Annual Report 2013
The state of the world's human rights

Press releases

5 October 2012

سورية: الهجمات العشوائية تقتل المدنيين وتروعهم وتشردهم

تتسبب عمليات القصف الجوي والمدفعي العشوائية التي يشنها الجيش السوري بمقتل  سكان جبل الزاوية وغيرها من مناطق إدلب وشمال حماه، كما أنها تلحق الأذى بهم وتشوه أجسادهم، وتعمل على ترهيبهم.

ويُقتل المدنيون أو يصابون كل يوم وهم يجلسون في منازلهم، أو يمشون في شوارعهم، أو يُهرعون كي يلوذون بمكان آمن يقيهم مخاطر القصف.  ولقد قُتل المئات أو جُرحوا، وبينهم العديد من الأطفال، خلال الأسابيع الماضية جراء الهجمات العشوائية،

وأصبحت الأسلحة القتالية الميدانية وذخائرها تُستعمل يومياً لاستهداف المناطق السكنية، مما تسبب بزيادةٍ ملحوظة في الخسائر بالأرواح في صفوف المدنيين.  وغني عن القول هنا أن ذلك النوع من الأسلحة والذخائر يتخذ شكل قنابل غير موجهة تُسقط من الجو، وقذائف هاون ومدفعية تنقصها الدقة، حيث لا يمكن استخدامها في قصف أهداف محددة نظراً لاتساع قطر دائرة الدمار الذي تحدثه.  ويجدر القول هنا بأن هذا النوع من عمليات القصف العشوائية تنتهك أحكام القانون الإنساني الدولي، وذلك لكونها لا تتمتع بالقدرة على التمييز بين الأهداف العسكرية، والأجسام المدنية.  وقد أظهرت التحقيقات التي أجرتها منظمة العفو الدولية في مناطق إدلب وجبل الزاوية وشمال حماه لغايات إعداد هذا التقرير، أن هذه الهجمات هي السبب الرئيسي وراء الغالبية الساحقة من الخسائر التي لحقت بالمدنيين الذين سقطوا خلال المرحلة الحالية من النزاع، وتسببت بحدوث موجات نزوح قسري جماعية.  وتتضمن تشكيلة الذخائر غير المنفجرة وبقايا الأسلحة التي عثرت منظمة العفو الدولية عليها في المواقع التي تعرضت للقصف، والتي قامت منظمة العفو الدولية بزيارتها، الأنواع التالية: قنابل من صنع الحقبة السوفيتية من طراز OFAB 100-120 المتشظية المحمولة جواً، وغيرها من القنابل غير الموجهة والتي لم يتسن التيقن من نوعها والتي كانت تمتلئ بقطع من القضبان المعدنية من أجل تعظيم الضرر والأذى الذي تحدثه، كما عثرت المنظمة في تلك المواقع على قذائف مدفعية من عيار 122 ملم، وقذائف هاون من عيار 120 ملم (وأخرى من عيار 82 ملم في إحدى الحالات)، وصواريخ إس 5. 

وقد أُفرغت بعض البلدات والقرى من سكانها تقريباً، حيث يمكث العديد منهم في مخيمات مؤقتة أقاموها على عجل في مناطق الريف المحيطة ببلداتهم وقراهم، أو أنهم آثروا الاختباء في الكهوف المجاورة.  فيما اضطر آخرون إلى مزاحمة أقاربهم المقيمين في مناطق كانوا يأملون أنها أكثر أماناً، فيما فضل البعض الآخر اللجوء إلى تركيا – أو بالأحرى هم عالقون الآن على الحدود التركية بانتظار مغادرة بلدهم فراراً من القصف.

ومع انصراف اهتمام معظم وسائل الإعلام العالمية إلى التركيز على القتال الدائر في حلب والعاصمة دمشق، أضحت الأنباء التي ترشح إلى العالم الخارجي شحيحة كي تفي فظائع الحياة اليومية التي يعيشها سكان مناطق إدلب وجبل الزاوية وشمال حماه حقها من الوصف.

وقامت منظمة العفو الدولية بزيارة 26 بلدة وقرية خلال الفترة الواقعة بين 31 أغسطس,/ آب الماضي، و11 سبتمبر/ أيلول الجاري، وقام أفراد البعثة بإجراء تحقيقات ميدانية على أرض الواقع في الهجمات العشوائية التي تسببت بمقتل 166 مدنياً (بينهم 48 طفلاً، و20 امرأة)، وجرح مئات آخرين.  ولقد استمر خلال الأيام القليلة الماضية ورود معلومات من سكان بعض القرى تحدثوا خلالها إلى المنظمة عن القصف المستمر الذي تتعرض له جواً وبالمدفعية، الأمر الذي أوقع المزيد من الإصابات بين المدنيين.

وغني عن القول أن تواجد المقاتلين والأهداف العسكرية التابعة لجميع الأطراف في المناطق السكنية قد فاقم من مخاطر إلحاق الأذى بالمدنيين، وباستثناء حادثة واحدة فقط (راجع تفاصيلها أدناه)، فلم تقع مواجهات مسلحة أو أنشطة من هذا القبيل من طرف مقاتلي المعارضة طيلة فترة وقوع الهجمات التي يعكف التقرير الحالي على توثيقها؛  كما أن المواقع التي ضُربت أثناء تلك الهجمات لم تكن تحتوي على أي أهداف عسكرية وقت وقوع الهجمات التي كانت عشوائية الطابع، وذلك بالحكم على طبيعة الذخائر المستعملة والطريقة التي استُعملت بها في حينه.  إن الطريقة العبثية التي طغت على طابع تلك الضربات كونها لم تكن تستهدف المقاتلين أو الأهداف العسكرية، لتوحي بأن الهدف من وراء العمليات ربما يكون معاقبة سكان البلدات والقرى التي أصبحت خاضعة الآن لسيطرة الأمر الواقع لقوات المعارضة على دعمهم المزعوم للمعارضة.  وفي حال اتضح أن ذلك بالفعل هو الهدف من عمليات القصف تلك، فسوف ترقى حينها إلى مصاف شن هجمات واعتداءات مباشرة على المدنيين و/ أو الأجسام المدنية.

ولقد كانت بعثة منظمة العفو الدولية شاهد عيان على عمليات القصف الجوي والمدفعي العشوائية اليومية على البلدات والقرى في مختلف أنحاء المنطقة، حيث تسببت بعض تلك الهجمات بقتل المدنيين أو إصابتهم بجروح.

ففي عصر يوم الأول من سبتمبر/ أيلول الجاري، سقطت إحدى قذائف الهاون في منطقة سكنية وسط خان صفرة بجبل الزاوية، فقتلت أحد شباب القربة المجاورة، ويُدعى خالد يماني، والذي جاء لزيارة خطيبته. كما اُصيب والده بجروح أيضاً؛ ويروي أحد سكان الحي ما حصل قائلاً: "ما إن ترجّل خالد وأباه من السيارة وأغلق الأول باب السيارة، حتى سقطت إحدى قذائف الهاون بجانبه تماماً.  فلقي خالد مصرعه على الفور بعد أن نُسف إلى أشلاء. وأما والده فكان قد عبر الشارع وأُصيب بجروح بيد أنها لم تكن خطيرة نظراً للتطاير الشظايا في الاتجاه المعاكس".  وطالت الشظايا المعدنية الصغيرة المنازل المحيطة، واخترقت إحداها منزلاً أخبر أصحابه منظمة العفو الدولية أنهم نجوا من التعرض لإصابات كونهم قد كانوا مختبئين في الجزء الأكثر تحصيناً من المنزل المذكور، أي تحت السلالم في طابق التسوية.  

وبعد مضي أربعة أيام، سقطت قذيفتان أخريتان في حديقتي منزلين وسط القرية.  وقد عملت التربة الناعمة التي تغطي أرضية الحديقة على امتصاص أثر الانفجار، بيد أن شظايا القذيفة قد تسببت بقطع الأشجار المحيطة، وأحدثت ثقوباً كبيرة في جدران المنازل المجاورة.  وكان أفراد العائلة القاطنين في أحد المنزلين يجلسون في في الحديقة الأمامية لحظة سقوط القذيفة في الفناء الخلفي.  ويروي صاحب المنزل لمنظمة العفو الدولية ما جرى قائلاً: "كنا نستقبل أقاربنا الذين فروا من القصف الذي تتعرض القرية المجاورة له لحظة سقوط القذيفة، ولو أنه قُدِّر لها السقوط على هذه الجهة من المنزل لقُتلنا جميعاً على الفور.  فلم يعد أي مكان آمن بعد اليوم.  ولكن أين عسانا نذهب؟".  

وأما إحدى النسوة من سكان المنزل الآخر فقد قالت لمنظمة العفو الدولية: "كنت واقفةً بجوار نافذة غرفة الجلوس، وطفلتي الصغيرة تحبو عند قدماي، وحينها سمعت دوي انفجار عالي الصوت بشكل لا يُصدق، وتطاير زجاج النافذة ووقع كله علينا.  فاعتقدت حينها أننا كنا على وشك الموت".   

وحتى ما قبل أسابيع قليلة ماضية كانت معرة مصرين التي تبعد بضعة كيلومترات عن إدلب، ويقطنها 40 ألف نسمة، تستضيف العائلات التي فرت من عمليات توغل الجيش النظامي والاقتتال الدائر في بلدات محافظتي إدلب وحلب وقراهما.  وأما الآن، فقد أصبحت البلدة مهجورة إلى حد كبير، وتتعرض للقصف العشوائي بشكل يومي.  وقد قامت منظمة العفو الدولية بزيارة معرة مصرين ثلاث مرات في 8 و9 و10 أيلول/ سبتمبر الجاري، لتجد في كل مناسبة من تلك المناسبات أن ثمة قصف مدفعي عشوائي يستهدف من تبقى من المدنيين.

وفي 9 سبتمبر/ أيلول الجاري، سقطت أربعة قذائف مدفعية خلال نصف ساعة، لتقتل نبيلة حداد (37 عاماً) تاركةً وراءها أطفالها الأربعة؛ وقُتل أيضاً ابن عمها أحمد حداد (في أواخر الأربعينيات من العمر)، فيما جُرح ابنها البالغ 15 عاماً من العمر إضافة إلى اثنين من أقاربها حيث أُصيب ثلاثتهم بجروح خطرة.  ولحظة سقوط قذيفتين في الشارع، كانت نبيلة وأفراد أسرتها يقفون على الرصيف على بعد أقل من 200 متر من منزلهم، حيث سقطت إحدى القذيفتين بجانبهم مباشرة.

وفي الساعات المتأخرة من عصر اليوم السابق، وبينما كان وفد منظمة العفو الدولية  يحقق في إحدى الضربات الجوية التي أوقعت عدة قتلى بين المدنيين في وقت سابق، سقطت قذيفتان في الشارع الآخر، حيث أصابت إحداهما منزل مكون من طابقين، فيما سقطت ألأخرى وسط الشارع.  وكان عشرة من أفراد عائلة واحدة يقيمون في ذلك المنزل الذي دُمر ولقد تعرضوا إلى صدمة عنيفة جراء سقوط القذيفة على منزلهم، وشاهدناهم وقد غطّاهم غبار الاسمنت أبيض اللون المتناثر في المكان، بيد أنهم لم يُصابوا بأذى لحسن الحظ. فقد سارع البعض من أفراد العائلة إلى الخروج من المنزل، فيما اكتفى الآخرون بالاحتماء في إحدى الغرف، كونهم قد كانوا خائفين من التحرك وتغيير أماكنهم.  وقد روى أحدهم لمنظمة العفو الدولية تفاصيل ما جرى قائلاً: "كنا جميعاً جالسين نحتسي الشاي لحظة سقوط القذيفة على المنزل فانهار الطابق العلوي فوق رؤوسنا.  ولقد انتابت النساء والأطفال حالة من الرعب الشديد.  وأتساءل لماذا يقومون بقصف المدنيين، والأطفال؟  ومالذي عسانا نفعله؟  وأين عسانا نذهب؟"  

لقد كانوا يجلسون في إحدى غرف الطابق الأرضي المطلة على فناء صغير (أرض الديار) وسط المنزل.  وسقطت القذيفة على سقف الطابق العلوي، فوق المطبخ تحديداً، وإلى جوار الغرفة التي كان أفراد العائلة يجلسون فيها.  وقد انهار جزء من الطابق العلوي على المطبخ والغرفة المجاورة، ولكن السقف انهار لحسن الحظ بزاوية ميل فحمى العائلة بدلاً من أن يطبق عليها.  ولو كانوا جالسين على مسافة أقرب ببضعة أمتار فقط من المطبخ لربما كانوا قد قضوا سحقاً تحت الركام.  

القتلى والمصابين من الأطفال ضحايا عمليات القصف المدفعي/ الجوي العشوائية

تقوم الطائرات العمودية التابعة للجيش النظامي السوري بإلقاء منشورات على قرى جبل الزاوية تظهر فيها صور أطفال وهم يبكون ويقف على مسافة منهم في الخلف صور مسلحين مقنعين، وقد كُتب عليها النص التالي: "لا تسرقوا الابتسامة من شفاه أطفالنا".  فيما يظهر في مناشير أخرى صورة جندي من جنود الجيش النظامي وهو يصوب بندقيته من وراء ظهر طفل في عربة أطفال.  وتحاول المناشير هذه أن تمرر رسالة مفادها أن القوات المسلحة السورية تهتم لمسألة حماية الأطفال. 

بيد أن الواقع على الأرض يشي بصورة مختلفة تماماً.  فشن عمليات القصف المدفعي والجوي العشوائية دون هوادة هو ما يتسبب بمقتل معظم المدنيين بما في ذلك الكثير من الأطفال.

وفي قرية شيلخ بالقرب من إدلب؛ قُتل أربعة أطفال هم غفران حبوس (4 أعوام)، وشقيقها محمد (3 أعوام) وابني عمهما ليث (18 شهراً) وقصي (11 عاماً) جراء تعرض منزلهم للقصف بتاريخ 14 أغسطس/آب الماضي.  كما أُصيب شقيق قصي، ويُدعي أحمد (14 عاماً)، بكسر في وركه، فيما تعرض والد غفران وأحمد بكسور وجروح مختلفة.  ويروي والدهما لمنظمة العفو الدولية تفاصيل ما جرى قائلاً: "كان الأطفال متواجدين في الطابق السفلي – منهم من كان نائماً أو منهمكاً في اللعب – لحظة قيام إحدى الطائرات بإسقاط قنبلة على منزلنا فانهار الطابق الثاني فوق الأول حيث كان الأطفال متواجدين.  كانت الساعة قد شارفت على الثانية عشرة والنصف مساءً.  وكانت تلك هي المرة الأولى التي تُقصف فيها القرية جواً إيذاناً بوقوع المزيد، وهو ما حصل فعلاً منذ ذلك الحين.  واليوم (أي 9 سبتمبر/ أيلول) فقط تعرضت القرية للقصف المدفعي عند الثانية فجراً وحوالي الساعة الثانية ظهراً.  وكان القصف يأخذ شكل الضربة المزدوجة في كل مرة. وها أنا عاجز عن الحركة من سريري، وينتابني الكثير من الخوف على سلامة صغيرتي في كل مرة يقع فيها قصفاً آخر.  فلم يبق لي إلا هي على قيد الحياة، وها أنا لا أقدر أن آتي باي شيء لحمايتها".  ولقد قام الجيران الذين ساعدوا في إنقاذ أفراد الأسرة وانتشال جثثهم بعد الهجوم بإرشاد منظمة العفو الدولية إلى المكان الذي عثروا فيها على جثث الأطفال تحت الركام.  ولقد لجأ من بقي على قيد الحياة من أفراد  الأسرة إلى الاحتماء مع أقاربهم بعد تدمير بيت الأسرة بالكامل. 

وتسببت إحدى قذائف الهاون بمقتل طفلتين في الخامسة هما هاجر رجوان وإيناس صبوح، ومحمد علي (11 عاماً) شقيق هاجر، وابنة عمها، سعاد (10 أعوام)، وذلك عندما انفجرت أمام منزلهم بمعرة النعمان جنوبي إدلب مساء يوم 18 أغسطس/ آب الماضي.  فيما تسببت القذيفة في إلحاق إصابات بليغة بأربعة أطفال آخرين؛ حيث فقدت شقيقة سعاد رجوان، واسمها فاطمة، ساقها اليُمنى في الانفجار، فيما أُصيب عصام رحوم ابن الأعوام السبعة بجروح بليغة في منطقة البطن، الأمر الذي اقتضى استئصال الطحال والبنكرياس، وكذلك جُرح كل من صدام (18 شهراً) وعبد الكريم (11 عاماً) بجروح مختلفة جراء إصابتهم بشظايا القذيفة.  وأخبر أولياء أمور الأطفال منظمة العفو الدولية أن أطفالهم كانوا يلعبون في الشارع أمام المنزل لحظة سقوط القذيفة.  ويمكن رؤية الثقوب التي أحدثتها شظايا القذيفة في الجدران على جانبي الحارة الضيقة، فيما أبرز الأطفال الآخرين المقيمين في المنازل المجاورة لمنظمة العفو الدولية الشظايا التي قاموا بجمعها من الحارة عقب الهجوم الذي قتل أصدقائهم وأصابهم بجروح.  

وفي أحد الأحياء الواقعة غربي معرة النعمان، نالت أسرة أخرى حظها من القصف بعد أن تسببت قذيفة هاون في 12 يوليو/ تموز الماضي بمقتل حسن وريّان البجري (11 عاماً و8 أعوام)، ووالدتهما صالحة، ووالدهما نعسان إضافة إلى اثنين من الجيران.  وتعرض الشقيق الأكبر للطفلين، ويُدعى مصطفى (12 عاماً) لجروح خطيرة في منطقة البطن أتلفت أحشائه، وتسببت ببتر إصبعين من أصابع يده اليمنى.  ويقوم جده وجدته الطاعنين في السن برعايته الآن إلى جانب أشقاءه وشقيقاته الأربعة الذين بقوا على قيد الحياة. 

وتتقاسم قوات الحكومة والمعارضة المسلحة السيطرة على هذه البلدة.  وقد تعرضت الأجزاء الواقعة تحت سيطرة مسلحي المعارضة لقصف مدفعي منتظم خلال الأسابيع والأشهر الماضية، ولقد أشار سكان تلك المناطق إلى إحدى القواعد العسكرية الواقعة على أطراف البلدة على أنها مصدر تلك الهجمات التي تستهدفهم.  وفي ساعات عصر يوم 6 سبتمبر/ أيلول الجاري،

وأثناء تواجد مندوبي منظمة العفو الدولية في البلدة، سقطت ما لا يقل عن قذيفتين من قذائف الهاون أُطلقتا من المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات الحكومة باتجاه المناطق تحت سيطرة المعارضة، بيد أنهما لم تتسببا بوقوع خسائر كونهما وقعتا في منطقة خالية من العمران تتاخم تجمع للمباني.

وتسببت إحدى الضربات الجوية على قرية عين كاوي الصغيرة شمال حماه بمقتل ثلاثة أطفال وشابين، وجرح عشرات آخرين صبيحة 15 سبتمبر/ أيلول الجاري.  فلقد سقطت القنبلة في أحد البساتين المحاطة بالمنازل لتنثر شظاياها المميتة محلقة على بعد مئات الأمتار وفي الاتجاهات كافة. وفي تلك الأثناء كانت الطفلة مرام بسام قاضي، ذات الأعوام الخمسة، أمام بوابة مدخل منزلها حينما أصابتها إحدى شظايا القنبلة التي سقطت على بعد 200 متر منها.  وتعرضت مرام إلى جروح خطيرة في رأسها، وسرعان ما لفظت أنفاسها متأثرة بجراحها عقب فترة وجيزة من وصولها إلى أحد المستشفيات في القرية المجاورة. وأما الصبي أحمد حمدو (11 عاماً) فقد تُوفي فور وصوله للمستشفى.  كما قُتلت الفتاة ضحى سطوف (15 عاماً) كون القنبلة قد سقطت على بعد 150 متراً فقط من مكان وقوفها.  وأخبر والدها منظمة العفو الدولية بأن ابنته ضحى كانت قد نجحت للتو في الصف التاسع، وأنها كانت تنتظر بشغف الانتقال إلى المدرسة الثانوية. 

كما وكان العديد من الأطفال والنساء من بين الذين أُصيبوا بجروح جراء ذلك الهجوم، من قبيل مثنّى عبدو (3 أعوام) الذي تعرض لجرح غائر نازف في فخذه الأيمن، حيث اخترقت شظايا القنبلة فخذه وشقت طريقها لتخرج من الجانب الآخر.  وتعرض والده لإصابة خطيرة في الظهر، فيما تهتكت أجزاء من يد امرأة وإصبعين من أصابعها.  واقتضت الضرورة إخلاء الطفل مثنى وغيره من مصابي ذلك الهجوم إلى تركيا، نظراً لعدم توفر المستشفيات المحلية سوى على المرافق الأساسية، وليس بوسعها بالتالي تقديم العلاج اللازم للجرحى الذين تعرضوا لإصابات خطيرة. 

وتسببت ضربة جوية مزدوجة على أحد المنازل في قرية ترمالا جنوبي جبل الزاوية في وقت مبكر من عصر العشرين من أغسطس/ آب الماضي بمقتل ثلاث شقيقات هن هبة وثريا وغفران سليمان (7، و8، و9 أعوام على التوالي)، وخالتهن ردهة زوادي (28 عاماً)، وعمتهن حليمة عليوي (60 عاماً)، وخالهن طراد زوادي (35 عاماً)ن فيما أُصيب 15 فرداً آخر من أفراد العائلة – 13 طفلاً وامرأتان على وجه التحديد.

وفي حديثه مع منظمة العفو الدولية، روى أحد الجيران تفاصيل ما جرى قائلاً: "لقد كانت مذبحة، فقد قُتل أو جُرح كل من كان داخل المنزل.  ولم نستطع رؤية أي شيء في باديء الأمر نظراً لكثافة الغبار إثر الانفجار.  لكننا عثرنا عليهم جميعاً بعد ذلك ما بين قتيل وجريح.  كانوا جميعاً من النساء والأطفال.  وأتساءل كيف أمكن لهم قصف المنازل التي لا يُوجد بها سوى النساء والأطفال؟  وقد حدث ذلك ثاني أيام العيد، وكانوا جميعاً يجلسون لتناول الطعام عندما دُمر المنزل فوق رؤوسهم". 

وأخبر أحمد سليمان منظمة العفو الدولية بأن "الصاروخ قد أصاب السقف فوق مكان تجمعهم داخل المنزل.  لقد كانت مذبحة بالفعل. قُتلت ثلاث من بناتي فيما أُصيبت شقيقتهن الرابعة بإصابات خطرة، وأصيب الأطفال بإصابات مروعة.  ولقد أنتُشل طفليّ ردهة من بين الأنقاض، أحدهما كان رضيعاً لم يتجاوز عمره أربعة أشهر، والأخرى كانت طفلة تبلغ 18 شهراً من العمر.  لقد كان بقاءهما على قيد الحياة إحدى المعجزات؛ فقد قُتلت والدتهما وهي تحميهما بجسدها.  وقد أُصيبت عمتنا وردة بالشلل جراء الإصابة التي تعرضت لها في رأسها.  لماذا يقصفون المدنيين الأبرياء الجالسين في منازلهم؟  فقد كان الأطفال في منزل جدتهم.  وأما زوجتي فقد تُوفيت قبل سنتين تاركة وراءها بناتي الأربعة العزيزات على قلبي وولدي الوحيد؛ والآن ها أنا فقدت ثلاثة منهن.  لماذا؟  ليس من مسوغ لذلك.  وكل ما بقي لي الآن هي ابنة وحيدة وابن وحيد فقط.  وقد جُرحا لكنهما بقيا على قيد الحياة ولله الحمد.  وكان الله في عوننا".

وفي كِلّي الواقعة في محافظة إدلب، قضت أسرة كاملة نحبها لدى تعرض منزلها للقصف في 15 أغسطس/ آب الماضي.  فقد قُتل كل من مروى خطاب (3 أعوام) وشقيقها بلال (18 شهراً) ووالداهما يحي (25 عاماً) ووالدتهما رابعة (20 عاماً) وجدتهما فاطمة خطاب عندما دُمر منزلهم أثناء ضربة جوية عند حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف من مساء ذلك اليوم.  ولم ينجُ من بين أفراد الأسرة سوى محمد البالغ من العمر خمسة أعوام.  وقد كانت قوات الحكومة ومقاتلو المعارضة منهمكين في معارك بدأت في اليوم السابق لوقوع الهجوم على بعد بضعة كيلومترات من القرية، حيث قامت قوات الحكومة بشن عدة ضربات جوية عشوائية في المنطقة، بما في ذلك قرية كلي وغيرها من القرى والبلدات المجاورة.  

مقتل السكان وهم يبحثون عن مأوى أو يفرون من القصف

لا يوجد الكثير في جعبة السكان كي يقوموا به في سبيل حماية أنفسهم نظراً للطبيعة العشوائية لعمليات القصف التي يتعرضون لها.  فقد قُتل العديد من الضحايا في عين المكان الذي قصدوه طلبا للحماية والمأوى أو يُهرعون إليه للاحتماء من القصف، حيث كان يحدوهم الأمل بأنهم سوف يكونون سالمين هناك. 

ففي معرة هرمة جنوبي جبل الزاوية لقي 15 مدنياً مصرعهم وجُرح العشرات جراء ضربة جوية مزدوجة استهدفت وسط القرية عصر يوم 26 أغسطس/ آب الماضي.

وقُتلت دعاء الثلوج وصغيرها ابن العاميْن، مصطفى، أثناء محاولتهما الهرب نحو بر الأمان.  ويقص زوجها أحمد رحال على منظمة العفو الدولية ما جرى قائلاً: "عقب وقوع الضربة الأولى في الجوار، اصطحبت زوجتي طفلَنا وركضت إلى خارج المنزل لتحتمي في منزل شقيقي المجاور لوجود قبو تحت الأرض فيه.  وتمكنت بالفعل من عبور فناء المنزل وفتحت الباب الأمامي المطل على الشارع، وما أن داست قدمها الشارع حتى وقعت الضربة الثانية.  وقُتلت على الفور هي وابننا الذي كانت تمسك به.  وأتساءل كيف وصلنا إلى هذه الحال؟  حكومتنا تقتل شعبها، ونساءها وأطفالها، وتقصف المدنيين عشوائياً، ولا أحد يبذل أي جهد لوقف ذلك؟  يبدو أن العالم أجمع قد نسي أمرنا".

وأما جارتها لمياء النبو (25 عاماً) فقد قُتلت هي أيضاً جراء الضربة الجوية ذاتها، وذلك أثناء فرارها باتجاه منزل شقيقها على بُعد بضعة أمتار فقط، فيما أُصيبت شقيقتها وشقيقين آخرين لها.  وقال شقيقها وشقيقتها لمنظمة العفو الدولية بأنهم كانوا إلى جانب شقيقتهما لحظة إصابتها بإحدى الشظايا المتطايرة لتقتلها على الفور.

وأما الطالب في الصف العاشر أحمد سلطان (16 عاماً) فقد لقي حتفه هو الآخر أثناء محاولته العثور على مأوى للاحتماء من القصف.  وتصف والدته لمنظمة العفو الدولية ما جرى قائلةً: "سمعنا صوت الطائرة وهي تحلق فوقنا، فهُرعنا مهرولين باتجاه القبو.  ولقد وصلت أنا وأطفالي الصغار إلى القبو ولكن أحمد كان لا يزال على درجات السلم لحظة انفجار صاروخ وسط الطريق على بعد بضعة أمتار منا.  وصاحب ذلك دوي انفجار كبير، وتطاير الحطام في كل اتجاه وسط غبار كثيف، ولم أعد قادرة على روية أي شيء.  ولقد عثروا على أحمد وهو مضرج بدمائه، وقد بُترت ساقاه، وبُقرت بطنه".

وفقد خاله، ويُدعى عبد الله (35 عاماً)، إحدى ساقيه وأُصيب بكسور عدة، وهو تماماً مع حصل مع أحد الطلبة من الحي نفسه، واسمه أحمد رحال (16 عاماً).  وقال عبد الله، وهو أب لثلاثة أطفال، بأنه كان قد ترجل للتو عن ظهر دراجته النارية، وبدأ بالمشي باتجاه منزله لحظة حدوث الضربة.  فيما قال أحمد رحال بأنه كان يقف رفقة صديق له على ناصية الشارع يراقبون الطائرة، مضيفاً: "لم أتوقع أن تقوم الطائرة بإلقاء قنبلة.  فلم نكن نخشى من الطائرات لأنها لم تقم بقصف قريتنا قبل ذلك اليوم.  وأما الآن فينتابني الشعور بالخوف كلما سمعت دوي الانفجارات حتى وإن كانت بعيدة، ومع ذلك فأنا الآن لا أستطيع النهوض من سريري".

وكان مصعب إبراهيم الثلوج (31 عاماً وأب لطفلين) أحد الذين قُتلوا خلال الضربتين قد سبق له وأن فر من قرية التمانة المجاورة، وكان يقيم في معرة هرمة عند أقاربه. 

أسقطت إحدى الطائرات عدة قنابل غير موجهة على وسط قرية خان صفرة بجبل الزاوية صبيحة يوم 24 أغسطس/ آب الماضي، مخلفةً سبعة قتلى – أربعة منهم كانوا أطفالاً بالإضافة إلى ثلاث نساء.  وقد دُمر منزل محمد حمدو المكون من طابقين بشكل كامل، حاله كحال منازل الحي الأخرى الواقعة على طرفي الشارع.  وقال محمد حمدو لمنظمة العفو الدولية ما يلي: "كان أطفالي نائمين في الطابق العلوي لدى سماعنا صوت قصف الطائرة للمناطق المتاخمة للقرية، وهُرع حوالي 30 من الجيران باتجاه أحد الكهوف طلباً للسلامة في ذات الوقت الذي ناديت فيه على أطفالي كي ينزلوا إلى الأسفل والتوجه إلى الكهف.  وقد انفجرت القنبلة بينما أطفالي كانوا لا يزالون ينزلون درجات السلم، وقبيل وصولهم إلى الكهف.  وأما زوجتي مريم وطفلتاي منار (16 عاماً) وبراء (22 عاماً)، وابني أحمد (12 عاماً) وابنة أخي ميساء (18 عاماً)ن فقد قُتلوا جميعاً.  كما جرح آخرون كُثر بمن فيهم والدتي البالغة 75 عاماً من العمر، وثلاثة من بنات شقيقي، وأطفال أحد أبناء أخي وأقارب آخرون وجارنا ماجد.  ولقد أسقطت الطائرة القنبلة بعد أن تجمهر الجيران بالقرب من منزلي، حيث يبدو أن تجمعهم كان هو الهدف الذي أرادت الطائرة إصابته؛  ولحسن الحظ كان الجميع قد تمكن من دخول الكهف، ولو سقطت القنبلة قبل دقيقة واحدة لكانت المذبحة أكثر دمويةً". 

وعلى بعد بضعة شوارع من المكان، تسببت ضربة جوية أخرى بمقتل الطفلة هدى الحلاق (10 أعوام) وجرح أربعة فتيات أخريات، فيما قُتل عبد الرزاق الخليل (17 عاماً) في ضربة ثالثة استهدفت مواقع بالقرب من مكان وقوع الضربة الثانية.

وكانت ضربة جوية سابقة قد وقعت يوم 7 أغسطس/ آب قد تسببت بمقتل رضيعة لم تتجاوز عامها الأول من العمر، واسمها ميس الديك، أثناء احتماء أسرتها في منزل أقاربهم في خان صفرة عقب فرارها من قريتهم.  وتقص والدة الرضيعة على مسامع منظمة العفو الدولية ما جرى قائلةً: "توجهنا إلى خان صفرة لخشيتنا من قيام الجيش بقصف منطقتنا بشكل شامل.  فقد سبق وأن قال لنا مقاتلو الجيش الحر (مقاتلو المعارضة) بأنه يتعين علينا المغادرة كونهم كانوا بصدد الهجوم على إحدى نقاط التفتيش التابعة للجيش القريبة منا، وأنهم يخشون انتقام الجيش على الأرجح بقصف المنطقة مما سوف يعرضنا لعظيم الخطر.  وعليه فقد غادرنا لنجد الموت بانتظارنا عوضاً عن السلامة؛ فلقد قُصفت القرية التي لجأنا إليها، واُصيبت طفلتي الرضيعة برأسها جراء الشظايا المتطايرة من القنبلة.  وأحدثت الشظية فجوة كبيرة في عقب رأسها.  ولم تكن أية سيارات متواجدة فاضطُررنا إلى نقلها إلى المستشفى على متن دراجة نارية، ولكن ما أن كنا نتأهب للانطلاق عاودت الطائرة القصف واضطُررنا للاختباء مرة أخرى لتنزف طفلتي حتى الموت".  

وفي زردانة بالقرب من إدلب، قُتلت لينا عروف (28 عاماً وأم لطفل صغير) رفقة شقيقها حسن (13 عاماً) وزوجها محمود (30 عاماً) عقب فرارهم من منزلهم صبيحة الخامس من سبتمبر/ أيلول الجاري، فيما أُصيبت والدتها، وأحد أشقاءها الآخرين وابنة اختها ذات الأشهر الثلاثة.  وروى أحد الجيران الذين شهدوا الهجوم التفاصيل لمنظمة العفو الدولية على النحو الآتي: "سمعنا القصف، وهُرعنا للاحتماء.  وكانت لينا وأسرتها خلفنا بحوالي 50 متراً لحظة انفجار سقوط القذيفة".  وقال أحد الجيران الآخرين: "كانت جثة لينا مشوهة بشكل كبير بيد أنها كانت منحنية في محاولة منها لحماية ابنها الصغير الذي نجا كون والدته قد شكلت بجسدها درعاً واقياً له.  لكن المسكين قد فقد أبويه الآن".

وبعد يومين، قامت إحدى الطائرات العمودية باستهداف مدرسة مجاورة تؤوي عائلات نازحة من القرى الأخرى بوابل من الرصاص ذي العيار الكبير.  فما كان من النازحين إلا أن فروا جميعاً من المدرسة.  وتالياً ما قالته إحدى الفتيات لمنظمة العفو الدولية بعد أن فرت من بلدة تفتناز المجاورة (والتي تتعرض هذه الأيام لقصف يومي جعل جميع أهلها تقريباً ينزحون عنها): "اضطُررنا إلى الفرار من منزلنا، ولا يمكننا العودة إليه.  غير أننا قد تعرضنا للهجوم هنا أيضاً، فغادرنا المدرسة عندما فر الجميع منها عقب وقوع الهجوم.  ولكن ليس من مكان آخر بوسعنا التوجه إليه، فما كان منا إلا أن عدنا أدراجنا إلى هنا.  ونأمل إن شاء الله ألا يقوموا بقصفنا مرة أخرى، وأن نظل سالمين".

و مع انعدام الأمان في جميع الأماكن تقريباً، يُضطر القرويون إلى الاحتماء بالكهوف القديمة الموجودة في المنطقة منذ أيام الإمبراطوية الرومانية علّها تحميهم من القصف الجوي والمدفعي.  وتتواجد هذه الكهوف عادة في أماكن تقع على تخوم القرى، ولكن الوصول إليها ليس بالأمر السهل في حال اضطُر الناس إلى الفرار حينما يصبح القصف وشيكاً.  ولقد عثرت منظمة العفو الدولية لدى زيارتها بعض من تلك القرى على سكان يمضون معظم الوقت في الكهوف التي أصبحت تغص بمن لاذوا بها، نظراً لقلة عددها وطبيعتها غير المريحة خاصة مع عدم توفر الكهرباء فيها (وتلك هي الحال التي قد تطول إلى بضعة ساعات أثناء النهار وعلى مدار عدة أيام في بعض الأحيان).  ولقد لجأت بعض العائلات إلى حفر ملاجيء أُقيمت على عجل بالقرب من منازلها، وهو أمر ينطوي على الكثير من الجهد والتحدي كونه يتطلب توافر الوقت والموارد أو المستلزمات الكافية، بيد أنها تظل مع ذلك بالنسبة للمدنيين المرعوبين الخيار الوحيد المتاح لتوفير الحماية لعائلاتهم من القصف الجوي والمدفعي المستمر بلا هوادة.

الهجوم على التجمعات واستهدافها

قُتل 35 مدنياً وجُرح العشرات جراء ضربتين جويتين استهدفتا قرية كفر انبل يومي 22، و28 أغسطس/ آب الماضي.  وقُتل 22 لدى قصف ساحة السوق يوم 28 أغسطس/ آب أيضاً.  وكان بعض الضحايا يتسوقون بعض الحاجيات من قبيل فتحية فارس علي الشيخ (56 عاماً) وأمٌّ لتسعة أبناء، وفؤاد حسن الحمد (63 عاماً) ووالد ستة أبناء، فيما كان الآخرون إما في منازلهم القريبة أو محالهم المحيطة بساحة السوق.  وقُتل المراهقان محمد وجمعة السويد ووالدهما عبد الكريم أثناء عملهم في دكانهم إضافة إلى محمد موسى (34 عاماً) الذي تصادف وجوده داخل المحل.  وقُتلت الأرملة آمنة خيرو السويد (66 عاماً) في منزلها الكائن فوق دكان موسى مباشرة. 

وأصبحت ساحة السوق شبه مدمرة بالكامل بعد أن كانت قد اشتهرت بوصفها مكان لتظاهرات أسبوعية مناهضة للحكومة رافعة شعارات ولافتات مبتكرة وبلغات مختلفة.

وكان قصف مدفعي قد أوقع قبل ستة أسابيع 13 قتيلاً بين المدنيين بالقرب من مدرسة زكا الثانوية وأحد محال البقالة، بينهم زاهية العبي (31 عاماً).  ولقد أخبرني والدها ما يلي: "اعتادت زاهية على جمع العبوات البلاستيكية من القرية لتقوم ببيعها لتعيل كامل أفراد أسرتها المكونة من والدتها وشقيقتيها وشقيقها المعاق.  وأنا لا أستطيع العمل كوني كفيفاً.  لقد كانت زاهية تعتني بجميع الأفراد الأسرة، وقُتلت بالقرب من بقالة العجوز صالحة الشايب التي قُتلت هي الأخرى في القصف، ودُمرت دكانها بالكامل".

وشهد وفد منظمة العفو الدولية على المزيد من الهجمات العشوائية خلال الفترة الواقعة ما بين 31 أغسطس/ آب و7 سبتمبر/ أيلول،  حيث استهدفت القرية في ثلاث مناسبات مختلفة، بما في ذلك ضربة في 31 أغسطس/ آب أتت على بضعة مباني ودمرتها بالكامل، تضمنت إحدى العيادات وأحد المساجد الواقعة في شوارع القرية الرئيسية.  ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات كون سكان المنطقة والمارة قد فروا من عين المكان بمجرد أن سمعوا هدير الطائرة تحوم فوق رؤوسهم.

ويبدو أن الهجمات من قبيل تلك التي استهدفت سوق كفر انبل، وتكرار قصف المناطق القريبة من المستشفيات مباشرة عقب وصول أعداد كبيرة من الجرحى والإصابات إليها قد عززت من الشكوك التي تشي باحتمال استهداف تلك المناطق دون غيرها نظراً لوجود تجمعات كبيرة من الناس فيها أو بالقرب منها.  ولقد تمكنت منظمة العفو الدولية من توثيق استعمال تلك الهجمات لأسلحة من النوع الذي لا يتيح تصميمه القدرة على الاستهداف الدقيق، بل إنه يصلح لاستهداف المناطق الواسعة بشكل عام.  وإذا كان الأمر كذلك، فسوف تُعتبر تلك الهجمات بأنها هجمات تستهدف المدنيين مباشرة، وهو ما يشكل انتهاكاً خطيراً لأحكام القانون الإنساني الدولي، وترقى إلى مصاف ارتكاب جريمة حرب.

إن وقوع الهجوم الصاروخي الذي تسبب بمقتل صبييْن صبيحة يوم 15 أغسطس/ آب في قرية رم حمدان بالقرب من إدلب يوحي أنه بمقدور قوات الحكومة استخدام أسلحة أكثر دقة عندما تنوي استهداف مقاتلي المعارضة دون غيرهم.  ويثير هذا الأمر المزيد من الشكوك حول السبب الذي يدفع القوات الحكومية إلى اللجوء إلى الهجمات العشوائية على المناطق السكنية باستخدام أسلحة (من قبيل قنابل ، وقذائف مدفعية وهاون غير موجهة) بوصفها لا تصلح لأصابة أهداف بدقة، وتشتهر بتسببها بوقوع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين دون غيرهم.    وقُتل مصطفى ديب (15 عاماً)، وحسام صليبي (17 عاماً) بقذيفة صاروخية أطلقتها إحدى الطائرات العمودية التابعة للقوات المسلحة السورية صبيحة الخامس عشر من أغسطس/آب الماضي.  فقد تزامن ذلك مع قيام مقاتلي المعارضة بإطلاق نيران أسلحتهم المضادة للطائرات المتمركزة على أطراف القرية حيث كان الصبيان يراقبان من على سطح أحد المنازل الذي يبعد حوالي80 إلى 100 متر فقط، مما يعني أنه ثمة احتمال كبير باستهدافهما عن طريق الخطأ على أنهما من مقاتلي المعارضة.  واتضح من معاينة بقايا الصاروخ أنه روسي الصنع من طراز إس 5.  وعلى الرغم من عدم تميزها بدقة الإصابة، فيُعرف عن تلك القذائف الصاروخية إمكانية توجيهها لاستهداف مبنى بعينه (أي على النقيض من قذائف المدفعية والهاون).  وعليه فيظهر بأنه عندما ترغب قوات الحكومة باستهداف مقاتلي المعارضة الذين يشكلون خطراً عليها (وهو ما ظهر من هذه الحادثة على الأقل) فبوسعها استخدام أسلحة أكثر دقة بدلاً من اللجوء إلى الهجمات أو الضربات العشوائية التي توجه نحو المناطق السكنية، والتي تتسبب في الغالبية العظمى من الحالات بمقتل المدنيين وجرحهم، ولو أنهم لا يشاركون في العمليات العدائية أو الاقتتال.  

ولقد سبق لمنظمة العفو الدولية وأن قامت بتوثيق وقوع هجمات باستخدام صواريخ من طراز إس 5 على مستشفى دار الشفاء بحلب يومي 12 و14 أغسطس/ آب الماضي.  ويوحي الهجومان اللذان تعرض لهما المستشفى في غضون ثلاثة أيام فقط بأنه قد جرى استهداف المبنى عن عمد وسابق إصرار.  ويحظر القانون الإنساني الدولي صراحةً استهداف المستشفيات أو المرافق والمنشآت الطبية. 


انعدام الاكتراث بالقانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب)

إن تواجد المحاربين المسلحين وشن العمليات القتالية والاعتداءات في المناطق السكنية والحضرية يخلق مخاطر جوهرية كبيرة للمدنيين من السكان، بما في ذلك إمكانية اضطرار المدنيين إلى النزوح خشية الوقوع في مرمى النيران المتبادلة بين الجانبين.  وتنشط قوات الحكومة السورية وكذلك مقاتلو المعارضة في مناطق سكنية تقع داخل البلدات والقرى وما حولها، وقد استخدمها الجانبان كنقاط لانطلاق هجماتهما في محافظة إدلب وغيرها من مختلف مناطق البلاد، مما يفاقم من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون القاطنون في تلك المناطق.

بيد أنه وفيما يتعلق بجميع الحالات التي حققت منظمة العفو الدولية بها في معرض تقريرها الحالي (باستثناء الهجوم على قرية رام حمدان الوارد ذكره أعلاه) لم تكن أي أهداف عسكرية موجودة في المواقع التي استهدفتها الضربات، ولم يُقتل أي من مقاتلي المعارضة أو يُصابوا خلال تلك الهجمات (وذلك على الرغم من أنه من الوارد أن بعضاً ممن قُتلوا أو جُرحوا وهم في منازلهم مع عائلاتهم أو في السوق هم من بين صفوف مقاتلي المعارضة، غير أنهم لم يكونوا ضالعين في أية أعمال عدائية وقت وقوع الهجوم).  فلم تشهد تلك المناطق وقوع أية مواجهات مسلحة.  ويعود ذلك إلى تمركز القوات المسلحة السورية في تلك القرى والبلدات تقع بعيداً عن متناول مقاتلي المعارضة واستهدافهم لها.  بل إن القوات المسلحة السورية وعقب انسحابها من تلك المناطق قد لجأت الآن إلى شن هجمات جوية ومدفعية عشوائية من على مسافة بعيدة مما يؤدي إلى نتائج كارثية بحق السكان المدنيين.

وحيثما تقع مواجهات مسلحة في المناطق المأهولة بالسكان، فيتعين على الأطراف المتحاربة اتخاذ كافة التدابير الاحتياطية المعقولة من أجل تقليص حجم الأذى الذي قد يلحق بالمدنيين.  كما يتعين على الطرفين الأخذ باحتياطات توفر الحماية للمدنيين والأجسام المدنية الخاضعة لسيطرتهما من تبعات الهجمات التي يشنها الخصم، وخصوصاً الحرص – وبأقصى الحدود الممكنة – على تفادي وضع أهداف عسكرية داخل المناطق التي تشهد كثافة سكانية أو بالقرب منها.  كما يحظر القانون الإنساني الدولي صراحة اللجوء إلى تكتيكات أو تحركات من قبيل استخدام المدنيين "كدروع بشرية" بغية الحيلولة دون وقوع هجمات على أهداف عسكرية.  بيد أن تقاعس أحد طرفي النزاع عن الفصل ما بين مقاتليه والمدنيين والأجسام المدنية لا يعفي خصمه من المسؤولية المترتبة عليه بموجب القانون الإنساني الدولي، والتي تقتضي توجيه هجماته حصراً ضد المحاربين والأهداف العسكرية، واتخاذ التدابير الاحتياطية كافة أثناء الهجوم من أجل تجنيب المدنيين والأغراض المدنية الأذى.

وحري بالقول هنا أن أحد القواعد الأساسية التي ينص القانون الإنساني الدولي عليها تقتضي حرص أطراف النزاع كافة في جميع الأوقات على التمييز ما بين المدنيين (والأجسام المدنية) والمحاربين (والأهداف العسكرية)؛ وتنسحب هذه القاعدة في هذا المقام على قوات الحومة السورية ومقاتلي المعارضة (أي عناصر الجيش السوري الحر وجماعات المعارضة المسلحة وبغض النظر عما إذا كانوا يخضعون لإمرة الجيش الحر أم لا).  حيث ينبغي توجيه الهجمات كي تستهدف المحاربين والأهداف العسكرية فقط.  وفي حال توافر الشك في تصنيف الأشخاص والأجسام، فيقتضي الأمر حينها افتراض الصفة المدنية لأولئك الأشخاص وتلك الأجسام.

ويُحظر اللجوء إلى الهجمات الموجهة عمداً ضد المدنيين غير الضالعين في الأعمال العدائية، حيث يُعد ذلك بمثابة جريمة حرب؛ وهو توصيفٌ ينسحب أيضاً على الهجمات العشوائية (أي التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية)، والهجمات غير المتناسبة (أي التي يُتوقع منها أن توقع أضراراً عرضية وتلحق الأذى بالمدنيين بشكل يكون مبالغاً فيه بالنسبة والتناسب مع ما كان يمكن تحقيقه من مكاسب وأسبقية عسكرية ملموسة).  وتنطبق تلك القواعد كافة على جميع أطراف النزاع المسلح (سواء أكانوا من قوات الحكومة أم من الجماعات المسلحة غير المنضوية تحت لواء الدولة)، وذلك في جميع ألأوقات ودونما استثناء. 

ويتعين على الأطراف لدى اشتباكها في القتال بالقرب من المدنيين أن تقوم بانتقاء الوسائل والأساليب المناسبة للهجوم.  ويستبعد هذا الشرط إمكانية استخدام أنواعاً معينة من الأسلحة والتحركات أو الخطط.  ويُحظر استخدام الوسائل والأساليب القتالية التي لا يمكن توجيهها بدقة لإصابة هدف عسكري محدد، والتي من شأنها أن تتحول إلى هجمات عشوائية.  وعليه فقد وقعت خسائر فادحة في الأرواح بين صفوف المدنيين جراء لجوء قوات الحكومة السورية إلى استخدام أسلحة تصلح لساحة المعركة وتتمتع بالقدرة على إحداث آثر يتصف باتساع قطر دائرته، وذات هامش واسع للخطأ في التصويب، أو التي لا يمكن توجيهها لإصابة أهداف بعينها من قبيل قذائف المدفعية والهاون والقنابل والصواريخ غير الموجهة ذات السقوط الحر في مناطق آهلة بالسكان.  وإن الهجمات من قبيل تلك التي يحرص التقرير الحالي على توثيقها، أي الهجمات التي لا تزال قوات الحكومة تشنها مع علمها الكامل بأنها قد أوقعت وسوف توقع خسائر فادحة بين المدنيين (وكذلك تلحق أضراراً فادحة بالأجسام المدنية)، تشكّل انتهاكاً صارخاً للحظر المفروض على اللجوء إلى الهجمات العشوائية، وتُعد بمثابة جريمة حرب.  وفي بعض الحالات، فيظهر أن القصف المدفعي والجوي الذي تقوم الحكومة به ضد القرى والبلدات قد شكلت بالفعل هجمات تستهدف المدنيين مباشرة، وذلك لكونها قد استهدفت المناطق السكنية التي لم تكن تشهد تواجداً لمقاتلي المعارضة أو أهدافاً عسكرية فيها (والتي يظهر أنها كانت في بعض الحالات بمثابة عقاب للسكان على مساندتهم الفعلية أو المزعومة للمعارضة).  وغني عن القول بأن استهداف المدنيين في هجمات مباشرة يشكّل جريمة حرب. 

ومن جانبهم، فقد قام مقاتلو المعارضة باستخدام أسلحة غير دقيقة، وإن كان معظم تسليحهم يتألف من أسلحة خفيفة وقصيرة المدى، حيث استخدموا في بعض الأحيان قذائف الهاون، أو حتى أسلحة عشوائية التصويب من حيث تصميمها الأصلي من قبيل الصواريخ المصنعة محلياً، وذلك ضمن المناطق الآهلة بالسكان، وهو ما يشكل انتهاكاً لحظر القيام بهجمات عشوائية. 

ولقد ناشدت منظمة العفو الدولية السلطات السورية مراراً وتكراراً كي تضع حداً للهجمات العشوائية التي تتسبب بقتل المدنيين أو إصابتهم.  كما ودأبت المنظمة على حث مجلس الأمن كي يقوم بإحالة ملف الأوضاع في سوريا إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية بغية ضمان مقاضاة مرتكبي جرائم الحرب وغيرها من الجرائم المنصوص عليها في أحكام القانون الدولي، وإنصاف الضحايا وعائلاتهم وحصولهم على التعويض الذي يستحقون.

إن حقيقة قيام أحد أطراف النزاع بالانتهاك الممنهج والمنتظم لقواعد القانون الإنساني الدولي لا ينبغي أن تشكل عذراً يبيح للأطراف الأخرى ارتكاب انتهاكات مماثلة.  وتؤكد منظمة العفو الدولية في هذا المقام على التحذير الذي وجهته إلى جماعات المعارضة السورية المسلحة وقياداتها التي تسعى إلى شراء أو تصنيع أسلحة طويلة المدى، ومذكرةً إياها بأن الحظر المفروض على شن الهجمات العشوائية ينطبق أيضاً على تلك الجماعات.  إن استخدام قذائف المدفعية والهاون والصواريخ غير الموجهة في ضرب المناطق السكنية ينتهك الحظر المفروض، وقد يرقى إلى مصاف ارتكاب جريمة حرب سوف يحاسبون عليها.

أخبر سكان كفر عويد منظمة العفو الدولية أنه وفي ساعات ما بعد ظهيرة يوم 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، تعرضت قريتهم إلى عدة غارات جوية أوقعت ثمانية قتلى بين المدنيين، منهم خمسة أطفال وتسببت بجرح بضعة أشخاص آخرين.  وفي ذات اليوم، أخبر سكان قرية خان صفرة القريبة منظمة العفو الدولية أن قريتهم والمناطق المحيطة بها قد تعرضت لتسع غارات دون أو توقع إصابات في صفوفهم، وذلك لأن سكان القرية قد تمكنوا من الاحتماء من القصف في الكهوف وغيرها من الأماكن التي لاذوا بها، أو أنهم قد فروا تاركين القرية عندما سمعوا هدير الطائرة تحوم في الجو فوق رؤوسهم في الصباح. 

ينشط العشرات من جماعات المعارضة المسلحة المؤلفة من المنشقين عن الجيش النظامي والمتطوعين في المناطق التي يغطيها التقرير الحالي.  ويعمل معظمهم تحت لواء الجيش السوري الحر، ولكنهم يعملون في واقع الحال دون أن يكون للجيش الحر الكثير من السيطرة عليهم وبشكل مستقل عنه، وحتى عن بعضهم البعض أحياناً.  فيما لا تجمع آخرين أية روابط بالجيش الحر البتة.

عيد الفطر

قُتل العديد من سكان المنطقة واحترقت العديد من المنازل في ضيعة التمانة شمال حماه بتاريخ 13 مايو/ أيار 2012 جراء هجوم ذكر السكان لمنظمة العفو الدولية أنه هجوم شنته الميليشيات المسلحة التابعة للدولة.  وأما الناجون من أهالي القرية فقد أصبحوا نازحين منذ ذلك الحين.

راجع تقرير منظمة العفو الدولية الصادر بتاريخ 23 أغسطس/ آب 2012 بعنوان "المدنيون يدفعون ثمن احتدام المعركة على حلب" (رقم الوثيقة MDE 24/073/2012)، والمتوفر عبر الرابط الإلكتروني التالي: http://www.amnesty.org./en/library/info/MDE24/073/2012/en

راجع تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 23 أغسطس/آب 2012 بعنوان "سوريا: المدنيون يدفعون ثمن احتدام المعركة على حلب" والمتوفر عبر الرابط الإلكتروني التالي: http://www.amnesty.org/en/news/syria-civilians-bear-brunt-battle-aleppo-rages-2012-08-23 ، وبيان الإحاطة الإعلامي الذي يحمل ذات العنوان، والصادر في نفس التاريخ ويحمل  رقم الوثيقة (MDE 24/073/2012) والمتوفر عبر الرابط الإلكتروني التالي: http://www.amnesty.org./en/library/info/MDE24/073/2012

Region Middle East And North Africa
Country Syria
For further information, contact International Press Office »

International Press Office

Phone : +44 (0) 20 7413 5566
9:30 - 17:00 GMT Monday-Friday
Phone : +44 (0) 777 847 2126
Line open 24 hours a day
Fax : +44 (0) 20 7413 5835
International Press Office
Peter Benenson House
1 Easton Street
London
WC1X 0DW
UK
Follow International Press Office on Twitter
@amnestypress