Rapport 2012
La situation des droits humains dans le monde

Document - MAURITANIE : Un avenir sans esclavage?

رقم الوثيقة: AFR 38/003/2002

7 نو فمبر 2002

موريتانيا:

هل من مستقبل بدون عبودية؟



1- مقدمة

بالرغم من إلغاء العبودية بشكلٍ قانوني في موريتانيا في عام 1981، فليس ثمة دلائل تشير إلى اتخاذ خطواتٍ عملية تكفل إلغاءها في الواقع الفعلي. فما زالت انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالعبودية مستمرةً في موريتانيا، وإن كانت الحكومة تنكر وجودها. والعبودية محظورة في موريتانيا بموجب قوانينها المحلية والتزاماتها بمقتضى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، إلا إن كل من يهرب من العبودية يجد نفسه بمنأى عن أية حماية قانونية. وهناك تمييز ملحوظ ضد كل من لم يعد عبداً وليس ثمة إرادة رسمية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لعلاج هذا الوضع واستئصال ذلك النظام الاجتماعي القائم على التقسيم التراتبي للبشر.

وليس بوسع أي تعريفٍ للعبودية أن يحيط بجميع صنوف الضرر الذي تسببه. وبالرغم من أنه لم تعد هناك حاجة لاستخدام العنف الشديد للحفاظ على ممارسة العبودية المتأصلة بعمقٍ في المجتمع الموريتاني، فإن العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية تُعتبر اعتداءً بغيضاً على الكرامة الإنسانية وعلى حرية الإنسان، إذ إنها تنفي فكرة حقوق الإنسان من أساسها. وتنص المادة 1 من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" على أنه "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق"، أي أنه لا يجوز أن يكون أي إنسان عبداً، سواء أكان رجلاً أم امرأةٍ أم طفلاً. وتمثل العبودية، بجميع صورها، انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان الأساسية، وهي محظورة في جميع الظروف. فالعبودية انتهاك فاضح للحق في السلامة البدنية والعقلية، وكثيراً ما تُعد انتهاكاً خطيراً للحق في عدم التعرض للتمييز. وفي كثيرٍ من الحالات، تُمثل الممارسات الشبيهة بالعبودية هي الأخرى انتهاكاً جسيماً لتلك الحقوق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرين ممن كانوا ضحايا للعبودية، فضلاً عن أبنائهم وأحفادهم، يقاسون من انتهاكاتٍ فادحة تمس حقهم في عدم التعرض للتمييز. وحكومات العالم قاطبةً ملزمة بتوفير حماية فعالة من جميع انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك العبودية والتمييز وما يرتبط بهما من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان. وترى منظمة العفو الدولية أن ضحايا العبودية، شأنهم شأن غيرهم من ضحايا الانتهاكات الأخرى الجسيمة لحقوق الإنسان، لهم الحق في الحصول على تعويض.

وقد درجت الحكومة الموريتانية بين الفينة والفينة على أن تنفي نفياً قاطعاً وجود العبودية أو ما يتصل بها من انتهاكات حقوق الإنسان. ففي سبتمبر/أيلول 2001، على سبيل المثال، صرَّح ممثل للحكومة الموريتانية أمام "اللجنة المعنية بحقوق الطفل" التابعة للأمم المتحدة قائلاً إن:

"المجتمع الموريتاني لم يعرف العبودية، أو الإقصاء أو التمييز مطلقاً، سواء في مرحلة ما قبل الاستعمار أو في المرحلة الاستعمارية أو منذ الاستقلال، ومن ثم فلا يمكن أن توجد أية آثارٍ لمثل هذه الممارسات."United Nations Committee on the Rights of the Child, Summary Record of the 724th Meeting,25 September 2001, CRC/C/SR.724.

وكثيراً ما تدعي الحكومة أنه منذ إلغاء العبودية بموجب القانون عام 1981، فإنه لم يبق منها سوى آثارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو قول يتناقض تماماً مع التأكيد السابق بصيغته الجازمة.

ومما يبين إحجام السلطات عن اتخاذ أي إجراء عندما تُواجه بأدلةٍ على وجود العبودية حالة مبارك ولد بلال ولد بريكات، وهو شاب يبلغ من العمر نحو 17 عاماً وفرَّ مما يُزعم أنه عبودية في إبريل/نيسان 2001. فبمساعدة منظمة غير حكومية وغير مرخصٍ لها تُدعى منظمة "إنقاذ العبيد"، نجح الشاب في الاتصال بالحاكم الإقليمي لمنطقة كادي، حيث طلب توفير الحماية له والمساعدة في ضمان الإفراج عن اخوته الأصغر وأخته وأمه. وذكرت الأنباء أن الحاكم الإقليمي استدعى قائد قوات الدرك الإقليمية وطلب منه التحقيق في وضع الشاب. إلا إن الإجراء الوحيد الذي اتُخذ، حسبما أفادت الأنباء، هو استجواب الشاب وشخص آخر كان قد وفر له مأوى عن صلتهما بمنظمة "إنقاذ العبيد". أما أمه وأخته وأخوته فلا يزالون رهن العبودية.

وبينما لا تُتخذ أية خطوات رسمية لضمان استئصال العبودية من الواقع الفعلي، فإن من يعملون لمكافحة العبودية وآثارها يتعرضون لرفض الاعتراف بهم رسمياً كما يواجهون الاعتقال والسجن. ففي عام 1998، حُكم على خمسة من دعاة حقوق الإنسان بالسجن 13 شهراً، لاتهامهم بإدارة منظماتٍ لحقوق الإنسان غير مرخصٍ لها كانت تناضل ضد العبودية. وجاء اعتقال هؤلاء الأشخاص عقب إذاعة برنامج تليفزيوني عن العبودية بثته قناة ناطقة بالفرنسية وتضمن مقابلةً مع بوبكار مسعود، رئيس منظمة "إنقاذ العبيد".

وفي عام 1997، صرَّح الرئيس معاوية ولد طايع أن أولئك الذين يثيرون مسألة العبودية لا يهدفون إلا إلى الإساءة لسمعة البلاد، كما أنهم جزء من جما�593?ةٍ كانت ضالعةً من قبل في محاولة انقلاب.Mauritanie Nouvelles, 12-19 January 1997.وتشير هذه التصريحات إلى أن أعلى مستويات السلطة تتبنى موقفاً يتمثل في إنكار وجود العبودية. وهذا الإنكار يخفي الواقع الحقيقي، كما أنه يؤدي إلى توفير الحماية للمستفيدين من العبودية وإنزال العقاب بمن يجاهرون بالحديث عن تلك الممارسات وما ينجم عنها من انتهاكات حقوق الإنسان.

لقد مضى زمن طويل دون اتخاذ إجراءٍ لمواجهة الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان والقائمة على العبودية في موريتانيا، وقد حان الوقت لكي تتصدى الحكومة للمشكلة بشكلٍ جدي، بدلاً من إنكار أهميتها وتعليق الآمال على أن بوسع الاهتمام بالتعليم ومحو الأمية والإصلاح الزراعي أن يقضي على آثار العبودية ويعالج تبعاتها. ففي وثيقة "استراتيجية الحد من الفقر" التي قدمتها الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2000، ووافق عليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لم يأت أي ذكر للعبودية وأثرها على التنمية الاقتصادية في موريتانيا. وحتى يتسنى التغلب على العبودية والتمييز الاجتماعي، فإن ثمة حاجة للإقرار صراحةً بوجودهما، ومناقشة جميع جوانبهما بشكلٍ حرٍ وبنَّاء.

وبدون تبني منهجٍ شاملٍ، فسوف يستمر الاستغلال والتمييز وافتقاد الكرامة في موريتانيا. وتسلِّم منظمة العفو الدولية بأن الحكومة تواجه قضايا الفقر الملحَّة، إلا إنه ينبغي عدم تجاهل الخطوات المحددة للتصدي للقضايا الأوسع. فمن الواجب أن يخضع للمحاسبة القانونية كل من يمارس العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية، على اعتبار أنه ينتهك حقوق الآخرين. كما أن الدولة ملزمة بتوفير حماية ناجعةٍ من جميع انتهاكات حقوق الإنسان. وعدم اتخاذ إجراءاتٍ كافية من جانب الدولة لاستئصال هذه الانتهاكات هو دليل على مسؤولية الدولة عن هذه الانتهاكات.

والدولة مسؤولة عن أن تقدم إلى ساحة العدالة كل من يرتكب، أو سبق أن ارتكب، انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان في سياق العبودية، ومن هؤلاء على سبيل المثال من يمارسون العبودية ويستمرون في فرض قيودٍ على من سبق أن استعبدوهم. ولا تقف مسؤولية الحكومة عند حدود احترام حقوق الإنسان، بل يتعين عليها أيضاً أن تضمن احترام هذه الحقوق، بما في ذلك محاسبة أية أطرافٍ أخرى تنتهك حقوق المواطنين. ويجب أن يتم ذلك وفقاً للمعايير الدولية للعدالة ودون اللجوء إلى فرض عقوبة الإعدام.

ويهدف هذا التقرير إلى استجلاء ما ينجم عن العبودية من بواعث القلق بشأن حقوق الإنسان في موريتانيا، بما في ذلك مسألة التمييز على أساس الوضع الاجتماعي، وهي وثيقة الصلة بالعبودية. فما زال أولئك الذين تحرروا من العبودية في موريتانيا يعانون من التمييز أمام القانون وفي مواقع العمل وفي حياتهم الاجتماعية، وذلك نتيجةً لأنهم كانوا من قبل مستعبدين. ويوثِّق هذا التقرير حالات أشخاصٍ فروا مؤخراً من العبودية ويبين عدم اتخاذ إجراءاتٍ كافية من جانب المسؤولين على جميع المستويات لمواجهة محنة هؤلاء. كما يصف التقرير الإجراءات التي كان يجب على الحكومة اتخاذها جنباً إلى جنبٍ مع قرار إلغاء العبودية عام 1981، والتي لا تزال ضرورية لاستئصال العبودية والتصدي للتمييز الذي يتعرض له من كانوا من قبل مستعبدين فضلاً عن أبنائهم وأحفادهم.

ومن شأن تنفيذ التوصيات الواردة في هذا التقرير بشكلٍ كاملٍ أن يساعد في القضاء على التمييز أمام القانون، وأن يفيد أولئك الذين يعيشون حالياً أسرى العبودية في موريتانيا وأولئك الذين يشعرون أنهم مستعبدون أو ضحايا للتمييز بسبب الوضع الاجتماعي الذي ورثوه.

وما زالت الحكومة ترفض حتى الآن الدخول في حوار مع منظمة العفو الدولية، كما رفضت السماح لمندوبي المنظمة بدخول البلاد. ولهذا، فإن هذا التقرير يستند في معظمه إلى معلومات جمعها أشخاص آخرون ومنظمات أخرى داخل موريتانيا وخارجها. وتعبر منظمة العفو الدولية عن الامتنان العميق لكل من قدم لها العون في هذا الصدد، ولا سيما الموجودين داخل موريتانيا والذين يواجهون المخاطر بسبب حديثهم وشهادتهم على ما يحدث في سياق العبودية. وتتحمل منظمة العفو الدولية وحدها مسؤولية التحليلات والنتائج الواردة في التقرير.

1-1 المصطلحات

تُستخدم مصطلحات "العبودية" و"الممارسات الشبيهة بالعبودية" في هذا التقرير كما عرفتها المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وانطلاقاً من الإيمان بأن جميع البشر يولدون متساوين في الحقوق والكرامة، ترى منظمة العفو الدولية أنه ليس ثمة إنسان يُولد "عبداً" حتى وإن كان النظام الاجتماعي يصم شخصاً أو عائلةً بهذا الوضع. ومع ذلك، فإن موقف منظمة العفو الدولية لا يعني بأية حالٍ من الأحوال تجاهل تعدد المصطلحات والهويات أو إنكار المضامين التاريخية والثقافية المرتبطة بتلك المصطلحات.

وفي كثيرٍ من الأحيان، يقتصر النقاش حول العبودية على السعي للتوصل إلى تعريف يوافق معظم الناس على أنه الأقرب للدقة. وتستخدم الحكومة الموريتانية هذا المصطلح في محاولةٍ، على ما يبدو، لإخفاء نظامٍ مدمر من التمييز والتفاوت. ففي يوليو/تموز 2000، قال ممثل للحكومة أمام "الفريق العامل المعني بالأشكال المعاصرة من العبودية" التابع للأمم المتحدة إنه "على الرغم من أن العبودية كانت موجودةً من قبل، فلم يكن لها على الإطلاق جانب عنصري".Report of the UN Working Group on Contemporary Forms of Slavery on its twenty-fifth session, E/CN.4/Sub.2/2000/23, 21 July 2000.

وتحدد المعايير الدولية لحقوق الإنسان عنصر التملك باعتباره عنصراً جوهرياً في تعريف العبودية، بينما تشير إلى الممارسات الأخرى المماثلة بعبارة "الممارسات الشبيهة بالعبودية". ويعتبر كثير من الموريتانيين أنفسهم "عبيداً"، لأنه على الرغم من أنهم ليسوا "مملوكين" لأحد فقد ورثوا وضعاً اجتماعياً وُصم به آباؤهم الذين كانوا مستعبدين ولا يزالون يشعرون بأنهم خاضعون لسيطرة آخرين. وقد عبَّر أحد النشطاء عن هذا الوضع فكتب يقول "من الصعب في واقع الأمر التفرقة بين وضع العبد ووضع العبد المحرر، فكلاهما يشعر بنفس الاغتراب".من رسالةٍ جامعية غير منشورة بعنوان:

Le Paradoxe de l’abolition de l’esclavage et l92enjeu politique de l question haratine en Mauritanie, El-Arby ould Saleck, Paris, October 1999.

وتتباين طبيعة العبودية في مختلف أنحاء العالم من وضع ملكيةٍ طويلة الأمد إلى وضعٍ يُعتبر فيه الشخص المُستَغَل مجرد شئٍ يمكن استخدامه أو التخلص منه. أما النمط الجديد من العبودية فهو أن يُعتبر شخص ما ملكاً لشخصٍ آخر يستغل عمله إلى أن يصبح غير ملائم لذلك المالك. وقد يحدث ذلك في سياق عمل الخدم في المنازل، أو العمل في مجال الزراعة، أو صناعة الجنس وغير ذلك من المجالات. والملاحظ أن النمط القديم من العبودية، حيث يُعتبر أحد الأشخاص ملكاً لشخصٍ آخر ويرث أبناؤه هذا الوضع، آخذ في التلاشي. إلا إن هذين النمطين يوجدان حالياً في موريتانيا، ويُعتبر كلاهما انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان الأساسية.للتعرف على عرضٍ أوفى، انظر:

Bales, K., Disposable People, New Slavery in the Global Economy, University of California Press, 1999.

2- السياق الاجتماعي السياسي والقانوني في موريتانيا

2-1 العبودية كقضيةٍ سياسية

تُعد قضية العبودية في موريتانيا في القرن الحادي والعشرين من القضايا المثيرة للجدل. فكما سيتضح لاحقاً، تدعي الحكومة أن إقدامها على تأسيس "اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ومحاربة الفقر والاندماج الاجتماعي" (وهي لجنة حكومية لحقوق الإنسان يُشار إليها اختصاراً في هذا التقرير باسم "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان")، باعتباره دليلاً على إرادتها السياسية في وضع حدٍ لما تسميه آثار العبودية المتبقية منذ إلغائها بموجب القانون في عام 1981.بيان مندوب موريتانيا أمام "الفريق العامل المعني بالأشكال المعاصرة من العبودية" التابع للأمم المتحدة (وثيقة الأمم المتحدة رقم E/CN.4/Sub/2/2000/23)، 21 يوليو/تموز 2000.بيد أن دور هذه اللجنة ينحصر في التشجيع والتعزيز، وبالرغم من إبلاغها ببعض حالات العبودية والمسائل المتعلقة بها، فإنها لم تتخذ أي إجراءٍ على حد علم منظمة العفو الدولية.

وفي عام 1981، ألغت حكومة الرئيس محمد خونة ولد حيد الله العبودية قانوناً، وذلك في أعقاب مظاهراتٍ جماهيرية واسعة النطاق احتجاجاً على بيع امرأة بشكلٍ علني. وتلا ذلك فترة من التفاؤل والانفتاح النسبي في التعامل مع المشكلة. وفي يناير/كانون الثاني 1984، وافقت حكومة الرئيس حيد الله على زيارة مارك بوسيوت، وهو خبير عينته "اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات" التابعة للأمم المتحدة. وخلص خبير الأمم المتحدة إلى القول بأن "العبودية بوصفها مؤسسة يحميها القانون قد أُلغيت حقاً في موريتانيا... ومع ذلك، فليس من المستبعد، وهذا أمر لا تنكره أعلى السلطات في موريتانيا، أن بعض أوضاع العبودية القائمة بحكم الواقع الفعلي ما زالت موجودة في بعض المناطق النائية من البلاد، والتي ليس للإدارة سيطرة تُذكر فيها." إلا إن هذا التقييم يبدو مفرطاً في التفاؤل على ضوء الأحداث اللاحقة.

وقد أطاح الرئيس الحالي للدولة، معاوية ولد طايع، بحكم الرئيس حيد الله في انقلابٍ غير دموي في ديسمبر/كانون الأول 1984. وكان الرئيس الحالي رئيساً للوزراء عند صدور قرار إلغاء العبودية. ومنذ ذلك الحين اتسم نهج الإدارة في جعل هذا الحظر فعالاً بوضع العراقيل، من جهةٍ، والشعور بالرضا عن النفس، من جهةٍ أخرى. ولم تُتخذ أية مبادراتٍ كبرى لزيادة الوعي بالمشكلة والتوصل إلى اتفاق حول سبل معالجتها.

وقد ذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 1994 عن ممارسات حقوق الإنسان في موريتانيا أنه من الصعب إحصاء عدد الذين يعيشون في أوضاع "الرِق غير الطوعي"، وأن "التقديرات التي جُمعت من مصادر مختلفة تشير إلى أن العدد يتراوح ما بين بضعة آلافٍ إلى 90 ألفاً. ومنذ ذلك الحين، تغيرت نبرة التقارير السنوية لوزارة الخارجية الأمريكية. فعلى سبيل المثال، أكد تقرير عام 2001 أنه:

"... استمر ورود أنباءٍ غير مؤكدة عن أن العبودية، التي تتخذ شكل الرِق الإجباري وغير الطوعي، قد تكون موجودة في بعض المناطق النائية. وما زال الرِق الطوعي غير الرسمي قائماً، حيث يستمر بعض العبيد السابقين في العمل لدى سادتهم السابقين مقابل منافع مالية أو غير مالية، من قبيل توفير السكن أو الطعام أو الرعاية الطبية".

وفي مستهل القسم الخاص بمنع العمل الإجباري أو القسري في تقرير عام 2001، ورد أن:

"القانون يحظر العمل الإجباري أو القسري، إلا إن القانون لا ينطبق إلا على العلاقات بين العمال وأصحاب العمل، وهناك أنباء عن وقع مثل هذه الممارسات. وقد طلبت لجنة الخبراء المنبثقة عن منظمة العمل الدولية من الحكومة اتخاذ إجراءاتٍ تكفل أن يشمل الحظر أي شكلٍ من أشكال العمل القسري وما يترتب عليه من آثار".

وقد ظلت العبودية قضية اجتماعية طويلة العهد في أوساط جميع الجماعات العِرقية في موريتانيا. وتتباين الآراء في أوساط من يقرون بوجود العبودية في موريتانيا حالياً. ففي كثيرٍ من الأحيان، ينكر بعض الناس أن جماعتهم تمارس العبودية، ولكنهم يعتقدون أن المشكلة موجودة لدى الجماعات الأخرى. ويقول البعض إن ممارسة استعباد بعض الأشخاص في أوساط جماعة "المور" المهيمنة سياسياً لا يختلف عما يُمارس في الجماعات الأخرى، بما في ذلك الجماعات العِرقية الزنجية مثل جماعة "البويل" و"السونينكي". ويدعي آخرون أن العبودية لا تُمارس إلا في أوساط جماعة "المور"، أما في قطاعات المجتمع الأخرى فهناك نوع من التسلسل الهرمي الاجتماعي يشبه نظام الطوائف الاجتماعية. ومن جهةٍ أخرى، ترى منظمة "إنقاذ العبيد" أن العبودية مشكلة قائمة في جميع قطاعات المجتمع الموريتاني. ويركز هذا التقرير على جماعة "المور" لأن الانتهاكات الحالية لحقوق الإنسان تتجلى بشكل أكثر وضوحاً في أوساط هذه الجماعة، فضلاً عن أنها الجماعة التي تمسك بزمام السلطة السياسية بشكلٍ جوهري،انظر القسم 2-3 من هذا التقريروهو الأمر الذي يمكن أن يُستخدم في تغيير الوضع. إلا إنه، بدلاً من ذلك، يُستخدم في الإبقاء على الوضع القائم من أجل حماية المصالح المستترة لهذه الجماعة في إطار النظام القائم على التمييز.

وتدل هذه الآراء المتناقضة، في جانبٍ منها، على مدى حساسية مسألة العبودية في موريتانيا. ومن الدلائل الأخرى على ذلك عدم رد الحكومة على الرسائل العديدة التي بعثت بها منظمة العفو الدولية وطلبت فيها إجراء حوارٍ مع السلطات والسماح لها بزيارة موريتانيا في عامي 1998 و2001، وكذلك رفض الحكومة المتواصل إضفاء الصفة القانونية على جماعات حقوق الإنسان غير الحكومية التي تتضمن أنشطتها المطالبة بوضع حدٍ للإفلات من العقاب عن الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان التي ارتُكبت ضد الموريتانيين الزنوج في عامي 1989 و1990، والنضال ضد العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية. كما حظرت الحكومة بعض أنشطة أحزاب المعارضة وحكمت على قادتها بأحكامٍ بالسجن بعد محاكماتٍ جائرة.انظر التقارير التالية لمنظمة العفو الدولية: موريتانيا: 1986 – 1989 خلفية أزمة: ثلاث سنوات من السجن السياسي والتعذيب والمحاكمات الجائرة، نوفمبر/تشرين الثاني 1989 (رقم الوثيقة: AFR 38/13/89)؛ موريتانيا: اعتداء جسيم على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات (رقم الوثيقة: AFR 38/005/1989)؛ موريتانيا: اعتداء جسيم على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات: إدانة خمسة من دعاة حقوق الإنسان وفرض قيودٍ على خمسة آخرين على الأقل بدون تهمة (رقم الوثيقة: AFR 38/006/1998)؛ موريتانيا: الحكم على سجناء رأي بالسجن خمس سنوات (رقم الوثيقة: AFR 38/005/2001).

2-2 الوضع القانوني للعبودية في موريتانيا

في عام 1981، ألغت حكومة الرئيس محمد خونة ولد حيد الله العبودية قانوناً. وكانت العبودية قد أُلغيت مرتين من قبل بشكلٍ قانوني، أولاهما نتيجةً للاستعمار الفرنسي،صدر مرسوم استعماري في عام 1905 بتطبيق القانون الفرنسي لعام 1848، الذي يلغي العبودية، في جميع المناطق الخاضعة للاستعمار الفرنسي.والثانية في عام 1961 عندما أُدرجت بنود "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في الدستور الموريتاني.

وقد تحول البيان الذي أصدره الرئيس حيد الله في 5 يوليو/تموز 1980، وأعلن فيه إلغاء العبودية، إلى قانونٍ في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1981 بموجب المرسوم رقم 234/81. ولم ينص القانون على تعريفٍ محدد لما يُعتبر "عبودية". فقد ذكر المرسوم أنه وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية أن إجراء الإلغاء يتيح الحصول على تعويض لمن يحق لهم ذلك، وأن تفاصيل نظام التعويض سوف تقررها لجنة تضم بعض علماء الدين والاقتصاد وممثلي الإدارة. وكانت مسألة التعويض مثار نقاش قبل إعلان عام 1980، وبرز خلاف حول ما إذا كان يتعين أن يكون تحرير شخص ما من العبودية إجبارياً أم أنه يتعين أن يصاحبه نوع من التعويض للشخص المسؤول عن العبودية. ولم تكن هناك اقتراحات، على ما يبدو، بضرورة منح تعويضاتٍ لمن تعرضوا للعبودية، وليست ثمة دلائل على أن تلك اللجنة قد شُكلت أصلاً.

وقد اكتفى مرسوم الإلغاء بالقول بأن العبودية منافية للقانون، ولكنه لم يجرِّمها. فلم يتبع المرسوم مطلقاً تشريع تنفيذي يجعل العبودية والممارسات المرتبطة بها جرائم جنائية محددة. ولم يحدث مطلقاً، على حد علم منظمة العفو الدولية، أن حُوكم شخص ما بتهمة استعباد شخصٍ آخر أو شراء أو بيع شخصٍ في إطار العبودية.

وجاءت خطوة إلغاء العبودية في أعقاب بيع امرأة كانت مستعبدة، وتُدعى مباركة، في سوق بلدة عطار في عام 1980، حيث نظمت جماعة "الحور"، التي تعمل لتحرير الزنوج المور، مظاهراتٍ في عدة بلدات. وأُلقي القبض على عددٍ من المتظاهرين، وقُدموا للمحاكمة وأُدينوا بتهم إنشاء جمعيات غير قانونية والمشاركة فيها، وتوزيع كتيباتٍ والمشاركة في مظاهرة غير مرخص لها، ولكن لم يُتخذ أي إجراء ضد أولئك الذين باعوا مباركة وغيرها. إلا إن هذه المظاهرات سهَّلت، على ما يبدو، إصدار مرسومٍ بإلغاء العبودية.

وفي عام 1980، وزعت وزارة الداخلية نشرة تعميمية تذكِّر جميع المسؤولين المحليين بأن أي شخص من موظفي الإدارة أو أفراد قوات الأمن يستخدم منصبه الرسمي في مساعدة "من يُسمَّون ‘الأسياد’" أو إساءة معاملة "من يُسمَّون ‘العبيد’" أو تقييد حركتهم سوف يتعرض للعقاب بموجب قانون العقوبات.Circular No 0003 of 3 June 1980, quoted in Report of the mission to Mauritania by Marc Bossuyt, expert of the Sub-Commission, presented to the UN Commission on Human Rights, 2 July 1984, E/CN.4/Sub.2/1984/23.وأوضحت نفس النشرة التعميمية بجلاء أن مساعدة من يخضعون للعبودية لا يجب أن تتم إلا بناءً على طلبٍ منهم، وأنه لا يجوز للمسؤولين بأية حال "إقلاق راحة البيوت". وما زال هذا الموقف المتمثل في عدم التدخل مستمراً إلى اليوم.

وصدر مرسوم عام 1981 في أعقاب مشاورات مكثفة في الدوائر الإسلامية، وأصدرت الحكومة إعلاناً بأن جميع المسلمين سواسية أمام الله، وأنه ليس ثمة مبرر للإبقاء على العبودية.

وفي عام 1999، صرَّح وزير العدل الموريتاني أمام "اللجنة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" التابعة للأمم المتحدة بأن قرار الإلغاء عام 1981 "لم يكن مهماً كإجراء قانوني، لأن العبودية لم يعد لها وجود في الممارسة، بقدر ما كان مهماً باعتباره رمزاً لالتزام السلطات الدينية بمحاربة التفرقة الاجتماعية، ومحاولةً لتغيير المواقف البالية التي ما زالت موجودة في بعض المناطق الريفية النائية". ومع ذلك، فقد صرَّح رئيس قوات الدرك لأفراد قواته في عام 1983 بأن "العبودية لا تزال تُمارس في مناطق تخضع لولايتكم القانونية، وخاصة المناطق الريفية"، كما اقترح على أفراد القوات أن يعملوا على "توعية المواطنين بأنه لا رجعة عن ذلك القرار المهم وعن روح المرسوم الذي أضفى عليه الصفة القانونية".Note de Service no 50/2 du 27 avril 1983, quoted in L’idéologie du Silence, Boubacar Messaoud, in Journal des Africanistes Tome 70 – Fascicules 1-2, pp 291-337.

2-3 العبودية والنظام الاجتماعي في موريتانيا

الجماعات الرئيسية في موريتانيا هي جماعتا "المور"، وإحداهما هي جماعة "المور" البيض المهيمنة سياسياً والثانية هي جماعة "المور" الزنوج، والتي يُعتبر المنتمون إليها على نطاقٍ واسعٍ، وفي نظر أنفسهم أيضاً، "عبيداً" سابقين، ويُطلق عليهم أيضاً اسم "الحراتين"، بالإضافة إلى جماعات الزنوج الأفارقة من الجنوب. ويُعرف "المور" البيض باسم "البيضان" (نسبةً إلى لونهم)، وهم من أصولٍ عربية وبربرية ويتحدثون "الحسانية"، وهي إحدى لهجات العربية.

أما "الحراتون" ف

u1580?ميعهم تقريباً من أصولٍ زنجية، ولكنهم يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالسكان من حيث اللغة والثقافة. ويصفهم صامويل كوتون بقوله "لقد فقدوا جميع جوانب أصولهم الإفريقية تقريباً، باستثناء لون بشرتهم".Cotton, Samuel, Silent Terror – A Journey Into Contemporary African Slavery, Harlem River Press (1998).وقد جاء انتماؤهم إلى لغة المور وثقافتهم نتيجة أجيالٍ متعاقبة من الاستعباد على أيدي المور، ويُشار إليهم أيضاً باسم "الزنوج المور" تمييزاً لهم عن "المور البيض" الذين كانوا يستعبدونهم، وكذلك عن الزنوج الموريتانيين الذين لم يستعبدهم "المور".

وينقسم السكان الأفارقة أو الزنوج من جنوب البلاد إلى عدة جماعاتٍ عرقية متباينة، لكلٍ منها لغة مختلفة، مثل "السونينكي"، و"الولوف"، و"البامبرا"، و"الهالبيولار" (ويتحدثون لغة البويل، أو البولار أو الفولفولدي، كما يُشار إلى بعضهم باسم "توكولير"). وتُعد جماعة "البويل" أكبر هذه الجماعات، وتليها جماعة "السونينكي". أما جماعتا "البامبرا" و"الولوف" فتشكلان نسبة صغيرة من سكان موريتانيا.

وتتركز السلطة السياسية في موريتانيا في أيدي جماعة "المور" البيض. ففي عام 2001، كان مجلس الوزراء، المؤلف من 27 عضواً، يضم 20 من "المور" البيض أو ذوي الأصول العِرقية المختلطة بين "المور" البيض و"الحراتين"، بالإضافة إلى ثلاثة من "الحراتين"، وثلاثة من "الهالبيولار"، ووزير واحد من "السونينكي". ومن بين أعضاء مجلس الشيوخ، البالغ عددهم 56، كان هناك 46 ينتمون إما إلى "المور" البيض أو إلى خليط من "المور" و"الحراتين". ومن بين أعضاء الجمعية الوطنية، البالغ عددهم 81، كان هناك 60 ينتمون إلى "المور" أو خليطٍ من "المور" و"الحراتين".Country Reports on Human Rights Practices – 2001, Mauritania. US Department of State.

والإحصائيات عن الحجم النسبي لكلٍ جماعةٍ من جماعات السكان شحيحة ومتفرقة أو غير متوفرة، كما أنها تتسم بالحساسية الشديدة. وتشير إحصائيات تعود إلى عام 1960 إلى أن الزنوج الموريتانيين كانوا يشكلون في ذلك الوقت نحو 20 بالمئة من السكان.Quoted in Ruf, Urs Peter, Ending Slavery: Hierarchy, Dependency and Gender in Central Mauritania, Bielefeld, 1999, p126.وكان آخر مسحٍ رسمي للسكان، يميز بين عناصر جماعة "المور"، هو ذلك الذي أُجري عام 1965، وخلص إلى أن ما بين 60 إلى 70 بالمئة من السكان ينحدرون من أصول "المور" البيض، وأن ما بين 30 إلى 40 بالمئة هم من الزنوج "المور".انظر تقرير منظمة العفو الدولية المعنون موريتانيا: 1986 – 1989 خلفية أزمة: ثلاث سنوات من السجن السياسي والتعذيب والمحاكمات الجائرة، نوفمبر/تشرين الثاني 1989 (رقم الوثيقة: AFR 38/13/89).ومنذ ذلك الحين، أخذ نمو الجماعات غير البيضاء يفوق نمو "المور" البيض، حسبما ورد.

ولم تُعلن على الإطلاق نتائج الإحصاء السكاني الذي أُجري عام 1977. وقد ادعت جماعة معارضة، تُسمى "قوات التحرير الإفريقية لموريتانيا"، في بيان أصدرته عام 1984، أن النتائج قد أُبقيت في حيز الكتمان لأن الحكومة تريد أن تخفي الحقيقة المتمثلة في أن الموريتانيين من أصول زنجية إفريقية هم الأغلبية، وأن الذين تعود أصولهم إلى المور البيض، في أوساط جماعة "المور"، هم الأقلية. وبسبب كتابة وتوزيع هذا البيان، قُبض على 20 شخصاً وصدرت ضدهم أحكام بالسجن بعد محاكماتٍ جائرةٍ في عام 1986، لاتهامهم بنشر "دعاية ذات طابع عنصري أو عِرقي".المرجع السابق.

وقد أكد برنامج العمل، الصادر عن المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية،إعلان "المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بها من تعصب"، الذي عُقد في ديربن بجنوب إفريقيا في الفترة من 31 أغسطس/آب إلى 8 سبتمبر/أيلول 2001.على أهمية جمع معلوماتٍ مفصلة موثوق بها. فالفقرة 92 تحث الدول على "جمع وتصنيف وتحليل وتوزيع ونشر معلوماتٍ إحصائيةٍ موثوق بها على المستويين المحلي والقومي، واتخاذ كل ما يلزم من الإجراءات الأخرى ذات الصلة بما يكفل التقييم الدوري المنتظم لوضع الأفراد وجماعات الأفراد ممن ضحايا العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بها من صور التعصب. وتتضمن الفقرة الفرعية التالية مقترحاتٍ عن كيفية جمع هذه المعلومات.صدر النص الكامل في 3 يناير/كانون الثاني 2002، وهو متوفر على الموقع التالي: www.unhchr.chفالفقرة الفرعية (ب) تنص على أنه:

"يجب أن يكون جمع المعلومات والبيانات الإحصائية بهدف رصد وضع الجماعات المهمشة، ووضع وتقييم تشريعاتٍ وسياساتٍ وممارسات ترمي إلى منع ومكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بها من تعصب، وكذلك بهدف تحديد ما إذا كانت لأية إجراءاتٍ أخرى آثار متباينة غير مقصودة على الضحايا. ولتحقيق هذا الهدف، يُوصى بوضع استراتيجيات تقوم على العمل التطوعي والتراضي والمشاركة في عملية جمع وإعداد واستخدام المعلومات."

وفي أغسطس/آب 1999، أوصت "اللجنة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" التابعة للأمم المتحدة بأن تقدم الحكومة الموريتانية معلوماتٍ عن الإجراءات القانونية والممارسات التي اتخذتها "على وجه الخصوص بهدف تعزيز النضال ضد التمييز الذي يؤثر على أكثر جماعات السكان استضعافاً، ولا سيما جماعات الزنوج، والقضاء على آثار ممارسات العبودية والرِق غير الطوعي".الملاحظات الختامية "للجنة القضاء على التمييز العنصري": موريتانيا، 19 أغسطس/آب 1999 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: A/54/18, Para 332, Concluding Observations/Comments).وبالنظر إلى حساسية هذه المسألة في موريتانيا، فإنه سوف يكون مفيداً لمثل هذا التحليل إجراء مناقشةٍ وافية والتوصل إلى اتفاقٍ مسبق بشأن المعايير الاجتماعية والعِرقية التي يجب استخدامها. وينبغي أن تُتاح لكل المواطنين فرصة كافية لكي يحددوا هويتهم بأنفسهم، بدلاً من أن يصنفهم الآخرون.

2-3-1 جماعة المور

يستند مجتمع "المور"، والذي تطور في سياق البيئة الصحراوية وحياة البدو الرُّحل، إلى العائلة باعتبارها الوحدة الأساسية للإنتاج. وتنضم عدة عائلاتٍ، عادةً ما يكون بينها صلات دم، إلى بعضها البعض مكونة "قبيلة"، وهي التي تمنح لقباً وهويةً وهيكلاً اجتماعياً لمساندة أعضائها الأفراد. فعلى سبيل المثال، يتسم رئيس القبيلة، والذي يُطلق عليه اسم "سماسيد" بالقوة والنفوذ على وج07? الخصوص. وهناك آخرون يشغل كل منهم مكانةً خاصة، مثل "إيداوالي" و"لاغلال" و"أولاد بوسبا". ويُعتبر الزعماء الدينيون، "المارابوت"، والمحاربون على قمة هذا الهرم الاجتماعي ويهيمنون على جميع الفئات الأخرى. وهناك فئات مهنية أخرى، تُعرف باسم "الطوائف"، ومن بينها الحرفيون (وعادة ما يكونون من الحدادين وصناع الجلود) والمنشدون. ويأتي بعد ذلك من يُطلق عيهم اسم "الحراتين" (وهم الذين تحرروا من العبودية) و"العبيد" (وهم الخاضعون للعبودية). وإلى جانب هذه الفئات يوجد "التابعون"، ويُطلق عليهم اسم "زناغا"، وهؤلاء يتعين عليهم أن يدفعوا الجزية ولا يحق لهم حمل السلاح، وهم أفراد أو جماعات تعرضوا للهزيمة في إحدى المعارك على أيدي القبيلة المهيمنة. ويتخصص هؤلاء في تربية المواشي والدواجن. والملاحظ أن وصف شخصٍ بأنه "زناغا" ينطوي على إهانة أكبر من القول بأنه عبد، بالرغم من أن أفراد "الزناغا" يتمتعون بحرية التنقل.Ruf, U.P.,op.cit, p. 42.

وقد ذكرت إحدى السلطات، في استبيان عامي 1964-1965، أن مجتمع المور ينقسم على النحو التالي: 36 بالمئة من طائفة الزعماء الدينيين، و29 بالمئة ممن كانوا من قبل خاضعين للعبودية فضلاً عن نسلهم، و15 بالمئة من المحاربين، و13 بالمئة من العبيد، و5 بالمئة من الحدادين، و2 بالمئة من المنشدين.De Chassey, F. quoted in Ruf, U.P.,op.cit, p.126.

ويبدو أن ثمة ظروفاً متعددة أدت إلى خضوع أفراد للعبودية داخل مجتمع المور، والواضح أن بعضهم قد جُلبوا بينما اختُطف آخرون خلال الغارات المختلفة التي شنها "المور"، إلا إن جميعهم أُخذوا من جماعاتٍ عرقية زنجية. وقد ترسخت العبودية بسبب العرف السائد والذي "يرث" الأطفال بموجبه هذا الوضع من أمهاتهم.

وكثيراً ما يُشار إلى كل من "الحراتين" والعبيد باسم واحدٍ هو "الحراتين". ويرى مجتمع "الحراتين" أنه ينقسم إلى "الخضارى" (وهم أشخاص كان أجدادهم عبيداً ولكنهم تحرروا منذ أجيالٍ مضت) و"الحراتين" (وهم الذين تحرروا من العبودية حديثاً في حياتهم أو حياة آبائهم)، و"العبيد" الذين لا يزالون خاضعين للعبودية. وتستخدم جماعة "الحور"، والتي تعمل لتحرير "الحراتين"، هذا الاسم للإشارة إلى جماعات "الحراتين" بصفةٍ عامة، وتعلل ذلك بأن المواقف وأنماط السلوك الاجتماعي تجاه جميع هذه الفئات لا تختلف، مما يجعل الفروق بينها أمراً غير ذي أهمية تُذكر.

وقد شكَّل أفراد "الحراتين" على الدوام جزءاً من البناء القَبَلي، إلا إن جماعة "الحور" بذلت كثيراً من الجهد من أجل تحديد هويةً منفصلة لهم خلال السنوات الأخيرة، بينما كانت الهوية في الماضي تُعرف على أساس الصلات مع القبائل المختلفة. ولأغراض هذا التقرير، يُستخدم اسم "الحراتين" إلى "المور" الزنوج الذين كانوا خاضعين للعبودية وكذلك إلى أبنائهم وأحفادهم، لأنه في سياق انتهاكاتٍ معينة لحقوق الإنسان، يصبح من المفيد التمييز بين هذه الجماعة وأولئك الذين لا يزالون خاضعين للعبودية.

وقد شهدت العقود الأخيرة تقدماً ملحوظاً نحو تقليل عدد المور الزنوج الذين ما زالوا رهن العبودية في موريتانيا، ولكن ذلك لم يكن نتيجةً لمبادراتٍ مباشرة من الحكومة لإلغاء العبودية. ففي أواخر السبعينات من القرن الماضي، شارك كثير من الموريتانيين في حرب ضد المغرب في الصحراء الغربية. وأدت الخدمة في صفوف الجيش إلى زيادة الوعي في أوساط المستعبَدين، ومن ثم نجحوا في تحرير أنفسهم. وبالإضافة إلى ذلك أدت سلسلة من حالات الجفاف خلال السبعينات والثمانينات إلى إهلاك قطعان كثيرٍ من البدو، مما قلل من الحاجة إلى أولئك المستعبدين وإلى وسائل إعاشتهم. وتشير التقديرات إلى أن نسبة البدو الرُحَّل الريفيين إلى مجموع السكان قد انخفضت من 72 بالمئة في عام 1972 إلى 11,4 بالمئة في عام 1988.إحصائيات وردت في الفقرة 16 من تقرير موريتانيا إلى "لجنة القضاء على التمييز العنصري" التابعة للأمم المتحدة (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CERD/C/330/Add.1)، 26 أكتوبر/تشرين الأول 1998.وقد حُرر بعض الخاضعين للعبودية بصورة فعلية نظراً لرحيلهم عن مخيمات من كانوا يمتلكونهم، أو لأن هؤلاء الملاك قد استقروا وكفوا عن الترحال. ومع ذلك، استمرت السطوة الشديدة التي تُمارس على من كانوا خاضعين للعبودية. فعلى سبيل المثال، يمكن استدعاؤهم للعمل مرةً أخرى، كما يمكن لملاكهم السابقين الاستيلاء على ممتلكاتهم عند وفاتهم. وبينما أدى تزايد نسبة من يعيشون في المدن إلى انخفاض عدد الخاضعين للعبودية، فما زال كثيرون يعملون بدون أجر أو يتعرضون لممارساتٍ شبيهة بالعبودية.

2-3-2 مجتمعات الموريتانيين الزنوج

تتسم الجماعات العرقية المختلفة التي تشكل مجتمع الزنوج (أو الأفارقة) الموريتانيين بنظامٍ تراتبي أيضاً، بما في ذلك من يُعتبرون من الأشراف، أو الطوائف المغلقة أو من يخضعون للعبودية. ففي جماعة "البويل"، على سبيل المثال، توجد على قمة الهرم جماعات الأشراف وتضم الزعماء الدينيين ("توروبي")، والمحاربين ("سيبي")، والحكماء ("جوامبي")، وصيادي السمك ("سوبالبي"). وتلي ذلك جماعات تُعرَّف حسب مهنتها، ويُطلق عليها أيضاً اسم الطوائف، مثل المنشدين والحدادين وصانعي الجلود. أما الفئة الثالثة فهي من يُطلق عليهم اسم "ماكوبي"، وهم من يخضعون للعبودية أو من وُلدوا لأحد الخاضعين للعبودية. وكلمة "ماكوبي" تعني "من ضلوا سبيلهم"، ويرجع أصلها إلى الاسم الذي كان يُطلق على من يقعون في الأسر. وكان الدور التقليدي لأفراد "ماكوبي" هو أداء أعمال السخرة، إلا إنه أصبح في الوقت الراهن ينحصر بالأساس في المهام الاحتفالية، مثل إدارة احتفالات الزفاف والتعميد وبعض الطقوس المرتبطة بحفل الزواج.Les divisions statutaires des descendants d’esclaves au Fuuta Tooro mauritanien, Ousmane Kamara, Journal des africanistes, Tome 70 – Fascicules 1-2, p. 265-289.

ولا تتوفر معلومات حديثة عن نسبة كلٍ من هذه الفئات. وتشير إحصائيات رسمية تعود إلى عام 1958 إلى أن جماعة "البويل" تضم 71 بالمئة ممن يُعتبرون "أشرافاً" (ومن هؤلاء يشكل المحاربون 10 بالمئة، والزعماء الدينيون 45 بالمئة، وصيادو السمك 16 بالمئة)، بالإضافة إلى 7,5 ينتمون إلى مختلف الطوائف، و21,5 يخضعون أو كانوا خاضعين للعبودية.INSEE inquiry, 1958 quoted in F. de Chassey, L’étrier , la houe, et le Libre, Anthropos, 1997, pp. 189-193, quoted in Philippe Marchesin (one’s), Tribus, ethnies et pouvoir en Mauritanie, Karthala, 1992, p. 292.

1

وكان من شأن نزاعٍ نشأ مؤخراً بين مجموعتين من عائلات جماعة "البويل" أن يكشف النقاب عن بعض الانقسامات القائمة من جراء التمييز الاجتماعي والعبودية. فمنذ عام 1998، كان هناك خلاف بشأن الحقوق السياسية بين عائلات "الهورمانكوبي" وعائلات "التوروبي" في دوول بوي. ولا تُعرف على وجه الدقة أصول "الهورمانكوبي"، وما إذا كانوا قد خضعوا من قبل للعبودية أو لم يسبق استعبادهم، بينما يُعتبر "التوروبي" من أصول الأشراف. ومنذ تبني نظام التعددية الحزبية في عام 1991، بدأ أبناء "الهورمانكوبي" يسعون للحصول على قدر أكبر من التمثيل السياسي، وفي ديسمبر/كانون الأول 1998 طالبوا بالحق في تقديم مرشحٍ في الانتخابات. أما أبناء "التوروبي"، والذين جرت العادة على أن يتقدموا بمرشحٍ من صفوفهم بما يعكس دورهم القيادي التقليدي، فقد ردُّوا بفرض نوعٍ من الحظر، بما في ذلك منع "الهورمانكوبي" من حضور حفلات الزواج ومراسم الجنازات، ومنعهم من الحصول على المياه من الآبار التي تنتمي إلى "التوروبي"، وحرمانهم من حقوق الزراعة في الأراضي التي أُجرت مؤخراً لأفرادٍ من "الهورمانكوبي".

وبالمثل، تتسم جماعة "سونينكي" الزنجية بنظامٍ تراتبي، حيث يُطلق اسم "حورو" على من يُعتبرون من الأشراف، وهناك الحرفيون، ويُطلق عليهم اسم "نياكسامالا"، وهؤلاء ينقسمون إلى فئاتٍ حسب الطوائف أو الفئات المهنية المختلفة، مثل صناع الجلود والمنشدين. ويأتي بعد ذلك من يُسمون "كومو" (وهم الخاضعون للعبودية).

وقد استمر هذا الانقسام الطبقي الهرمي لدى الجماعات الموريتانية سائداً في بعض عائلات "السونينكي" التي انتقلت للعيش في فرنسا، حيث لا تزال العادة أن تقتصر مهمة إعداد الطعام على المنحدرين من نسل المستعبدين، كما لا تزال هناك قيود مفروضة على الزواج. فعلى سبيل المثال، كان هناك شاب من "السونينكي" يُدعى عمر ت.، ورد أنه ينحدر من أسرةٍ كانت خاضعة للعبودية، على علاقةٍ بفتاةٍ من "السونينكي" تُدعى أميناتا م.، وكان يلتقي بها. وعندما علم أبوها بالأمر توجه، مدججاً ببندقية صيدٍ حسبما ورد، لمقابلة زعيم "السونينكي" في ضاحية مونتريي في باريس، حيث طلب المساعدة لوقف عمر عن مقابلة ابنته بسبب أصول أسرته، كما هدد بقتله على ما يبدو. وحاول زعيم "السونينكي" في باريس عقد اجتماع لمناقشة الأمر، ولكنه أخفق في التوفيق بين الطرفين، وعندئذٍ قرر كبراء عائلات "الأشراف" فيما بينهم استبعاد عمر ت. وأعمامه من نظامٍ عائلي للتوفير في باريس، كما استُبعدت عائلة عمر في موريتانيا من الشؤون القروية ومُنعت من دخول المسجد الرئيسي لأداء صلاة الجمعة. ومن جهةٍ أخرى، دعا عدد من أبناء "السونينكي" المقيمين في باريس، والذين درسوا معاً في مصر، إلى عقد اجتماع للأشراف لمناقشة بواعث قلقهم بشأن العقوبة التي امتدت إلى عائلة عمر، على اعتبار أن ذلك مخالف للتعاليم الإنسانية، إلا إن زعيم الجماعة قرر تغريم كلٍ منهم بمبلغ أربعة آلاف فرنك. وعندما رفضوا الدفع، استُبعدوا أيضاً من نظام التوفير في باريس. وفي حالةٍ لها صلة بالحالة السابقة وقعت في مطلع عام 2000، أُعيدت جثة مهاجر من "السونينكي" في فرنسا إلى قريته الأصلية في موريتانيا، ولكن شخصاً آخر من "السونينكي" كان في زيارة لموريتانيا في ذلك الوقت، وهو ينحدر من عائلة سبق أن خضعت للعبودية، مُنع من حضور صلاة الجنازة لأنه على ما يبدو أيَّد "المجموعة المتمردة" في فرنسا.See L’esclavage chez les Soninkés: du village à Paris, Yaya Sy, Journal des africanistes, Tome 70 fascicules 1-2 pp 43-69.

2-4 أثر المرحلة الاستعمارية على العبودية

في عام 1848، صدر قانون بإلغاء العبودية في كل المستعمرات الفرنسية، وفي عام 1905 صدر مرسوم لتنفيذ القانون الفرنسي في تلك المنطقة التي صارت تُعرف باسم موريتانيا. وخلال الفترة من عام 1856 إلى عام 1908، قامت منظمة فرنسية مناهضة للعبودية ببناء خمس قرى أُطلق عليها اسم "قرى الحرية""قرى الحرية" الخمس هي المراكز الإدارية نجاغو (1856)، وسليلبيبي (1905)، وبوغي (1905)، وكادي (1906)، وغوراي (1908).ليستقر فيها من تحرروا من العبودية في جنوب البلاد التي تُعرف حالياً باسم موريتانيا، وهي منطقة كان أغلب سكانها من جماعات الزنوج. ولكن نظراً للمعارضة التي أبداها الزعماء التقليديون، توقفت هذه السياسة آنذاك. ويبدو أن بعض الذين فرُّوا من نير العبودية أصبحوا يخضعون لاستغلالٍ مماثل من جانب حكامهم الاستعماريين في تلك القرى.

وقد كان أثر القانون الفرنسي المناهض للعبودية أقل فيما يُعرف الآن باسم موريتانيا من مثيله في المناطق الأخرى الخاضعة للاستعمار الفرنسي في غرب إفريقيا، وذلك على ما يبدو لأن الفرنسيين كانوا يعتمدون على النخبة من أبناء المور للحفاظ على نفوذهم، ومن ثم واصلوا التواطؤ في تلك الممارسات. وتحكى سجلات المستعمرين الفرنسيين عن لقاء بين زعيم قبيلة عطار والكولونيل غورو، أحد ضباط الجيش الفرنسي، في يناير/كانون الثاني 1909، حيث أوضح الزعيم أهمية ما لدى القبيلة من الأغنام والحمير والأيدي العاملة في الحفاظ على بقائها. فقد جاء في رسالةٍ من الحاكم العسكري ما يلي:

سوف يظل الخدم مع عائلات سادتهم، حيث يشكلون الأيدي العاملة. فعندما التقى زعماء قبيلة عطار مع الكولونيل غورو في يناير/كانون الثاني 1909، أوضحوا بجلاء أن ثروتهم الوحيدة تكمن فيما لديهم من أغنام وحمير ومحاصيل، وأنه بدون مصدرهم الرئيسي، وهو الأيدي العاملة، فإن هذه المحاصيل ستختفي. ومن المفهوم تماماً أن هؤلاء الخدم سيبقون".Archives nationales de Mauritanie (ANM), National Archives of Mauritania, Dossier E-33-1, Within Adrar Dossier, 1921.

2-5 مدى العلاقات التي تحدد العبودية

يتضح من خلال الحوارات مع نشطاء ومحللين داخل موريتانيا وخارجها أن العلاقة بين الشخص الخاضع للعبودية ومن يستعبد آخرين تتباين تبايناً شديداً في حالة العلاقة بين الجماعات العِرقية والعلاقة بين الأفراد. وبالنظر إلى أن وضع الخاضعين للعبودية كان على مدى أجيالٍ جزءاً من التنظيم الاجتماعي في أوساط "المور" ومختلف الجماعات العِرقية الزنجية، فليس ثمة حاجة لقدرٍ شديدٍ من العنف للحفاظ عليه.

ففي أوساط الجماعات العِرقية الزنجية، عادةً ما

u1610?عيش أولئك المعروفين باسم "العبيد" في منازلهم الخاصة، ومن ثم يتمتعون بقدرٍ أكبر من الاستقلال. ومع ذلك، فما زالت هناك قيود تقلص من حقوقهم المدنية والسياسية، وما زال وضعهم ينطوي على فقدان الكرامة الإنسانية.

أما في أوساط جماعة المور، فإن بعض الخاضعين للعبودية يقيمون مع من استعبدوهم أو مع أبنائهم وأحفادهم ويتعرضون للعقاب إذا ما حاولوا تركهم. وهناك البعض الآخر الذين سعوا للعتق من العبودية ومُنحوا الحرية فعلاً، وعادة ما كان هذا يتم مقابل أموال أو بضائع يقدمها الشخص الخاضع للعبودية على سبيل التعويض إذا ما اعتزم ترك مستعبديه أو العمل لحسابه الخاص. وهناك آخرون سُمح لهم، بل وشُجعوا، على ترك مستعبديهم في أوقات الضائقة الاقتصادية، ولكن ظل بمقدور الأسرة التي كانت تستعبدهم أن تطلب منهم أداء خدماتٍ في أوقاتٍ لاحقة إذا لزم الأمر، وأن تستولي على بضائعهم لدى موتهم.

ويتضح أحد أنماط هذه العلاقة، التي تنطوي على استمرار مفهوم ملكية العبيد وعلى المساعدة المتبادلة، من خلال مقابلة أجرتها صحيفة "الأخبار" مع إمام الحسن ولد بنيامين في مايو/أيار 1996، ودافع خلالها عن العبودية، حيث قال:

"في الوقت الراهن، لا يوجد أحدٌ منهم معي، ولكنهم لا يزالون عبيدي. وإذا ما واجهوا أية مشكلاتٍ فإنهم يطلبون مساعدتي ويقبلون إرشاداتي. وعندما أذهب لرؤيتهم أشعر بالفخر لأنني مع أشخاص أمتلكهم وأمتلك أيضاً متعلقاتهم".

وقد تحرر البعض من نير العبودية كنتيجةٍ مباشرةٍ لمرسوم الإلغاء الصادر عام 1981. ومن هؤلاء براهيم، وهو من "الحراتين"، وتحدث إلى أحد الباحثين عن عتقه في أعقاب خطاب بثته الإذاعة الوطنية في 5 يوليو/تموز 1983، وأدان خلاله الرئيس حيد الله ممارسة العبودية، فقال:

"بعد الإعلان، توجهت إلى السيد أيضاً، وأخبرته أن هناك إعلاناً، وأنه لن يكون هناك عبيد بعد ذلك اليوم في موريتانيا، وأن الجميع قد سمعوا ذلك الخطاب من الإذاعة. وقلت له إن لديك عبيداً، ولكنك تعرف جيداً أنه لن تكون لهم أية فائدة بالنسبة لك، وأنهم لن يعملوا في خدمتك... وعند هذه النقطة، وافق [على رأيي]. وفي البداية عتقني، وفيما بعد كتب وثيقة عتقٍ لجميع أفراد الأسرة. وهناك نسختان من وثيقة العتق، إحداهما للسيد والأخرى للأسرة... وفي الوقت الراهن أصبحنا مثل الأخوة، وإذا ما رآنا أحد معاً، فسوف يظن أننا أب وابن".

وبالمثل أطلقت أم براهيم، وتُدعى زينب، اسم "العتق" على تحررهم من العبودية، وتحدثت عن العلاقة مع الشخص الذي كان يستعبدهم، فقالت:

"نحن الذين طلبنا منه العِتق بعد المرسوم الرئاسي، وطلبنا عتقنا أما بمقابل مادي أو بدون مقابل. أرسلنا براهيم للحديث معه عن عتقنا. ووافق السيد على عتقنا بدون مقابل، ولم نُضطر لدفع أي شئ. وقدم لنا وثيقة مكتوبة بذلك... وفي الوقت الراهن فإن ابن السيد [تُوفي "السيد" الأصلي] يأتي إلينا كلما كان في حاجة لأي شئ. لقد توقفنا عن العمل في خدمته، ولكنه إذا احتاج إلى غلال، فيمكنه أن يحصل على بعضها منا".Ruf, U.P.,op.cit.p. 64.

وتفيد الأنباء أن براهيم وزينب هما آخر أشخاص كان يستعبدهم ذلك السيد. وقبل تحررهما، لم يكونا يعملان في خدمته، لأن الجفاف قضى على ما لديه من مواشٍ، ومن ثم لم يعد بوسعه إعاشتهما. ومع ذلك، فقد تعين عليهما السعي للحصول على الحرية. وكان الإعلان العام من جانب رئيس الدولة محفزاً لبراهيم لإيضاح وضعه. فرغم أنه لم يكن يعمل في خدمة الشخص الذي استعبده لسنواتٍ، ورغم أنه كان يعيش في مستوى طيب مع أسرته، فقد شعر بأن من الضروري إضفاء الطابع الرسمي على تحرره. ولم تُطرح أيضاً مسألة معاقبة الشخص المسؤول عن ممارسة العبودية.

ولكن ثمة آخرين كثيرين، من الخاضعين للعبودية أو من تخلصوا منها، لم يتوفر لهم نفس القدر من حسن الحظ، ولم يستردوا بعد كامل حقوقهم وحرياتهم.

2-5-1 الدفع مقابل الحرية

من الشائع أن يدفع الشخص الخاضع للعبودية مقابلاً مادياً لمن يستعبده من أجل الحصول على حريته. ففي مارس/آذار 1999، ذكر داه ولد مولود، وهو من "الحراتين" وكان مستعبَداً من قبل، في شهادته لمنظمة "إنقاذ العبيد" أنه اضطُر لإعطاء الشخص الذي كان يستعبده عشر نخلاتٍ مقابل الحصول على حريته. وقال إنه كان يكسب مالاً من أنشطته الخاصة، ومن ثم اكتسب قدراً من الاستقلال عن الشخص الذي كان يستعبده، إلا إنه أراد أن يضفي الطابع الرسمي على وضعه بشراء حريته. كما عرض داه ولد مولود تفاصيل عن البضائع أو الأموال التي قدمها 11 شخصاً آخرين في نفس منطقة عين إيمول (محافظة المديرية)، بين عامي 1996 و1998، من أجل شراء حريتهم. فقد قدم أحدهم ثلاث نخلاتٍ وبقرة، بينما قدم آخر عشر نخلاتٍ وطنين من حبوب الدُّخن.Fourth Annual Report of SOS Esclaves, Nouakchott, 2000.

2-5-2 استمرار الخضوع

يتضح من الواقع المتمثل في أن بعض أولئك الخاضعين للعبودية أحسوا بضرورة شراء حريتهم، على الرغم من استقرارهم في مهنٍ مستقلة، أن الصلات الوثيقة التي تشكلت على مدار أجيالٍ لا تختفي ببساطة مع النمو الاقتصادي. ففي كثيرٍ من الأحيان، يكون بوسع الشخص الذي يستعبد آخرين أن يمارس في وقتٍ لاحق نفوذه وسطوته على من كانوا خاضعين للعبودية.

فهناك حالات عديدة حاول خلالها بعض من كانوا يستعبدون آخرين الاستيلاء على ممتلكات أولئك الذين كانوا خاضعين للعبودية بعد موتهم. فعلى سبيل المثال، تُوفي مبوريك ولد مولود في يوليو/تموز 1995، ولدى عودة أسرته من مراسم الدفن في نواكشوط، حضر الشخص الذي كان يستعبده من قبل مطالباً بالحصول على معظم ممتلكات المتوفى، وهي عبارة عن بعض المال وعربة يجرها حمار وصكوك أرضه وبيت مؤلف من غرفتين، حسبما ورد. وقد سلطت الصحافة وكذلك منظمة "إنقاذ العبيد" الأضواء على هذه الحالة، وفيما بعد تنازل الشخص الذي كان يستعبد المتوفى عن دعواه، وصار بوسع الأرملة أن تحتفظ بالممتلكات. ومن الجوانب الجديرة بالملاحظة في هذه الحالة أن مبوريك ولد مولود عاش في دولة السنغال المجاورة لحولي 30 عاماً قبل إبعاده وإعادته إلى موريتانيا في عام 1989. ورغم هذه الف

u1578?رة الطويلة من الانفصال، فقد كان الشخص الذي سبق أن استعبده يشعر بأنه له حقاً مشروعاً في الاستيلاء على ممتلكاته.

وفي عام 2000، نجح تدخل منظمة "إنقاذ العبيد" في حالة مشابهة. فعندما تُوفي بلال ولد عبيد في يونيو/حزيران 2000، حضرت سيدتان إلى بيته وزعمتا أن بلال ولد عبيد كان "عبداً" لهما، ومن ثم فمن حقهما أن ترثا أرضه وممتلكاته القليلة. إلا إن أقارب المتوفى رفضوا الإذعان، فأمرتهم السيدتان، وكان بصحبتهما قريب يرتدي زياً عسكرياً، بأن يمثلوا أمام القاضي. وطلب القاضي من جميع الأطراف إيضاح صلتها بممتلكات بلال ولد عبيد، فأجابته إحدى السيدتين اللتين زعمتا أنه كان مملوكاً لهما بحكم العبودية: "إنني صاحبة الحق في الممتلكات التي تركها بلال، لأنه وُلد عبداً لي ولم أطلق سراحه مطلقاً. وعندئذٍ أمر القاضي الحاضرين بالخروج من مكتبه قائلاً "لا يجوز أن يتحدث أحد عن العبودية أمامي"، وطلب منهم إحالة القضية للحكومة. وعندما أُبلغت منظمة "إنقاذ العبيد" بالموضوع صحب مندوبوها أقارب المتوفى إلى الشرطة، ونتيجة لذلك تواجدت الشرطة لدى حضور السيدتين لأخذ الممتلكات. واقتيدت السيدتان إلى قسم الشرطة وتلقيا تحذيراً بعدم العودة إلى بيت بلال، وبعد ذلك قُسمت ممتلكاته على أفراد أسرته.

وقد بدا أن ثمة مؤشراتٍ على حدوث تغير إيجابي في السياسات من خلال تصريحاتٍ أدلى بها في عام 1996 مسؤولون قضائيون رفيعو المستوى بخصوص حالة عيشانا منت عبيد بويليل، التي فرَّت مما زُعم أنه عبودية في عام 1995 ولكنها كانت تسعى بدأب من أجل لم شملها مع أطفالها. إلا إن هذه التصريحات لم تتبعها ممارسات جديدة. ففي عام 1996 تقدمت عيشانا منت عبيد بويليل باستئنافٍ للطعن في حكمٍ أصدره قاضٍ في براكنا بأن يتولى رجل سبق أن استعبدها حضانة طفليها، حيث زعم أنه والدهما. وقد وجه وزير العدل، عثمان سيد أحمد ييسا، تعليماتٍ إلى المدعي العام في المحكمة العليا، وبناء عليها بعث المدعي العام بالرسالة التالية، في 11 فبراير/شباط 1996، إلى النيابة في روسو:

"مرفق طيه الالتماس المقدم من عيشانا منت عبيد بويليل، ونطلب منكم التدخل بقوة من أجل لم شمل الطفلين مع أمهما، والتي تعتقد أنهما اختُطفا على يد [...]، خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في المواد 323 و332 و335 من قانون العقوبات الموريتاني".Note Reference 099/96 from Chief Prosecutor, 11 February 1996.

وقد استُدعي الرجل الذي سبق أن استعبد عيشانا إلى مقر الدرك حيث أدلى بإفادة ادعى فيها أنه كان قد تزوج سراً من عيشانا منت عبيد بويليل وأنه والد الطفلين. وذكر الرجل أنه أبقى أمر هذا الزواج سراً لكي يتحاشى إغضاب زوجته الأولى وأبنائه. إلا إن عيشانا نفت ذلك نفياً قاطعاً. وكانت عيشانا، التي تنقلت في إطار العبودية من أخٍ إلى آخر، وكذلك أمها قد خضعتا للعبودية لدى نفس الأسرة. ويبدو أنه بعد أجيالٍ من العبودية، فإن الشخص الذي كان يستعبدهما يحاول ترسيخ ملكيته من خلال الادعاء بأنه والد الطفلين. وقد حكمت المحكمة لصالح عيشانا منت عبيد بويليل، ولكنها لم تتخذ أي إجراء لتقديم الرجل الذي استعبدها إلى ساحة العدالة. وبحلول يناير/كانون الثاني 1997، كان قد التأم شمل عيشانا منت عبيد بويليل مع أبنائها الخمسة.

وتوضح هذه الحالة أن اتخاذ إجراء ملائم في الوقت المناسب من جانب الحكومة يمكن أن يسفر عن نتائج ملموسة. كما تبين أنه حتى في غياب التشريع المطلوب لتجريم العبودية صراحةً، فإن ثمة بنوداً قانونية تتعلق باختطاف الأطفال يمكن تطبيقها لإنقاذ الأطفال الخاضعين للعبودية.

وهناك حالة أحدث تشير إلى دور حيوي آخر للدولة في التصدي لعادات العبودية التي لا تزال قائمة. فقد ذكرت الأنباء أن تسليم منت سليمان، وهي امرأة متزوجة ولديها سبعة أطفال وتعيش في نواديبو، قد أُخضعت للعبودية في أغسطس/آب 2001، لأنها على ما يبدو كانت قد "أُعطيت" من قبل في إطار العبودية لزعيم ديني مقيم في عطار. ويبدو أن هذه الصفقة قد بدأت في عام 1984، عندما تعهد جندي من أتباع الزعيم الديني بأن يمنحه الخادمة التي كانت خاضعةً للعبودية لديه من قبل إذا ما شُفي من الإصابات التي لحقت به أثناء الحرب في الصحراء الغربية. وفي عام 1992، بعث الزعيم الديني برسولٍ إلى تسليم منت سليمان طالباً منها أن تحضر إليه، ولكنها رفضت. ولكن بعد أن زار الزعيم الديني أم تسليم في زويرات وشقيقها المقيم بالقرب من عطار أصبحت تسليم "سجينة" في مقر إقامة الزعيم الديني. وليس من الواضح كيف حدث هذا، إلا إن الشكوك بدأت تساور عائلتها بعد أن تلقت طلباً بإرسال جميع أبناء تسليم إلى عطار.

وتوجهت أم تسليم إلى عطار وبصحبتها جميع الأبناء باستثناء أكبرهم، وهناك أبلغها الزعيم الديني، حسبما ورد، أن تسليم منت سليمان كانت أمَةً لديه منذ حرب الصحراء الغربية، وأصر على أن تعود الأم لإحضار الابن الأكبر. وعادت الأم بالفعل وأحضرت الابن، وكذلك زوج تسليم وأخوتها. وفي نهاية المطاف، وافق الزعيم الديني على مقابلة باقي أفراد الأسرة، حيث أوضح لهم أن تسليم منت سليمان وأبناءها هم في الواقع من أملاكه، لأنه حصل عليهم منحةً من الرجل الذي كان يستعبد تسليم منت سليمان من قبل. كما أوضح الزعيم الديني أن زواج تسليم وبناتها باطل قانوناً لأنه تم بدون موافقته.

وفي 30 سبتمبر/أيلول 2001، تقدمت عائلة تسليم بشكوى إلى المدعي العام، فتوجه مندوبون من النيابة مع بعض مسؤولي الأمن إلى مقر الزعيم الديني، حيث تمكنوا من دخوله وتأمين الإفراج عن تسليم، حسبما ورد. وفي اليوم التالي، حاول المدعي العام ومدير الأمن الإقليمي إقناع تسليم منت سليمان وأسرتها بالتنازل عن الشكوى، لأن الزعيم الديني ادعى أن المسألة لا علاقة لها بالعبودية، وأن المرأة وأبناءها حضروا إلى المقر مثل كثيرين آخرين من مريديه. وقد حُلت المسألة في النهاية بعيداً عن المحكمة، ولم تُتخذ أية إجراءاتٍ قضائية أو تأديبية ضد الزعيم الديني الذي ذكرت الأنباء أنه احتجز تسليم منت سليمان وأبناءها على غير رغبتهم.

3- العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية باعتبارها انتهاكاً لحقوق الإنسان

تُحظر العبودية صراحةً بموجب أربع اتفاقياتٍ دولية أساسية لحقوق الإنسان، وهي "الاتفاقية الخاصة بالرق" الصادرة عن عصبة الأمم عام 1926، و"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الصادر عام 1948، و"الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق" الصادرة عام 1956، و"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الصادر عام 1966.

ويُعد الحق في التحرر من العبودية والرِق واحداً من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز انتهاكها تحت أي ظرفٍ من الظروف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية تؤدي إلى طائفةٍ مركبة ومتزايدةٍ من الانتهاكات للحقوق الإنسانية الأساسية الأخرى التي يكفلها القانون الدولي، ومن بينها الحق في عدم التعرض للتمييز. ويحتوي عدد من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على تعريف للتمييز بأشكاله المختلفة. فعلى سبيل المثال، تنص "الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" على أن المقصود بتعبير التمييز العنصري هو "أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة". وبالمثل، تُعرف "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" مفهوم التمييز ضد المرأة بأنه "أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل". والحق في التمتع بالحقوق الإنسانية دون تمييز هو أحد المبادئ لأساسية التي تشكل صلب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويتجلى هذا المبدأ في جميع المواثيق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان تقريباً، وكذلك في ميثاق الأمم المتحدة.

ومن الحقوق الأساسية الأخرى التي يمكن أن تهدرها العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية الحق في السلامة البدنية والعقلية، بما في ذلك الحق في عدم التعرض للتعذيب وغيره من أشكال العقوبة أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والحق في حرية التنقل، والحق في حرية الشخص وأمنه وفي الاعتراف به أمام القانون.

وبالإضافة إلى المادة 1 من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن جميع البشر يولدون أحراراً متساوين،النص متوفر على شبكة الإنترنت على الموقع التالي: www.unhchr.ch/udhr/lang/eng.htm.فإن المادة 4 تنص على أنه "لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويُحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما". كما ينص الإعلان في المادة 3 على أن "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"، وهو حق لا يتماشى مع وضع العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية. كما أن القيم الأساسية المتمثلة في الكرامة والمساواة، والواردة في ديباجة الإعلان، والتي ينبثق منها القانون الدولي لحقوق الإنسان، تتناقض صراحةً مع العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية، حيث تنص الديباجة على أن "الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. وتكفل المادة 2 التمتع بالحق في الكرامة والمساواة وحرية الشخص "دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر. وتضمن المادة 23 حرية الاختيار في مجال العمل، حيث تنص على أن "لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروطٍ عادلة ومرضية". وقد استمد كثير من الدساتير الحديثة نصوصها من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وتتضمن النصوص الدستورية الحديثة بنوداً مناهضة للعبودية.انظر، على سبيل المثال، دساتير كل من بربادوس، كولومبيا، الكونغو، السلفادور، إثيوبيا، جورجيا، اليونان، الهند، ماليزيا، ملاوي، منغوليا، نيجيريا، باكستان، رواندا، روسيا الاتحادية، جنوب إفريقيا، سورينام، تركيا، الولايات المتحدة الأمريكية، أوكرانيا.

3-1 تعريفات العبودية في القانون الدولي

ظل التعريف الأصلي للعبودية الوارد في "الاتفاقية الخاصة بالرق" الصادرة عام 1926 دون تغيير يُذكر. كما أُعيد التأكيد على هذا التعريف في "الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق" ("الاتفاقية التكميلية" الصادرة عام 1956). إلا إن القانون الدولي اتسع بشكلٍ مطرد للتصدي للممارسات الشبيهة بالعبودية.

3-1-1 العبودية

بالرغم من أن القانون الدولي قد تصدى منذ عهدٍ بعيدٍ لقضية الرق وتجارة الرقيق، فقد كانت "الاتفاقية الخاصة بالرق" الصادرة عام 1926 هي أول معاهدة دولية ملزمة ترد فيها تعريفات لمصطلحات الرق وتجارة الرقيق.

فالمادة 1 من "الاتفاقية الخاصة بالرق" لعام 1926 تعرِّف الرق بأنه:

"[...] حالة أو وضع أي شخص تُمارس عليه السلطات الناجمة عن حق الملكية، كلها أو بعضها".

وقد أعادت "الاتفاقية الإضافية" لعام 1956 التأكيد على تعريف الرق الوارد في "الاتفاقية الخاصة بالرق" لعام 1926، ولكنها حددت فضلاً عن ذلك عدداً من الأعراف والممارسات الشبيهة بالعبودية. فالمادة 1 تحظر الاستعباد وفاءً للدين، والقنانة، وخطبة امرأة قسراً مقابل الحصول على مكاسب، وبيع وشراء وتبادل ونقل الزوجات، والممارسة المتمثلة في أن تصبح المرأة إرثاً بعد وفاة زوجها، ونقل الأطفال بغرض استغلال عملهم. كما عرَّفت الاتفاقية التكميلية وضع الاسترقاق بأنه "الحالة أو الوضع الناجم" عن الاستعباد وفاءً للدين، والقنانة وغيرهما من الممارسات المحظو�585?ة المتعلقة بالنساء والأطفال.

ويُذكر أن موريتانيا انضمت إلى "الاتفاقية التكميلية" لعام 1956 في 6 يونيو/حزيران 1986.

3-1-2 الاسترقاق

يُستخدم مصطلح الاسترقاق في كل الأحوال باعتباره جريمة ضد الإنسانية. ويتضمن "مشروع قواعد الجرائم ضد السلم وأمن البشرية"، الذي وضعته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، عدداً من التعريفات."مشروع قواعد الجرائم ضد السلم وأمن البشرية" الصادر عن "لجنة القانون الدولي" التابعة للأمم المتحدة. وقد اعتمدت اللجنة هذا النص في دورتها الثامنة والأربعين عام 1996، وقدمته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ضمن تقرير اللجنة الذي يغطي أعمال دورتها. كما نُشر التقرير (وثيقة الأمم المتحدة رقم: A/48/10)، الذي يتضمن أيضاً تعليقاتٍ على مشاريع البنود، في الكتاب للجنة القانون الدولي لعام 1996، المجلد 2 (2). انظر الفقرة 10 من التعليق على مشروع المادة 18. فالتعليق على المادة 18 من مشروع القواعد لعام 1996 ينص على أن جريمة الاسترقاق، باعتبارها جريمةً ضد الإنسانية، تشمل " السخرة أو العمل الإجباري بما يخالف معايير القانون الدولي الراسخة والمعترف بها على نطاقٍ واسع، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب".يعرف مشروع القانون لعام 1991 جريمة الاسترقاق، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، بأنها "إخضاع أو إبقاء شخص في وضع الاسترقاق أو العبودية أو العمل الإجباري".

وجاء أحدث تعريفٍ للاسترقاق في إطار القانون الدولي في قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية،انظر "قانون روما الأساسي" للمحكمة الجنائية الدولية، الذي اعتُمد في المؤتمر الدبلوماسي للأمم المتحدة الخاص بإنشاء محكمةٍ جنائيةٍ دولية، والمنعقد في 17 يوليو/تموز 1998 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: A/CONF.183/9). حيث تقضي المادة 7 (1) (ج) بأن الاسترقاق يُعد جريمةً ضد الإنسانية، بينما تنص المادة 7 (2) (ج) على أن "المقصود بتعبير ‘الاسترقاق’ هو أن تُمارس على شخص ما السلطات الناجمة عن حق الملكية، بعضها أو كلها".

وفيما يتعلق بالممارسات المعاصرة المرتبطة بالعبودية أو التحكم أو الملكية، والتي ترتبط أحياناً بالإكراه والعنف والتهديد، تقدم المواثيق الدولية معايير توجيهية للتعرف على الممارسات الشبيهة بالعبودية، والتي تشمل الملكية بحكم القانون أو بحكم الواقع الفعلي، والقيود على حرية التنقل، والقيود على الحرية في اختيار العمل، والقيود على التصرف في المتعلقات الشخصية أو التخلص منها، وأوضاع المعيشة غير الملائمة، وفرض العمل الإجباري، وساء أكان بمقابل أو بغير مقابل.

3-2 الإطار القانوني لالتزامات موريتانيا

تُحظر انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالعبودية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وكذلك بموجب دستور موريتانيا وتشريعاتها المحلية. وتدعي الحكومة أنها ألغت العبودية، إلا إنها تقاعست عن تنفيذ عددٍ من أحكام الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. والجدير بالذكر أن موريتانيا صادقت على بعض المواثيق الدولية وانضمت إليها، ومن بينها "الاتفاقية الخاصة بالرق" لعام 1926، و"الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق" لعام 1956، و"الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" في عام 1986، و"اتفاقية حقوق الطفل" في مايو/أيار 1991، و"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" و"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" في مايو/أيار 2001.

وتلزم المادة 1 من "الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" ("الميثاق الإفريقي") الدول الأطراف بالاعتراف بالحقوق والواجبات والحريات الواردة في الميثاق وأن "تتعهد باتخاذ الإجراءات التشريعية وغيرها من أجل تطبيقها". ومن ثم ذكرت "اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" أنه يتعين على الدول الأطراف الإقرار بالحقوق الواردة في الميثاق وحمايتها، وأن التغاضي عن ضمان تلك الحقوق يمثل انتهاكاً للالتزامات بموجب الميثاق، حتى وإن لم تكن الدولة أو موظفوها السبب المباشر في الانتهاك. وتكفل المادة 5 أن يكون:

"لكل فرد الحق في احترام كرامته والاعتراف بشخصيته القانونية وحظر كافة أشكال استغلاله وامتهانه واستعباده خاصة الاسترقاق والتعذيب بكافة أنواعه والعقوبات والمعاملة الوحشية أو اللاإنسانية أو المذلة".

وبالمثل، تكفل المادتان 3 و19 لكل فرد الحق في المساواة أمام القانون، كما تحظران سيطرة شعبٍ على شعبٍ آخر. وتلزم المادة 26 الدول الأطراف بضمان استقلال المحاكم وإتاحة إنشاء وتحسين المؤسسات الوطنية المختصة التي يُعهد إليها بالنهوض وبحماية الحقوق والحريات الواردة في الميثاق. كما تحظر المادة 28 ممارسة التمييز وتؤكد على ضرورة الارتقاء "بالاحترام والتسامح المتبادلين".

وفي مايو/أيار 2000، خلص اجتماع "اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" عُقد في مدينة الجزائر العاصمة، عقب زيارة قامت بها اللجنة إلى موريتانيا في يونيو/حزيران 1996، إلى القول بأن:

"[...] العمل بدون مقابل يمثل انتهاكاً للحق في الكرامة المتأصلة في الإنسان وفضلاً عن ذلك فإن [اللجنة] ترى أن الأوضاع التي يتعرض لها المنحدرون من نسل العبيد تشكل بوضوح استغلالاً وإذلالاً للإنسان، وهما نوعان من الممارسة يشجبهما الميثاق الإفريقي".رقم الوثيقة: AHG/222 (XXXVI Add.)

وبالإضافة إلى "الميثاق الإفريقي"، فقد صادقت موريتانيا في ديسمبر/كانون الأول على "الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري". وبوصفها من الدول الأطراف في هذه الاتفاقية، فإن موريتانيا ملزمة بأن:

"... تشجب التمييز العنصري و[أن] تتعهد بأن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون أي تأخير، سياسة للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله وتعزيز التفاهم بين جميع الأجناس".المادة 2 (1) من "الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري".

t1 والواقع أن الاتفاقية تفرض التزاماتٍ محددة على الدول الأطراف من أجل القضاء على التمييز العنصري، إذ تتعهد كل دولةٍ من الدول الأطراف بعدم إتيان أي عملٍ أو ممارسة من أعمال أو ممارسات التمييز العنصري، وبأن تضمن تصرف السلطات العامة والمؤسسات العامة، القومية والمحلية، بما يتماشى مع هذا الالتزام. كما تتعهد كل دولة طرف بعدم تشجيع أو حماية أو تأييد أي تمييز عنصري يصدر عن أي شخص أو أية منظمة، وبأن تتخذ تدابير فعالة لإعادة النظر في السياسات الحكومية القومية والمحلية، ولتعديل أو إلغاء أو إبطال أية قوانين أو أنظمة تكون مؤدية إلى إقامة التمييز العنصري أو إلى إدامته حيثما يكون قائماً.

وفي الوقت نفسه، تقضي الاتفاقية بأن تقوم الدول الأطراف، بجميع الوسائل المناسبة، بما في ذلك سن التشريعات التي تقتضيها الظروف، بحظر وإنهاء أي تمييز عنصري يصدر عن أي أشخاص أو أي جماعة أو منظمة.

وللوفاء بهذه الالتزامات يتعين على الدول الأطراف ألا تكتفي بسن التشريعات الملائمة، بل عليها أيضاً أن تكفل تنفيذها على نحوٍ فعال. وقد ذكرت "لجنة القضاء على التمييز العنصري" أن تنفيذ هذه الالتزامات يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الموظفين المحليين المكلفين بإنفاذ القانون والذين يمارسون سلطات الشرطة، ولا سيما سلطات القبض والاحتجاز، كما يعتمد على ما إذا كان هؤلاء الموظفون قد أُبلغوا على النحو الواجب بالتزامات بلادهم بموجب الاتفاقية. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين أن يتلقى الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون تدريباً مكثفاً لضمان أنهم، خلال أدائهم لواجباتهم، يحترمون ويحمون الكرامة الإنسانية، كما يصونون الحقوق الإنسانية لجميع الأفراد دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الأصل القومي أو العِرقي.

وذكرت اللجنة أن عدم التمييز، جنباً إلى جنبٍ مع المساواة أمام القانون وتوفير حماية متساوية بموجب القانون دون تمييز، يشكل مبدأً أساسياً في حماية حقوق الإنسان. ولهذا، تلزم الاتفاقية الدول الأطراف بإبطال أية قوانين أو ممارساتٍ قد تؤدي إلى خلق التمييز العنصري أو إدامته.

إلا إن أي تباين في معاملة الأفراد لا يشكل تمييزاً إذا كانت معايير هذا التباين مشروعة، وفقاً لأهداف وأغراض الاتفاقية. ومن ثم، تقر اللجنة بأن بعض الأفعال قد يكون لها أغراض متباينة. ولتحديد ما إذا كان لهذا الفعل أثر مخالف للاتفاقية، تدرس اللجنة، ضمن أشياءٍ أخرى، ما إذا كان لهذا الفعل أثر متفاوت غير مبرر على جماعةٍ ما يتم تمييزها عن سواها بسبب العنصر أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو العِرقي.

كما أشارت اللجنة إلى أن التمييز العنصري قد تكون له تبعات تؤثر على النساء في المقام الأول، أو تؤثر عليهن وحدهن. فعلى سبيل المثال، قد تواجه المرأة معوِّقات تحول بينها والاستعانة بآليات الشكاوى والإنصاف من التمييز العنصري، وذلك بسبب العراقيل المرتبطة بوضعها كامرأة، مثل التحامل على المرأة في النظام القانوني والتمييز ضد المرأة في مجالات الحياة الشخصية. ولهذا، ذكرت اللجنة أنه يتعين على الدول الأطراف أن تصف، من الناحية الكمية والنوعية بقدر الإمكان، العوامل المؤثرة والصعوبات التي تطرأ فيما يتعلق بضمان تمتع المرأة بالحقوق التي تكفلها الاتفاقية على قدم المساواة ودون التعرض للتمييز العنصري. وترى اللجنة أن من شأن هذا أن يساعد الدول الأطراف على تحديد ومقارنة واتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة أشكال التمييز العنصري ضد المرأة والتي قد تمر دون أن يلاحظها أحد أو يتصدى لها.

ومن ثم، فإن الدول الأطراف، بما فيها موريتانيا، ملزمة بضمان التنفيذ الفعال لأحكام الاتفاقية، وبتقديم تقارير عن الإجراءات التي اعتمدتها من أجل وضع أحكام الاتفاقية موضع التنفيذ. ومع ذلك، لم تقدم موريتانيا إلا في عام 1998 تقريرها الدوري الأولي إلى "لجنة القضاء على التمييز العنصري"، رغم أن الموعد المقرر لتقديمه هو عام 1990.

وقد زعم التقرير أنه "لم يحدث مطلقاً أن عانى التكامل والتوافق بين الجماعات الاجتماعية الثقافية المختلفة في البلاد من التمييز العنصري". ولكنه ذكر أن "العلاقات الاجتماعية المتأصلة في العادات والأعراف القَبَلية التقليدية وفي التقسيم التراتبي التقليدي للمجتمع، وفقاً للأنشطة الأساسية للفئات التي يتكون منها، قد أدى إلى بروز ظواهر تنطوي على مفارقاتٍ".الفقرتان 195 و196 من التقرير الدوري الخامس للدول الأطراف، والمقرر تقديمه عام 1998، موريتانيا 26 أكتوبر/تشرين الأول 1998 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CERD/C/330/Add1).

وفي تعليقاتها على التقرير، طلبت اللجنة من الحكومة الموريتانية على وجه الخصوص تقديم معلوماتٍ عن الخطوات التي اتُخذت من أجل "تعزيز النضال ضد التمييز الذي يؤثر على أكثر فئات السكان استضعافاً، ولا سيما جماعات الزنوج، وكذلك ... استئصال الآثار المترسبة عن ممارسات العبودية والاسترقاق غير الطوعي".الملاحظات الختامية للجنة القضاء على التمييز العنصري، موريتانيا 19 أغسطس/آب 1999 (وثيقة الأمم المتحدة رقم: A/54/18, Para 332, Concluding Observations/Comments).

ومن المعايير الدولية الأخرى التي صادقت عليها موريتانيا "اتفاقية حقوق الطفل"، والتي تنص المادة 20 منها على أنه:

"للطفل المحروم بصفةٍ مؤقتةٍ أو دائمةٍ من بيئته العائلية، أو الذي لا يُسمح له، حفاظاً على مصالحه الفضلى، بالبقاء في تلك البيئة، الحق في حماية ومساعدةٍ خاصتين توفرهما الدولة".

وبالمثل، تحدد المادة 32 (1) نوع العمل الذي يمكن للطفل أن يقوم به، وإذا ما وُضعت هذه المادة موضع التطبيق فمن شأن ذلك أن يحسن إلى حدٍ كبير وضع كثيرٍ من الأطفال في موريتانيا. فهذه المادة تحظر الاستغلال الاقتصادي للطفل، وكذلك أي عملٍ:

"[...] يُرجَح أن يكون خطيراً أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي".

أما المادة 39 فتلزم الدول الأطراف بأن:

"تتخذ ... �603?ل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفسي وإعادة الاندماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية أي شكلٍ من أشكال الإهمال أو الاستغلال، أو الإساءة، أو التعذيب أو أي شكلٍ آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو المنازعات المسلحة".

وفي يناير/كانون الثاني 2000، قدمت موريتانيا أخيراً تقريرها إلى "لجنة حقوق الطفل"، والذي كان مقرراً تقديمه في عام 1993. إلا إن تقرير الحكومة الذي تأخر عن موعده طويلاً لم يتضمن إشارة خاصة لوضع الأطفال الذين عانوا من العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بهما من انتهاكاتٍ وتمييز.

وقد بحثت "لجنة حقوق الطفل" تقرير موريتانيا الدوري في سبتمبر/أيلول 2001. ونفى الوفد الموريتاني وجود حالاتٍ من العمل بدون مقابل في موريتانيا، وزعم الوفد أن:

"المجتمع الموريتاني لم يعرف الاسترقاق أو الإقصاء أو التمييز مطلقاً، كما أنه لم يتم التسامح مع ممارسات السخرة والاسترقاق، سواء من خلال التقاليد القانونية للبلاد أو في الممارسة العملية".التقرير الأولي المقدم من موريتانيا إلى "لجنة حقوق الطفل" (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CRC/C/8/Add.42).

وهذا الادعاء الذي قُدم إلى إحدى اللجان الدولية المعنية بحقوق الإنسان يتناقض تماماً مع سجلات المرحلة الاستعمارية، التي تعترف بوجود العبودية، ومع القرار الصادر عام 1981 بإلغاء العبودية. كما أن المعلومات التي جمعتها منظمة العفو الدولية تبين أن العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بهما من انتهاكات وتمييز لا تزال قائمة في البلاد.

4- تقاعس الحكومة عن اتخاذ إجراء بخصوص ما ورد من أنباء عن حالات العبودية

تسلط الحالات التالية الضوء على عددٍ من بواعث القلق بشأن حقوق الإنسان والناجمة عن العبودية في موريتانيا في الوقت الراهن. وتعرض هذه الحالات أمثلةً لتقاعس الحكومة عن اتخاذ إجراءات كافية لمعالجة تلك الحالات الفردية ولضمان عدم استمرار الانتهاكات.

4-1 هروب مبارك ولد بلال ولد بريكات

في يونيو/حزيران 2001، فرَّ شاب يُدعى مبارك ولد بلال ولد بريكات، ويبلغ من العمر نحو 17 عاماً، من العبودية في منطقة كادي، حسبما زُعم.حالة أوردتها منظمة "إنقاذ العبيد".وقال الشاب إنه ترك وراءه ثلاثة أخوة أصغر منه، وهم براهيم وبويليل ولقداف، وأخته الصغرى سليمة، وأمه كرومانية، وهي صماء وخرساء منذ ولادتها. والعائلة بأكملها تخضع للعبودية على ما يبدو لدى أربعة أخوة من البدو وتعمل في خدمتهم.

ويبدو أن مبارك لم يحصل على أي قدرٍ من التعليم. فخلال مقابلةٍ مع منظمة "إنقاذ العبيد" بدت أميته بوضوح، حيث تبين أنه ليست لديه فكرة عن اختلاف أيام الأسبوع، ولا يعرف عمره أو عمر أخوته. وعلى النقيض من ذلك، فقد التحق أطفال أولئك الذين استعبدوه بمدرسةٍ إسلامية ودرسوا القرآن الكريم، حسبما ورد.

وذكر مبارك أنه أمضى عمره في العناية بالمواشي التي يملكها أحد الأخوة الأربعة، بينما تتولى أمه العناية بالأغنام والماعز، فضلاً عن جمع المياه وطحن حبوب نبات الدُّخن. أما الأشخاص الذين يستعبدون هذه الأسرة فيقتصر عملهم على التأكد من عودة الماشية من مرعاها، وبيع بعضها إن لزم الأمر، ومراقبة العمل الذي يقوم به الخاضعون للعبودية في مطلع اليوم ونهايته.

وأفادت الأنباء أن مبارك وأمه وأخته كانوا يعملون جميعاً لدى شخصٍ واحدٍ من عشيرة زقورة في قبيلة كونتا، بينما يعمل أخوة مبارك لدى أفراد آخرين من نفس الأسرة. وقال مبارك إنه هرب في نهاية الأمر بسبب الشتائم والإهانات المستمرة التي كانت تُوجه إليه، وكذلك بسبب العمل الشاق بلا رحمة، وليس بسبب سوء المعاملة البدنية، رغم أنه كثيراً ما كان يتعرض في الماضي للضرب بالعصا. وأضاف أنه في اليوم السابق لهربه تاهت إحدى العنزات ومن ثم تخوف مما يمكن أن يلقاه من عقاب من الرجل الذي يستعبده.

وتفيد معلومات مبارك أن هؤلاء الخاضعين للعبودية لا يحصلون على قدرٍ كافٍ من الغذاء. فالوجبة الوحيدة التي يتناولونها طوال اليوم هي حبوب الدُّخن المطهوَّة مع الحليب، والتي تعدها أم مبارك كل مساء لمن يستعبدونهم. وفي أثناء وجود الخاضعين للعبودية خارج البيت للعمل خلال النهار، تقوم زوجات الأخوة الأربعة بطهي الأرز لأنفسهن، على ما يبدو. وقال مبارك إنه كان يُضطر أحياناً إلى امتصاص بعض الحليب من الماشية التي يرعاها إذا ما شعر بالجوع أثناء النهار. وكان مبارك وأسرته محرومين على ما يبدو من الاتصال بأي أشخاص خارج الأسرة، وكان يُطلب منهم، ومن غيرهم الخاضعين للعبودية، الاختباء إذا ما مرت أية سيارة، كما كانوا ممنوعين من الذهاب للمدينة، حسبما ورد، وكان يُقال لهم إن الناس سيقتلونهم هناك وإن الموريتانيين الزنوج سوف يصبون عليهم اللعنات. وكان أفراد من "الحراتين" يتولون العناية بالجمال والأبقار الموجودة لدى الأسرة، وبسبب وضع مبارك وأسرته كعمالٍ خاضعين للعبودية، لم يكن مسموحاً لهم بالاختلاط بهؤلاء "الحراتين".

وقد توجه مندوبون من منظمة "إنقاذ العبيد" مع الشاب إلى حاكم كادي، وهو الممثل المحلي للحكومة المركزية، وطلبوا منه توفير الحماية لمبارك من المحاولات التي يُحتمل أن يقوم بها الشخص الذي كان يستعبده من أجل أسره مرة أخرى ومعاقبته، كما طلبوا مساعدته لضمان الإفراج عن أم مبارك وأخوته. وورد أن الحاكم رفض مقابلة مبارك، ووعد مندوبي منظمة "إنقاذ العبيد" بأنه سيستدعي مسؤولي الدرك ويطلب منهم التحدث مع الأسرة التي استعبدت الشاب. ولكن بعد انصراف رئيس منظمة "إنقاذ العبيد"، استجوبت قوات الدرك مبارك، على ما يبدو، وسألته عما إذا كان قد سمح للمنظمة بالتقاط صورٍ له، كما فتشت المكان الذي يقيم فيه. واستجوبت قوات الدرك أيضاً الشخص الذي كان يأوي مبارك. ويُعتقد أن أفراد أسرته الآخرين لا يزالون خاضعين للعبودية. وفي اجتماعٍ غير رسمي مع الحاكم، أُبلغت منظمة "إنقاذ العبيد" أن تحقيقات الدرك أظهرت أنه لا توجد مش�603?لة تتعلق بالعبودية، مما يعني ضمناً أنه لن يُتخذ أي إجراء. والواقع أن منظمة "إنقاذ العبيد" لم تتلق أية دلائل تشير إلى إجراء أية حقائق.

4-2 فرار بدون العائلة: محنة سليمان ولد علي

في نوفمبر/تشرين الثاني 1997، هرب سليمان ولد علي، البالغ من العمر 30 عاماً، من الشخص الذي كان يستعبده حيث كان يعيش في بلدة لوتيدات في منطقة الحوض الشرقي بالقرب من الحدود مع مالي.حالة أوردتها منظمة "إنقاذ العبيد".وبالرغم من أن سليمان ولد علي يسعى للإفراج عن أمه، زايدة منت مبارك، وأخته، فاطمة منت زايدة، فإنهما لا يزالان خاضعين للعبودية، حسبما ورد. وقد أُبلغت "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان" بهذه الحالة في يونيو/حزيران 1998، ولكنها لم تتخذ أي إجراء، على ما يبدو.

وروى سليمان أنه وُلد وترعرع في خيام أبناء وبنات الرجل الذي استعبده، وكان مسؤولاً عن رعاية قطعان الأغنام التي يملكها هذا الرجل، وتضم نحو 400 رأس من الخراف والماعز، بالإضافة إلى جمع الأخشاب والبحث عن المياه وطحن حبوب الدُّخن وإعداد وجبات الطعام، حيث كان يعمل بصورةٍ متواصلةٍ ولا يُتاح له سوى بضع ساعاتٍ قلائل للراحة. ولم يكن يُسمح له بتناول أي طعام سوى ما يتبقى في قاع القدور، ولم يكن يحصل على أي قدرٍ من الحليب ونادراً ما كان يُسمح له بتناول كوب من الشاي. وكل خمسة أشهر كان يُعطى رداءً سميكاً وقصيراً يسمى "بوبو" (وهو عبارة عن عباءة تغطي جسد الرجل)، وقد يكون جديداً أو مستعملاً، وفي كل عام كان يُعطى سروالاً مستعملاً. ولم تكن لدى سليمان أية أحذية أو أغطية تقيه من البرد، ولم يكن يتلقى أي علاج إذا توعك، بل كان يُتهم بالتمارض. وكان سليمان ينام تحت شجرة، لأنه لا يملك خيمة أو كوخاً أو حصيرةً، إلا إنه كان يأوي إلى بيت بعض جيران الرجل الذي استعبده إذا ما هطلت الأمطار. وذكر سليمان أنه كان يتعرض للضرب في طفولته، ثم توقف ذلك مع تقدمه في العمر، إلا إن من استعبدوه كانوا يراقبونه مراقبة لصيقة للتأكد من أنه يؤدي عمله على النحو الصحيح.

ولم يتلق سليمان أي تعليم، على ما يبدو، وكان الرجل الذي استعبده يعارض أمر زواجه، حسبما ورد. وفي نهاية المطاف لم يجد بديلاً أمامه سوى الهرب. أما أمه فتؤدي الأعمال المنزلية لنفس الشخص. وتشارك أخته أيضاً في تأدية الأعمال المنزلية، فضلاً عن العناية بالجمال والأغنام.

5- في مواجهة تغافل الدولة

إذا كانت الحالة الأولى التي سبق ذكرها قد عُرضت على حاكم كادي بينما عُرضت الثانية على "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان"، فقد كان رد الفعل في الحالتين غير كافٍ على الإطلاق. ووفقاً لالتزاماتها بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فإنه يتعين على الحكومة أن تضمن وجود آلياتٍ كافية لتسهيل عملية الاستجابة الملائمة لأي من أمثال هذه الحالات التي تُعرض على الهيئات الرسمية الأخرى.

ويجب أن تتضمن هذه الاستجابة ما يلي:

  1. إجراء تحقيقٍ وافٍ ونزيه على وجه السرعة في ادعاءات الخضوع للعبودية وأية ادعاءاتٍ عن الانتهاكات المتصلة بها؛

  2. ضمان أن تُوفر للشخص الذي فرَّ من العبودية الحماية من إعادة أسره، وغير ذلك من الانتهاكات، بما في ذلك أشكال العقاب التي يمكن أن يلقاها على يد الشخص الذي كان يستعبده؛

  3. السعي للإفراج عن الآخرين ممن كانوا خاضعين للعبودية مع الشخص الهارب؛

  4. ·ضمان احترام حقوق ضحايا العبودية، شأنهم شأن ضحايا الانتهاكات الأخرى الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحصول على تعويض؛

  5. الاتصال بالأشخاص الذين استعبدوا آخرين وتوضيح مسؤولياتهم في التقيد بالقانون الذي يقضي بأن احتجاز أي شخص رهن العبودية يُعد أمراً غير مشروع؛

  6. تقديم المشتبه في مسؤوليتهم عن ممارسة معاملة غير إنسانية وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان إلى ساحة العدالة بما يتماشى مع القانون الدولي ودون اللجوء إلى فرض عقوبة الإعدام.

6- التمييز ضد الذين كانوا خاضعين للعبودية

يتفشى التمييز ضد الأشخاص الذين كانوا خاضعين للعبودية وكذلك ضد المنحدرين من نسلهم، كما أن آليات النفوذ والخضوع عميقة الجذور. وتُرتكب انتهاكات حقوق الإنسان المبنية على هذا التمييز، سواء في صورة الممارسات الشبيهة بالعبودية أو الحرمان من الحقوق الأساسية، دون أن تمتد يد العدالة إلى مرتكبيها.

6-1 عدم كفاية التحقيقات في وفاة طاهر ولد سيدنا،والذي اختُطف في سياق علاقات العبودية

تُوفي طاهر ولد سيدنا، البالغ من العمر 14 عاماً، بعد أن اختطفه الرجل الذي كان يستعبد والد طاهر، حسبما زُعم.تمكنت منظمة العفو الدولية من توثيق هذه الحالة من مصادر مباشرة، وكذلك من مواد مطبوعة أعدتها منظمة "إنقاذ العبيد".ففي أغسطس/آب 1999، اقتيد طاهر ولد سيدنا من منزله في بلدة كادي في جنوب موريتانيا، على يد الرجل الذي كان يستعبد والده الراحل، حسبما زُعم. وكان هذا الرجل يصر من قبل على أن يأتي الصبي للعمل لديه في مراتٍ سابقةٍ في نهاية الفصل الدراسي، وهو ما فعله الصبي.وعندما كانت والدة طاهر، وهي بائعة حبوب من كادي، تشكو إلى الرجل، الذي سبق أن استعبد زوجها الراحل، من استخدام ابنه بهذا الشكل الذي ينطوي على إيذاء، كان الرجل يحاول تبرير ذلك بقوله إنه يستخدمه بسبب "الروابط العائلية". وكثيراً ما تُستخدم عبارة "الروابط العائلية" للإشارة إلى العلاقات بين الخاضعين للعبودية ومن يستعبدونهم، حيث أن الإقرار بالعبودية صراحةً في الوقت الراهن أصبح أمراً غير قانوني. ويُذكر أن الشخص الذي ورد أنه كان يستعبد والد الصبي من الشخصيات المرموقة في موريتانيا، وسبق أن شغل عدداً من المناصب المهمة، بما في ذلك عدة مناصب في الشرطة، قبل أن ينهي خدمته كمسؤولٍ حكومي رفيع المستوى.

وكانت أم الصبي قد عادت إلى منزلها من الحقول، في أحد أيام أغسطس/آب 1999، لتجد أن ابنها، وهو الابن الوحيد الباقي في البيت، قد اق�578?يد إلى منزل الرجل الذي كان يستعبد زوجها في منغول. وعندئذ، بعثت الأم برجاء إلى الرجل من خلال بعض المقربين طالبةً إعادة ابنها. وفي تلك المرحلة، لم تبلغ الأم الشرطة بالواقعة. وكان الرجل قد رد في مرةٍ سابقةٍ على استفسارات الأم بقوله، حسبما زُعم "هذا الصبي عبدي، وسوف أفعل به ما أشاء".

ولم تعرف الأم إلا في أكتوبر/تشرين الأول 1999 أن ابنها قد مات، وذلك عندما قابلت الرجل الذي كان يستعبد زوجها في بلدة كادي. ولم تُقدم لها أية معلومات أخرى. وبالرغم من استفساراتها لدى آخرين من سكان المنطقة، لم تتمكن الأم من التوصل إلى أي شخص شاهد جثة الصبي قبل دفنها أو لديه معلومات عن كيفية وفاته. وقد ترددت شائعات مختلفة عن أنه تُوفي بسبب عملٍ من أعمال السحر، أو بسبب حمى، أو أنه مات مسموماً، أو بسبب عضة ثعبانٍ، أو من جراء إصاباتٍ لحقت به خلال عراكٍ مع ابن الرجل الذي يستعبده. وكان الرجل، في نفس وقت الوفاة تقريباً، قد توجه إلى المدينة على ما يبدو سعياً للحصول على علاجٍ طبي لابنه الذي أُصيب بجرحٍ في ساقه.

وبمساعدة شقيقها التوأم، قدمت الأم شكوى رسمية اتهمت فيها الرجل بأخذ الصبي دون إذنٍ وبالمسؤولية عن اختفائه، وسُجلت الشكوى لدى الشرطة بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 1999. والتقت الأم وشقيقها، وبصحبتهما مندوب من منظمة "إنقاذ العبيد"، مع وزير العدل في يناير/كانون الثاني 2000، حيث أكد الوزير، حسبما ورد، أن الرجل المشتبه فيه قد أخذ الصبي فعلاً، ولكنه صرح أنه لا تتوفر لديه معلومات كافية تتيح له التوصل إلى نتائج بخصوص الملابسات التي أُخذ فيها. ويُعتقد أن الحديث خلال هذه المقابلة لم يتطرق لمسألة وفاة الصبي، كما لم يذكر الوزير شيئاً عما إذا كان قد بدأ تحقيق في الحالة بعد استلام الشكوى الرسمية في ديسمبر/كانون الثاني، إلا إنه وعد على ما يبدو بأن يطلب من الشرطة المحلية فتح تحقيقٍ في الحالة.

وفي 10 فبراير/شباط 2000، أبلغ الوزير والدة طاهر ولد سيدنا وشقيقها أن الصبي تُوفي يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 1999، من جراء مرض الملاريا الدماغية. وأبلغهما رئيس النيابة، عند مقابلتهما بعد وقتٍ قصيرٍ، أن الرجل المشتبه فيه قد ادعى أن له "روابط عائلية" مع الصبي وأنه كان يتكفل بنفقات تعليمه، وهو الأمر الذي نفته الأم نفياً قاطعاً. كما سلمهما رئيس النيابة رسالةً مؤرخة في 4 فبراير/شباط 2000، أي بعد نحو ثلاثة أشهر من وفاة الصبي، وموقعةً من رئيسة الممرضات في مركز منغول الطبي، جاء فيها أن سبب الوفاة هو الملاريا الدماغية، وهذه الرسالة هي السند الوحيد الذي يشير إلى سبب الوفاة. وقد رفض رئيس النيابة تسليمهما نسخةً من تقرير التحقيقات التي أجرتها النيابة في كادي، متعللاً بأنه سري، كما رفض إبلاغهما بنتائج التحقيقات. ولم تتلق الأم ما يفيد بإجراء تشريح للجثة، ولم تكن الرسالة مصحوبة بالمستندات الطبية ذات الصلة.

ولم تتنازل الأم عن القضية المرفوعة ضد الرجل، الذي اتهمته بخطف ابنها وقتله. ومع ذلك، فليس ثمة دلائل تشير إلى أن الشرطة تحقق في القضية. فلم يُقبض على الرجل المشتبه فيه، ولم تستجوبه الشرطة أو تستدعيه للإدلاء بشهادته.

وتثير هذه الحالة عدة قضايا هامة، أولاها أن الصبي اختُطف فيما يبدو على يد مواطن آخر، وتقاعست الحكومة عن التحقيق في الواقعة منذ إبلاغها بها. والقضية الثانية هي وفاة الصبي في ظروفٍ غير معروفة، وذلك فيما يبدو بينما كان لدى الرجل الذي استعبد أباه الراحل. والمعروف أن الحكومة مسؤولة عن إجراء تحقيقٍ وافٍ ومستقلٍ ونزيه في سبب الوفاة، أما التحقيقات التي أُجريت فكانت ناقصة وغير متاحة للفحص من جانب جهةٍ مستقلة. ورغم أن مخالفة الإجراءات الجنائية أمر شائع، فإنها في هذه الحالة تؤدي إلى تفاقم الوضع، حيث يمكن أن تؤدي التحقيقات غير الوافية في ممارسات العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية إلى إخفاء حالات التمييز المرتبطة بهذه الممارسات.

ويُحتمل أن يكون هذا التقاعس ذا صلةٍ بالنفوذ الكبير الذي يتمتع به الرجل الذي استعبد والد الصبي من قبل. وربما كان مرجعه هو الإحجام عن الطعن في ادعائه بوجود "روابط عائلية"، وهو ما قد يؤدي إلى الإقرار بوجود ممارسات تتصل بالعبودية. وترى منظمة العفو الدولية أن هذا التقاعس الفادح من جانب الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها في ضمان إقرار العدالة في هذه القضية، وفي ضمان التحقيق في الادعاءات الخطيرة، يستند إلى التمييز الناجم عن وضع طاهر ولد سيدنا كابن لأحد الذين كانوا مستعبدين من قبل.

وإذا ما أُريد استئصال شأفة العبودية، فمن الواجب وضع ومتابعة إجراءاتٍ واضحة يمكن مراقبتها فيما يتعلق بالتحقيقات الجنائية وتوجيه الاتهامات وإجراء محاكماتٍ عادلة، وذلك لضمان معرفة وتجنب أية عناصر تنطوي على التمييز في أية إجراءاتٍ قضائية، بما في ذلك التواطؤ مع رواسب النفوذ الذي يمارسه من اعتادوا إخضاع آخرين رهن العبودية أو ممارسة سلطتٍ على أطفال من كانوا مستعبدين.

6-2 إصابة وطرد سالك فال ولد بابا

ينتمي سالك فال ولد بابا إلى جماعةٍ تعتبر نفسها من "الحراتين"، وتتبع نفس القبيلة (الزبيرات) التي ينتمي إليها عمدة قرية عوينات في منطقة غيدماكا، والذي اعتادت عائلته أن تستعبد عائلة سالك فال.انظر تقرير منظمة "إنقاذ العبيد" الصادر عام 1997بعنوان: sur l’esclavage en Mauritanie وخلال الانتخابات الوطنية التي أُجريت في عام 1996، انشق "الحزب الديموقراطي الاجتماعي الجمهوري" الحاكم إلى فصيلين، وفاز الفصيل الذي يؤيده سالك فال ولد بابا، متفوقاً على الفصيل المنافس الذي يؤيده عمدة القرية. وفي أعقاب الانتخابات، أصدر العمدة وشقيقه، وهو والي منطقة بوتيليمت أمراً بإبعاد سالك فال، وهو ما يعني إنهاء جميع علاقات العمل بينه وأهل القرية وحرمانه من الحصول على المياه من بئر القرية. وليس من الواضح الوضع الدقيق لهذا الأمر، ولكن يبدو أنه صدر لدوافع سياسية، وأن الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون لا يرغبون، أو لا يملكون القدرة، على نقضه.

إلا إن شخصاً واحداً تجرأ على تحدي الأمر، وهو زين ولد ميات، ويُعتبر أ0?ضاً من "الحراتين"، حيث وافق على مساعدة سالك فال في جني محصوله من نبات الحنة. وعندئذٍ تعرض زين ولد ميات للاعتداء ليلاً، على يد شقيق العمدة واثنين آخرين على الأقل، حسبما زُعم، حيث انهالوا عليه ضرباً وكبلوه وعلقوه في شجرةٍ ثم سلموه إلى قوات الدرك متهمين إياه بأنه ضُبط وهو يسرق. وقد حُكم على زين ولد ميات بالسجن عامين بتهمة السرقة، رغم أن سالك فال ذكر إنه لم يُذكر على الإطلاق أي شئ عما سرقه. وقد أُطلق سراحه من السجن في سليلبيبي بعد أن أمضى جزءاً من مدة الحكم.

وقد انتقل سالك فال إلى منطقةٍ أخرى، وبدأ يحصل على المياه من مكانٍ بعيدٍ، وقدم شكاوى ضد أمر الإبعاد إلى كل من الوالي والمدير المدني وقائد قوات الدرك في ولد ينغي. وبعد أربعة أشهر، أي في فبراير/شباط 1997، ومع عدم وجود أي رد فعل لشكواه، عاد سالك فال للعيش بجوار البئر ونخيله في الكرموسة.

وفي رسالةٍ مفتوحة وجهها إلى رئيس الجمهورية، أوضح سالك فال أن العمدة قد أخبره بأنه لا يمكنه العودة للعيش بالقرب من عوينات، لأن تحديه لقرار الإبعاد قد يحرض أشخاصاً لا يزالون خاضعين للعبودية على تجاوز حدودهم والانضمام إليه في احتجاجه. إلا إن سالك فال قرر أن يتجاهل هذا التحذير. وفي 18 فبراير، استُدعي سالك للمثول أمام الوالي، ثم اقتاده سبعة من أفراد الدرك إلى الحجز، حيث احتُجز ثلاثة أيام، وفي النهاية حذره الوالي شفهياً بأنه "ليس من حقه التنقل بدون إذنٍ من السلطات الإدارية". وبعد ذلك اقتاده أفراد الدك عنوةً إلى لكليبية، التي تبعد خمس كيلومتراتٍ عن مزرعته. ومنذ ذلك الحين لم يطرأ تقدم يُذكر، أو لم يطرأ تقدم على الإطلاق، في قضيته، بالرغم من لجوئه إلى الوالي وقوات الدرك ومساعدة عضو البرلمان عن منطقته.

وذكر سالك فال في رسالته أنه لجأ إلى القاضي الذي قال إنه لا يمكنه فعل أي شئ، ويخشى أن يتورط في الأمر.

وقد تولى أحد أفراد عائلة سالك فال الإشراف على ممتلكاته في الكرموسة، ولكنه تعرض هو الآخر لتهديداتٍ بالطرد من جانب عمدة القرية. كما غضب شقيق العمدة وقال، حسبما ورد "لن يملي علينا العبيد أحكام القانون".See L’esclavage en Mauritanie : de l’idéologie du silence à la mise en question,Journal des africanistes, Tome 70 – Fascicules 1-2 p 332.

وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول1997، سعى والٍ جديد إلى التوسط، وطلب من كل طرف تقديم الوثائق المتعلقة بالأرض، في محاولة على ما يبدو لمعالجة قضية الأرض التي ثارت نتيجةً لأمر الإبعاد. وقدم العمدة وثيقةً اعتبرها الوالي زائفة، وبدأ بعض الأشخاص، الموالين للعمدة على ما يبدو، في تهديد النساء وتدمير شجيرات النخيل. وتعرض سالك فال لاعتداء، وورد أن بعض النسوة، اللائي حاولن منع المهاجمين من إشعال النار في ممتلكاتهن، تعرضن للتكبيل والضرب بهراواتٍ غليظة. وذكرت الأنباء أن حوالي ثمانية أشخاصٍ تعروا لضرب مبرِّح، ونُقل سالك فال إلى مركز صحي لتلقي علاجٍ طبي. وبعد ذلك اقتيد نحو 12 شخصاً إلى سليلبيبي لاستجوابهم بخصوص الحادثة. ولم يبق منهم سوى واحد رهن الاحتجاز، لاتهامه على ما يبدو بإلقاء حجرٍ أصاب العمدة وبإهانة عائلته في المحكمة.

وقد حُسم النزاع غفي نهاية المطاف، بعدما تدخل أحد القضاة والمدعي العام في سليلبيبي، وظلت الأرض المتنازع عليها في حوزة سالك فال وعائلته. ومع ذلك، لم يُوجه الاتهام إلى أي شخص فيما يتعلق بالاعتداء على سالك فال ومضايقته.

وتوضح هذه الحالة تباين مستويات الحماية القانونية وفقاً للوضع الاجتماعي. فقد وقع الاعتداء على زين ولد ميات وسالك فال وآخرين ممن يُعتبرون من "الحراتين"، وظل الجناة بمنأى عن العقاب والمساءلة. وقد تمكن الشخص الذي سبق أن استعبد أسرة سالك فال من إبعاده على سبيل العقاب، ودون اللجوء إلى القانون، بينما لم يكن بوسع سالك فال الطعن في أمر الإبعاد بسبب استمرار عدم التوازن في القوى، والناجم عن العلاقات السابقة بين الطرفين. ويُذكر أن الدولة مسؤولة عن توفير الحماية لجميع مواطنيها وضمان المساواة بينهم في اللجوء إلى العدالة إذا ما تعرض أحدهم للاعتداء أو انتهاك حقوقه على يد مواطن آخر.

وفي رسالةٍ إلى رئيس الجمهورية، قال سالك فال:

"إن هذه [السلطات] تعامل الحراتين وكأنهم ليسوا بشراً، وتهينهم وتذلهم على مدار اليوم... وفي كل يوم يُجرد بعض الحراتين من بضائعهم ويُحرمون من حقوقهم بسبب إجراءاتٍ من جانب هذه السلطات. كما يقضي بعضهم فترات في السجن، ويتعرضون للضرب والتعذيب، دونما سببٍ سوى إفهامهم أنهم لا شيء وسوف يظلون هكذا على الدوام".

6-3 الحرمان من العدالة: مباركة منت بلال وسحابة منت بلال

في عام 1996، تمكنت شقيقتان هما مباركة منت بلال وسحابة منت بلال من المثول في جلسةٍ أمام حاكم منطقة براكنة، في إطار سعيهما للم شملهما مع طفليهما.حالة وردت في عديدٍ من التقارير السنوية لمنظمة "إنقاذ العبيد".وكانت مباركة قد هربت من العبودية في عام 1979، وتبعتها شقيقتها في عام 1984، وتركتا أطفالهما الصغار لدى جدتهما (والتي كانت خاضعة للعبودية أيضاً)، وقد تُوفيت الجدة مؤخراً.

وعندما عُقدت الجلسة، كانت تلك هي المرة الأولى التي يتمكن فيها الطفلان اللذان ظلا رهن العبودية، وهما بلال ولد سحابة البالغ من العمر 14 عاماً، ومحجوبة زيد المال، البالغة من العمر 17 عاماً، من رؤية والدتيهما منذ هروبهما. كما كان الرجل الذي استعبدهما حاضراً، وادعى أنه والد الطفلين.

وإزاء هذا الادعاء، أصبحت القضية نزاعاً على حضانة الطفلين، ومن ثم أُحيلت إلى محكمةٍ في ألغ، وعُقدت جلستها في 7 فبراير/شباط 1996. وبالرغم من تأكيد كلٍ من الأختين أنها لم تتزوج ذلك الرجل ولم تكن لها علاقة جنسية معه، فقد أمرت المحكمة بأن يتولى الرجل حضانة الطفلين، ومن ثم عادا للعيش معه، كخدمٍ لديه على ما يبدو. وخلال الجلسة، استُدعي الرجل وحده في أول الأمر للإدلاء بأقواله، ولم يتم استدعاء أي شهود لتأييد ما ادعاه، حسبما ورد. وحاولت الشقيقتان الحصول على إذن للإدلاء بأقوالهما، ولكن القاضي أحجم عن الاستجابة لطلبهما في البداية، إلا إنه وافق في النهاية على السماح لهما بالحديث. وبسبب وضعهما ونوعهما، على ما يبدو، لم تُتح لهما الفرصة لعرض قضيتهما بنفس القدر الذي أُتيح للرجل الذي كان يستعبدهما.

وذكر بعض المراقبين أن بلال ولد سحابة لم يُختن، وهو ما يعني أنه لا يمكن أن يكون ابن الرجل الذي استعبده، لأنه ما كان لذلك الرجل أن يغفل القيام بهذه العادة الدينية المهمة لابنه. وقد تقدمت مباركة منت بلال وسحابة منت بلال باستئناف للطعن في الحكم، بعد وقت قصير من صدوره، ولكن محكمة الاستئناف في نواكشوط لم تتوصل مطلقاً إلى قرارٍ.

وفي فبراير/شباط 1999، تمكن بلال ولد سحابة من الهرب من العبودية، حيث سار طوال الليل والنهار على الطريق بين نواكشوط ونيما قبل أن تنقله إحدى السيارات إلى وجهته. وعند وصوله إلى بوتيليمت تعرف عليه أحد أقارب الرجل الذي كان يستعبده، فأمسك به تمهيداً لإعادته إليه. ولكن الوالي أُبلغ بالأمر وتدخل لحماية الصبي الذي أُعيد لاحقاً إلى أمه. وفي يونيو/حزيران 1999، تمكنت محجوبة زيد المال من الهرب أيضاً، والتأم شملها مع أمها في 12 يوليو/تموز 1999.

ولم يتضح بعد وضع الطفلين، فطبقاً لقرار المحكمة، يعتبر الرجل الذي استعبدهما والدهما الشرعي، ولكن الصبي حظي بحماية أحد المسؤولين، والذي حال دون عودته إلى "أبيه". وإلى أن يصدر حكم محكمة الاستئناف، فإن الطفلين ما زالا عرضةً لخطر إعادتهما إلى ما يبدو أنه وضع عبودية لدى الرجل الذي كان يستعبدهما.

ولضمان حماية الأطفال من العبودية ينبغي اتخاذ خطواتٍ لضمان إجراء فحص وافٍ لدعاوى الأبوة في قضايا حضانة الأطفال المتنازع عليها؛ ولضمان معاملة جميع الأطراف في هذه القضايا على قدم المساواة أمام القانون؛ ولضمان أن يُؤخذ في الاعتبار احتمال تقديم ادعاء كاذب بالأبوة من أجل الإبقاء على أحد الأطفال رهن العبودية.

7- عقبات أمام استئصال العبودية تماماً في موريتانيا

من الضروري اتخاذ إجراءاتٍ جوهرية في شتى المجالات من أجل استئصال التمييز الذي يضرب بجذوره في موريتانيا، ويحول دون تمتع قسمٍ من السكان بكامل حقوقهم الإنسانية، سواء أكانوا يخضعون للعبودية، أو سبق أن خضعوا للعبودية، أو ينحدرون من نسل الخاضعين للعبودية.

فهناك حاجة للتخلص من العقبات القانونية الباقية التي تعترض استئصال العبودية. فعندما صدر قانون إلغاء العبودية لم تتبعه التشريعات اللازمة لتطبيقه، والتي كان يجب أن تجرم العبودية صراحةً وبصورةٍ مطلقة. ويتجلى عدم كفاية قانون إلغاء العبودية في أنه لا توجد، على حد علم منظمة العفو الدولية، أية حالاتٍ حُوكم فيها أشخاص بتهمة استعباد أشخاص آخرين أو بيعهم أو شرائهم. كما أن القضايا القانونية المتعلقة بحضانة الأطفال أو بحيازة الأراضي، والتي تنطوي على علاقات عبودية أو علاقاتٍ شبيهة بالعبودية، تبين مدى التمييز القائم ضد الخاضعين للعبودية أو من كانوا مستعبدين. وليس من شأن هذه القضايا أن تفعل شيئاً يُذكر لمعالجة المسائل الملحَّة المتمثلة في علاقات القوى بين المستَعبَدين ومن يستعبدونهم. وبالإضافة إلى ذلك فليس هناك، على حد علم منظمة العفو الدولية، أية محاكماتٍ ناجحة حُوسب فيها أشخاص، ممن يستعبدون آخرين، بتهمة الاعتداء البدني على الخاضعين للعبودية.

وبالرغم من مثالب القانون، فإن ثمة نصوصاً قانونية يمكن استخدامها لمكافحة العبودية، ولا تُطبق هذه النصوص في الواقع فيما يتعلق بالعبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية. وقد تقاعست السلطات عن البرهنة على رغبتها في مقاضاة جميع من ينتهكون القانون، وهو الأمر الذي يعني أنه لم يتم التصدي لانتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان من خلال المحاكم.

وترى منظمة العفو الدولية أنه من الضروري أن يُقدم إلى ساحة العدالة جميع المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك العبودية، وفقاً لإجراءاتٍ تتماشى بشكلٍ كاملٍ مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وبدون اللجوء إلى عقوبة الإعدام التي تعارضها المنظمة معارضةً مطلقةً في جميع الظروف، باعتبارها أقصى أنواع العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة.

وحتى يتسنى التغلب على الفجوة القائمة بين الأفكار النظرية والتطبيق العملي، فمن الضروري إجراء إصلاحاتٍ في مؤسسات إنفاذ القانون ونظام العدالة الجنائية. ويجب أن تكفل هذه الإصلاحات أن تتماشى التشريعات المحلية مع التزامات موريتانيا الدولية في جميع المجالات، ولا سيما المساواة بين المواطنين كافةً، بمن فيهم الأطفال، في الاستعانة بسبل إقرار العدالة.

وهناك افتقار واضح للإرادة السياسية لتبني الإصلاحات اللازمة للقضاء على العبودية. وبدلاً من مواجهة المشكلة، فإن المسؤولين ينكرون وجودها. وعند مواجهتهم بحالاتٍ لا يمكن إنكارها، فإنهم لا يبدون رداً يُذكر أو لا يبدون أي ردٍ على الإطلاق.

ومما يدل أيضاً على ضلوع السلطات الرسمية في الإبقاء على انتهاكات حقوق الإنسان المستندة إلى العبودية والممارسات الشبيهة للعبودية ذلك الاضطهاد الذي تتعرض له جماعات المجتمع المدني. وينبغي على الحكومة أن تتيح لجماعات حقوق الإنسان الحرية والمناخ السياسي من أجل رفع الوعي بالعبودية والانتهاكات المتصلة بها ومن أجل النضال ضدها. كما يجب أن ترفع الحكومة الحظر المفروض على زيارات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، من منطلق الإقرار بدور هيئات المجتمع المدني على الصعيد العالمي.

7-1 عقبات قانونية

يكفل دستور موريتانيا الصادر عام 1991 المساواة والكرامة لجميع المواطنين، ولكن ذلك لم يسفر عن احترام هذه الحقوق في الواقع. فقد جاء في ديباجة الدستور ما يلي:

"إيماناً بأن الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية لا يمكن ضمانها إلا في مجتمعٍ يسود فيه حكم القانون، ويحرص على خلق حالةٍ دائمةٍ من التطور الاجتماعي المتجانس، وتُحترم فيه مبادئ الإسلام، باعتبارها المصدر الوحيد للتشريع، وينفتح على متطلبات العالم المعاصر، فإن الشعب الموريتاني 0?تعهد، على وجه الخصوص، بأن تُكفل الحقوق والمبادئ التالية:

  1. الحق في المساواة؛

  2. حقوق الإنسان والحريات الأساسية؛

  3. الحق في الملكية؛

  4. الحق في الحريات العامة والحريات النقابية؛

  5. ·الحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛

  6. الحقوق المتعلقة بالأسرة، باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع الإسلامي".

وقد كان من المتوقع لدى صدور مرسوم إلغاء العبودية عام 1981 أن يتبعه وضع إطار قانوني لاستئصال العبودية. ولكن على الرغم من أن المرسوم أضفى قوة قانونية رسمية على إعلان سابقٍ للحكومة، فقد ظل مجرد إعلان نوايا، حيث لم يصدر مطلقاً تشريع تنفيذي.

ورغم عدم وجود أية نصوص تجرم العبودية على وجه الخصوص، فإن ثمة نصوصاً في قانون العقوبات قد تجيز مباشرة الإجراءات الجنائية في بعض الظروف ضد الضالعين في ممارسات العبودية والممارسات الشبيهة للعبودية. ففيما يتعلق بالأطفال، على سبيل المثال، ذكرت الحكومة في تقريرها إلى "لجنة حقوق الطفل" التابعة للأمم المتحدة، في يناير/كانون الثاني 2000، أن:

"المادة 332 من قانون العقوبات تنص على فرض عقوبة السجن على أي شخص يستخدم التزوير أو العنف لاختطاف قُصَّر أو المساعدة على اختطافهم. وتنص المادتان 333 و334 على أن اختطاف القُصَّر أو إفسادهم يُعد جريمة، كما تميز بين الفعل الذي يُرتكب بالتزوير أو العنف والفعل الذي لا تُستخدم فيه هذه الوسائل".التقرير الأولي المقدم من موريتانيا إلى "لجنة حقوق الطفل" (وثيقة الأمم المتحدة رقم: CRC/C/8/Add.42).

كما أبلغت الحكومة "لجنة حقوق الطفل" بأنها على وشك الانتهاء من وضع قانون جديد للعقوبات وآخر للإجراءات الجنائية مخصصين للقُصَّر، وإن كان من غير المرجح وضع هذين القانونين موضع التنفيذ في المستقبل القريب.

وتنص المادة 449 من قانون العقوبات على أن أية أمور لا يشملها القانون تخضع للشريعة الإسلامية. ويُذكر أن النظام القضائي الموريتاني يتسم بالازدواجية: فهناك القانون الفرنسي الروماني، الموروث من مرحلة الاستعمار الفرنسي والذي عُدل لاحقاً، وهناك أحكام الشريعة الإسلامية، حسب تفسيرها على ضوء المذهب الفقهي المالكي. ولا يتطابق هذان النظامان بالضرورة في موقفهما من بعض القضايا المتعلقة بالعبودية، وهو الأمر الذي يجب إيضاحه على ضوء التزامات موريتانيا الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وفي عام 1983 كتب محمد لمين أحمد، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للعدل، بحثاً أثناء دراسته الجامعية عن مثالب النظام القضائي في تعامله مع قضايا العبودية.Mohamed Lemine Ahmed, l’abolition de l’esclavage en Mauritanie, 4th year masters student, Faculty of Legal and Economic Sciences, University of Dakar, Senegal, 1982-3, p 46.وفي ذلك الوقت، كان نظام الشريعة الإسلامية لا يُطبق إلا عن طريق القضاة، وكانت تشوبه نواقص ترجع، في رأي محمد لمين أحمد، إلى "تعيين قضاةٍ يفتقرون إلى التدريب، ويطغى تفسيرهم الشخصي على التطبيق الصارم للشريعة والتعاليم الإسلامية الأصيلة".

كما ذكر محمد لمين أحمد أن هؤلاء القضاة عجزوا في كثيرٍ من الأحيان عن إصدار أحكامٍ صائبة لأن "تفسيرهم تقريبي دائماً ويختلف باختلاف المذهب الفقهي الذي يتبعه القاضي"، كما أن "القاضي وحده [هو] الذي يصدر الحكم..." وبالإضافة إلى ذلك فإن مفهومهم عن بعض القضايا التي تُعرض عليهم قد يتسم بالتحيز نظراً لأن"معظم القضاة من ملاك العبيد، ومن ثم فهم قضاة وأطراف ذات مصلحةٍ في الوقت نفسه. بيد أنه إذا أجاز القاضي استمرار العبودية فذلك لأنه على يقين من تأييد جهاز الدولة".

ويتضح من ذلك أن ثمة عوامل قد تؤدي إلى تفاقم قضايا التمييز، من قبيل العوامل المتعلقة بتدريب القضاة، وبالنظام القانوني، وعدم وجود مبادئ توجيهية واضحة من جانب الدولة بخصوص مسائل الإجراءات الجنائية.

ولم تُتخذ إجراءات تُذكر لتغيير ذلك الوضع، سواء أثناء وجود محمد لمين أحمد في منصبه أو بعد ذلك. وفي عام 1999، اعتُمد تشريع جديد بإصلاح النظام القضائي لم يشر إلى دور القضاة. ويقضي القانون بإحالة أية مسألة تنظمها الشريعة الإسلامية إلى قضاة تلقوا تدريباً في مسائل الشريعة الإسلامية والقانون الحديث. ومع ذلك، يبدو أن القضاة الذين يقتصر تدريبهم على دراسة الشريعة الإسلامية ما زالوا يمارسون عملهم في المناطق الريفية في موريتانيا، حيث ينظرون قضايا في بعض المحاكم الجزئية.

وخلال محاكمة بوبكار مسعود، رئيس منظمة "إنقاذ العبيد"، وأربعة آخرين من دعاة حقوق الإنسان، في عام 1998، ثار نقاش في المحكمة حول ما إذا كان يتعين السماح لامرأتين، عُرضت تجربتهما في ظل العبودية في برنامج تليفزيوني، بالإدلاء بشهادتهما. وقد قرر رئيس الهيئة العامة للمحكمة عدم مناقشة مسألة العبودية، وعلل ذلك بقوله:

"بالنسبة لي فإن العبودية لم تعد موجودة، لأن هذا ما ينص عليه القانون. ومن ثم فلا معنى لمناقشتها... ومن واجبنا نحن القضاة أن نعاقب أي شخص يمثل أمامنا متهماً بممارسة العبودية. وبخلاف ذلك، فليس من حقنا نحن القضاة الحديث عن العبودية لأنه لم يعد لها وجود بموجب القانون... ومن المحظور قانوناً الحديث عن العبودية باعتبارها أمراً قائماً..."Quoted in report by Fédération internationale des Ligues des Droits de l’Homme(FIDH), entitled: Mauritanie: Les militants des droits de l’homme en danger, 1998.

والجدير بالذكر أن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة تحظر على أية محكمة منع الإقرار بممارسة العبودية أمام المحاكم. وفي هذه الحالة على وجه الخصوص فإن إنكار وجود العبودية يجعل من المستحيل على الدفاع تقديم حججه، كما أن الإشارة إلى واجب القضاة في معاقبة من يُتهمون بممارسة العبودية هي إشارة مضللة، لأنه لا يوجد قانون محدد يجرِّم العبودية.

ومن شأن إقدام القضاة على إنكار وجود العبودية أن يؤدي إلى اعتبار المنازعات بين شخص يخضع للعبودية والشخص الذي يستعبده من "المسائل العائلية". وفي هذه الحالة، تقع القضية في اختصاص محكمةٍ جزئية أو إحدى هيئات المصالحات، حيث يكون المسؤولون ممن يقتصر تدريبهم على الدراسة التقليدية للشريعة الإسلامية. ولما كانت مثل هذه المحاكم تركز على الأمور العائلية وحدها، فقد لا يتسنى تقديم أدلةٍ على أن وضع الضحية المتعلق بالعبودية يؤدي إلى حرمانه من حقوقه الإنسانية الأساسية.

وبالإضافة إلى عدم وجود نصوص قانونية، فإن ثمة أسباباً أخرى لتضاؤل فرص اللجوء إلى العدالة أمام من كانوا خاضعين للعبودية في الماضي والخاضعين للعبودية حالياً. فمما يحول دون ذلك وضعهم الاجتماعي وافتقارهم إلى الوعي بحقوقهم الإنسانية. كما أنهم يعانون من عدم التكافؤ نظراً لتركز السلطة والنفوذ في أيدي جماعة "المور" البيض، ولا سيما من يُطلق عليهم اسم "سماسيد" (وهم قبيلة رئيس الدولة)، وما يتصل بها من قبائل المور. ومن جهةٍ أخرى، يمارس الجهاز التنفيذي في الحكومة ضغوطاً كبيرة على الجهاز القضائي، من خلال سلطته في تعيين القضاة. وقد ذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2001 بخصوص موريتانيا صراحةً أن "الدستور ينص على استقلال القضاء، ومع ذلك يتعرض القضاء لضغوطٍ كبيرة من جانب السلطة التنفيذية، نظراً لأن بمقدورها التأثير على القضاة".Country Reports on Human Rights Practices – 2000, Mauritania, US Department of State.

والواقع أن وجود قضاةٍ يفتقرون إلى التعليم والتدريب الملائمين، ويتعرضون لضغوط اجتماعية ومالية وقَبَلية وشخصية، أمرٌ يحد من عدالة النظام القضائي. كما أن الثقافة والتشريع الموريتانيين يتأثران إلى حدٍ كبيرٍ بتقبل علاقات العبودية على مر التاريخ، ولهذا فثمة حاجة لإجراء إصلاحاتٍ جوهرية وإعادة تدريب العاملين في النظام القضائي. ويجب ن يشمل هذا التدريب دراسة تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان في المحاكم الموريتانية.

7-2 عقبات في المجال الديني

تُعد مسألة وضع العبودية في الإسلام من المسائل المثيرة للجدل والخلاف. فالقرآن الكريم يحض على معاملة الخاضعين للعبودية معاملة حسنة ويوصي بعتقهم، ولكنه لا يحرم العبودية جذرياً، مما يؤدي إلى اللبس. ومن شأن رسالةٍ واضحةٍ من الزعماء الإسلاميين في موريتانيا بشأن العبودية أن يساعد على احترام موريتانيا الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وقد جاء إلغاء العبودية في موريتانيا عام 1981 بعد مشاورات مكثفة في الأوساط الإسلامية. وبعد يومين من الإعلان عن قانون إلغاء العبودية في عام 1980، أوضحت افتتاحية صحيفة "الشعب" التي تسيطر عليها الحكومة أن:

"وجود العبودية يتناقض مع المبادئ المقدسة لديننا الحنيف، والذي لا يجيز استرقاق أي شخصٍ إلا أولئك الذين يقعون في الأسر أثناء الجهاد. ولما كان جميع أفراد المجتمع الموريتاني مسلمين، فإنه لا يمكن التذرع بعد بهذه الحجة. ولما كان جميع المسلمين سواسية أمام الله، فليس ثمة مبرر لأن ينحط البعض إلى وضع العبودية لدى آخرين".Chaab,7 July 1980.

وبالمثل، أوضح الإعلان الصادر في 5 يوليو/تموز 1980 عن "اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني" الحاكمة أنه:

"بعد أن أُحيطت اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني علماً بمختلف الردود التي قُدمت إليها على أساس القرآن الكريم والسنة النبوية والمبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، فقد أصبح لدى اللجنة يقين راسخ بأن الأغلبية الساحقة من علمائنا الأجلاء، وإن كانوا يقرون بشرعية العبودية بالشكل الذي نص عليه الإسلام، فإن لديهم تحفظات بشأن أصول العبودية في موريتانيا والظروف التي تُمارس فيها داخل بلادنا".Declaration of the Military Committee for National Salvation, dated 5 July 1980, annexed to Marc Bossuyt’s Report to the UN, op.cit.

كما نقض هذا الإعلان، على ما يبدو، الزعم الذي يردده البعض ومؤداه أن الخاضعين للعبودية قد ورثوا هذا الوضع عن آبائهم. فبدون تحديد طبيعة التناقض، قال الإعلان إنه إذا كان الخاضعون للعبودية لا يُعاملون وفقاً لتعاليم الإسلام، فليس لسادتهم أية حقوق أخرى عليهم. وأوضح الإعلان أيضاً أن العلماء قد أكدوا أن بوسع الدولة إطلاق سراح أي شخص من نير العبودية، وهو الدور الذي كان يضطلع به عادةً الشخص الذي يستعبد آخرين، وشبهوا هذا القرار بحق الدولة في مصادرة ممتلكاتٍ شخصية للمنفعة العامة.

وفي رسالته الجامعية عام 1983، ذكر محمد لمين أحمد، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للعدل، أن العبودية "مسخ للإسلام". وأضاف أن الإسلام يقوم على أساسٍ من مبادئ الحرية الشخصية والمساواة أمام الله، ولما كانت العبودية قائمة قبل نزول القرآن الكريم، فقد حاول الإسلام التخفيف من وطأة بعض جوانبها الأشد سوءاً من خلال الإصلاح التشريعي، إلى أن يتقبل المجتمع إلغاءها تماماً. وقال محمد لمين أحمد إن القرآن الكريم يحبذ عتق الناس من العبودية، ومضى قائلاً:

"لما كان جميع المسلمين أخوة يتمتعون بالمساواة في نظر القرآن الكريم، فمن الصعب الاقتناع بأن القرآن يشجع على استعباد المسلم لأخيه المسلم، لأن ذلك ينطوي على تناقضٍ كبير".

وأضاف محمد لمين أحمد أن القرآن يؤكد على أن الشخص الذي يستعبد شخصاً آخر يجب ألا يسئ معاملته، وإذا فعل فمن الواجب إطلاق سراح الشخص الخاضع للعبودية، هذا إن لم يهرب هو نفسه، وأردف قائلاً:

"ومن ثم ينبغي على السيد أن يطعم عبده، وأن يتكفل بكسوته وتعليمه ورعايته كما يفعل مع أبنائه. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد بين ملاك العبيد في موريتانيا من يحترم هذه القواعد".Mohamed Lemine Ahmed, L’abolition de l’esclavage en Mauritanie, 4th year student, Faculty of Legal and Economic Sciences, University of Dakar, Senegal, 1982-3 pp. 26 and 29.

ومع ذلك، فقد دافع الحسن ولد بنيامين، وهو إمام بارز لمسجد في حي طيرات، بالعاصمة نواكشوط، عن العبودية خلال مقابلة مع صحفي من صحيفة "الأخبار" في مايو/أيار 1996، حيث قال إن العبودية مبررة بشكلٍ صريح في القرآن الكريم، ومن ثم فإن أي جدل حول العبودية يُعد كفراً. وعندما ذكَّره الصحفي بأن الدولة ألغت العبودية، رد الإمام قائلاً:

"نعم، لقد سمعت عن هذا... وهذا ‘الإلغاء’ غير مشروع لأنه يتنافى مع النصوص الأساسية للشريعة الإسلامية، ليس هذا فحسب بل إنه بلا فائدةٍ أيضاً... فمن شأن الإلغاء أن يؤدي إلى أن تُصادر من بعض المسلمين البضائع التي حصلوا عليها قانوناً. وليس من حق الدولة، إذا كانت دولة مسلمة، أن تستولي على بيتي أو زوجتي أو عبدي".

وقال الإمام إنه سعى للحصول على مساعدة القضاة لاستعادة "عبيده" المتمردين، فقال له القضاة "إنك على صواب تماماً، ولكن الدولة لا يمكنها مساعدتي [أي الحسن ولد بنيامين] في استعادتهم".

وفي يونيو/حزيران 2001، اعتُمد قانون جديد للأحوال الشخصية، ومع ذلك فما زالت الشريعة الإسلامية تلعب دوراً ملحوظاً في الأعراف والممارسات القانونية في موريتانيا. وقد ظل القانون الجديد قائماً على المذهب المالكي في الفقه الإسلامي، ونص في المادة 311 على أنه في حالة نشوء أي خلاف في التفسير يجب العودة إلى رأي المذهب المالكي:

"في حالة نشوء صعوبات في التفسير، يجب العودة إلى الرأي السائد في المذهب المالكي؛

ولسد أية ثغرات أغفلها هذا القانون، يجب العودة إلى الرأي السائد في المذهب المالكي".

وتتناقض بعض بنود القانون الجديد، على ما يبدو، مع أحكام الدستور الموريتاني الذي ينص صراحةً على أن تُكفل لجميع المواطنين حقوقهم المدنية والفردية، بما في ذلك الحق في تكوين الجمعيات بحرية، والحق في حرية التنقل، والحق في التملك وفي الإرث".المادتان 10 و15 من دستور عام 1991.

7-3 عقبات سياسية

دأبت الحكومة الموريتانية الحالية على تجاهل الخطوات الأساسية اللازمة لاستئصال العبودية. فقد ظل كثير من التوصيات التي قدمها خبير اللجنة الفرعية التابعة للأمم المتحدة، مارك بوسيوت، والتي تعود إلى عام 1984، دون تنفيذ، رغم أنها لا تزال ضرورية اليوم مثلما كانت في الماضي. وما برح إصرار الحكومة على إنكار وجود العبودية يمثل عقبة أمام التقدم. ومن شأن إجراء نقاش وافٍ، يتطرق إلى الجوانب الاجتماعية والقانونية والدينية للمشكلة القائمة منذ عهودٍ طويلة، أن يحدد على الأقل ما يتعين عمله لمواجهتها.

وتصور الحكومة تشكيل "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان" على أنه دليل على الرغبة السياسية في إنهاء ما يُوصف بأنه بقايا العبودية. إلا إن هذه الهيئة تقتصر في عملها على أنشطة تعزيز حقوق الإنسان. ففي معرض رده على أسئلةٍ وجهتها منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" في عام 1999، قال مدير اللجنة، با مريم كويتا، إن الحماية هي مسؤولية النظام القضائي وليس اللجنة.Protectors or Pretenders? Government Human Rights Commissions in Africa.Human Rights Watch (New York) 2001.والمعروف أن بوسع لجان حقوق الإنسان أن تشارك بشكلٍ كبيرٍ في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها. واستناداً إلى ملاحظاتها لعمل المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان وتأثيرها في مختلف أنحاء العالم، فقد وضعت منظمة العفو الدولية سلسلة من التوصيات التي يتعين على هذه اللجان، من وجهة نظر المنظمة، أن تتبعها.منظمة العفو الدولية، المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان: توصيات منظمة العفو الدولية من أجل حماية حقوق الإنسان وتعزيزها على نحوٍ فعال، أكتوبر/تشرين الأول 2001 (رقم الوثيقة: IOR 20/07/2001).

إن عدم كفاية الرد الحكومي على المشكلة، وإحساسها بالرضا عما تقوم به، قد يُعتبر بمثابة تواطؤ في ممارسات العبودية والتمييز، والتي تهدر الحقوق الإنسانية لقطاعٍ لا يُستهان به من الشعب الموريتاني.

7-4 جوانب اجتماعية وعِرقية

وتتمثل أحد العقبات الأخرى التي تعترض استئصال العبودية في التداخل المركب بين التراتب الاجتماعي والتقسيم العِرقي في المجتمع الموريتاني. فمن الجائز للأشراف، بل وللمرتبطين بفئات الحرفيين في كل الجماعات على اختلافها، سواء أكانت من "المور" أو جماعات الزنوج الموريتانيين، أن يحتفظوا بآخرين رهن العبودية. ومن ثم، فإن الاحتفاظ بأشخاص رهن العبودية يُعتبر مقبولاً اجتماعياً في أوساط كثيرٍ من الجماعات العِرقية والاجتماعية.

وقد تزايد الدور السياسي لجماعة "الحراتين، ولكن التحالف السياسي المتنامي بين "الحراتين" وجماعات الزنوج الموريتانيين تقلص بشكلٍ حادٍ في عام 1989، عندما استخدمت الحكومة ميليشيا من "الحراتين" في اعتقال وتعذيب وقتل عددٍ من الزنوج الموريتانيين العزل.انظر تقرير منظمة العفو الدولية المعنون موريتانيا: انتهاكات حقوق الإنسان في وادي نهر السنغال، أكتوبر/تشرين الأول 1990 (رقم الوثيقة: AFR 38/10/90).ويبدو أن الحكومة استغلت علاقات الخضوع بين من يستعبدون آخرين من جهة وجماعة "الحراتين" من جهةٍ أخرى في تجنيد عددٍ من "الحراتين" في صفوف الميليشيا. وفيما بعد استُخدمت هذه الميليشيات لا في الدفاع عن أفرادها في وجه الاعتداءات فحسب، بل كذلك في حملات ضد قرويين عزل على سبيل العقاب. وقد ارتُكبت هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان دون أدنى خوفٍ من أية إجراءاتٍ تأديبية أو محاكماتٍ قانونية، وما زال مرتكبوها بمنأى عن العقاب حتى اليوم.

ويشكل "المور" البيض أقلية سكانية، ولكنها أقلية بالغة القوة، حيث يسيطر أفرادها على السواد الأعظم من ثروات البلاد، كما تعزز نفوذهم بشكلٍ ملحوظ بسبب تأييد "المور" الزنوج. ومن ثم، فلأفراد جماعة "المور" البيض مصلحة في الحفاظ على الوضع القائم، حيث يعتمد عليهم "المور" الزنوج، بشكلٍ كاملٍ تقريباً، في استمرار منافعهم الاقتصادية والسياسية. وتجدر الإشارة إلى أنه حتى بعد نيل الحرية، يكون من المفيد في كثيرٍ من الأحيان، من منطلق المنافع الاجتماعية والاقتصادية لمن كانوا مستَعبَدين من قبل، أن يحافظوا على صلاتٍ مع القبيلة التي كانوا خاضعين لها، إذ يساعد ذلك في ضمان العمل والحماية من الصعوبات الإدارية أو القضائية، فضلاً عن العون والتأييد في أوقات الحاجة.

وقد حدا التمييز ببعض الأشخاص إلى إخفاء هويتهم الحقيقية في محاولة لتجنب وصمة العار المرتبطة بوضع العبيد. فخلال مذابح عام 1989، تظاهر بعض الأشخاص، الذين سبق أن ادعوا أنهم من جماعات "البويل"، بأن لهم أصولاً تعود إلى "الحراتين"، وذلك لأن انتماءهم إلى "البويل" كان يمثل خطراً على سلامتهم. وأدى هذ�575? التطور إلى إقدام آخرين من جماعة "الويل"، ولا سيما من يُطلق عليم اسم "فولبي أينابي" وهم جماعة من الرعاة، على انخراطهم بشكلٍ متزايد في صفوف "المور". وفي عام 1995، تشكلت "الجمعية الوطنية للأخوة والعودة إلى الأصول" بهدف إعادة ترسيخ أصولهم العربية.See Crise identitaire ou stratégie de positionnement politique en Mauritanie : le cas des Fulbe Anaabe, Ibrahima Abou Sall, 1999.

7-5 الاعتداءات على المجتمع المدني

في عام 1997، أعلن الرئيس معاوية ولد سيد أحمد طايع أن أولئك الذين يثيرون قضية العبودية يهدفون إلى الإساءة لسمعة البلاد، وأنهم جزء من مجموعة كانت ضالعة من قبل في محاولة انقلاب. وفي أعقاب ذلك أُخرست النقاشات العامة حول العبودية.وثيقة الأمم المتحدة رقم : E/CN.4/Sub.2/1984/23وقبل خطاب الرئيس، كان هناك جدال في الصحافة الموريتانية حول العبودية، إلا إنه يتعين على الصحف الحصول على ترخيصٍ من وزارة الداخلية حتى يتسنى توزيعها، ولا توجد محطات مستقلة للبث الإذاعي. وعادةً ما تُصادر بعض طبعات الصحف، وقد أُغلقت صحف بسبب عناوينها ليس إلا.

وتُعد منظمة "إنقاذ العبيد" المنظمة الوحيدة من بين المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان التي تجعل قضية العبودية محور اهتمامها، وإن كانت بعض المنظمات الأخرى، مثل "الجمعية الموريتانية لحقوق الإنسان"، تنشط أيضاً في هذا المجال. وما زالت هاتان المنظمتان وعدد من المنظمات الأخرى تُعتبر غير قانونية، بالرغم من اعتراف "اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" وغيرها من الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بها، حيث ترفض الحكومة منحها الاعتراف الرسمي. وتصدر منظمة "إنقاذ العبيد" تقارير سنوية عن أنشطتها، كما تدخلت في كثير من الحالات لصالح من كانوا من قبل خاضعين للعبودية، من يسعون إلى لم شملهم مع أطفالهم أو غيرهم من أفراد أسرهم، أو إلى حيازة الأراضي، أو الحصول على ميراثهم من متعلقات أقاربهم. وقد أُسست منظمات أخرى حكومية وشبه حكومية معنية بحقوق الإنسان، وحصلت على الصفة القانونية وبدأت تمارس عملها دون اضطهاد، ولكنها لم تتخذ أي إجراء ضد العبودية.

وفي مطلع عام 1998، أُدين خمسة من دعاة حقوق الإنسان، من بينهم بوبكار مسعود، رئيس منظمة "إنقاذ العبيد"، والعلامة الشيخ سعد بوه كمارا، رئيس "الجمعية الموريتانية لحقوق الإنسان"، والسيدة فاطماتا مباي، نائبة رئيس الجمعية، وهو الأمر الذي أدى فعلياً إلى إخماد النقاش في أوساط القانونيين حول الإجراءات اللازمة لاستئصال العبودية.

وبالرغم من أن الأشخاص الخمسة المدافعين عن حقوق الإنسان قد حصلوا على عفو رئاسي في مارس/آذار 1998، في نفس اليوم الذي صدر فيه حكم محكمة الاستئناف برفض طعونهم وتأييد الحكم الصادر ضدهم بالسجن 13 شهراً، فما زالت وزارة الداخلية ترفض منح الترخيص الرسمي للمنظمتين اللتين ينتمي إليهما أولئك الأشخاص، والذين اعتبرتهم منظمة العفو الدولية آنذاك في عداد سجناء الرأي. ويواصل دعاة حقوق الإنسان أنشطتهم في تعزيز وحماية حقوق الإنسان، ولكن افتقارهم إلى الاعتراف الرسمي يمثل تهديداً دائماً لوجود منظماتهم، وكذلك لسلامتهم الشخصية. ففي مايو/أيار 2002، قبضت قوات الأمن الموريتانية على بوبكار ولد مسعود واحتجزته لفترةٍ قصيرة، في أعقاب نشر بيانٍ لمنظمة "إنقاذ العبيد"، ادعت فيه أن أحد المعتقلين تعرض للتعذيب على يد الشرطة. وقد اتُهم بالتشهير، وأعلن مدير إدارة شرطة نواكشوط عن عزمه تقديم بوبكار ولد مسعود إلى المحاكمة على أساس هذه التهمة.

8- النتائج

تمكنت منظمة العفو الدولية من جمع معلوماتٍ كافيةٍ من حيث نطاقها واتساقها تؤيد نتيجة مؤداها أن ثمة انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان مرتبطة بالعبودية تُرتكب على نطاق واسع في موريتانيا في الوقت الراهن، ويظل مرتكبوها بمنأى عن العقاب والمساءلة، وأن أولئك الذين كانوا مستعبَدين في الماضي يعانون من التمييز بصفةٍ مستمرةٍ. وبالرغم من أن الحكومة لم تبد استعداداً لتقديم معلوماتٍ تفصيلية عن موقفها، فمن الواضح أن مبادرات الحكومة لاستئصال العبودية والتمييز غير كافية بالمرة. فلا يمكن استئصال هذه المشكلة المتأصلة ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا بمواجهة جميع جوانبها. وإذا لم يحدث ذلك، فسوف تظل المشكلة قائمة، وخاصةً إذا استمر من يجاهرون بالحديث عن العبودية عرضةً للاعتقال والسجن، وإذا ظلت منظماتهم غير مرخصةٍ قانوناً، وإذا استمرت مصادرة الصحف لمنع النقاش.

والواضح أن إلغاء العبودية رسمياً في عام 1981 لم يؤد إلى إلغائها حقاً من الناحية الفعلية، وذلك لأسبابٍ عدة، من بينها عدم وجود قانون يكفل تنفيذ ذلك. وبالإضافة إلى ذلك، فإن استئصال العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية والتمييز المرتبط بالعبودية يتطلب إعادة تدريب أعضاء الجهاز القضائي، ووضع برامج لتعليم حقوق الإنسان، وبرامج للتوعية العامة، ولا سيما في المناطق الريفية وفي أوساط الفقراء والمحرومين، بما في ذلك من يخضعون للعبودية ومن كانوا خاضعين من قبل للعبودية فضلاً عن النساء والأطفال.

ومن هذا المنطلق، تقدم منظمة العفو الدولية التوصيات التالية من أجل تعزيز النضال القائم ضد العبودية وما يتصل بها من انتهاكات حقوق الإنسان في موريتانيا، ومن أجل زيادة الوعي خارج البلاد بالحقائق عن واحدةٍ من أشد انتهاكات حقوق الإنسان.

9- من أجل إلغاء العبودية حقاً بشكلٍ فعال

إذا ما أُريد استئصال العبودية بنجاحٍ، فمن الضروري أن تقر الحكومة بأن العبودية لا تزال مشكلةً قائمةً في موريتانيا. وقد كان لجهود الحكومة في القضاء على الفقر أثر على مسألة العبودية، وهو الأمر الذي يستحق الترحيب، إلا إن هذه الجهود ليست كافية. ومع حلول عام 2002، فإن جميع التوصيات التي قدمها في عام 1984 الخبير الذي عينته "اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات" التابعة للأمم المتحدة لم تُنفذ بعد، لأنها كانت وما زالت تفتقر إلى الدعم السياسي من جانب الحكومة. وبالنظر إلى التطورات ذات الصلة التي حدثت منذ نشر هذه التوصيات للمرة الأولى،  ?إن ثمة حاجة لتنفيذها على الفور، ولتعزيزها بإصلاحات للجهاز القضائي وللتشريعات. فمن الضروري التصدي للعبودية مباشرةً.

ومن ثم، تقدم منظمة العفو الدولية فيما يلي توصيات أساسية للحكومة الموريتانية وللمجتمع الدولي من أجل مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المتعلقة بالعبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية في موريتانيا. وقد أُولي اهتمام خاص لبعض العناصر، مثل زيادة الوعي، ودعم المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني المعنية بهذه القضية، وكذلك ضمان إجراء تغييرات قانونية وتطوير وسائل الإنصاف.

9-1 توصيات إلى الحكومة الموريتانية

9-1-1 إجراء تحقيق مستقل ونزيه بالتعاون مع هيئات المجتمع المدني

من الأولويات الملقاة على عاتق الحكومة إجراء تحقيق مستقلٍ ونزيه فيما تحقق من تقدم على مدى العشرين عاماً الماضية، وبحث الخطوات الواجب اتخاذها من أجل القضاء التام على العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز في موريتانيا.

ويجب أن تضم الهيئة التي تتولى التحقيق عدداً من الزعماء الدينيين والزعماء التقليديين والموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، بالإضافة إلى أعضاء من هيئات المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال مناهضة العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييزٍ. ولتحقيق هذا الغرض، فمن الضروري منح الترخيص القانوني للمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، والتي تناضل ضد انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز. ويجب أن تُكفل وتُحترم بشكلٍ كامل حقوق هذه المنظمات في حرية تكوين الجمعيات، وحرية الاجتماع، وحرية التعبير، بما يتماشى مع "إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق ومسؤوليات الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها دولياً". ومن الضروري أيضاً بذل أقصى جهد لضمان اشتراك ممثلي فئات المجتمع الأكثر استضعافاً في هذه العملية.

ويُجب أن تُعلن على الملأ صلاحيات وتوصيات الهيئة المكلفة بالتحقيق، وأن تُتخذ إجراءات على وجه السرعة لاستئصال العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز، بما في ذلك إصدار تشريعٍ ينص صراحةً على أن احتجاز أي شخص رهن العبودية يمثل جريمةً جنائية.

ويمكن أن يبدأ هذا التحقيق المستقل والنزيه بحلقة عمل، مع الجماعات الأساسية المعنية بما في ذلك المنظمات غير الحكومية المذكورة آنفاً، وذلك لوضع صلاحيات الهيئة المنوط بها إجراء التحقيق. ويجب أن يتناول التحقيق عدة مسائل، من بينها على سبيل المثال:

  1. مدى توفر فرص التعليم والرعاية الصحية للأشخاص وفقاً للسن والنوع والانتماء العرقي والمكانة الاجتماعية؛

  2. تحليل طبيعة العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز، وتحليل أثرها على حقوق المرأة والطفل والأقليات، وعلى المساواة في فرص إقرار العدالة، وعلى مسألة التمييز؛

  3. إجراء مسح لحالات التمييز في النظام القضائي ضد الخاضعين للعبودية، ومن كانوا خاضعين للعبودية من قبل، والمنحدرين من نسلهم. وتكتسب أهمية في هذا الصدد القضايا المتعلقة بملكية الأراضي واختطاف الأطفال وبعض حالات التنازع على حضانة الأطفال، إذ يبدو أن العلاقات الناجمة عن العبودية، سواء في الماضي أو الحاضر، تؤثر على هذه القضايا؛

  4. دراسة النصوص القانونية القائمة التي يمكن تطبيقها لوقف ممارسات العبودية، تمهيداً لاقتراح إجراء تعديلاتٍ أو وضع تشريع جديد، أو كليهما، بما يكفل توفير حماية قانونية فعالة للمستَعبَدين حالياً والذين كانوا مستَعبَدين من قبل، وكذلك وضع حدٍ للحصانة التي يتمتع بها المسؤولون عن ممارسة العبودية؛

  5. مراجعة رد فعل السلطات، على المستوى القومي والمحلي، إزاء الأشخاص الفارين من العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ، ووضع خطة عمل تضمن حماية جميع المواطنين مستقبلاً.

9-1-2 تعديل الإطار القضائي والقانوني مع التركيز على حماية الفئات الأكثر ضعفاً

يتطلب التخلص من العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز مراجعة وتعديل الإطار القضائي والإجراءات القضائية والقوانين. ويجب توجيه اهتمامٍ خاصٍ لحماية فئات المجتمع الأشد ضعفاً، بما في ذلك النساء والأطفال. ويجب اتخاذ إجراءاتٍ تكفل وجود آلياتٍ كافية تتولى التحقيق فيما يُزعم من حالات وأنماط انتهاكات حقوق الإنسان وما يتصل بها من تمييز. وينبغي أن يُقدم إلى ساحة العدالة كل من يرتكب، أو سبق أن ارتكب، انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان في سياق العبودية، ومن هؤلاء على سبيل المثال من يمارسون العبودية ومن يواصلون تقييد حقوق أولئك الذين كانوا خاضعين للعبودية لديهم. ويجب أن يتم ذلك وفقاً للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة ودون اللجوء إلى عقوبة الإعدام. ويجب أن تُنفذ بشكل كامل أحكام "الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري"، وأن تُوجه الدعوة إلى "مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنصرية" للتحقيق في مسألة التمييز في موريتانيا. ومن بين الإجراءات الأخرى الواجب اتخاذها:

  1. ضمان الاحترام الكامل في كل الظروف للمبادئ الأساسية المتمثلة في أن جميع الأشخاص وجميع الأطراف في أي عملية قضائية متساوون أمام القانون؛

  2. إصدار مبادئ توجيهية لجميع المسؤولين القضائيين بأن الأدلة الخاصة بالعبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتعلق بها من انتهاكاتٍ وتمييز، والتي تكون ذات صلةٍ بإحدى القضايا، لا يجوز استبعادها على اعتبار أنها غير مقبولة، لمجرد أنها تتعلق بادعاءات العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز. فقد تكون لهذه الأدلة أهمية خاصة في قضايا الأراضي والتنازع على حضانة الأطفال؛

  3. اتخاذ إجراءاتٍ عملية تكفل احترام أحكام المادة 23 من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" دون تمييز، ولا سيما الحق في العمل بشروطٍ عادلة مرضية، والحق في أجرٍ متساوٍ للعمل، والحق في أجرٍ عادلٍ مرضٍ، وكذلك احترام أحكام اتفاقية منظمة العمل الدولية (رقم 29) الخاصة بالسخرة. ويمكن أن تشمل هذه الإجراءات اعتماد قانون للعمل يحمي تلك الحقوق، وذلك بعد إجراءات مشاورات ومناقشات وافية وعلنية بشأنه؛

  4. وضع آليات ومؤشراتٍ متفقٍ عليها من أجل التعويض الكامل والعادل لضحايا العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك التعويض المالي وإعادة التأهيل. ويجب أن يتم ذلك بالتشاور مع هيئات المجتمع المدني. وعند وضع برامج شاملة لإعادة التأهيل، يجب على الحكومة أن تولي اهتماماً للإجراءات التي تتيح للضحايا التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما يجب أن يكون ضمان عدم تكرار تلك الانتهاكات جانباً من عملية التعويض. وينبغي أن تكون هذه التعويضات متاحةً للأفراد من ضحايا العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكات حقوق الإنسان، كما يجب أن تتقيد بأحكام المادة 14 من "اتفاقية مناهضة التعذيب"، حيثما كان هذا مناسباً. ويجب الاتفاق مع هيئات المجتمع المدني على مجموعة من المؤشرات وعلى آلية لرصد مدى التقدم في منح التعويضات؛

  5. ضمان تطبيق القانون الجديد، الذي أُعلن في 13 يونيو/حزيران 2001 والخاص بجعل التعليم الابتدائي إجبارياً، دون أي تمييز على أن يشمل الأطفال الخاضعين للعبودية حالياً؛

  6. التعريف على نطاقٍ واسع بمشروع القانون الجديد الذي تجري مناقشته في الوقت الراهن، ألا وهو قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية المتعلقين بالقُصَّر. وبالإضافة إلى ذلك، وبناء على التوصيات الواردة في التقرير الصادر عن "صندوق رعاية الطفولة التابع للأمم المتحدة" (اليونيسيف) بالاشتراك مع وزارة التنمية والشؤون الاقتصادية في موريتانيا، فمن الواجب إجراء مناقشاتٍ عامة مع الفئات المعنية، بما في ذلك المحامون والمشاركون في أي من جوانب تنمية الطفل (مثل التعليم والصحة والعدالة الجنائية للأحداث)، والمدافعون عن حقوق الإنسان، وذلك قبل أن يصبح المشروع قانوناً نافذاً، لضمان أن يتضمن القانون حماية كافية، دون تمييز، للحقوق الإنسانية للأطفال. ويمكن أن يشمل ذلك بحث إمكانية إقامة مركز إيواءٍ لمساعدة الفارين من العبودية من النساء والأطفال، وكذلك من هم في حاجة للحماية من الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان.

9-1-3 إعادة النظر في دور ومهام "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان"

من الضروري أن تكفل الحكومة أن تمارس "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان" بشكلٍ كاملٍ صلاحياتها في تعزيز حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في عدم الخضوع للعبودية. ويجب أن تُمنح اللجنة الإمكانات والسلطات اللازمة للنهوض بهذه المهمة. ومن بين الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك:

  1. مراجعة صلاحيات "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان" وأساليب عملها، لضمان أنها توفر الحماية لجميع المواطنين من انتهاكات حقوق الإنسان كما تعمل بنشاطٍ على تعزيز حقوق الإنسان. ويمكن التعرف على مبادئ توجيهية بخصوص دور ومهام المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان من خلال التقرير المنفصل الذي أصدرته منظمة العفو الدولية في هذا الصدد؛ منظمة العفو الدولية، المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان: توصيات منظمة العفو الدولية من أجل حماية حقوق الإنسان وتعزيزها على نحوٍ فعال، أكتوبر/تشرين الأول 2001 (رقم الوثيقة: IOR 20/07/2001).

  2. مراجعة مهام "اللجنة الموريتانية لحقوق الإنسان" لضمان قدرتها على تلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والتحقيق فيها واتخاذ إجراءاتٍ مستقلة وفعالة. ويجب أن تشمل هذه المهام تلقي الشكاوى المتعلقة بالعبودية والتمييز، كما يجب أن يكون بمقدور اللجنة تقديم المشورة للهيئات المعنية بخصوص قضايا تعويض من أُطلق سراحهم من العبودية.

9-1-4 زيادة الوعي وتدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والمسؤولين الإداريين على المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان والتغييرات القانونية

من الضروري أيضاً أن تنفذ الحكومة إجراءاتٍ خاصة فيما يتعلق بزيادة الوعي وتدريب الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، ومن بينها:

  1. تنفيذ برنامج عام للتوعية يستهدف تعريف جميع السلطات الإدارية وجمهور المواطنين بالطبيعة غير القانونية للعبودية؛

  2. ·زيادة الوعي لدى مسؤولي السلطات الإدارية بأنهم ملزمون بإبلاغ السلطات القضائية بأية حوادث تتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتوعية أفراد الشرطة بواجبهم في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وما يتصل بها من جرائم؛

  3. إصدار تعليماتٍ إلى جميع القائمين على تنفيذ القانون بأن للمواطنين كافةً الحق على قدم المساواة في التمتع بالحماية أمام القانون، وأن أية أدلة على وجود تمييز لأي سبب، بما في ذلك الوضع الاجتماعي، سوف تخضع لتحقيقٍ وافٍ وسوف يُعاقب المسؤولون عنه إذا ثبت أن الادعاءات تستند إلى حقائق؛

  4. تشجيع النقاش في أوساط الهيئات المكلفة بتنفيذ القانون بخصوص تأثير التراتب الهرمي للمجتمع الموريتاني على عملية تنفيذ القانون، وكيفية وضع خطط مستقبلية تستهدف القضاء على التمييز؛

  5. وضع وتنفيذ برامج تدريبية شاملة لجميع الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، بحيث تصاحب التغيرات القانونية التي تجعل العبودية وما يتصل بها من ممارسات جرائم حنائية.

0 9-2 توصيات إلى المجتمع الدولي

9-2-1 اتخاذ إجراءاتٍ على مستوى المنظمات الدولية والمنظمات الحكومية الدولية الإقليمية

ينبغي على المجتمع الدولي أن يشجع الحكومة الموريتانية على مواجهة مسألة العبودية بشكلٍ جلي، وذلك على سبيل المثال من خلال جميع الهيئات الحكومية الدولية، بما في ذلك الهيئات المعنية بالتنمية وبحقوق الإنسان، وبحث جميع آثار العبودية على المجتمع الموريتاني.

ويجب على وجه الخصوص أن تتخذ "اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" كل ما في وسعها من إجراءاتٍ لمتابعة التوصيات التي قدمتها إلى الحكومة الموريتانية في مايو/أيار 2000، والتي دعت فيها إلى تقييم وضع الممارسات المتعلقة بالعبودية وتبني استراتيجية لاستئصالها بشكلٍ كامل وباتٍ.قُدمت هذه التوصيات في اجتماع "اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب"، المنعقد في العاصمة الجزائرية في مايو/أيار 2000، والذي جاء عقب زيارةٍ قامت بها اللجنة إلى موريتانيا في يونيو/حزيران 1996، وانتهت فيها اللجنة إلى القول بأنه "لا يزال من الممكن العثور على أشخاص يُعتبرون عبيداً في بعض أجزاء البلاد". وقد طلبت اللجنة من الحكومة الموريتانية "فيما يتعلق بضحايا الممارسات المهينة، [يجب] إجراء تقييم لوضع هذه الممارسات في البلاد من أجل التعرف بدقة على الأسباب الراسخة لاستمرارها، ووضع استراتيجية تهدف إلى استئصالها بشكلٍ كاملٍ وباتٍ. [كما يجب] اتخاذ الإجراءات الإدارية الملائمة التي تكفل التنفيذ الفعال للمرسوم رقم 234-81، الصادر في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1981، بخصوص إلغاء العبودية في موريتانيا".

ومضت اللجنة تقول إنه "على الرغم من أن المرسوم رقم 234-81 الصادر في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1981 قد ألغى العبودية رسمياً في موريتانيا، فلم تتبعه إجراءات فعالة تهدف إلى استئصال العبودية في الممارسة الفعلية... وترى اللجنة أن الدولة مسؤولة عن التنفيذ الفعال للمرسوم، ومن ثم ضمان الحرية لجميع مواطنيها، وكذلك عن إجراء التحقيقات واتخاذ إجراءاتٍ قضائية ضد من يرتكبون انتهاكاتٍ للتشريعات الوطنية".

9-2-2 التعاون مع المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال مناهضة العبودية ودعم أنشطتها

من الضروري أن تحظى أنشطة المنظمات المعنية بحقوق الإنسان في موريتانيا بمزيدٍ من الدعم والتشجيع من جانب المجتمع الدولي. وينبغي على المجتمع الدولي، بالتعاون مع هيئات المجتمع المدني في موريتانيا، أن يبحث السبل الكفيلة باستئصال العبودية والممارسات الشبيهة بالعبودية وما يتصل بها من انتهاكاتٍ وتمييز، وأن يساعد في إنشاء آلياتٍ من أجل التعويض الكامل والعادل للضحايا، بما في ذلك التعويض المالي وإعادة التأهيل. ومن بين الإجراءات اللازمة في هذا الصدد:

  1. إجراء دراسة مسحية على عدد من الأطفال الذين يعملون في وظائف تنطوي على شكل من أشكال الاستغلال، أو يتعرضون للعبودية أو ما يشبه العبودية من ممارسات. ومن شأن المعلومات المستقاة من هذه الدراسة أن تكون أساساً لتحديد طبيعة ونطاق المشكلة وكذلك لتحديد سبل التعامل معها. ويجب أن يكون الهدف هو ضمان احترام المادة 32 من "اتفاقية حقوق الطفل" التي تحمي الأطفال من الاستغلال؛

  2. رصد مدى تطبيق القانون الذي اعتُمد حديثاً، وهو "قانون الأسرة"، للتأكد من أنه يعزز حقوق الأطفال والنساء، ولا سيما في الحالات التي تنطوي على مسائل تتعلق بالعبودية أو وضع العبيد.



الهوامش

Page 21 of 21