن أن يفضي مثل هذا التحقيق إلى اتخاذ إجراءات الملاحقة القضائية ضد المتهمين بالمسؤولية.

وقد تناقصت إلى حد بعيد في العامين الأخيرين الأنباء الواردة عن وقوع حالات تعذيب على أيدي قوات الأمن. إلا إن عشرات من الأشخاص الذين اعتُقلوا خلال الأشهر الأخيرة للاشتباه في أن لهم صلات بجماعات مسلحة تعرضوا للتعذيب أو المعاملة السيئة في الحجز. وما زالت مثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان تقع دون أن يجري التحقيق فيها، ويحظى المشتبه في مسؤوليتهم عنها بالإفلات من العقاب. فعلى سبيل المثال، اعتُقل رضوان دحماني، وهو طالب في المدرسة الثانوية يبلغ من العمر 15 عاماً، في بلدة دلس يوم 20 يونيو/ حزيران 2000، واقتيد إلى مركز قريب للشرطة. وهناك عُرض عليه معتقل آخر أثناء تعذيبه، وأُبلغ أنه سيواجه نفس المحنة إذا رفض الكلام. وعندما قال إنه ليس لديه معلومات يقدمها اقتيد إلى زنزانة وجُرد من ملابسه، وأجبره رجال الشرطة على الاستلقاء على مقعد خشبي طويل، وسددوا لكمات إلى وجهه وجسده إلى أن بدأ يتقيأ دماً، ثم قُيدت قدماه بحبل ويداه بقيد حديدي، وبُلل جسده بالماء قبل تسليط الكهرباء على أصابع قدميه في البداية، ثم على أعضائه التناسلية مما أدى إلى فقدانه الوعي. وأُجبر رضوان أيضاً على تجرع كمية كبيرة من المياه القذرة من خلال قطعة من القماش وضعت في فمه، كما أُلقي في عينيه رماد لفافات تبغ مشتعل. وخلال الأيام التالية عانى رضوان مزيداً من التعذيب، حيث ضُرب بالأحزمة وأسلاك الكهرباء، وأُطفئت لفافة تبغ مشتعلة في وجهه. وكانت آثار التعذيب واضحة في وجهه عندما مثل أمام قاضي التحقيق يوم 28 يونيو/حزيران 2000، ومع ذلك لم يصدر أي أمر بإجراء تحقيق. وكان رضوان خائفاً لدرجة أنه لم يشر بأي صورة إلى محنته في المحكمة لأن معذبيه كانوا حاضرين.

وفي حالة تعذيب أخرى وقعت في الآونة الأخيرة ألقى ضباط الأمن العسكري القبض على مقرانسعدون، وهو طالب يدرس الهندسة في الواحدة والثلاثين من عمره، في تيزي وزو يوم 7 يونيو/حزيران 2000، واقتيد إلى قاعدة عسكرية محلية حيث عُذب على مدى ستة أيام قبل نقله إلى سجن تيزي وزو. وقد تعرض للضرب، وأُجبر على تجرع المياه القذرة، كما عُذب بالصعق بالكهرباء. ويعتقد مقران سعدون أنه اعتُقل وعُذب لأن قوات الأمن تظن أن لديه معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة.

وقد شكا ألوف الأشخاص إلى قضاة التحقيق وأمام المحاكم من التعذيب الذي تعرضوا له، وطلبوا إجراء تحقيقات في الشكاوى. كما أثارت منظمة العفو الدولية مع السلطات حالات مئات المعتقلين الذين قالوا إنهم عُذبوا. إلا إنه لم يتم، على حد علم منظمة العفو الدولية، إجراء تحقيق قضائي واحد حتى في الحالات التي مَثَل فيها المعتقلون أمام السلطات القضائية وبهم علامات واضحة للتعذيب الذي كابدوه. وقدمت السلطات عندما طُلب منها إحصاءات أساسية تفيد أن عدداً من أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة حُوكموا عن دورهم في التعذيب والمعاملة السيئة وغيرهما من انتهاكات حقوق الإنسان، وأُدين منهم عدد أقل وصدرت عليهم عقوبات. غير أن المعلومات المقدمة كانت محدودة للغاية بحيث لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.

وفي مايو/أيار 2000، أبلغ مسؤولون في وزارة العدل وفد منظمة العفو الدولية الزائر أنه في الفترة من عام 1993 إلى فبراير/شباط من العام الحالي قُدم 348 من أفراد أجهزة الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة إلى ساحة العدالة لارتكابهم ما أسمته السلطات "تجاوزات" أثناء القيام بواجباتهم. وبُرئ ثمانية من هؤلاء حسب المعلومات التي قدمها المسؤولون. وشملت "التجاوزات" جرائم متنوعة مثل تهديد أشخاص بالقتل، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب والمعاملة السيئة للمحتجزين، والقتل. إلا إنه تعذر الحصول على أية تفاصيل أخرى فيما يتعلق بهوية الذين قُدموا للمحاكمة أو الضحايا، أو الطبيعة المحددة للانتهاكات، أو التحقيقات التي أُجريت والنتائج التي تمخضت عنها، أو المحاكمات التي قُدم هؤلاء الأشخاص من خلالها إلى ساحة العدالة. ولا شك في أن تطبيق العدالة مسألة تهم الرأي العام، وأن الشفافية في تطبيق العدالة ضرورية لإعادة ثقة الشعب الجزائري في نظام العدل، وهاتان حقيقتان تتناقضان مع إصرار السلطات على عدم الإفصاح عن أسماء أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة الذين قُدموا إلى المحاكمة. وفضلاً عن ذلك فليس ثمة ما يدعو لأن يستفيد من يحاكَمون من أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة من ميزة حجب أسمائهم في حين لا يستفيد غيرهم من المواطنين الذين تصدر عليهم أحكام في الجزائر من تلك الميزة.

وقد تراجع على مدى العامين الأخيرين عدد الأنباء الواردة عن وقوع حالات اختطاف وتعذيب على أيدي الجماعات المسلحة التي تسمي نفسها "جماعات إسلامية"، إلا إن مئات من مثل تلك الحالات سُجلت منذ عام 1993 عندما بدأت مثل تلك الجماعات نشاطها واللجوء بشكل متزايد لاستهداف المدنيين. وقد اختطفت الجماعات المسلحة عشرات النساء من منازلهن، خصوصاً في المناطق الريفية، واحتفظت بهن أسيرات لفترات متباينة، تعرضن خلالها للاغتصاب وغيره من أشكال التعذيب مثل الضرب والحرق بلفافات التبغ المشتعلة والتهديد بالقتل. وقُتلت كثيرات منهن فيما بعد، وتردد أن بعضهن أصبن بعجز دائم. وفي بعض الحالات تعرضت الضحايا للاغتصاب من جانب أكثر من واحد من أعضاء الجماعة المسلحة.

كما اختطفت الجماعات المسلحة مئات من المجندين وغيرهم من أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن والميليشيات شبه العسكرية، واحتفظت بهم أسرى وعذبتهم قبل أن تقتلهم. وزُعم أن بعضهم تُوفوا تحت وطأة التعذيب، وتعرض آخرون للتعذيب والتشويه قبل قتلهم.

إلا إنه لم يتسن حتى الآن الحصول على معلومات عن أية حالات اعتُقل فيها أي أشخاص أو قُدموا إلى ساحة العدالة ليُحاكموا عن مثل هذه الجرائم وتصدر عليهم عقوبة. أما النساء اللاتي تحدثن إلى منظمة العفو الدولية عن اختطفهن واغتصابهن على أيدي أعضاء الجماعات المسلحة فليس لدى أي منهن علم بأن من اختطفوهن واغتصبوهن قُدموا قط إلى ساحة العدالة. وقالت بعض هؤلاء الضحايا لمنظمة العفو الدولية إن قوات الأمن أبلغتهن بأن من اختطفوهن واغتصبوهن قُتلوا على أيدي قوات ا04?أمن. غير أنه لم تُقدم لأي منهن تفصيلات أو معلومات عن أي تحقيقات قد تكون أُجريت أو الوسيلة التي تم بها التحقق من أن الذين قُتلوا وحُددت شخصياتهم على أنهم الذين اختطفوهن واغتصبوهن هم حقاً الذين ارتكبوا هذه الجرائم ضدهن. وقد أعربت ضحايا التعذيب على أيدي الجماعات المسلحة، بما في ذلك الاغتصاب، وكذلك أسرهن والجمعيات النسائية داخل الجزائر عن القلق بخصوص هذا الوضع.

حالات "الاختفاء"

ابتُليَت الجزائر بمشكلة حالات "الاختفاء" على مدى فترة تزيد عن سبع سنوات. فقد "اختفى" ألوف الرجال والنساء الجزائريين بعد أن اقتادتهم قوات الأمن أو الميليشيات شبه العسكرية إلى مصير مجهول في الفترة بين عامي 1993 و2000 .تلقت منظمة العفو الدولية منذ 1994 قرابة أربعة آلاف ملف لحالات أفراد "اختفوا" بعد أن اقتادتهم قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة من بيوتهم أو أماكن عملهم أو أي مكان آخر، وحدث هذا في كثير من الأحيان أمام أقاربهم أو جيرانهم أو زملائهم أو المارة. غير أن عدد حالات "الاختفاء" التي سجلتها بعض منظمات حقوق الإنسان الجزائرية يتجاوز فيما تردد هذا الرقم بعدة آلاف.

وقد شهدت فترة العام ونصف العام الأخيرة انخفاضاً كبيراً في عدد حالات "الاختفاء" التي ترد أنباء عنها بالمقارنة مع السنوات السابقة، ومع ذلك فما زالت ترد أنباء عن وقوع مثل هذه الحالات.

وتعترف السلطات منذ عام 1998 بوجود حالات "اختفاء"، واتخذت إجراءات لتسجيل الشكاوى الخاصة بها. وقبل ذلك العام كان تناول هذا الموضوع من المحرمات في الجزائر. وقد أثارت بعض التطورات، مثل قيام وزارة الداخلية في نوفمبر/تشرين الثاني 1998 بفتح مكاتب في كل ولاية حيث يمكن للمواطنين تسجيل الشكاوى من "اختفاء" أحد الأقارب والوعود التي قدمتها السلطات بالتحقيق في مثل هذه الشكاوى، قدراً كبيراً من الأمل بين أسر "المختفين". ورحبت منظمة العفو الدولية بتعهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خلال حملة انتخابات الرئاسة وفي الفترة التي أعقبت انتخابه باتخاذ خطوات لضمان إيضاح مصير "المختفين". كما زادت من الآمال خطوات إيجابية أخرى قامت بها السلطات مثل الإفراج عما يربو على ألفى شخص بموجب عفو رئاسي في يوليو/تموز 1999.

غير أنه ليس لدى منظمة العفو الدولية علمٌ بالقيام بأي تحرك محدد حتى الآن لتحديد مصير ومكان "المختفين". وقُوبلت نداءات أمهات "المختفين" اللاحقة بالإعراض من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والسلطات الأخرى، ودعاهن الرئيس "لطي الصفحة". وعلى الرغم من توفر قدر هائل من الأدلة التي تؤيد مزاعم أسر "المختفين" أن أبناءها قد اقتيدوا على أيدي أفراد من قوات الأمن أو الميليشيات شبه العسكرية، فما زالت السلطات الحكومية في معظم الحالات تردد القول بأن هذه المزاعم لا أساس لها.

وينبغي على وجه السرعة إجراء تحقيقات مستقلة، خصوصاً أن الحالات التي سجلتها منظمة العفو الدولية، وتبلغ قرابة أربعة آلاف حالة، قد تكون أقل كثيراً من العدد الحقيقي للحالات. وتدرك المنظمة أن المعلومات التي تلقتها ليست وافية، وأن عدد "المختفين" في الجزائر قد يكون في واقع الأمر أكبر كثيراً. فلم تكن بعض الأسر راغبة أو مستعدة لإبلاغ منظمات وطنية أو دولية "باختفاء" أحد أبنائها. وما زالت بعض الأسر تخشى أن تعرضها مثل هذه الخطوة وتعرض أبناءها "المختفين" للمزيد من أخطار انتهاكات حقوق الإنسان؛ بينما لا يعلم آخرون بوجود مثل هذه المنظمات، أو يعيشون في مناطق نائية من البلاد ومن ثم لا يمكنهم الاتصال بها. وهذه الأسباب تفسر أيضاً ميل الأسر في معظم الحالات إلى الإبلاغ عن "اختفاء" أبنائها بعد فترة من حدوث ذلك.

وقد أثار مندوبو منظمة العفو الدولية قضية "المختفين" وعدم إجراء تحقيقات في القضية في جميع لقاءاتهم مع السلطات خلال زيارتهم للجزائر في مايو/أيار 2000. وكان الوفد مهتماً على وجه الخصوص بأن يعرف من وزارة العدل و"المرصد الوطني لحقوق الإنسان" بالحالات التي يزعمان أنهما استوضحاها. وأبلغت وزارة العدل منظمة العفو الدولية أنها تلقت 3019 شكوى بخصوص حالات "اختفاء"، واستوضحت 1146 منها، وصنفت تلك الحالات إلى عدة فئات: 82 موجودون أو كانوا موجودين في الحجز؛ و833 تسعى السلطات للقبض عليهم لارتكابهم أعمالاً "إرهابية"؛ و92 قُتلوا في مواجهات مسلحة مع قوات الأمن؛ وتسعة قتلتهم جماعات مسلحة أخرى؛ و74 موجودون في بيوتهم مع أسرهم؛ و49 اعتُقلوا ثم أُفرج عنهم في وقت لاحق؛ وخمسة استفادوا من العفو الصادر في يناير/كانون الثاني 2000 عن أعضاء "الجيش الإسلامي للإنقاذ" أو من الإعفاء من المتابعة القضائية بموجب "قانون الوئام المدني"؛ واثنان أُفرج عنهما من السجن بموجب العفو الرئاسي الصادر في يوليو/تموز 1999.

وقدم المسؤولون لمنظمة العفو الدولية أسماء وتواريخ ميلاد الأشخاص السبعة في الفئتين الأخيرتين، لكنهم لم يقدموا أي معلومات أخرى عنهم. وطلب الوفد قائمة بجميع الحالات التي ادعت وزارة العدل أنها استوضحتها مع الحد الأدنى من المعلومات الذي يسمح بالتحقق من شخصياتهم، بما في ذلك تواريخ ميلادهم وتواريخ "الاختفاء". وكانت منظمة العفو الدولية بطلبها هذا ترغب في التأكد من أن قائمتها الخاصة بحالات "الاختفاء" أدق ما يمكن، ولا تتضمن مثلاً اسم أي شخص "اختفى" ثم عاد للظهور في وقت لاحق. وعلى الرغم من إشارة المسؤولين إلى أن المعلومات المطلوبة ستُقدم فلم يحدث أن قُدمت مثل هذه المعلومات.

ولم يكن ستة من الأشخاص السبعة الذين قُدمت أسماؤهم وتواريخ ميلادهم ضمن قائمة منظمة العفو الدولية التي تضم قرابة أربعة آلاف من "المختفين". وبدا أن واحداً فقط مدرج بالقائمة لكن مع اختلاف طفيف في تاريخ الميلاد. ونظراً لعدم وجود معلومات أخرى مقدمة من وزارة العدل عن الحالة، لم تتمكن المنظمة من التأكد مما إذا كان الاسم في الحالتين يشير إلى نفس الشخص.

وفي الوقت نفسه أبلغ "المرصد الوطني لحقوق الإنسان" الوفد أنه تلقى زهاء 4150 زعماً عن حالة "اختفاء"، وأنه أحال معظم هذه المزاعم إلى قوات الأمن التي ردت في نحو 2100 حالة، رغم أن ردها جاء في كثير من الأحيان بعد ما يقرب من عام من تلقي مراسلة من "المرصد الوطني لحقوق الإنسان". وصنف المرصد تلك الحالات إلى عدة فئات وهي: الذين توفوا؛ والسجناء؛ والذين تسعى السلطات للقبض عليهم؛ والذين أُفرج عنهم بعد احتجازهم لفترة؛ والذين خطفتهم جماعة مسلحة غير معروفة؛ والذين سلموا أنفسهم للسلطات في إطار "قانون الوئام المدني"؛ والذين أُفرج عنهم بعد احتجازهم للاستجواب؛ والذين "اختفوا" في ظروف مجهولة؛ والحالات التي لم ترض فيها أسرة الضحية برد قوات الأمن الذي نقله إليها "المرصد الوطني لحقوق الإنسان".

وقدم "المرصد الوطني لحقوق الإنسان" لمنظمة العفو الدولية اسمي شخصين من كل فئة، ومع بعض تلك الأسماء تاريخ الاعتقال حسب زعم الأسرة. ولم تكن غالبية الأسماء مدرجة بقائمة منظمة العفو الدولية. ووعد المرصد في اجتماعه الأول الذي عُقد أثناء زيارة وفد منظمة العفو الدولية في مايو/أيار 2000 بتقديم قائمة مصنفة لحالات "الاختفاء" التي يدرسها، لكنه لم يفعل ذلك. ولم يقدم "المرصد الوطني لحقوق الإنسان" أية مؤشرات تفيد أنه قدم استفسارات لأي جهة أخرى غير قوات الأمن بخصوص الشكاوى من حالات "الاختفاء" التي أرسلتها إليه أسر الضحايا.

أما الأسر التي قدمت شكاوى بخصوص حالات "اختفاء" من خلال نظام العدل فقد استُدعي بعضها للاستجواب أمام النيابة وقضاة التحقيق، ولكن باستثناء بعض الحالات التي أُحيلت فيها الشكاوى إلى قوات الأمن للتعليق فإنه لا توجد مؤشرات تفيد بإجراء تحقيقات وافية في أي حالة "اختفاء". وفي كثير من الحالات تتوفر شهادات الأقارب أو الجيران أو المارة التي تثبت أن اختطاف الضحية تم على أيدي أفراد من قوات الأمن، بل وتتوفر علاوة على ذلك أدلة إضافية يمكن أن تشكل أساساً لتحقيق واف. وفي بعض الحالات كان بعض أو كل أفراد قوات الأمن الذين نفذوا الخطف معروفين للشهود الذين قدموا أسماءهم في أقوالهم للسلطات. وفي بعض الحالات قدم الشهود للسلطات أيضاً بيانات أخرى لتحديد شخصية هؤلاء مثل أرقام السيارات التي أخذ أفراد قوات الأمن الضحايا فيها أو اللواء أو الفرقة التي ينتمون إليها. وفي بعض الأحيان يكون المكان الذي احتُجز فيه "المختفي" معروفاً للأسرة، سواء لأنها تمكنت من متابعة السيارة التي أُخذ فيها الضحية إلى ثكنة عسكرية أو قاعدة أخرى لقوات الأمن، أو لأنها علمت من مصادر غير رسمية، مثل بعض السجناء الذين أُفرج عنهم، أن أقاربها كانوا محتجزين هناك.

وبدلاً من التكفل بإجراء تحقيقات من خلال آلية مستقلة، قدمت السلطات إجابات غير وافية للأسر التي سجلت شكاوى من "اختفاء" أبنائها. ولا تقدم الإجابات في كل الحالات تقريباً التفصيلات اللازمة لتأييد النتائج التي تم التوصل إليها، وتكتفي بتقديم بيان مقتضب برأي السلطات في الحالة. وإذا كان الشخص "غير معروف للسلطات" فلا تُقدم أي تفصيلات عن أي خطوات اتُخذت للعثور عليه. أما إذا كان الشخص "يُعتقد أنه انضم إلى مجموعة إرهابية وتسعى قوات الأمن للقبض عليه" أو "يُعتقد أن مجموعة إرهابية خطفته" فلا تُقدم معلومات تفسر ما يقوم عليه هذا الاعتقاد. وإذا كان الشخص "إرهابياً قتلته قوات الأمن" فلا تُقدم أسباب تفسر عدم استدعاء الأسرة للتعرف على جثة ابنها، أو عدم إبلاغها بمكان الدفن، أو بالكيفية التي تم بها تحديد شخصية ابنها.

وتحتوي وثائق حصلت عليها بعض الأسر من السلطات على عددٍ من أكثر الأدلة وضوحاً على ضلوع قوات الأمن في حالات "الاختفاء". ومن أمثلة ذلك حالة أسرة صالح ساكرالتي لفتت نظر سلطات متعددة في أكتوبر/تشرين الأول 1994 إلى أنه "اختفى" بعد أن ألقت الشرطة القبض عليه في منزله بقسنطينة يوم 29 مايو/أيار 1994. ولما لم تتلق الأسرة ردوداً على خطاباتها قدمت شكوى رسمية إلى السلطات القضائية في قسنطينة ضد الشرطة القضائية لولاية قسنطينة في يناير/كانون الثاني 1996. وتلقت الأسرة أول رد من السلطات يوم 27 فبراير/شباط 1997 وكان مرفقاً به نسخة من بيان للشرطة بتاريخ 4 سبتمبر/أيلول 1996 يؤكد أن الشرطة القضائية لولاية قسنطينة ألقت القبض على صالح ساكر ونقلته إلى "المركز الإقليمي للأبحاث والتحريات بالناحية العسكرية الخامسة" يوم 3 يوليو/تموز 1994.

وكتبت الأسرة إلى "المرصد الوطني لحقوق الإنسان" يوم 27 سبتمبر/أيلول 1996 للشكوى من الصعوبات التي تواجهها في الحصول على معلومات من السلطات وطلب المساعدة في هذا الصدد. وفي 10 ديسمبر/كانون الأول 1998 رد المرصد على الأسرة يخطرها بأن المعلومات التي تلقاها من أجهزة الأمن تفيد أن صالح ساكر "خطفته مجموعة مسلحة مجهولة."

وعلى الرغم من استنفاد كل الطرق المتعارف عليها للجوء إلى القضاء لم تُبلغ الأسرة بعد بأسباب إلقاء القبض على صالح ساكر قبل ما يزيد عن ستة أعوام، ولم تُقدم لها أية معلومات عن مصيره أو مكانه، أو تفسير للتناقض الواضح بين بيان الشرطة الذي قدمته السلطات وبين رد "المرصد الوطني لحقوق الإنسان". وتجد الأسرة صعوبة على وجه الخصوص في معرفة سبب امتناع السلطات عن بدء أي إجراءات قضائية في الحالة رغم كل الأدلة المتاحة، ورغم أن الجزائر ملزمة بذلك بموجب القانون الوطني والمعايير الدولية.

وتشعر منظمة العفو الدولية بالقلق لعدم إجراء تحقيقات وافية في حالات "الاختفاء" الفردية أو ظاهرة "الاختفاء" بوجه عام، ولغياب التنسيق على ما يبدو بين السلطات المختلفة في القدر المحدود من المعلومات المتاحة بخصوص الموضوع. فالسلطات المختلفة لديها أعداد متباينة من الشكاوى الخاصة بحالات "الاختفاء". إذ أبلغ مسؤولون من وزارة الداخلية وفد منظمة العفو الدولية في مايو/ أيار 2000 أن 4693 ملفاً قُدمت إلى الوزارة من خلال المكاتب التي أقامتها في كل ولايات البلاد. وكما سبقت الإشارة، فقد تلقت وزارة العدل 3019 شكوى بخصوص حالات "اختفاء" وتزعم أنها استوضحت 1146 منها، بينما سجل "المرصد الوطني لحقوق الإنسان" 4150 زعماً، ولديه ردود من قوات الأمن بخصوص 2100 منها. وفضلاً عن ذلك تستخدم وزارة العدل و"المرصد الوطني لحقوق الإنسان" نظامين مختلفين لتصنيف الحالات التي بحثها كل منهما.

كما تتباين، على ما يبدو، بعض المعلومات التي قدمتها وزارة العدل والمرصد. فثلاث من حالات "الاختفاء" السبع التي قدمتها وزارة العدل لوفد منظمة العفو الدولية خلال زيارته في مايو/أيار 2000 على أنها أمثلة للحالات التي استوضحتها وردت أيضاً في المعلومات التي قدمها المرصد في وقت لاحق. فقد كانت حالات فتحي مرابطين وياسر بوجمرين ومحمد يزيد بن خراب ضمن الحالات التي ذُكر أنها بُحثت في وزارة العدل والمرصد، لكن كلاً منهما قدم نتائج مختلفة. إذ قالت الوزارة إن الرجال الثلاثة أعضاء في جماعات مسلحة وإنهم إما استسلموا للسلطات بموجب "قانون الوئام المدني"، وإما استفادوا من العفو الصادر في يناير/كانون الثاني 2000، بينما ذكر المرصد أن الرجال الثلاثة أعضاء في جماعات مسلحة سلموا أنفسهم إلى السلطات في إطار قانون الرحمة الصادر في فبراير/شباط عام 1995 (والذي أُلغي بصدور قانون الوئام المدني ودخوله حيز التنفيذ يوم 13 يوليو/تموز 1999) ولم تقدم أي من الجهتين تواريخ الاستسلام الذي أشارت إليه.

والجدير بالذكر أن الجزائر، بوصفها عضواً في الأمم المتحدة، يتعين عليها الالتزام ببنود"الإعلان الخاص بحماية جميع الأشخاص من التعرض للاختفاء القسري" الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة دون تصويت يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 1992. وتنص الفقرتان الأولى والثانية من المادة 13 من الإعلان على ما يلي:

"1- تضمن كل دولة حق أي شخص لديه معلومات أو اهتمام مشروع ويزعم أن شخصاً ما تعرض للاختفاء القسري في الشكوى إلى هيئة مختصة ومستقلة من هيئات الدولة وأن تحقق تلك الهيئة على وجه السرعة، وبدقة، ونزاهة في تلك الشكوى. وفي الحالات التي توجد فيها أسباب وجيهة للاعتقاد بأن حالة اختفاء قسري ارتُكبت، تقوم الدولة على وجه السرعة بإحالة المسألة إلى تلك الهيئة لإجراء مثل ذلك التحقيق، حتى إذا لم تُقدم شكوى رسمية. ولا يُتخذ أي إجراء من شأنه أن يحد من التحقيق أو يعوقه.

2- تضمن كل دولة تمتع الهيئة المختصة بالسلطات والموارد اللازمة لإجراء التحقيق بصورة فعالة، بما في ذلك سلطة إلزام الشهود بالحضور أمامها والجهات المعنية بتقديم الوثائق المتصلة بالموضوع والقيام بزيارات فورية للمواقع.

وقد زعمت السلطات، في أوائل عام 2000، أن كثيراً من "المختفين" عادوا للظهور بين أعضاء الجماعات المسلحة الذين سلموا أنفسهم للسلطات إما في إطار العفو الصادر في يناير/كانون الثاني 2000، وإما في إطار "قانون الوئام المدني". وكانت هذه المزاعم على ما يبدو محاولة لتعزيز الحجة القائلة أن كثيراً من "المختفين" إنما اختفوا طوعاً في واقع الأمر لينضموا إلى الجماعات المسلحة. ونشرت بعض الصحف الجزائرية هذه المزاعم، حيث تضمن مقال نشرته صحيفة "الوطن" في عددها الصادر في أول فبراير/ شباط 2000 أول قائمة لأسماء بعض الذين يُفترض أنهم عادوا للظهور. وفي فبراير/شباط، بعثت منظمة العفو الدولية برسالةٍ إلى السلطات الجزائرية تطلب فيها إمدادها بالأسماء والتفصيلات الكاملة الخاصة "بالمختفين" الذين يُزعم أنهم عادوا للظهور، إلا إنها لم تتلق أي رد من السلطات حتى اليوم، وفي حدود علم منظمة العفو الدولية لم تبلغ السلطات أسرة أي شخص من المدرجين في قائمة المنظمة الخاصة بحالات "الاختفاء" بعودة قريبها المفقود للظهور.

العواقب بالنسبة لأسر "المختفين"

في الأشهر الأخيرة استدعت السلطات القضائية بعض أسر "المختفين" وأصدرت لها شهادات اختفاء بخصوص أقاربها "المختفين". وقبلت بعض الأسر شهادات الاختفاء طوعاً لأن من شأنها أن تبدأ عملية تؤدي إلى تخفيف بعض المشاكل التي تواجهها. وتزعم أسر أخرى أن قوات الأمن هددتها وأجبرتها على المثول رغم إرادتها أمام السلطات لتسلم الشهادات. وفي حين تتحدث السلطات عن معالجة قضية المختفين من زاويتين في الوقت نفسه، أي بالتحقيق في الحالات، وبتوفيق الوضع القانوني لأسر "المختفين"، فإن كثيراً من الأسر تخشى أن يكون السبيل الثاني في حقيقة الأمر وسيلة لتأجيل أي تحقيق في مصير ومكان أقاربها، ربما إلى أجل غير مسمى.

والنساء هن من يواجهن معظم المشاكل التي تتعرض لها الأسر التي لها أقارب "مختفون". فإلى جانب الحزن الشخصي الذي يجلبه فقدان الزوج أو الابن، تواجه النساء عراقيل عملية لا يمكن التغلب عليها في كثير من الأحيان. فنتيجة لطبيعة قانون الأحوال الشخصية الجزائري التي تقوم على التمييز لا يمكن أن تتم بعض الإجراءات البيروقراطية، مثل إلحاق الأبناء بالمدارس، واستخراج جوازات السفر وشهادات التخرج من المدارس وغيرها من الوثائق لهم، دون توقيع الأب، ما لم يكن الأب مسجلاً على أنه متوف، وهو أمر غير قائم في حالة "المختفين". وتنشأ مشاكل مماثلة للنساء أنفسهن فيما يتعلق بالميراث. وبالإضافة إلى ذلك تتحمل النساء اللاتي فقدن العائل الأساسي للأسرة عبئاً باهظاً يثقل كاهلهن إذ يتعين عليهن، لأول مرة في حياتهن في كثير من الأحيان، دخول سوق العمل التي تعاني من الكساد ويهيمن عليها الرجال، وإعالة أسرهن بدخل ضئيل أو دون دخل على الإطلاق.

وكانت النساء أيضاً، وفي مقدمتهن أمهات "المختفين"، هن اللاتي تصدرن النضال من أجل "المختفين" في الجزائر. فقد قدن المظاهرات التي سمحت السلطات لهن على وجه العموم بتنظيمها، وكن صاحبات أعلى صوت في النداءات التي وجهتها الأسر إلى السلطات مطالبة بإقرار الحقيقة. وقد شعرن بأنهن كنساء، وفي سن متقدمة في بعض الحالات، سيكن أقل عرضة لخطر العنف البدني من جانب قوات الأمن، ومع ذلك فقد تعرض بعضهن لمعاملة قمعية. ففي مارس/آذار 2000، تعرض أقارب بعض "المختفين"، ومعظمهم من النساء، للضرب بالهراوات، والركل، والترهيب من جانب السلطات في مدينتي غليزان ووهران بغرب البلاد. ولأسبوعين متتاليين في غليزان تعرض أقارب "المختفين" أيضاً للاعتقال والتهديد بالسجن عند تجمعهم للقيام بمظاهرة أسبوعية في "ساحة المقاومة"، وهي ميدان عام في وسط المدينة. ففي يومي 15 و22 مارس/آذار، اعتُقل زهاء 40 شخصاً، أغلبيتهم من النساء، وأُجبروا على توقيع إقرارات لدى الشرطة، وهُددوا بالمحاكمة والسجن، ثم أُفرج عنهم بعد بضع ساعات.

التعوي90?

على مدى السنوات الأخيرة خصصت السلطات أموالاً لتعويض أسر الأشخاص الذين اغتالتهم الجماعات المسلحة. ووُزعت تلك الأموال في كثير من الحالات على الأسر المعنية، على الرغم من أن بعض الأسر شكت من أنها لم تتلق مطلقاً الأموال التي تعهدت بتقديمها الدولة أو جمعيات أسر ضحايا الجماعات المسلحة.

وشكت الاتحادات النسائية من أن ضحايا الاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة لم يستفدن من إعادة التأهيل، بما في ذلك الاستشارات الطبية والنفسية وغيرها من الاستشارات لمن عانوا من صدمة نفسية بعد المحنة التي تعرضن لها، كما لم يستفدن من التعويض الذي أمكن لآخرين من ضحايا الجماعات المسلحة الحصول عليه. ولا شك أن عدم تقديم مثل هذه التعويضات أمرٌ يبعث على القلق على وجه الخصوص في مجتمع مثل المجتمع الجزائري، حيث تضطر ضحايا الاغتصاب لمواجهة الألم الذي سببته الجريمة مضافاً إليه ما يرتبط بهذه القضية الحساسة من حرمة وخزي وعار. كما تفاقمت المشكلة لأن كثيرات ممن كن ضحايا للخطف والاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة يعشن في مناطق ريفية ومحافظة.

وفضلاً عن ذلك، لم يحدث في أيٍ من حالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو التعذيب أو "الاختفاء" التي تتحمل المسؤولية عنها قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة، والتي سجلتها منظمة العفو الدولية على مدى فترة الأعوام الثمانية ونصف العام الماضية، أن حصل الضحايا أو أسرهم على أي شكل من التعويض. وهذا هو الحال حتى بالنسبة لأسر الأشخاص الذين "اختفوا" أو عُثر عليهم قتلى بعد أن اقتادتهم قوات الأمن أو الميليشيات التي تسلحها الدولة إلى مصير مجهول، والذين زعمت السلطات فيما بعد أن جماعات مسلحة خطفتهم أو قتلتهم. ولم تُقدم أية تعويضاتٍ أيضاً إلى الأسر التي قدمت شكاوى للسلطات بخصوص قريب خطفته جماعة مسلحة ويُفترض أنه قُتل في وقت لاحق، لكن لم يُعثر قط على جثته.

وقد استُبعد هؤلاء الضحايا عمداً على ما يبدو من الحصول على تعويض، مما يمثل انتهاكاً للقانون الوطني للجزائر والتزاماتها الدولية. إذ لا يشير المرسوم التنفيذي رقم 47-99 الصادر في 13 فبراير/شباط 1999 إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة عمداً، مثل حالات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب، بل ولا يتضمن مواد تخص تعويض ضحايا أو أسر ضحايا "حوادث وقعت في إطار مكافحة الإرهاب"، وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجماعات المسلحة.

والمعروف أن "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، التي صدقت عليها الجزائر عام 1989، تنص في المادة 14 على ما يلي:

"1-تضمن كل دولة طرف في نظامها القانوني، إنصافاً لمن يتعرض لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن. وفي حالة وفاة المعتدَى عليه نتيجة لعمل من أعمال التعذيب، يكون للأشخاص الذين كان يعولهم الحق في التعويض.

2-ليس في هذه المادة ما يمس أي حق للمعتدَى عليه أو لغيره من الأشخاص فيما قد يوجد من تعويض بمقتضى القانون الوطني."

كما تنص المادة 9 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، والجزائر دولة طرف فيه، على:

"5- لكل من كان ضحية القبض عليه أو إيقافه بشكل غير قانوني الحق في تعويض قابل للتنفيذ."

وينص "إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية جميع الأشخاص من التعرض للاختفاء القسري" بوضوح في المادة 19 على أنه:

"لكل من يتعرض لعمل من أعمال الاختفاء القسري الحق في الحصول على الإنصاف والحق في التعويض الكافي بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن. وفي حالة وفاة المعتدَى عليه نتيجة لعمل من أعمال الاختفاء القسري يكون للأشخاص الذين كان يعولهم الحق في التعويض."

الميليشيات التي تسلحها الدولة

لا توجد معلومات دقيقة وموثوق بها، سواء أكانت رسمية أم غير ذلك، عن عدد أعضاء مجموعات الميليشيا التي تسلحها الدولة منذ عام 1994، وتتراوح التقديرات المختلفة بين 100 ألف وما يربو على 200 ألف. وكانت المرة الوحيدة التي أعلن فيها مسؤول جزائري رقماً في هذا الصدد في فبراير/شباط 1998 عندما أبلغ رئيس الوزراء آنذاك أحمد أويحي "المجلس الوطني" أنه تم تشكيل أكثر من خمسة آلاف مجموعة من مجموعات الميليشيا، التي غُير اسمها إلى "مجموعات الدفاع الشرعي" ويُعرف أعضاؤها أيضاً باسم "الوطنيون"، وأنه سيتم إنشاء المزيد من هذه المجموعات.

ويقتصر وجود مجموعات الميليشيا تقريباً على المناطق الريفية، حيث كان السكان المدنيون المحليون عرضة على وجه الخصوص لهجمات الجماعات المسلحة ولا يتمتعون بحماية تُذكر من قوات الأمن أو بلا حماية على الإطلاق، وخاصة في ذروة الصراع حتى عام 1997.

وتعرب منظمة العفو الدولية منذ عام 1996 عن قلقها من إقدام السلطات على السماح بإنشاء ميليشيات والتشجيع على ذلك، إذ ترى المنظمة أن ذلك من شأنه أن يساهم في خلق وضع يتورط فيه السكان المدنيون بصورة متزايدة في الصراع. وفي غياب حماية قوات الأمن رأي كثير من أهالي القرى في إنشاء الميليشيات السبيل الوحيد لحماية أسرهم ومجتمعاتهم من هجمات الجماعات المسلحة، لكن آخرين خشوا من أن يؤدي وجود الميليشيات إلى جعل السكان المدنيين هدفاً للجماعات المسلحة أكثر مما كانوا في السابق. وعلاوة على ذلك فقد زاد عدد الميليشيات وزادت معه الأنباء الواردة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها تلك الميليشيات التي تكون في كثير من الأحيان مرتبطة أو على صلة وثيقة ببعض الأحزاب السياسية والقوات العسكرية والأمنية والمسؤولين المحليين الذين يسعون لفرض سيطرتهم على سكان منطقتهم.

وعلى الرغم من أن السلطات الجزائرية تصر على أن مجموعات الميليشيا لا تتحرك إلا دفاعاً عن النفس عندما تتعرض للهجوم من جماعات مسلحة، فقد عملت مجموعات الميليشيا صراحةً خارج حدود القانو ?، ودون إشراف، وسُمح لها بل وشُجعت على القيام بمهام إنفاذ القانون وعمليات مكافحة التمرد، سواء بمفردها أم بالاشتراك مع قوات الأمن والجيش. ففي عام 1995/1996 عرض التلفزيون الرسمي الجزائري مشاهد لمجموعات من الميليشيا يرتدي أفرادها زي الجيش وقوات الأمن ويستخدمون عربات للجيش وقوات الأمن وعلامات حواجز الطرق الخاصة بهما، وهي تقيم حواجز على الطرق، وتستجوب المارة وتفتشهم، ويتفاخر أعضاؤها بالأكمنة التي ينصبونها، والمهمات العسكرية التي يقومون بها ضد الجماعات المسلحة، بما في ذلك قتلهم أشخاصاً يصفونهم بأنهم من أعضاء الجماعات المسلحة، خارج إطار أي مواجهة عسكرية.

وكان من شأن إضفاء الوضع القانوني على الميليشيات في يناير/كانون الثاني 1997 أضفى المرسوم التنفيذي رقم 04-97 الذي أصدره رئيس الوزراء آنذاك أحمد أويحي يوم 4 يناير/ كانون الثاني 1997 الوضع الرسمي والقانوني على وجود الميليشيات ووضع إطاراً فضفاضاً لأنشطتها.

أن يوفر غطاء قانونياً لمجموعات من الأفراد، الذين يُجندون بصورة تعسفية ويعملون خارج إطار التشريع الخاص بإنفاذ القانون ودون التدريب الكافي أو الإشراف اللازم، في تنفيذ مهام إنفاذ القانون. ولا يتضمن هذا المرسوم أياً من الضمانات الضرورية ضد إساءة استعمال القوة وانتهاك حقوق الإنسان من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مثل "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، و"اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، و"الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب"، و"مجموعة مبادئ الأمم المتحدة الخاصة باستخدام الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين للقوة والأسلحة النارية"، و"مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين" الصادرة عن الأمم المتحدة. ولا يتضمن المرسوم أيضاً مواد تتعلق بمتطلبات التجنيد والتدريب، أو بضمان خضوع أفراد الميليشيا للمحاسبة، أو بحل الألوف من مجموعات الميليشيا التي أنشئت في السنوات السابقة خارج أي إطار قانوني.

وعلى الرغم مما ورد عن تقديم بعض أعضاء الميليشيا إلى ساحة العدالة وإدانتهم بتهم القتل والخطف والاغتصاب وجرائم أخرى، فقد رفضت السلطات حتى الآن تقديم أية تفاصيل محددة عن مثل تلك الحالات. وبالإضافة إلى ذلك تفيد المعلومات المتاحة حتى الآن أن مثل هذه الحالات التي حُوكم فيها أشخاص لم تمس زعماء الميليشيا الأقوياء والمعروفين. فعلى سبيل المثال، أُلقي القبض في إبريل/نيسان 1998 على اثنين من زعماء الميليشيا كانا أيضاً رئيسي بلديتي غليزان وجديوية عن "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي كان آنئذ الحزب الرئيسي في الحكومة. وقد اتُهما بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان منذ عام 1995، بما في ذلك القتل والتعذيب والخطف والابتزاز بالتهديد بالعنف. ومع ذلك أُفرج عنهما بكفالة خلال أيام، وهو إجراء لم يُتخذ تقريباً مع أي شخص آخر اتُهم بمثل هذه الجرائم الخطيرة، ولم يُقدما للمحاكمة إلى اليوم. كما أخلى قاضي التحقيقات سبيل زعيم ميليشيا آخر معروف اتُهم بقتل حمزة والي، الذي كان يبلغ من العمر 17 عاماً، بصورة تعسفية في صيف عام 1998 (انظر التفاصيل صفحة...) ولم يُقدم قط للمحاكمة.

وفي العامين الأخيرين، بعد أن صارت أنباء انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها مجموعات الميليشيا واسعة النطاق، أخذت السلطات تهوِّن من دور الميليشيات؛ وكف التلفزيون الرسمي والصحف عن تغطية أنشطتها، وتثني قوات الأمن الصحفيين الأجانب الذين لا يتحركون إلى أي مكان إلا بمرافقة منها عن الذهاب لزيارتها ومقابلة أفرادها. وفي الأشهر الأخيرة شكا بعض أعضاء وزعماء الميليشيا في مقابلات مع وسائل الإعلام الجزائرية من أن السلطات تقلص دورهم، وأنهم لم يعودوا يتلقون مرتباتهم أو يتقاضونها متأخرة ـ على الرغم من أن أعضاء "مجموعات الدفاع الشرعي" متطوعون وليس من المفترض أن يتلقوا أي مرتبات أو مكافآت أياً كانت حسب المرسوم التنفيذي رقم 04-97. وليس لدى منظمة العفو الدولية علمٌ باتخاذ أي إجراءات محددة حتى الآن سواء لحل مجموعات الميليشيا هذه أو لإخضاع أنشطة أعضائها للسيطرة الفعالة للقانون.

القيود المفروضة على حق الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان في حرية التعبير وتكوين الجمعيات

تفيد الأرقام التي قدمها مسؤولون في وزارة الداخلية إلى منظمة العفو الدولية أن هناك زهاء 55 ألف منظمة غير حكومية وجمعية أهلية في الجزائر تعمل في مجالات متنوعة على المستويين الوطني والمحلي. إلا إن قرابة عشر منظمات غير حكومية وجمعيات أو جماعات انتقدت أو عارضت سياسات الحكومة وأفعالها وواجهت، وما زالت تواجه، مشاكل وقيوداً متنوعة. فقد رفضت السلطات الوطنية أو المحلية تسجيل بعضها قانونياً، كما رفضت السلطات التصريح لبعضها الآخر، بما في ذلك منظمات غير حكومية معترف بها قانونياً، بعقد اجتماعات وتجمعات عامة. ودعت منظمات أخرى ضيوفاً أجانب لحضور بعض أنشطتها، لكن السلطات رفضت منحهم تأشيرات لدخول الجزائر. وبالإضافة إلى ذلك منعت السلطات في العام الأخير، كما كان الحال في الأعوام السابقة، المظاهرات التي نظمتها بعض تلك الجمعيات، أو فرقتها قوات الأمن وعاملت منظميها أو المشاركين فيها أو كليهما معاملة سيئة، أو أرهبتهم أو هددتهم أو اعتقلتهم.

وحتى اليوم لم تتمكن "الجمعية الوطنية لعائلات المفقودين"، وكذلك "جمعية عائلات المفقودين لولاية قسنطينة" من الحصول على التسجيل القانوني. وعلى الرغم من السماح على وجه العموم بالمظاهرات الأسبوعية التي تقوم بها أمهات "المختفين" منذ صيف 1998، ففي عدة مرات فضَّت قوات الأمن تلك المظاهرات بالقوة، وتعرضت المشاركات فيها للضرب أو المعاملة السيئة أو الاعتقال، أو لكل ذلك. ووقعت مثل هذه الأحداث على سبيل المثال يوم 22 مارس/آذار في وهران ويوم 23 أغسطس/آب 2000 في مدينة الجزائر.

والجمعيات التي تواجه مثل هذه المشاكل والقيود هي بالأساس تلك التي يتعلق نشاطها بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الأمن، وكذلك الجمعيات التي تعمل لصالح ضحايا وأسر ضحايا الجماعات المسلحة والتي كانت أنشطتها تلقى من قبل تغاضياً، بل وتشجيعاً في كثير من الأحيان، ثم أصبحت الآن معارضةً لسياسة الحكومة، وخاصة في قضية "قانون الوئام المدني" والعفو عن أعضاء الجماعات المسلحة. فعلى سبيل المثال، تزامن القمع المتزايد لأنشطة "مؤسسة معطوب الوناس" مع انتقادها المتزايد للسلطات لعدم التحقيق في اغتيال مغني البربر الشعبي معطوب الوناس في يونيو/حزيران 1998. كما قالت جمعية "صمود"، وهي جمعية لأسر الأشخاص الذين خطفتهم الجماعات المسلحة، إنها واجهت صعوبات متعددة في الحصول على التسجيل القانوني والقيام بأنشطتها. وفي عام 1999 أضرب رئيسها عن الطعام احتجاجاً على عدم استجابة السلطات لمطالبه.

وبالإضافة إلى ذلك، ظلت السلطات على مدى أعوامٍ عدَّة ترفض على الدوام التصريح لمنظمات غير حكومية معترف بها قانونياً منذ سنوات كثيرة، مثل "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان" ومنظمة "تجمع ـ عمل ـ شبيبة" بعقد اجتماعات أو مؤتمرات أو غيرها من الأنشطة العامة، ولم يُسمح لها قط باستخدام قاعات عامة تُتاح على وجه العموم لجمعيات أخرى. وفي 11 مايو/أيار 2000، لم يتسن عقد اجتماع نظمته "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان" لإعطاء فرصة لأسر "المختفين" للقاء وفد منظمة العفو الدولية الذي كان موجوداً آنذاك بالجزائر، لأنه لم يُسمح للرابطة باستخدام القاعة، ولم يُصرح لها بعقد الاجتماع. ومع ذلك فقد سُمح في الوقت نفسه بعقد اجتماع آخر نظمه أعضاء حزب سياسي ينتمي إلى الائتلاف الحكومي كان الهدف منه انتقاد منظمة العفو الدولية وعملها بخصوص الجزائر.

وقد تكون مثل هذه المشاكل راجعة في بعض الحالات إلى سوء فهم، لكن اتساع نطاق هذه الظاهرة وتواتر حدوثها يشيران إلى أن هذه ممارسات متعمدة تهدف إلى تقييد أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان وضحايا الانتهاكات.

وتعد مثل هذه القيود بمثابة انتهاكٍ للمواثيق الدولية التي وقعتها الجزائر وصارت طرفاً فيها والتي تضمن الحق في حرية تكوين الجمعيات والاجتماع والتعبير، كما تتعارض مع روح "الإعلان الخاص بحق ومسؤولية الأفراد والمجموعات وهيئات المجتمع المدني عن النهوض بحقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً وحمايتها" الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 144/53) في دورتها الخامسة والثمانين يوم 9 ديسمبر/كانون الأول 1998، والذي ينص على ما يلي:

"المادة 1:

لكل شخص الحق، سواء بصورة فردية أم بالاشتراك مع آخرين، في النهوض بحقوق الإنسان والحريات الأساسية والعمل على حمايتها وتحقيقها على المستويين الوطني والدولي."

"المادة 2:

1. من واجب كل دولة ومسؤوليتها الأساسية حماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية والنهوض بها وتنفيذها، من خلال وسائل من بينها اتخاذ الخطوات اللازمة لخلق كل الظروف الضرورية في المجالات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من المجالات، وكذلك الضمانات القانونية اللازمة لضمان تمكن جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها، سواء بصورة فردية أم بالاشتراك مع آخرين، من التمتع بكل هذه الحقوق والحريات عملياً.

2. تتخذ كل دولة الخطوات التشريعية، والإدارية، وغيرها من الخطوات اللازمة لضمان أن تكون الحقوق والحريات المشار إليها في هذا الإعلان مكفولة بصورة فعالة."

"المادة 5:

لأغراض النهوض بحقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها، لكل شخص الحق، سواء بصورة فردية أم بالاشتراك مع آخرين، وعلى المستويين الوطني والدولي في:

ا) الاجتماع والتجمع السلمي.

ب) تشكيل المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات أو الجماعات والانضمام إليها والمشاركة فيها.

ج) الاتصال بالمنظمات غير الحكومية أو المنظمات الحكومية الدولية."



الخاتمة والتوصيات

شهد العقد الأخير ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في الجزائر مع إفلات مرتكبيها بشكلٍ كامل من العقاب. وعلى مدى العامين الأخيرين تقلص بصورة ملحوظة نطاق الصراع وعدد حالات الانتهاكات التي ترد أنباء عن وقوعها، ومع ذلك فقد زادت خطورة مشكلة الإفلات من العقاب بدلاً من أن تقل. وبعد أن كانت الحصانة من العقاب ميزةً تمتع بها أفراد قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة وما زالوا يتمتعون بها في كل الحالات تقريباً، فقد اتسع نطاق التمتع بها ليشمل أعضاء الجماعات المسلحة الذين قد يكونون مسؤولين عن حالات قتل وتعذيب وغيرهما من انتهاكات حقوق الإنسان. وما زال الرأي العام يفتقر إلى الثقة في نظام العدل الذي يتقاعس عن منع وقوع حالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز السري والتعذيب وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان، أو يتقاعس عن التحقيق فيها.

وقد اتخذت السلطات في الآونة الأخيرة بعض الإجراءات معلنةً أن الهدف منها هو إحلال السلام والمصالحة الوطنية. غير أنه لا يمكن إعادة الثقة في نظام العدل وضمان حقوق الإنسان، وهما عنصران لا غنى عنهما لإحلال السلام الدائم، إلا باستجلاء الحقيقة بخصوص ما حدث في الجزائر في فترة الأعوام الثمانية ونصف العام الماضية، وتحديد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي وتلك التي تقع في الوقت الراهن، وتقديم من يُشتبه في مسؤوليتهم عنها إلى ساحة العدالة.

وقد وجهت منظمة العفو الدولية على مدى الأعوام الثمانية الأخيرة كثيراً من التوصيات إلى الحكومة الجزائرية، منها حث السلطات على إنشاء لجنة مستقلة ونزيهة للتحقيق في الألوف من حالات القتل، والمذابح، و"الاختفاء"، والخطف، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء، والقتل العمد والتعسفي للمدنيين، وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت في الجزائر منذ عام 1992 على أيدي قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة والجماعات المسلحة. وينبغي 73?علان الأساليب المستخدمة في جميع مثل تلك التحقيقات والنتائج التي تتمخض عنها كما ينبغي تقديم أي شخص توجد أسباب معقولة للاشتباه في مسؤوليته عن انتهاكات لحقوق الإنسان إلى ساحة العدالة بموجب إجراءات تفي بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. وتدعو المنظمة الحكومة الجزائرية من جديد إلى تنفيذ التوصيات التي تقدمت بها في الماضي دون مزيد من الإبطاء.

كما دعت منظمة العفو الدولية مراراً كل الجماعات المسلحة في الجزائر إلى الكف عن استهداف المدنيين واحترام أبسط حقوق الإنسان الأساسية، ألا وهو الحق في الحياة. وهي تؤكد من جديد هذه الدعوة وستواصل معارضة انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الجماعات المسلحة والنضال لوضع حدٍ لها. إلا إن المنظمة تركز في توصياتها أساساً على السلطات الجزائرية، لأن الدولة هي التي صدَّقت على معاهدات حقوق الإنسان الدولية وتبنت أدوات حقوق الإنسان الأخرى في إطار الأمم المتحدة وباتت ملزمة بتنفيذها. وبالإشارة على وجه الخصوص إلى بواعث القلق التي أبرزتها هذه الوثيقة فإن سلطات الدولة هي التي تتحمل المسؤولية عن التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم المتهمين بالمسؤولية عنها إلى ساحة العدالة، ومن ثم فان منظمة العفو الدولية تحث السلطات على تنفيذ الخطوات التالية:

فيما يتعلق بالعفو الرئاسي وتطبيق "قانون الوئام المدني":

  1. الإعلان عن بطلان وإلغاء قرارات العفو الإجمالية التي شملت أيضاً مرتكبي انتهاكات لحقوق الإنسان وانتهاكات خطيرة أخرى للقانون الدولي إذ أنها غير قانونية بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

  2. ضمان إجراء تحقيقات وافية ونزيهة ومستقلة في حالة كل فرد على حدة من أعضاء وزعماء الجماعات المسلحة الذين سلموا أنفسهم، أو قد يسلمون أنفسهم للسلطات في المستقبل، وتقديم كل فرد مسؤول عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان إلى ساحة العدالة على وجه السرعة وبشكل يتفق تماماً مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

فيما يتعلق بحالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز السري:

  1. ضمان عدم احتجاز المعتقلين في معتقلاتٍ سرية تحت أي ظرف من الظروف، وإبلاغ أسر جميع المحتجزين أو محاميهم على الفور بمكان احتجازهم.

  2. ضمان أن تمارس السلطات القضائية سيطرة فعالة ومحددة على أجهزة الأمن التي تنفذ عمليات الاعتقال واحتجاز المعتقلين.

  3. إنشاء سجل مركزي تُسجل فيه كل حالات الاعتقال والاحتجاز التي تقوم بها أجهزة الأمن المختلفة وضمان إضافة كل جديد يطرأ لبيانات السجل المركزي.

  4. ضمان تعديل القوانين المنظمة للاحتجاز رهن التوقيف للنظر لضمان حقوق جميع المحتجزين في الاتصال على الفور بمحام ومثولهم على وجه السرعة أمام قاض وحماية هذه الحقوق بصورة نشطة والتحقيق بدقة في جميع الانتهاكات لهذه الأحكام وتقديم المسؤولين عنها إلى ساحة العدالة.

وتُذكِر منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية بأن "اللجنة المعنية بحقوق الإنسان" التابعة للأمم المتحدة قدمت في أغسطس/آب 1998 عدة توصيات فيما يتصل بحالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز السري. وحثت اللجنة الجزائر على وجه الخصوص على ضمان:

"أ) عدم اعتقال أي شخص أو احتجازه ‘خارج نطاق القانون’.

ب) إعطاء اهتمام فوري للشكاوى الخاصة بحالات مثل هذا الاعتقال أو الاحتجاز وتمكين أقارب أو أصدقاء أو محامي الأشخاص المحتجزين من تلقي إنصاف فعال يتضمن مراجعة قانونية الاحتجاز.

ج) احتجاز كل الأشخاص الذين يُقبض عليهم في الأماكن المخصصة رسمياً للاحتجاز وإبلاغ أسرهم على الفور وتمكينهم فوراً من الاتصال بمحام وتوجيه تهمٍ إليهم وتقديمهم إلى المحاكمة على وجه السرعة.

د) ضمان ألا يتجاوز احتجازهم المدة المحددة قانوناً وأن يتمتعوا بالحق في الفحص الطبي عقب اعتقالهم وفي نهاية فترة احتجازهم."اللجنة المعنية بحقوق الإنسان (الدورة الثالثة والستون)؛ أغسطس/آب 1998 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CCPR/C/79/Add.95)؛ الجزائر: بحث التقارير المقدمة من الدول الأطراف بموجب المادة 40 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. الملاحظات الختامية للجنة المعنية بحقوق الإنسان: الجزائر؛ الفقرة 12.

فيما يتعلق بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والمعاملة السيئة:

  1. اتخاذ إجراءات محددة لوضع حدٍ على الفور لعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والمعاملة السيئة وضمان أن تُجرى على وجه السرعة تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان وتقديم المتهمين بالمسؤولية عنها إلى ساحة العدالة بصورةٍ تتماشى تماماً مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة.

وفي أغسطس/آب 1998، قدمت "اللجنة المعنية بحقوق الإنسان" التوصيات التالية:

"ينبغي للدولة الطرف أن تضمن على وجه السرعة:

أ) إنشاء آليات مستقلة للتحقيق في جميع الانتهاكات لحق الشخص في الحياة وسلامة شخصه.

ب) تقديم مرتكبي الانتهاكات لساحة العدالة [...] المصدر السابق؛ الفقرة 7.

"وتحث اللجنة الدولة الطرف على أن تكفل:

ا) نظاماً يُعتد به لمراقبة معاملة جميع المحتجزين لضمان ألا يتعرضوا للتعذيب أو لمعاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة.

ب) التحقيق في جميع المزاعم المحددة من جانب هيئة نزيهة ونشر ما تتمخض عنه مثل هذه التحقيقات من نتائج.

ج) الملاحقة القضائية للموظفين الضالعين في ممارسة التعذيب ومعاقبتهم بشدة إذا أُدينوا." المصدر السابق؛ الفقرة 9.

فيما يتعلق بالقبور الجماعية":

  1. ضمان التحقيق في جميع حالات التبليغ عن وجود قبور جماعية، وتوفير الموارد الكافية لحفر تلك القبور وإخراج الجثث، وإتاحة إمكانات كافية في مجال الطب الشرŸ?ي لتحديد شخصيات أصحاب الجثث التي يتم العثور عليها.

  2. إبلاغ أسر الضحايا الذين يتم التعرف على جثثهم على الفور.

فيما يتعلق بحالات "الاختفاء":

  1. اتخاذ إجراءات محددة تكفل الكف فوراً عن جميع الأعمال التي تنتج عنها حالات "اختفاء".

  2. إعداد سجلٍ مركزي للمعلومات المختلفة الخاصة بحالات "الاختفاء" التي تجمعها وزارة العدل ووزارة الداخلية و"المرصد الوطني لحقوق الإنسان" وتسوية الاختلاف في الأعداد والتفاصيل الخاصة بحالات الاختفاء التي تسجلها الهيئات الثلاث.

  3. تنفيذ توصية "لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان" في أغسطس/آب 1998 بإنشاء "سجل مركزي لتسجيل كل ما يُبلغ عنه من حالات اختفاء والعمل الذي يتم يوماً بيوم لتتبع المختفين ومساعدة الأسر المعنية على تتبع المختفين." المصدر السابق؛ الفقرة 10.

  4. ضمان إجراء تحقيق وافٍ ومستقلٍ في مصير كلٍ من "المختفين" ومكانه في كل حالة "اختفاء" واتخاذ خطوات للتحقق من المعلومات المقدمة من قوات الأمن وإبلاغ أسرة الشخص "المختفي" بالنتائج.

  5. ضمان إضافة كل حالات "الاختفاء" المبلغ عنها حديثاً ونتائج التحقيقات التي أُجريت فيها أولاً بأول إلى السجل المركزي.

فيما يتعلق بالتعويض:

  1. تقديم الإنصاف العادل والكافي، بما في ذلك التعويض المالي، لجميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بمن فيهم ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن والميليشيات التي تسلحها الدولة أو لأقاربهم المباشرين في حالة مقتل الضحايا أو "اختفائهم".

  2. بذل جهود خاصة لضمان استفادة ضحايا الاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة من إعادة التأهيل الوافية بما في ذلك الاستشارات الطبية والنفسية وغيرها من الاستشارات للمصابين بصدمة نفسية.

فيما يتعلق بالميليشيات التي تسلحها الدولة:

  1. حل جميع الميليشيات التي تسلِّحها الدولة، وضمان أن يكون من يقومون بالعمليات الأمنية هم الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الذين تلقوا التدريب والمؤهلات اللازمة والذين يعملون في إطار رسمي يضمن خضوعهم للمحاسبة.

فيما يتعلق بالمنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان:

  1. ضمان تمكن المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل البلاد من القيام بعملهم دون أي معوقات، بما في ذلك ضمان عدم تعرضهم للاعتقال التعسفي والاحتجاز والمعاملة السيئة.



(1) من الوثائق الأخيرة لمنظمة العفو الدولية بخصوص الجزائر:



الجزائر: حالات الاختفاء: جدار الصمت يبدأ في التصدع( MDE 28/01/99)؛ مارس/ آذار 1999.



الجزائر: المختفون من هم؟ حالات للدراسة( MDE 28/02/99)؛ مارس/آذار 1999.



الجزائر: السكان المدنيون في قبضة أعمال العنف(MDE 28/23/97)؛ نوفمبر/ تشرين الثاني 1997.



الجزائر: الخوف والصمت: الأزمة المستترة لحقوق الإنسان(MDE 28/11/96)؛ نوفمبر/ تشرين الثاني 1996.



الجزائر: حالات القتل في سجن سركاجي(MDE 28/01/96)؛ فبراير/شباط 1996.



الجزائر: لا بد من وضع حدٍ للقمع والعنف(MDE 28/08/94)؛ أكتوبر/تشرين الأول 1994.



الجزائر: حالات الإعدام بعد محاكمات جائرة، مهزلة للعدالة(MDE 28/15/93)؛ أكتوبر/تشرين الأول 1993.

Page 24 of 24

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE